د.محمد عاطف السقا تتلمذ في حمص على يد أشهر مشايخها و حصل على ماجستير في طب الأطفال في القاهرة و عمل طبيبا في جدة و كان شغله الشاغل حفظ القرآن الكريم وتدبرمعانيه
(166)
ولو أنهم خالفوا النفس والهوى والشيطان وأتوا الله بقلب سليم وخطُوا الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح والاختيار السليم الحق لوجدوا الله توابا رحيما وهادياً مُعيناً ولرجع إليهم النور.
فهم لا يرجعون إلى السمع والنطق والبصر إلا إذا رجع إليهم نور البلاغ المبين الذي ذهب عنهم وفقدوه.
(165)
"فهم لا يَرْجِعون"
مهما تكرر فيهم البلاغ و سواء عليهم أأنذرتهم مرَّة أو سبعين مرَّة فالنتيجة واحدة و هي أنهم لا يرجعون ولا يؤمنون، فالعيب ليس في البلاغ ولا في الحواس والقدرات، بل في غياب النور الذي حُرِموه بسبب سوء اختيارهم إذ اختاروا الكفر والظلم والتكبُّر والكذب والخداع.
(164)
و ذكر البُكم عقب الصمّ لأن عدم السماع يؤدي بالضرورة إلى تعطل الكلام.
والصم هنا مكتسب وكذلك البُكم، فلا يستطيع من تحدثت عنه الآيات أن يتكلم بالحق إذ هو يسد أذنيه عنه.
ونفهم في هذا السياق أن هناك صفات يمتلكها الإنسان يمكن أن تدخل في إرادته وحينها تصبح محلّ مسؤولية و محاسبة.
(163)
صمُّ بكم عمي عن سماع ونطق وإبصار الحق والخير والنفع. ولقد عددت الآية الكريمة الصفات الثلاث الرئيسة المتعلقة بحواس الاستقبال ورتَّبتها حسب الأهمية في هذا الشأن، فالترتيب هنا يتعلق بتوالي هذه الحواس في التفاعل مع العالم الخارجي.
فالسمع هو أولها في التواصل ثم النطق ثم النظر.
(162)
"صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ فهم لا يرجعون"
هنا تعقيبٌ من المولى عز وجلّ على حال أولئك الصنف من الناس وما انتهوا إليه نتيجة سوء اختيارهم وصدِّهم وإعراضهم عن نور البلاغ، هذا الإعراض الذي يفقد الإنسان بسببه القدرة على اختيار الصواب والتمييز بين النافع والضار والخير والشر والحق والباطل.
(161)
و هكذا فكما أن هناك نورا في الظاهر لا تُرى الأشياء للعين السليمة بدونه، فإن هناك نورا في الباطن لا تُفقه معاني الأشياء للبصيرة بدونه في قوله تعالى "يهدي به الله من اتبع رضوانه سُبُل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهِم إلى صراطٍ مستقيم".
وكلا النورين من الله.
(160)
"وتركهم في ظلمات لا يُبصِرون"
والبصر في اللغة يدل على وضوح الشيء مع برهانه ودليله.
لقد فقد الذين اتبعوا أهواءهم عن الحق هذا البصر و هدايته بعد أن تركهم الله في ظلماتهم تائهون.
و هنا لم يقل (لا يرون) لأن الرؤية لا تقتضي الوضوح والصواب، فالذي يرى الأشياء لا يبصرها بالضرورة.
(159)
"وتركهم في ظلمات لا يُبصرون"
أي خلاهم على ما كانوا فيه من ظلام نفوسهم الخبيثة من كفر و خداع و كذب و تكبُّر و بطر..، وظلام فقد حواسّهم لإدراك معاني الأشياء على حقيقتها.
فدلّ على أن مصدر كل خيرٍ ونور هو من الله وحده وأنَّ الإنسان إذا تركه الله فهو ضال لا خير فيه و لا نور له.
(158)
وفي قوله تعالى:"ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون"
تأكيد على حال من ذهب الله بنوره، حيث لا ولن يجد في الوجود مصدرا آخر للنور.
إن المانع للإبصار في حالهم هذا هو الظلمة التي لا ينفذ خلالها النور وليس شيئا آخر. وعندما يحل الظلام يكون عدم انجلائه مانعا للإبصار بالضرورة.
(157)
"وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"
الله تعالى عزيز متكبر غنيّ، لا يضره من كفر ولا ينفعه من شكر، إنما هي أعمالهم وما جنت أيديهم يحاسبهم عليها جزاءا لمن كفر و إحسانا لمن شكر في عدل إلهي و حكمة ربانية، "...ومَن يَشكُرْ فإنما يَشْكرُ لنفسِه ومن كفر فإن الله غنيٌّ حميد".
(156)
ومن أعرض عن الله أعرض الله عنه وتركه لنفسه، ومن أقبل على الله أقبل الله إليه و أضاء له نورا، ومن شكر شكرَ الله له، ومن كفر ضيَّع النعمة، ومن ضيَّع نعمة الله لم يجد في الكون من يُنعِم عليه، ومن لا نعمة له لا حظَّ له في الخير ومن لا حظَّ له فسيتوجه لا محالة إلى الشر و الشقاء.
(155)
لماذا ذهب الله بنورهم؟
إن أكرم نعمة أنعمها الله على مخلوق هي صفة الاختيار للإنسان، وإن أعظم النعم عليه هي نور البلاغ،والذي عندنا أضاء لهؤلاء إذ طلبوه فوجدوه فمٌلِّكوه، لم يلق في قلوبهم حين لامسها منفذا ووجد قلوبا مغمورة بالمعتقدات الباطلة والشهوات المسيطرة والأهواء الفاسدة.
(154)
أليس هو الله الذي بنور هديه أضاء هذا الكتاب المنير وأضاء النور العظيم لرسوله الكريم(ص)والذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وبينها لصحابته وأمته،"يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا"،"وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان.."
(153)
ومن أوجد الأشياء ذات الدلالة؟ ومن أوجد الوالدين و أمانهما؟ و من أوجد ذلك التسلسل المحكم للإنسان الذي ينتهي إلى آدم أبي البشر و المعلم الأول؟ فمن أضاء لآدم دربه و من الذي علمه الأسماء كلها و بنوره أضاء له مدلولاتها وفقه معانيها؟
ومن الذي أنزل البلاغ المبين و أرسل به رسله؟...
(152)
ذلك أنَّ الخالق الكريم هو المصدر الأوحد لكل شيء في الوجود، فلو رجعنا بالتسلسل إلى اصل كل بذرة تشكلت منها الأشياء والصفات لم نجد لنشأتها مصدرا إلا الله، فمن خلق حاسة البصر بما فيها من آلة وصفة؟ ومن أوجد الأشياء المبصَرة؟ ومن أوجد الشمس و ضياءها؟ ومن أوجد البصيرة و مدلولاتها؟
(151)
ولما ذهب نور الله تعالى عن أهل الضلال لم يعد في مقدورهم فقه معاني ما يرون ومثل ذلك فيما يسمعون أو ينطقون، و صاروا كما وصفهم"صُمٌّ بُكمٌ عميٌ فهم لا يفقهون"،"لهم قلوبٌ لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذانٌ لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون".
(150)
هذا هو مفهوم نور البصيرة،أما عن مدلول معناه الخاص في مضمون مناسبة الآية"ذهب الله بنورهم" ونظائرها من الآيات، فهو نور البلاغ المبين والذي لولاه لم يُعرَف الحلال من الحرام ولا الطيب من الخبيث والخير من الشر والنافع من الضار والحق من الباطل والإيمان والشكر من الإنكار والكفر...
(149)
وكما أن البصر الحسي لا يعمل إلا بوجود ذلك النور المكتسب من مصادره الرئيسة وأهمها ضياء الشمس، فإن البصيرة بمدلولها المعنوي لا بُدَّ لها لتعمل من وجود النور الذي يأتي مما يكون في المحيط من مؤثرات و مصادر هي بمثابة الضياء الذي يتم تلقن وتعلَّم و اكتساب معاني الأشياء من خلاله..
(148)
وإذا فُقِدت هذه المقدرة على فقه معاني و مدلولات المحسوسات جزئيا أو كليا لسبب من الأسباب، فإن الإنسان لن يتمكن من تحليل وفهم ما يرى أو يسمع. وهكذا فإننا نستنتج أن هنالك عنصرا رابعا في وظيفة الحواس عند البشر وهو القدرة على إدراك معاني الأشياء المادية والمعنوية و يسمى البصيرة.
(147)
وما نعلمه طبيا من أن بعض المرضى يفقدون صفة إدراك ما يُبصرون رغم سلامة حواسهم، وكذلك فالطفل على سبيل المثال ورغم سلامة وصفاء وقوة الحاسة فيه مقارنة بكبار السنّ،فإنه يرى الأشياء ولكنه لا يدرك ولا يفقه معنى ما يرى، فهو مثلا يرى بوضوح صورة أمه،ولكنه ليس في وسعه إدراك مدلولاتها.