من أغرب محاكم هذا الزمان أن يُقال للإنسان: هذه أقوالك وذلك رأيك قبل عشر سنوات، فاثبت على ما قلت إلى الأبد وإلا فأنت متلوّن!
وكأن النضج تهمة، والمراجعة فضيحة، والجهل القديم عقدٌ أبدي…
العقل الذي لا يغيّر شيئا بعد عشر سنوات لم يكن ثابتا بالضرورة؛ ربما كان مغلقا فقط.
جون ماينارد كينز تُنسب إليه عبارة شهيرة بمعنى: حين تتغير الوقائع أغيّر رأيي، فماذا تفعل أنت؟
وهذه ليست انتهازية؛ الانتهازية أن تتغير مواقفك حين تتغير مصالحك، أما النضج فهو أن تتغير حين تتغير معرفتك.
وبينهما مسافة أخلاقية هائلة.
ومن جميل ما نُسب إلى أميز المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله في كتابه إلى أبي موسى الأشعري في القضاء:
"ولا يمنعنك قضاءٌ قضيتَه بالأمس، راجعتَ فيه نفسك وهُديتَ فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم"..
هذه وحدها تكفي جوابا على أرشيف كامل من تصيُّد الأخطاء…
الرجوع إلى الحق لم يكن عندهم فضيحة؛ الفضيحة أن تعرف الحق ثم يمنعك كبرياؤك من الرجوع إليه..
===
إحسان الفقيه
لمن ينبش التغريدات والمقالات القديمة..
هناك فرق بين أن تستخرج كلامًا قديما لتفهم رحلة إنسان، وأن تستخرجه لتلغي الرحلة كلها.
الأول باحث عن الحقيقة، والثاني حفّار قبور يبحث في جثمان رأي قديم عن سلاح يقتل به صاحبه الحي.
التغريدة القديمة دليل على ما كنتُ أفكر فيه يوم كتبتها، لا صك ملكية على عقلي حتى أموت.
ومن يحتج على إنسان اليوم بما راجعه بالأمس يشبه من يعرض صورة طفل ويقول للرجل: "أمسكت بك؛ كنتَ قصير القامة وكانت عيونك أكثر لمعانا" !
الأرشيف ذاكرة، وليس سجنا…
وأتعس الناس فكريا من يطالبك أن تبقى أسير نسختك القديمة فقط لكي تبقى اتهاماته الجديدة صحيحة..
==
إحسان الفقيه
@EHSANFAKEEH انتقاد بعض المواقف لا تعني العداء للمملكة ومن يتابعك يجد ان انتقادك لبعض سياساتها سابقاً كانت لأسباب لها سياقها وظروفها ومثل ذلك عند انتقادك لبعض سياسات الإخوان منهم من وضعك ضمن المعسكر المعادي لهم.
النتيجة لا تعتذري فالشخص الموضوعي والمنصف يعلم أن بوصلتك ليست خطب ود هذا ولا ذاك.
وجد بعض الإخوة السعوديين هذه الأيام تغريدات قديمة لي، كُتِبَت في زمن مختلف، وبوعي مختلف، وبنبرة أعترف اليوم بل واعترفتُ منذ عامين و قبل غيري أنها لم تعد تشبهني.....
أعادوها كمن يعثر على وثيقة إدانة.....
وهنا لم أشعر بالغضب بقدر ما شعرت بشيء من الحزن....
ليس لأنني أخجل مما كتبته، ولا لأنني سأدّعي أن حسابي سُرق، ولا لأنني سأقف أمام أرشيفي القديم لأقول: "هذه ليست أنا".... !
بل لأنها أنا فعلا ..
أنا التي كتبت...
وأنا التي تغيرت....
وأنا أيضا التي دفعت ثمن بعض ما كتبت.....
ولا أريد أن أمحو امرأة الأمس حتى تبدو امرأة اليوم بلا تاريخ؛ فالإنسان الذي لم يترك وراءه آراء تجاوزها، وأسئلةً صحّحها، ومواقف أعاد النظر فيها، ليس بالضرورة ثابتا على الحق… بل ربما لم يفكر بما يكفي أصلا.
لكن قبل أن تحاكموني بتغريدة أو بعشر، اسمحوا لي أن أطلب شيئا واحدا:
اقرؤوني كاملة..... !
لا تقطعوا عشر سنوات من العمر بمقصّ البحث في "إكس"، ثم تقدموا قصاصة واحدة إلى المحكمة....
ابحثوا أيضا عن الأيام التي دافعت فيها عن السعودية وعنكم حين كان الهجوم عليها وعليكم وأنتم قطعة من قلبي .. كان أسهل الطرق إلى التصفيق.
ابحثوا عما كتبته دفاعا عن كُل ما هو سعودي .. وكُل ما هو بدوي.. وكُل ما هو خليجي.. حين كانت الشتيمة الجماعية تُباع باسم السياسة.
وابحثوا عن مواقفي حين حاول البعض اختزال ثلاثين مليون إنسان في قرار سياسي، أو جريمة، أو مسؤول، أو حادثة....
كنت أنتقد بعض السياسات، نعم....
وفي الوقت نفسه كنت أرفض شيطنة السعودية....
ولم أر في الأمر تناقضا....
بل ما زلت أراه اليوم من أبسط قواعد العدل.....
فالذي يحبك حقا ليس من يقول لك إن وجهك جميل ولو رأى عليه جرحا.
والذي يكرهك ليس كل من قال: هنا جرح....
لقد علمنا القرآن قاعدة أكبر من السياسة ومن الخصومات كلها:
﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾....
وقال سبحانه:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
تأملوا جمال الميزان:
لم يقل الله عز وجل: اعدلوا مع من تحبون...
بل جعل امتحان العدل الحقيقي مع من نختلف معه ونغضب منه....
ولهذا تعلمت متأخرة أن الوطنية التي تمنعك من رؤية الخطأ ليست وطنية مكتملة، كما أن المعارضة التي تمنعك من رؤية الصواب ليست شجاعة....
كلاهما لون من ألوان الهوى....
وأقولها اليوم بلا مواربة:
أنا لست نادمة لأنني فكرت....
لكنني نادمة على مواضع كان يمكن أن أقول فيها ما أعتقده بطريقة أقل قسوة وأكثر حكمة...
هناك فرق هائل بين أن تتراجع عن الحق، وأن تتراجع عن الأسلوب الذي قلت به الحق....
وبين أن تغير بوصلتك، وأن تتعلم كيف تقرأ الخريطة....
كنت في بعض مراحل حياتي أظن أن ارتفاع الصوت دليل صدق....
ثم تعلمت أن الحقيقة لا تصبح أكثر حقيقة لأننا صرخنا بها....
وكنت أظن أن الكاتب الشجاع هو من يكسب أكبر عدد من الخصوم....
ثم أدركت أن الأشد شجاعة أحيانا هو من يستطيع أن يقول كلمة عادلة وسط جمهور يريد منه كلمة انتقام وعبارات فجور ....
وكنت أظن أن المعركة الفكرية تُقاس بكمية الحطام التي تتركها وراءها....
ثم اكتشفت أن بعض الانتصارات لا تترك خلفها إلا أرضا لا يستطيع أحد أن يعيش عليها....
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة"...
والنصيحة ليست شتيمة....
وليست تشهيرا .. وليست شماتة... كما أنها ليست تصفيقا دائما ولا تأييدا مُستمرا ..
فالذي لا يستطيع أن ينصح من يحب، لم يبلغ بعد مرتبة الحب الناضج....
وعندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"..
تعجب الصحابة من نصرة الظالم، فبين لهم أن نصره أن تمنعه من الظلم....
أي أن الإسلام نفسه نقل معنى "النصرة" من العصبية إلى الأخلاق....
فليس نصرك لمن تحب أن توافقه دائما ..
وأحيانا تكون أشد خيانة للإنسان أن ترى خطأه ثم تمدحه خوفا على مكانتك عنده...
وهذا ما تغير في داخلي خلال السنوات الماضية....
لم أصبح أقل اهتماما بالحق...
بل أصبحت أكثر خوفا من أن أخلطه بنفسي...
أصبحت أسأل قبل الكتابة:
هل أريد إصلاح شيء، أم أريد الانتصار على أحد؟
هل هذه الجملة ضرورية للحقيقة، أم ضرورية لغضبي؟
هل سأقول الكلام نفسه لو لم يكن هناك جمهور سيصفق لي؟
وهل سأكون عادلة لو كان المخطئ هو من أحب، والمصيب هو من أختلف معه؟
هذه الأسئلة هدمت داخلي كثيرا من الأصنام الصغيرة التي يصنعها الكاتب لنفسه ولا ينتبه إليها....
وأخطر تلك الأصنام الجمهور..... ومن يتباعني جيّدا يعلم مراحل حذري وتحذيري من سطوة الجمهور وسُمّ الهُتاف والتصفيق ...
فالجمهور يفسد صاحبه أحيانا بالطريقة نفسها التي تفسده بها السلطة....
السلطة تقول له: لا تقل ما يغضبني....
والجمهور يقول له: لا تقل ما يخالفني....
وفي الحالتين يصبح الكاتب موظفا...
مرة عند الحاكم، ومرة عند التصفيق....
وأنا لا أريد أن أكون موظفة عند أحد.....
أيها السعودي العزيز الكريم الذي يقرأ لي تغريدة قديمة ويغضب أو يُجامل الغاضب فيُشاركه الغضب مع علمه بكُل المراحل التي مررتُ بها ككاتبة…
غضبك مفهوم....
وربما لو كنتُ مكانك، ووجدت شخصا كتب يوما كلاما قاسيا ثقيلا عن بلدي، لشعرت بشيء من الألم أيضا....
فنحن لا نحب أوطاننا كخرائط....
نحبها كأمهات....
وحين يمس أحد أمك بكلمة، لا تستدعي داخلك أستاذ العلوم السياسية؛ يستيقظ الابن أولا ...
وأنا أحترم هذا فيك....
لكن لي عندك رجاء:
لا تحول حبك للسعودية إلى محكمة تمنع الناس من المراجعة....
لا تجعل وطنيتك أصغر من قدرتك على المغفرة.....
ولا تجعل تغريدة كتبتها امرأة قبل سنوات أهم عندك من آلاف الكلمات التي كتبتها بعد أن تعلمت ورأت وراجعت نفسها.....
ماذا عن كُل ما كتبت قبل ذلك بكثير .. هل قرأته أو راجعته أو تفكّرت به؟!
نحن المسلمون نؤمن أصلا بأن الإنسان يمكن أن يتحول في لحظة من حال إلى حال، وأن باب المراجعة مفتوح حتى آخر العمر....
فكيف نقبل توبة الإنسان من الذنوب ثم نرفض مراجعته للأفكار؟
ثم إنني لا أطلب منكم أن تحبوني....
هذه مسألة لا تُطلب....
ولا أريد أن أمسح أرشيفي كاملا حتى أشتري رضا أحد....
لأنني لو فعلت سأكون قد كذبت مرتين:
مرة حين كتبت ما اعتقدته يومها....
ومرة حين محوته اليوم متظاهرة أنني لم أكن تلك الإنسانة....
أريد لتغريداتي القديمة أن تبقى أحيانا إلا ما كان فيه إساءة لا تقبل عيوني قراءتها مُجددا..
لا أريد أن أمحو نُسختي القديمة .. لا لكي أتبنّى كُل ما قالت ووافقت ورفضت.
بل لكي أتذكر المسافة التي قطعتها.... فالندبة لا تعني أننا ما زلنا ننزف....
أحيانا تعني أننا شفينا....
ولمن يسألني: ما الذي غيرك؟
أقول: غيرتني الحياة.... غيرتني الخسارات.... غيرتني الكتب....
غيرتني الأيام التي اكتشفت فيها أن الصورة التي تصلنا عن بلد ليست البلد.
وأن الحكومة ليست الشعب....
وأن القرار السياسي ليس هوية أمة....
وأن الأمم أكبر من أخطاء حكوماتها، كما أن الحكومات ليست مجموعة شياطين كما يحب خطاب المعارضة الساذج أن يصورها....
غيرتني مشاهد رأيت فيها كيف تُبنى الدول بصعوبة شديدة، وكيف يمكن لفوضى واحدة أن تأكل حصيلة عقود....
غيرتني شعوب عربية كانت تظن أن المشكلة كلها في رأس الهرم، فلما سقط الرأس اكتشفت أن الدولة نفسها كانت تقف تحته.
ومنذ ذلك الوقت صرت أخاف من المفردات السهلة:
"أسقط" ..
"اهدم" ... "اقتلع" .. "طهّر" !
لأنني رأيت كم هي سهلة على لوحة المفاتيح، وكم هي باهظة في حياة البشر.
تعلمت أن الدولة ليست قصيدة غزل حتى نصفق لها دائما.
وليست شيطانا حتى نلعنها دائما....
هي بناء بشري شديد التعقيد؛ يصيب ويخطئ، يتقدم ويتعثر، ويحتاج إلى النقد كما يحتاج إلى الاستقرار.
ولهذا لا أرى تناقضا اليوم بين أن أحب السعودية وأحترم تجربتها وأدافع عنها ضد التشويه، وبين أن أختلف - إن اختلفت - مع جزئية أو سياسة أو خطاب....
كما لا أرى أن الأردني الذي ينتقد قرارا في الأردن أقل أردنية مني....
ولا التركي الذي يختلف مع حكومته أقل حبًا لتركيا....
الأوطان لا تُحمى بإلغاء العقل....
بل لعل أعظم ما تقدمه لوطنك أن تمنحه مواطنا لا يبيع ضميره لا للعداء ولا للولاء الأعمى....
وهنا أقول شيئا ربما يغضب المتعصبين من الطرفين:
كنت أظلم السعودية أحيانا حين قرأتها من خلال خصومها....
لكن بعض السعوديين يظلمونني اليوم بالطريقة نفسها:
يقرؤونني من خلال أقدم ما كتبته عنهم....
الطريقة واحدة....
نأخذ أسوأ لحظة في حياة إنسان، ثم نجعلها تعريفه الأبدي....
نفعل ذلك مع الدول والرموز ....ومع المفكرين... ومع الدعاة.... ومع أصدقائنا.
ومع أنفسنا أحيانا....
لكن الله الذي خلق الإنسان لم يعامله هكذا....
خلق له بابا اسمه العودة.... وبابا اسمه التوبة.... وبابا اسمه التصحيح.
وبابا اسمه:
﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾.
فإذا كان ميزان السماء يعرف التحول، فلماذا نصر نحن على تجميد الناس داخل نسخ قديمة من أنفسهم؟
وأعرف أن هناك من سيقول:
لقد تغيرت لأنها أصبحت تريد رضا السعودية.....
وهذا أيضا حقه أن يظن....
لكنني بلغت من العمر والوعي مرحلة لم أعد أستطيع أن أعيش فيها لإثبات براءتي من ظنون الناس....
كنت أدفع ثمن إرضائهم حين كنت أصرخ.... وأكتب بأسلوب لا يليق ..
ولن أدفع ثمن إرضائهم الآن وأنا أتعلم الحكمة والهدوء....
لو كان معياري التصفيق لبقيت حيث كان التصفيق أعلى...
فالتحول الحقيقي غالبا مكلف....
تفقد به جمهور الأمس قبل أن يثق بك جمهور الغد....
وتظل فترة واقفا بين ضفتين؛ يتهمك الذين تركتهم بالخيانة، ولا يزال الذين اقتربت منهم يشكون في نواياك.
وهذه، بالمناسبة، من أكثر الأماكن صدقًا في حياة الإنسان.
أن تقف وحدك قليلا.
لا يحميك جمهور.
ولا حزب.
ولا قبيلة إلكترونية.
وتقول:
هذا ما أراه اليوم حقا، فإن تبين لي غدا خطؤه سأغيره أيضا...
لا أريد أن أكون الكاتبة التي لم تغير رأيا أربعين عاما حتى يقال عنها ثابتة....
أريد أن أكون الإنسانة التي ظل لها مبدأ واحد:
أن تبحث عن الحق ولو اضطرت في الطريق أن تعتذر لنفسها عن بعض الطريق...
فالشافعي الذي نعرفه له قديم وجديد...
والفقهاء رجعوا عن مسائل....
والعلم كله قائم على أن المعرفة الجديدة قد تصحح المعرفة السابقة....
والمشكلة ليست أن تقول يوما: كنت مخطئا....
المشكلة أن تعرف أنك أخطأت ثم تكابر حتى لا يمنح خصمك نفسه لذة الانتصار...
أي انتصار هذا؟
أن تهزم الحقيقة حتى لا يهزمك أحد؟
أقول للسعودي الذي لا يزال يحمل في قلبه شيئا علي ويتداول كلاما لا يليق بأهل المروءة:
لا أطالبك بالنسيان....
احتفظ بالتغريدة....
لكن ضع إلى جوارها ما كتبته بعدها....
ضع نقدي إلى جوار دفاعي.... ومواقفي الشرسة التي كانت ولا زالت معك..
ضع غضبي القديم إلى جوار فهمي الجديد....
ثم احكم....
فالعدل ليس أن تختار الدليل الذي يدين من لا تحب....
العدل أن تجمع ملفه كله....
وأنا لا أريد منك أكثر من ذلك.....
وإن بقيت بعدها لا تحبني، فلا بأس....
لكن لا تظلمني.....
فأنا وأنت سنقف يوما أمام رب لا تخدعه "سكرين شوت" مقصوصة من سياقها، ولا ترند، ولا جمهور، ولا حملة إلكترونية....
رب يعلم لماذا كتبت....
ولماذا تغيرت....
وما الذي خبأه قلبي حين دافعت....
وحين انتقدت....
وحين ندمت......
وحين صمتُّ.....
السعودية ليست بالنسبة إلي تغريدة.
وليست مسؤولا.
وليست خلافًا سياسيا.
إنها ملايين الوجوه والبيوت والأمهات والآباء والشباب والأطفال، وتاريخ وجغرافيا وحرمان وحلم وخوف وفرح، وحرمين شريفين تهفو إليهما قلوبنا قبل أن نعرف شيئا عن السياسة أصلا.
ولهذا تعلمت أن الدول التي أحبها لا أختزلها في حكوماتها، والحكومات التي أحترمها لا أرفعها فوق النقد، والشعوب التي أختلف مع بعض أبنائها لا أضعهم جميعا في قفص واحد.
هذا هو النضج الذي وصلت إليه.....
وربما أصل بعد سنوات إلى نضج أكبر فأراجع بعض ما أكتبه اليوم أيضا.
وسأكون سعيدة بذلك.
فالإنسان الذي يصل إلى آخر عمره بالعقل نفسه الذي دخل به أول شبابه لم يحافظ على نفسه…
لقد فوّت عليها فرصة أن تنمو....
ولهذا، حين تعيدون اليوم نشر كلماتي القديمة، لن أهرب منها.....
سأقف بجوارها.....
سأنظر إلى إحسان التي كتبتها وأقول لها:
كنتِ غاضبة....
وفي مواضع كنتِ ساذجة ...
وفي مواضع كنتِ ظالمة.....
وفي مواضع كان الحق معك لكن طريقتك لم تكن جميلة....
تعالي....
لقد تعلمنا أشياء كثيرة منذ ذلك الوقت....
ثم سألتفت إلى السعودي الذي يغضب مني وأقول:
وأنت أيضا، لا أريد أن أهزمك....
ولا أريد أن أحرجك....
ولا أريد أن أجعلك تندم لأنك غضبت لوطنك....
أريد فقط أن تعرف أن المرأة التي تقرأ لها اليوم ليست صورة مجمدة داخل تغريدة عمرها سنوات....
لقد مشت طويلا منذ ذلك الوقت.
وتعثرت.
وتعلمت.
وفقدت أشياء.
وكبرت.
وفهمت أن العدل أثمن من الانتصار، وأن بناء الجسور أصعب وأشرف من حرقها، وأن الإنسان لا يصبح خائنا لماضيه حين ينضج؛ بل يصبح وفيّا للحقيقة التي كان يبحث عنها منذ البداية.
فإن وجدت في أرشيفي كلمة ظلمتكم بها، فلكم مني الاعتراف بأن الظلم لا يصبح حقا لأن صاحبه كان غاضبا.
وإن وجدت كلمة نقدت فيها ما كنت أراه خطأ، فلن أكذب اليوم وأقول إن مجرد النقد كان جريمة.
وبين الاثنين أقف الآن.
لا أطلب صك غفران.
ولا شهادة وطنية.
ولا مقعدا بين المصفقين.
أطلب شيئا واحدا فقط:
أن تقرؤوني بالميزان الذي أحب أن أقرأكم به: لا أختزلكم في خطأ، فلا تختزلوني في تغريدة.
فالقلوب الكبيرة لا تحتاج إلى ذاكرة قصيرة…
بل تحتاج إلى عدالة طويلة.
وربما يكون أجمل ما يمكن أن يحدث بين إنسانين اختلفا يوما، ألا ينتصر أحدهما على الآخر....
بل أن يلتقيا بعد سنوات أكثر فهما، فيكتشف كل منهما أنه كان يقاتل صورة ناقصة عن الآخر....
وحينها لا يحتاج أحد إلى الاعتذار عن الحب، ولا إلى الاعتذار عن النقد.
يكفي أن نقول:
سامحونا على ما ظلمناكم فيه، وافهمونا فيما اختلفنا معكم فيه، ودعونا جميعا نكبر بما يكفي حتى لا تتحول أوطاننا كما أحزابنا ورموزنا إلى أصنام، ولا خلافاتنا إلى أحقاد، ولا أرشيفاتنا إلى سجون نحكم فيها على الإنسان بالمؤبد لأنه تجرأ ذات يوم أن يتغير....
===
إحسان الفقيه
الحب يُعلّم ما لا تستطيع الأوامر تعليمه...
يمكنك أن تجبر إنسانا على أداء مهمة، لكنك لا تستطيع إجباره على الإبداع فيها.
الخوف يصنع موظفا يؤدي الحد الأدنى....
أما المعنى والحب والانتماء... فتصنع إنسانا يضيف من نفسه.
ولهذا كان النبي ﷺ يبني الناس بالرحمة قبل الأوامر:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾...
==
إذا لم تستطع شرح فكرتك ببساطة، راجع فهمك....
التعقيد ليس دائما علامة عمق....
أحيانا نختبئ خلف المصطلحات لأن الفكرة نفسها غير واضحة في أذهاننا...
العالم الحقيقي يستطيع النزول من برج المصطلح إلى أرض الإنسان العادي دون أن يبتذل المعرفة....
ولهذا كان من جوامع وصف الرسالة:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾....
العلم الذي لا يستطيع البيان قد يكون محفوظا، لكنه لم يتحول بعد إلى فهم....
==
لا تحاول حل المشكلة بالعقلية التي صنعتها....
بعض الناس يريد حياة جديدة بالأفكار القديمة نفسها....
يريد زواجا أفضل بالطريقة نفسها التي أفسدت زواجه...
ويريد مؤسسة مختلفة بالثقافة الإدارية نفسها التي دمّرتها....
ويريد دولة حديثة بعقلية العصبية والواسطة والمحسوبية.....
التغيير الحقيقي لا يبدأ بتبديل النتائج؛ بل بتغيير المقدمات التي تنتجها....
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.
==
تكرار الفشل بالطريقة نفسها ليس صبرا...
ليس كل إصرار فضيلة....
أحيانا يكون الانسحاب من طريقة فاشلة عين الحكمة...
أن تفعل الشيء نفسه عشرين مرة ثم تتوقع نتيجة مختلفة ليس ثباتا... إنه رفض للتعلم من الواقع والتجارب....
المؤمن لا يُلدغ من الجحر نفسه مرتين، لأن التجربة عنده ليست ألما فقط، بل معلومة....
===
السؤال اليوم: هل تخدم التكنولوجيا الإنسان أم تعيد تشكيله؟
لم تعد المسألة أن الآلة ستتفوق علينا في الحساب...
لقد فعلت ذلك منذ زمن...
السؤال الأخطر: ماذا يحدث حين تبدأ الخوارزميات في تحديد ما نقرأ، وما نشتري، وما نخاف منه، ومن نحب، وما الذي يغضبنا؟
نحن لم نعد نستخدم الشاشة فقط....
الشاشة تستخدم انتباهنا أيضا....
ولهذا أصبح الحفاظ على حرية الانتباه شكلا جديدا من أشكال الحرية الإنسانية....
==
القوة تكشف الأخلاق أكثر مما تصنعها...
امنح شخصا ضعيفا سلطة، وستعرف أحيانا من كان مختبئا داخله.
المال والسلطة والشهرة ليست دائما أدوات فساد؛ لكنها مُكبرات ...
تُكبّر ما في الإنسان...
ولهذا قال الله:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾.
المشكلة ليست أن تصبح قويا، بل أن تبقى إنسانا ...
عندما تستطيع أن تظلم ولا يستطيع أحد منعك...
==
البساطة نهاية رحلة طويلة من الفهم ...
السطحية بسيطة، والعبقرية أيضا قد تبدو بسيطة، لكن بينهما مسافة هائلة...
الأولى لا ترى التعقيد....
والثانية رأته وفهمته ثم أعادت ترتيبه....
==
اكتشف نفسك قبل أن يسمح السوق للآخرين بتصميمها...
العصر الحديث لا يبيعنا المنتجات فقط؛ بل يبيعنا نماذج جاهزة لما ينبغي أن نكونه.
كيف يجب أن يبدو جسدك؟
كم ينبغي أن يكون دخلك؟
أي سيارة تعني أنك ناجح؟
كم متابعا تحتاج حتى تشعر أنك مهم؟
وهكذا يتحول الإنسان إلى مشروع لإرضاء جمهور مجهول...
بينما القرآن يعيد معيار القيمة إلى مكان آخر:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾....
===
كثرة القراءة لا تعني كثرة التفكير
قد تقرأ ألف كتاب وتصبح مخزنا لأفكار الآخرين....
وقد تقرأ كتابا واحدا فيوقظ فيك عقلا جديدا...
المعرفة ليست كمية النصوص التي عبرت أمام عينيك، بل مقدار ما استطعت أن تفحصه، وتربطه، وتنقده، وتعيد إنتاجه....
===
من لم يخطئ غالبا لم يغامر بما يكفي....
كل تجربة جديدة تحمل احتمال الخطأ....
المشكلة ليست أن تخطئ....
المشكلة أن تدافع عن الخطأ بعد أن تعرفه لأن كبرياءك أصبح أغلى عليك من الحقيقة....
==
المعلم العظيم لا يملأ الرأس؛ بل يشعل فيه نار السؤال...
أفضل المعلمين ليس من يجعلك تحفظ إجاباته.....
بل من يجعلك بعد عشرين سنة قادرا على صناعة أسئلتك....
التعليم الذي يصنع نسخا متطابقة قد ينتج موظفين ممتازين، لكنه نادرا ما ينتج مُجددين....
==
من يخون الأمانة الصغيرة سيجد مبررا للخيانة الكبيرة....
الشخصية لا تُبنى فجأة في اللحظات الكبرى....
إنها تتكون من آلاف القرارات الصغيرة التي لا يراها أحد.
درهم لا تأخذه وليس لك...
كلمة لا تنقلها....
سر لا تفشيه....
وعد لا تخونه.....
ولهذا قال ﷺ:
«عليكم بالصدق… فإن الصدق يهدي إلى البر».
==
كل فكرة جديدة تدفع ضريبة غرابتها....
المجتمعات تحتاج إلى التقاليد كي تستقر، لكنها تحتاج أيضا إلى من يراجعها كي تتطور.....
ليس كل مُخالف عبقريا، كما أن ليس كل مألوف صحيحا.
والميزان ليس الغرابة ولا الشعبية....
الميزان هو الدليل.
==
التعليم الحقيقي هو ما يبقى عندما تنسى الامتحان
ما قيمة أن تحفظ تعريف العدالة ولا تعدل؟
أن تحفظ أحكام الأمانة ثم تخون؟
أن تحصل على أعلى الدرجات ولا تعرف كيف تواجه أزمة؟
التعليم الحقيقي يظهر في طريقة التفكير والسلوك واتخاذ القرار، لا في الورقة المعلقة على الجدار....
===
المنطق يرسم الطريق، والخيال يرى طريقا لم يكن موجودا....
كل اختراع كان قبل أن يصبح حقيقة شيئا غير موجود إلا في ذهن إنسان.
الطائرة كانت خيالا...
والهاتف الذكي كان خيالا....
والوصول إلى القمر كان خيالا....
لكن الخيال بلا علم أحلام، والعلم بلا خيال قد يصبح تكرارا.
العبقرية كثيرا ما تولد عندما يتزوج الانضباط بالدهشة....
==
الغضب قد يكون رسالة… لكنه مستشار سيئ....
ليس كل غضب جهلا؛ فالإنسان قد يغضب للظلم....
لكن المشكلة عندما ينتقل الغضب من شعور إلى قائد....
قال ﷺ:
"ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"...
القوة ليست ألا تغضب....
القوة ألا تمنح غضبك مفاتيح عقلك ولسانك....
==
الإبداع مُعدٍ ...
اجلس مع أصحاب المشاريع فتبدأ برؤية الفرص....
اجلس مع القراء فتتسع مكتبتك....
اجلس طويلا مع الساخطين على كل شيء، وقد يصبح العالم كله في عينيك خرابا...
البيئة ليست تفصيلا...
قال ﷺ: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل"..
==
المستقبل مهم، لكن لا تؤجل حياتك كلها وأنت تنظر إليه...
بعض الناس لا يعيشون....
يقولون: سأرتاح عندما أتخرج، ثم عندما أتزوج، ثم عندما أملك البيت، ثم عندما يكبر الأولاد، ثم عندما أتقاعد....
وفجأة يكتشف الإنسان أنه أمضى عمره في انتظار الحياة....
﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾....
==
ليست كل الاكتشافات بنت التفكير الخطي...
العقل يحتاج أحيانا إلى أن يبتعد عن الطريق المألوف...
ليس معنى ذلك إلغاء المنطق، بل السماح للخيال بتقديم احتمالات ثم إخضاعها للاختبار....
السؤال المختلف قد يكون أثمن من مائة إجابة محفوظة...
==
المعرفة تقول لك ما الموجود، والخيال يسأل: ماذا يمكن أن يوجد؟
المعرفة تحدد حدود الخريطة الحالية...
الخيال يتساءل عما وراء حدودها....
لكن أعظم الخيال ليس الهروب من الواقع، بل رؤية واقع ممكن لم يولد بعد.
==
كثير من المستحيلات كانت في البداية أفكارا مضحكة....
كل عصر يمتلك قائمة بما يعتقد أنه مستحيل....
ثم يأتي شخص لا يحترم القائمة بما يكفي....
لكن الجرأة وحدها لا تكفي؛ فالفارق بين الحالم والمبتكر أن الثاني يحول الحلم إلى فرضية وتجربة وعمل....
==
نحن لا نُخلق لأنفسنا وحدنا...
من أكبر أكاذيب ثقافة تطوير الذات الحديثة أنها تجعل الإنسان مركز الكون:
نجاحي، راحتي، ثروتي، صورتي، سعادتي....
لكن الإنسان لا يكتمل منفردا....
قال ﷺ: "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس".... بمعناه المشهور في باب فضل النفع والإحسان.
قيمة النجاح ليست فقط فيما جمعته، بل فيما أصبح العالم أفضل بوجودك فيه....
==
الطالب ليس إناء؛ إنه نار تنتظر شرارة....
التعليم الرديء يسأل: كم حفظ الطالب؟
والتعليم العظيم يسأل: ماذا أصبح هذا الطالب قادرا على أن يفعل بعقله؟
الفارق بينهما هو الفارق بين صناعة حافظ وصناعة إنسان....
==
لا تفقد نعمة الفضول...
الطفل يسأل عن كل شيء.....
ثم نكبر، ويبدأ بعضنا بالخجل من السؤال....
ومن هنا يبدأ موت جزء من العقل.....
الفضول قد يتفوق على الموهبة
كثيرون موهوبون ولم يصلوا.....
وكثيرون بدأوا بقدرات عادية، لكنهم امتلكوا سؤالا لم يتركهم ينامون.
الموهبة تعطيك بداية جيدة.....
أما الفضول والانضباط والصبر فقد يأخذونك إلى نهاية لم يتوقعها أحد.
==
العبقرية كثيرا ما تكون صبرا طويلا أمام المشكلة....
نحب قصة الاكتشاف المفاجئ لأنها رومانسية....
لكننا لا نرى آلاف الساعات التي سبقته....
نرى القمة ولا نرى الطريق....
وهكذا نفعل مع الناجحين جميعا: نقارن كواليس حياتنا بواجهة إنجازاتهم...
==
لا تجعل النجاح هدفك الوحيد؛ اجعل القيمة هدفك...
النجاح سؤال اجتماعي:
كم أصبحت مشهورا؟
كم تملك؟
إلى أي منصب وصلت؟
أما القيمة فسؤال أعمق:
ماذا أضفت؟
قد يكون إنسان مشهورا بلا قيمة، وقد يموت إنسان مجهول وقد ترك في عشرة أشخاص أثرا لا تمحوه السنوات....
قال تعالى:
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.
هذه ربما واحدة من أجمل معادلات النجاح في القرآن الكريم:
ما ينفع… يمكث.... أي يبقى ويرسخ .. وكُل ما عداه إلى زوال..
===
إحسان الفقيه
من يوميات كاتبة مُصابة بالوضوح
عن معاذ بن جبل ، رضي الله عنه ، قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا معاذ ، إن المؤمن يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه ، حتى عن كحل عينيه ، وعن فتات الطينة بإصبعيه ، فلا ألفينك تأتي يوم القيامة وأحد أسعد بما آتاك الله منك " .
د. حمد الكواري يكتب:
"العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد... أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟"
https://t.co/1G4FzR4Q4U
احترم الفرد… ولا تؤلّهه... وارفع شعار : "لا تقديس لأحد ولا تبخيس بأحد" ..
لكل إنسان خصوصيته وكرامته، ولكن لا أحد فوق الخطأ....
المشكلة تبدأ عندما يتحول احترام الأشخاص إلى تقديسهم؛ فنبُرر خطأ السياسي لأننا نحبه، وخطأ الشيخ لأننا نتبعه، وخطأ الكاتب لأننا معجبون به، وخطأ الأب لأننا أبناؤه.
الإسلام أغلق هذا الباب مبكرا حينما قال: "كل بني آدم خطّاء"
فاحترام الإنسان لا يعني إعفاءه من النقد، ومحبته لا تعني تعطيل العقل أمامه....
===
أخطر خسارة أن تربح العالم وتخسر ضميرك
هناك انتصارات تشبه الهزائم....
قد تربح منصبا لأنك سكتَّ عن باطل، أو مالا لأنك بعت مبدأ، أو جمهورا لأنك قلت ما يحب سماعه لا ما تعتقد أنه الحق.
لكن في داخلك محكمة لا تحتاج إلى قاضٍ...
القرآن يسميها:
﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾.
يمكنك أن تخدع جمهورا كاملا، لكن من الصعب أن تختبئ طويلًا من نفسك.
الأخلاق التي تحتاج دائما إلى شرطي ليست أخلاقا مكتملة....
إذا امتنع الإنسان عن السرقة فقط لأن هناك كاميرا، وعن الظلم فقط لأن هناك قانونا، وعن الخيانة فقط لأنه يخشى الفضيحة...
فهو لم يهزم الشر داخله؛ لقد خاف فقط من الكُلفة ودفع الثمن ...
هنا يأتي مفهوم الإحسان:
"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"...
إنه بناء رقيب داخلي لا يحتاج إلى كاميرا.
وهذا هو الفارق بين مجتمع تحرسه القوانين ومجتمع تحرسه أيضًا الضمائر.
==
قد نمتلك أفضل الوسائل… ونجهل إلى أين نذهب
هذه إحدى مفارقات عصرنا....
- لدينا أسرع وسائل الاتصال، لكننا أكثر وحدة.
- لدينا أكبر قدرة على الوصول إلى المعرفة، لكن الشائعة قد تنتصر على الحقيقة.
- لدينا تقنيات توفر الوقت، ثم نشكو أننا لا نملك وقتا.
المشكلة أحيانا ليست في نقص الوسائل، بل في ضياع الغاية....
ولهذا كان السؤال القرآني أعمق من سؤال: ماذا تملك؟
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾....
===
إحسان الفقيه
مخاوف صهيونية
==
تنظر فئات من الناس إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي على أنها القوة المتماسكة التي لا تُقهر، والتي تمتلك أدوات السيطرة في الشرق الأوسط، والأقدر على خوض الصراعات ومد النفوذ والتأثير دون منازع.
هذه النظرة المغالية للكيان الإسرائيلي تتجاوز حقيقة هامة، قد تناولها العالم الموسوعي الراحل عبد الوهاب المسيري، وهي أن دولة الاحتلال قائمة على أمرين اثنين: الغياب العربي والدعم الأمريكي، فقوتها ليست ذاتية، وإنما تستمد بقاءها من الدعم الأمريكي المفتوح، ومن غياب وحدة الكلمة العربية.
الداخل الإسرائيلي هش، خلافًا لما يتصوره الكثيرون، والإسرائيليون يعيشون تحت ضغط هواجس الزوال والانهيار، لأسباب سياسية واجتماعية وبنيوية وأخرى نبوءاتية.
تستند التوقعات بزوال دولة الاحتلال على كونها دولة وظيفية، أنشأها الاستعمار لتحول دون قيام وحدة عربية وإسلامية في الشرق الأوسط، وتقوم بعزل عرب آسيا عن عرب إفريقيا، ورعاية المصالح الغربية في المنطقة، وبناء على ذلك تتعرض هذه الدولة لخطر التآكل بصمود واستمرار المقاومة من قبل أصحاب الحق والأرض.
مصير الزوال واقتراب النهاية لدولة الاحتلال، حديث شائع في الأوساط الدينية والسياسية الصهيونية داخل وخارج فلسطين المحتلة، حتى أن هنري كسينجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق وهو يهودي من أصل ألماني، تنسب إليه تصريحات تتحدث عن الزوال القريب لدولة إسرائيل.
في كتابها الموسوم بـ "وجه المرآة"، عددت الكاتبة ياعيل موشي ديان، ابنة وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشي ديان، العوامل المنذرة بتفكك المجتمع الإسرائيلي، فتقول: "ما بين التصدع القومي والتصدع الديني والطائفي والطبقي، تتشكل عوامل انهيار دولة إسرائيل في المستقبل، أو على أقل تقدير دخولها في دوامات الصراع الداخلي".
ويعزز هذه المخاوف لدى الإسرائيليين، التناحر بين الطوائف الدينية من جهة، والنخب الثقافية والكيانات السياسية من جهة أخرى، وتفاقم العنصرية، وهيمنة اليمين المتطرف الذي لا يؤمن سوى بالبندقية، ويرفض التسويات السلمية.
وأشد ما يتهدد بقاء دولة الاحتلال، هو الهجرة العكسية المتنامية بسبب المخاوف من المقاومة الفلسطينية، والسياسات العدائية للحكومة المتطرفة والتي تجعل من دولة الاحتلال مطوقة بعداء الشعوب المجاورة.
تتفاقم مخاوف الهجرة العكسية نظرًا لأن الجيل الحالي من الإسرائيليين - والذي تشكل بعيدًا عن جيل التأسيس وثقافته الصهيونية الراسخة – جيل لا يعبأ بالقيم التي أرساها المؤسسون، بل ينصب اهتمامه على الاستهلاك والرفاهية، والتي ترهن وجوده بمدى قدرة حكومة الاحتلال على احتواء تطلعاته المعيشية.
الهواجس الضاغطة على الإسرائيليين بالزوال الوشيك لدولتهم، تتعلق كذلك بسبب نبوءاتي، ضمن ما يسمى بلعنة العقد الثامن التي يؤمن بها كثير من الإسرائيليين، وهو مصطلح يشير إلى زوال دولة إسرائيل في عقدها الثامن، استنادًا إلى أن الممالك اليهودية القديمة زالت أو بدأت في التفكك في عقدها الثامن.
رئيس الوزراء السابق إيهود باراك صرح قبل سنوات في مقال له على صحيفة يديعوت أحرونوت بمخاوفه من زوال دولة إسرائيل في غضون سنوات وهو ما يوافق بلوغها العقد الثامن.
أما رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، فقد اعرب في تصريح له قبل تسع سنوات عن مخاوفه من عدم وصول دولته إلى المئوية بسبب هذه العقدة، وأطلق وعده بأنه سيعمل جاهدا ليتخطى بدولة إسرائيل هذه العقدة.
لدى الإسرائيليين شعور بالخطر المستمر، كنتيجة لعملية السطو التاريخي التي قاموا بها في الأراضي الفلسطينية، والصورة الذهنية التي تكونت لدى شعوب العالم بأنهم يمثلون شعبًا لقيطًا تم جمعه من أصقاع الأرض ليسلب أرض فلسطين.
نتيجة لوجودهم في البيئة العربية اللافظة لمشروعهم، تستبد بهم الهواجس الأمنية، فحالهم كما قال الله تعالى في كتابه الكريم (يحسبون كل صيحة عليهم).
هذا الاضطراب المستمر والقلق الدائم يقتل الشعور بالاستقرار ويحد من ثبات الهوية، ويبدد مع الوقت مشاعر الانتماء، وهو بلا شك مسمار يدق في نعش دولة الاحتلال.
الحديث الراهن عن دولة الاحتلال ليس عن احتمال الانهيار، وإنما يدور عن وقت الانهيار.
==
احسان الفقيه
https://t.co/t85EMgxXpc
نحن لا نحتاج إلى مزيد من المعلومات بقدر ما نحتاج إلى عقول تعرف ماذا تفعل بالمعلومات....
تلك، ربما، هي المعضلة الكبرى في عصرنا....
نعيش في زمن يستطيع فيه الإنسان أن يحمل مكتبة العالم في هاتفه، وأن يصل إلى المعرفة في ثوانٍ، ثم يبقى عاجزا عن فهم نفسه، أسيرا لعاداته، مكررا لأخطائه، خائفا من سؤال واحد قد يهدم بناء كاملا من الأوهام.
من أخطر الأوهام أن يظن الإنسان أن التعليم مرحلة تنتهي بالشهادة....
المدرسة قد تمنحك مفاتيح القراءة، والجامعة قد تمنحك تخصصا، لكن الحياة هي التي تختبر إن كنت قد تعلمت حقا.
هناك من يتخرج في العشرين ثم يعيش الأربعين سنة التالية بالعقل نفسه....
يكبر عمره، ولا يكبر وعيه... ولهذا جاء أول أمر في الوحي:
﴿اقْرَأْ﴾
ثم جاء الدعاء الذي لم يُطلب من النبي ﷺ أن يستزيد من شيء بمثله:
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
التعلُّم الحقيقي ليس جمع المعلومات، بل السماح للحقيقة بأن تغيّرك...
أما الماضي الصعب .. فاجعله مُعلّما لك لا سجنا...
الماضي مدرسة رائعة ، لكنه منزل سيئ للإقامة....
تعلم منه، ولا تسكن فيه....
والحاضر ليس غرفة انتظار للمستقبل....
والإنسان الناضج يستطيع أن يقول: أخطأت بالأمس، لكن خطئي ليس هويتي الأبدية.
﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾...
==
إحسان الفقيه
تعلّم قواعد اللعبة قبل أن تحاول التغيير !
الثورة على شيء لا تفهمه ليست شجاعة....
والإبداع في مجال لم تتعلم أصوله قد يكون مجرد فوضى....
أتقن القاعدة أولا....
ثم اعرف أين يمكن كسرها.....
لا تحاكم السمكة لعدم قدرتها على تسلق الشجرة...
هذه العبارة الشهيرة تُنسب خطأً إلى أينشتاين، لكن معناها يستحق التأمل.
كم طفلا قيل له إنه غبي لأنه لم يتفوق في نوع واحد من الاختبارات؟
كم موظفا ظُن أنه فاشل لأنه وُضِعَ في المكان الخطأ؟!
العدل ليس أن نعطي الجميع المهمة نفسها، بل أن نفهم اختلاف الاستعدادات.
قال ربّ العزّة: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾.
==
الغموض ليس عدو العقل دائما
بعض أجمل الأسئلة هي التي لم نجد لها إجابة بعد....
الغموض هو المسافة بين ما نعرفه وما نريد معرفته....
ومن هذه المسافة وُلد العلم والفلسفة والفن....
لكن المؤمن يضيف إليها معنى آخر: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
كلما اتسعت المعرفة اتسع معها إدراكنا لحجم ما نجهل....
===
الشر لا يحتاج دائما إلى جيش من الأشرار... أحيانا يكفيه عدد كبير من الطيبين الصامتين.
ظلمٌ يستمر لأن الشهود خافوا....
فساد يتمدد لأن الجميع قال: وما شأني أنا؟
شائعة تدمر إنسانا لأن الآلاف أعادوا نشرها دون تثبُّت...
ولهذا لم يجعل القرآن المسؤولية في فعل الشر وحده، بل قال:
﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
وفي الحديث: «من رأى منكم منكرًا فليغيره…»
الصمت ليس دائما حيادا...
أحيانا يكون البيئة التي يحتاجها الظلم كي يعيش.....
==
أنت لا ترى العالم كما هو فقط؛ تراه أيضًا كما هو أنت على الحقيقة...
شخصان يمران بالتجربة نفسها...
أحدهما يرى نهاية....
والآخر يرى بداية.....
الحدث واحد، لكن المعنى الذي أعطاه كل منهما للحدث مختلف.
لهذا فإن تغيير التفكير لا يغيّر قوانين الكون، لكنه يغير الطريقة التي نتحرك بها داخله.
==
اربط حياتك بمعنى أكبر من الأشياء والأشخاص....
من جعل سعادته كلها في شخص، انهار إذا غادر....
ومن جعلها في المال، ارتعب كلما خسره....
ومن جعلها في الشهرة، أصبح عبدا للهُتاف ولتصفيق الجمهور....
أما الهدف الأسمى فيمنح الحياة عمودا فقريا ويُشعل منارة أو شُعلة من المنظومة القيمية التي لا حياد عنها ولا تجاوُز ..
وفي التصور الإسلامي تصبح الغاية أوسع من كل غاية:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وحين يكون المعنى أكبر منك، تستطيع احتمال أشياء كانت ستكسرك لو كنت أنت مركز القصة كلها...
==
في قلب الفوضى قد تختبئ بداية النظام ...
الحياة لا تقدم الفرص دائمًا في صناديق جميلة....
بعض الفرص تأتي متنكرة في هيئة خسارة....
- وظيفة تفقدها فتدفعك إلى مشروعك....
- باب يغلق في وجهك فيمنعك من طريق كان سيؤذيك....
- أزمة تكشف لك أصدقاءك.
- مرض أو محنة يعيدان ترتيب أولوياتك....
- وفشل يسقط عنك وهما كنت ستبني عليه عشر سنوات أخرى....
** وهنا يلتقي المعنى الإنساني بمعنى قرآني بالغ العمق:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
ليس معنى ذلك أن كل ألم جميل، ولا أن كل خسارة مكسب...
بل يعني أننا لا نرى القصة كاملة ونحن داخل فصل واحد منها.
الإنسان الذي لا يتغير… يتقادم...
هي ليست كلمات في تطوير الذات بالمفهوم الذي حوّلته بعض صناعة التنمية البشرية إلى شعارات من نوع: فكر بإيجابية، ابتسم، وستفتح لك الحياة أبوابها.
الحياة أعقد من ذلك....
قد تكون إيجابيًا وتفشل.... وقد تكون صالحًا وتُبتلى.
وقد تعمل بجد ولا تصل في الوقت الذي أردته.
وقد يسبقك من هو أقل منك كفاءة لأن الحياة ليست معادلة حسابية عادلة في كل لحظة....
لكن هناك شيئا تستطيع امتلاكه حتى عندما لا تمتلك النتائج:
-طريقة استجابتك لها.... يمكنك أن تجعل الفشل معلومة.
والألم معرفة.... والخسارة إعادة ترتيب.
والنجاح مسؤولية..... والعلم تواضعا
والقوة والمنصب عدلا .. والمال وسيلة... والشهرة امتحانا.
والعمر رحلة مستمرة في اكتشاف نفسك وقدرة ربّك والعالم.
وأخطر ما قد يحدث للإنسان ليس أن يكتشف أنه كان مخطئا....
بل أن يعيش عمرا كاملا وهو يخشى اكتشاف ذلك.....
فالعقل الذي لا يراجع نفسه يتحول مع الزمن من أداة لمعرفة الحقيقة إلى محامٍ بارع يدافع عن أخطائه.
ولهذا لم يكن التجدد في الإسلام خيانة للماضي، بل عودة مستمرة إلى الحق؛ ولم تكن الحكمة أن تتمسك بكل ما كنت تعتقده، وإنما أن تكون شجاعا بما يكفي لتقول عندما يتبين لك الصواب:
كنت مخطئا....
وتلك الجملة القصيرة قد تحتاج من الشجاعة أكثر مما تحتاجه خطبة كاملة.
فلا تجعل غايتك أن تموت وأنت تحمل الأفكار نفسها التي ولدت بها.
ولا أن تنتصر في كل نقاش....
ولا أن يصفق لك الجميع....
بل اجعل غايتك أن تصبح، كلما تقدمت بك الأيام، أكثر علما وأقل غرورا، أكثر قوة وأقل ظلما، أكثر نجاحا وأقل عبودية للنجاح، أكثر اختلافا وأقل احتقارا للمختلف، وأكثر قربا من الله كلما ازددت معرفة بهذا الكون.
فالكون الذي أبهر العلماء بقوانينه، يضع المؤمن أمام سؤال أعمق من القانون نفسه:
من الذي أودع فيه هذا النظام؟
والعقل الذي يستطيع أن يقرأ شيئا من أسرار المجرات، جدير به ألا يعجز عن قراءة نفسه.
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
وربما هنا تبدأ الحكمة الحقيقية:
- أن تنظر إلى الآفاق فتتعلم العلم ...
وأن تنظر إلى نفسك فتتعلم التواضع ..
وأن تنظر إلى الحياة فتتعلم العمل...
وأن تنظر إلى الموت فتتعلم ترتيب الأولويات...
ثم تنظر إلى الله الذي ليس كمثله شيء …
فتعرف لماذا كان لكل ذلك معنى....
===
إحسان الفقيه
@hussein19_issam اولا الشيخ عدنان ينتمي إلى حزب تقدم برئاسة السيد الحلبوسي ثانيا نسأل الله أن يبتلي كل من يحول او يريد او يتمنى عدم عودة سكان هذه المدينة بإن يتهجر من داره ويُهدم ويمنع من العودة إليها حتى يشعر بما يشعر به أولئك ثالثا واخيرا سيرجع أهالي المدينة قريبا ان شاءالله
@Saif_almuhana نهايته أسوأ من نهايتهم وعلى يد من استقوى بهم على إخوته من ممثلي المكون السني وان كنا نختلف معهم واكثرهم فرط بحقوق المكون ..
سيذوق من نفس الكأس ولن يجد له ديوان ليجلس به ... وتذكر كلامي .
صلاح في الدوري التركي… صفقة تتجاوز حدود الرياضة
==
لم تعد رياضة كرة القدم مجرد تنافس بين فريقين في المستطيل الأخضر يستمتع به الجمهور، وإنما تجاوزت هذه القيمة لتصبح واحدة من أبرز أدوات القوة الناعمة، وتتقاطع وتتداخل بقوة مع السياسة والاقتصاد، وصار يُنظر إلى اللاعبين المتميزين على أنهم ثروة قومية.
تابع العالم أجمع ذلك الانتقال الأسطوري للاعب المصري الشهير محمد صلاح إلى نادي طرابزون التركي، سبقه تناول إعلامي واسع النطاق عن الجهة المحتملة للنجم العربي، بعد أن أنهى مسيرته مع نادي ليفربول الإنكليزي.
لم يكن أحد حتى اللاعب نفسه، يتوقع ذلك الاستقبال من قبل جماهير ولاية طرابزون، ولا بذلك الاهتمام الإعلامي، بل على صعيد الرموز الرسمية للدولة، فقد كان استقباله استقبال الفاتحين.
وصول صلاح إلى الدوري التركي، لا أنظر إليه باعتباره صفقة رياضية لنادي طرابزون، لكنه يتخطى هذا التوصيف، إلى كونه صفقة للدولة التركية نفسها، تستثمره كقوة ناعمة في مجال السياحة والتسويق وصناعة الصورة، وجذب اهتمام العالم العربي والغربي. لا أجزم أنه كانت هناك تحركات على مستوى القيادة السياسية لإتمام الصفقة، ولكن لا شك في أن تركيا أمام أرباح وفوائد محتملة جمة بدأت إرهاصاتها فور الإعلان عن الصفقة. لنا أن نتخيل صورة الدوري التركي بعد ضم أحد أبرز مشاهير اللعبة، ففي مصر 120 مليون مصري، معظمهم كانوا يشجعون نادي ليفربول الإنكليزي، فقط لأن صلاح يلعب لصالحه، وهناك ملايين من العرب كذلك كانوا يشجعون ليفربول للسبب نفسه، بل من الشعوب الأجنبية نفسها، هؤلاء جميعا من المنتظر أن ينتقل اهتمامهم، أو اهتمام أعداد كبيرة منهم إلى متابعة الدوري التركي، خاصة أنه من المنتظر أن يكون اللاعب بداية لتوافد لاعبين ذوي شهرة عالمية، على غرار تجربة اللاعب البرتغالي كريستيانو رونالدو في الدوري السعودي، ما جعله من الدوريات القوية المعروفة على الساحة. من الخطأ الظن أن الاهتمام سوف يتحول إلى نطاق المستطيل الأخضر، فالهوس الكروي لشعوب العالم سوف يحول انتباههم واهتمامهم إلى اللغة التركية، والعادات التركية، والثقافة التركية، والفن التركي، وسيكون بمثابة نافذة على الحياة التركية خاصة السياحة، التي ينظر إلى أنها سوف تنشط بصورة قوية في ولاية طرابزون التركية خاصة.
وهذا بالضبط ما يجعل صلاح قوة ناعمة محتملة لتركيا، فالجماهير المصرية والعربية التي ستتابع مبارياته، ستتابع بالضرورة مدينة طرابزون، والمشاهد الذي لم يكن يعرف شيئا عن البحر الأسود، قد يبدأ البحث عن المدينة. والمشجع الذي لم يكن يتابع الدوري التركي قد يجد نفسه يتابع مبارياته. والمتابع الذي كان يعرف تركيا من إسطنبول وأنطاليا قد يضيف طرابزون إلى خريطته الذهنية.
إنها عملية تسويق غير مباشرة، لكنها في عصر الاقتصاد الرقمي أكثر أهمية من الإعلانات التقليدية. اللاعب العالمي لم يعد مجرد لاعب؛ إنه منصة توزيع إعلامية متنقلة. كل صورة له بالقميص التركي، وكل منشور على حساباته، وكل هدف، وكل مقابلة، وكل رحلة يخوضها مع فريقه، يمكن أن تتحول إلى محتوى عالمي يحمل اسم النادي والمدينة والبلد.
الثقافة التركية التي تسعى تركيا لتصديرها في المحيط العربي، والصورة الذهنية التي تريد أن ترسمها في الوجدان العربي، استنادًا إلى العوامل الدينية والتاريخية، سوف تسهم في صناعتها هذه الصفقة وبقوة.
تركيا تعرف جيدا قيمة كرة القدم كأداة لتوسيع الحضور الثقافي. كرة القدم التركية ليست مجرد صناعة رياضية محلية؛ إنها قناة اتصال مع ملايين المشاهدين في العالم العربي والبلقان والقوقاز وآسيا الوسطى وأوروبا.
وعلى الرغم من أن أندية تركيا أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على جذب نجوم عالميين وتحويل صفقات اللاعبين إلى أحداث إعلامية تتجاوز حدود الدوري، إلا أن محمد صلاح يضيف شيئا مختلفا، فهو شخصية عربية ذات تأثير استثنائي في الغرب وفي العالم الإسلامي وفي إفريقيا، ولذلك فإن وجوده في تركيا يفتح أمام البلاد مساحة رمزية واسعة، خصوصا أن تركيا تسعى منذ سنوات إلى تثبيت نفسها كقوة إقليمية قادرة على مخاطبة الشرق والغرب في آن واحد. وتزداد قيمة هذه المعادلة لأن تركيا تقدم نفسها كاقتصاد سياحي وتجاري وثقافي يريد الوصول إلى الأسواق العربية. وصلاح بحكم مسيرته وجمهوره، يقف عند نقطة تقاطع بين هذه الأسواق، ومن ثم فإن الاستثمار في حضوره يمكن أن تكون له قيمة تسويقية أوسع من حدود كرة القدم نفسها.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الاهتمام السياسي بالصفقة، الذي ظهر في اهتمام رئيس بلدية أراكلي التابعة لولاية طرابزون الذي اقترح على اللاعب الحصول على قطعة أرض لتكون ملاذا مستقبليا له من متاعب الاحتباس الحراري، إضافة إلى تصريحات من قبل وزراء عن انتقال صلاح إلى الدوري التركي، ولم يكن السفير التركي بمصر بمعزل عن هذا الحدث، والذي علق على الاستقبال الحافل لصلاح في تركيا، وأنه يعكس التقارب الثقافي والإنساني بين البلدين.
تركيا تراهن على ما هو أكثر من قدم صلاح اليسرى وأهدافه، بل تراهن على أن يكون جزءا من معادلة أوسع في استخدام الرياضة لتعزيز المكانة الدولية وصناعة الصورة، وعلى ما يمثله وزن اللاعب في المدرجات، وعلى ملايين المشاهدات، التي ستعيد اكتشاف ولاية طرابزون، التي اختفت وراء بريق إسطنبول، وعلى الأسواق التي يمكن أن يصل إليها اسم اللاعب قبل أن تصل إليها أي حملة تسويقية تقليدية، وعلى قدرة كرة القدم مرة أخرى على القيام بما تعجز السياسة والاقتصاد أحيانا عن فعله: خلق علاقة عاطفية مباشرة بين الناس والمكان.
قد يرى البعض في هذا الطرح مبالغة في قيمة اللاعب، وأنا هنا لا علاقة لي بالمستوى الفني، وإنما أنطلق من قراءة واقعية لتأثير كرة القدم، خاصة إذا كان اللاعب بهذا الحجم وبهذه الشهرة، إلى الحد الذي جعله من معرفات وطنه مصر تماما كأهراماتها ونيلها.
==
احسان الفقيه
https://t.co/hSZAumfOmg
@EHSANFAKEEH احسان طالما عملتي وكتبتي من اجل ان يحصل هذا الأمر..
انا واثق انك من اشد الناس فرحا بهذا المشهد الذي يثلج صدر كل مسلم .
نسأل الله أن يديم وحدة الامة التي هو من أعظم أسباب عزتها.