كل النعم وحتى نعمة استشعار النعم بحد ذاتها تقتضي وجود نعمة الإسلام؛ فالحمدلله الذي هدانا وماكنا لنهتدي لولا أن هدانا الله؛ فلا سلوان للمرء بأكبر من إدراكه بأن دنياه فانية وأن ماعند الله خيرٌ وأبقى، ولا عزاء بأعظم من معرفته بأن أمر المؤمن كله خير؛ فالحمدلله ونسألك اللهم الثبات 🤍
٩٠. قد تحدث لحظة صمت تخيّم في قاع الروح تشبه الصمت الذي يسبق سماع "كش ملك" قبل إعلان سقوطه، وتأتي مع المواقف التي تكشف لذات المرء عنها مالم تكن تتوقعه.
وعندئذٍ يتغير كل شيء، وتتوقع أي شيء وإلى الأبد..
"كلّما زاد العمر..
أيقنت أن هذه الحياة لا تستحق كل هذا الألم
ترحل متاعب وتأتي غيرها
تموت ضحكات وتُولد أخرى
يذهب أناس ويأتي آخرون..
مجرد حيـــاة."
— غازي القصيبي
وما غلب المرءُ نفسَه بشيءٍ أفضلَ من صبره عليها؛ فإنها تميل إلى الراحة وتفر من المشقة، وتستعجل الثمرة قبل أوانها، فإذا ألزمها صاحبها الصبر، قادته إلى محاسن الأمور، وأورثته من فضائل الأخلاق ورفيع المقاصد ما لا يناله المستعجلون.
"إن أرادها الله لك، جعل في تعسيرهم التيسير، وفي ضرِّهم النفع، وفتح لها المخرج من بين أبوابهم الموصدة. تفكَّر في هذه الآية دائمًا:
﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾"
يقول:
أقسم بالذي لا يُقسَم بِسواه؛ كنتُ أُحافِظ على قيام الليل والوتر قبل نومي كحفاظي على الفرض.. وكانت تأتيني مطالبي وحاجاتي من الدُنيا صباح اليوم التالي بين يديَّ، أتخيُّر مِنها كما يتخير الرجُل مِنَّا مِن ملبسه ومأكله!
وتذكَّر دائمًا قول ربك:
«ومَن أتاني يمشي؛ أتيته هرولة»🤍
لن يضيع عند الله صنيعك؛ تلك اللحظة التي غرست فيها بهجة في روح غيرك والأسى يعصف بروحك، وتلك الخطوات التي مشيتها لجبر القلوب وأركان قلبك تتهاوى في صمت، أتظنها هينة عند الجبار ؟ ستشرق الأيام بتوفيق يمحو تعبك، ورفعة تسر خاطرك، وجبر غامر ينساب إلى أعماقك حتى يتلاشى كل جرح كأنه لم يكن.
بعد بعض الخسارات، لا يكون الانسحاب من الآخرين ضعفا، وإنما عودة مؤقتة إلى الذات. هناك أوقات يصبح فيها تقديم النفس على ما سواها حقا مستحقا، لترميم ما تصدع، واستجماع ما تفرق، واسترداد القدرة على العطاء من جديد.
فأحيانا يعود الإنسان إلى نفسه بعد أن اتسع للآخرين أكثر مما يجب.
الحمد لله على النضج لو كان طريقة صعب، ولو كلفنا أياماً صعبة، وتشتت وضيق، وصدمات وخذلان، لكن يعقب ذلك أيام راحة وزهد، وتخطي، وتعلق بالله وحده، والأنس بذكره، والحياة معه، أعتبر النضج هو المرحلة الملكية التي تكون فيها:
"زاهداً فيما سيأتي، ناسياً ماقد مضى"