الكريم المنصف
عجيبةٌ هي الذاكرة، تُغربل ركام الأيام فلا تُبقي إلا وجوهًا مُضيئة، وأسماءً لها في القلب مقعدٌ لا يزول. وهذا من سنن النفوس، أن تميل القلوب إلى أهل الوفاء، وتنجذب الأرواح إلى أصحاب الصفاء.
كان الشهم الكريم محسن بن حسن اليوبي، رحمه الله، واحدًا من رجالٍ لا تطوي ذكراهم السنون، ولا تمحو أثرهم الأيام؛ رجالٍ كُتبت سيرتهم في القلوب قبل أن تُسجَّل في الدفاتر، وبات ذكرهم حياةً أخرى تسري مع الأودية والجبال، فلا يغيبون وإن غابت أجسادهم.
في وادي الأبواء، ذلك الوادي العريق الذي تهمس جباله بحكايا السنين، عاش أبو حسين كما يعيش الكبار كريم النفس، وفيًّا في الود، صادقًا في الموقف، لا يبدّل ولا يتبدّل.
من عرفه، عرف فيه صدق المعشر، وحسن الخلق، ونبل الموقف؛ فإذا تحدّث طرق القلوب قبل أن يبلغ الأسماع، فأنصتت الأرواح قبل الآذان. كان قلبه معلّقًا بالخير، ولسانه لا يعرف إلا طيب القول. لا يعرف المراوغة في حديثه، ولا الحقد في صدره، وإذا ما خاصم، خاصم بعقلٍ يزن الأمور بميزان الرجال، لا بأهواء الصغار.
فإذا دعت الحاجة إلى الموقف الصارم، رأيت في عينيه وقار المروءة، لا قسوة الجهّال. وإذا التبس الأمر وكان الحق لخصمه، أنصفه من نفسه؛ فحكمه العدل، وديدنه الإنصاف. كان رحمه الله ممّن لا يُساوم على دينٍ، ولا يُفرّط في مروءة.
وكان كريم اليد، واسع الصدر، يُكرم الضيوف عامة، والعمالة الوافدة خاصة؛ يرقّ لغربتهم عن الأهل والولد، ويعلم ما يلقونه من عناء العمل ووحشة البعد، ولا سيما في شهر رمضان، حين تغيب عن كثيرٍ منهم موائد الأسرة ودفء الاجتماع. فكان يقيم لهم موائد إفطار الصائمين، يبسطها بمحبةٍ وسخاء، ويأنس باجتماعهم عليها، كأنما أراد أن يخفف عنهم مشقة الغربة، ويشعرهم بأن لهم في هذه الأرض قلوبًا ترعاهم، وأيديَ تمتد إليهم بالخير والمودة.
ولم يكن عطاؤه مقصورًا على ذلك، بل كان يهتم بترميم المساجد، ويسعى في إعانة الأسر المحتاجة، يبتغي بذلك وجه الله، ويؤثر الخفاء على الضجيج، فلا يُرى في موطن إحسانه متكلّفًا، ولا في معروفه متباهيًا.
وكان يرى في ذلك عبادةً يتقرّب بها إلى الله، وخُلُقًا يليق بالرجل الأصيل الذي لا يهنأ بطعامه ما لم يشارك فيه غيره.
وفي أيامه الأخيرة، حين أخذ المرض من الجسد مأخذَه، وأثقل الوهن خطوه، لم تضعف نفسه، ولم يهن عزمه. حمل آلامه كما يحمل الصابرون البلاء، وقابل قضاء الله برضا لا يعرف التذمّر. كان وجهه الطيب يختصر ألف كلمة، وابتسامته الخفيفة تخبرك أن الرجل يعلم أن الدنيا رحلة قصيرة، وأن الآخرة موعد اللقاء.
فما خارت عزيمته، ولا كلَّ لسانه عن الدعاء، وما سمعه أحد يشكو سوى إلى الله، وما رآه أحد إلا وهو يرفع كفّه يسأل الله الرحمة، لا لنفسه وحده، بل لكل من أحبهم ورافقوه في دربه الطويل.
مضى أبو حسين كما يمضي الغيث بعد أن يترك في الأرض خضرةً، وفي القلوب أثرًا، وفي الأفواه دعاءً يتردّد ما تعاقب الليل والنهار.
رحم الله أبا حسين، وجعل قبره روضةً من رياض الجنان، وأفاض عليه من سحائب الرحمة والرضوان، وجعل ذكراه نديةً تتردد في أودية الأبواء كما يتردّد صدى السيل بين الجبال، وأقامه في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، حيث لا يضيع وفاء الأوفياء عند ربٍّ كريمٍ وهّاب.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
@3232Sab الله يرحمه رحمة واسعة ويغفر له ويسكنه فسيح جناته ويجعل قبره روضة من رياض الجنة . ويجزاك خير استاذصابر ويكتبها في ميزان حسناتك آمين يارب العالمين
المربّي المصلح
في الناس صفحاتٌ تُروى، إذ تتكفّل آثارُ أصحابها بالتعريف بهم، وتنطق أعمالُهم بما كانوا عليه. ومن تلك الصفحات ما يستحق أن يُستعاد؛ لما فيه من معاني الصدق، وحسن السمت، ولطف المعاملة. وهذه صفحةٌ لرجلٍ عاش بين الناس قريبًا منهم، نافعًا لهم، تُرى آثارُه في من عرفه، وتبقى ذكراه فيمن خالطه.
هو الأستاذ مصلح بن محمدصالح بن عمير المحمدي رحمه الله، رجلٌ استقامت له الملامح، وحسُن به الذكر، وعُرف بين الناس بما ظهر من سمته، وثبت من أثره. عاش سهلَ الخلق، طيّبَ المعشر، قريبًا من القلوب، لا يتكلّف وُدًّا، ولا يتصنّع خُلُقًا، بل جُبل على اللين، ونشأ على الصفاء.
نشأ على الكفاح، يجمع بين التعلّم والعمل، ويأخذ نفسه بالجدّ والصبر، حتى استقام له طريقه، فدخل ميدان التعليم معلّمًا متقنًا، ثم تولّى الإدارة، فقام بها قيامَ المربّي الناصح، لا مجرّد الموظف المؤدّي. وكانت بدايةُ تعيينه معلّمًا في غران، ثم انتقل إلى البخترية، ثم استقرّ به المقام في مستورة، فباشر فيها عمله، وأقام على رسالته، حتى ختم خدمته بالتقاعد، بعد سنواتٍ ملأها عطاءً وتربيةً وأثرًا. وكان يرى التعليم رسالةً تُؤدّى، لا وظيفةً تُقضى، فكان يُقدّم تهذيب النفوس على إلقاء الدروس، ويجعل من الأدب أساسًا يُبنى عليه العلم، فينشأ الطالب على خُلقٍ قبل معرفة، وعلى سمتٍ قبل مهارة.
وكان رحمه الله سهل اللقاء، بشوش المحيّا، إن تكلّم أقبلت عليه الأسماع ثقةً وطمأنينة، لما يجدونه في حديثه من صدقٍ وهدوء، ومن تجربةٍ تُهذّب العبارة، وتُقوّم المعنى.
إذا جالسته وجدت في كلامه فائدةً لا تُثقل، وحكمةً لا تُتكلّف، كأنها خرجت من قلبٍ جرّب، لا من لسانٍ تكلّف. وكان إذا حدّثك استرسلت معه، لا تُحسّ بطول، ولا تجد في حديثه ملالًا؛ يسوق القصص في مواضعها، ويُقرّب المعاني بأسلوبه، حتى يخرج السامع وقد أصاب فائدةً، واستحسن عبارةً، واطمأنّ قلبًا.
ولم يكن المسجد عنه ببعيد، بل كان من أوائل مواضعه، يؤمّ الناس حينًا، ويُعنى بشعائره عنايةَ المحبّ الموقّر؛ حتى ليبادر إلى الأذان أحيانًا، فيسبق إليه، لا تكلّفًا ولا طلبًا لظهور، ولكنها نفسٌ تألف الطاعة وتأنس بها.
وكان يجعل ما في يده وسيلةً للنفع، لا حظًّا يُستأثر به، فيُعين المحتاج، ويجد في البذل راحةً، وفي العطاء سعة، وكان في حبّه للخير يؤثر غيره على نفسه. وكان قلبه رحبًا، يتّسع للناس جميعًا، يُحب لهم الخير، ويحزن لحزنهم كأنه حزنه، فيواسي هذا، ويقضي حاجة ذاك، ويعفو عمّن أساء، فلا يُعرف عنه شدّةٌ في غير موضعها، ولا غلظةٌ تُنفر، بل لينٌ يُؤلّف، وحِلمٌ يُصلح.
وكان يرى الدنيا على حقيقتها، عابرةً لا مُقامة، فيأخذ منها ما يُقيمه، ويترك ما يُثقله، وربّى أبناءه على هذا المعنى، فذكّرهم بحسن الاستعداد، وغرس فيهم تعظيم الصلاة، وحسن التعلّق بالله. وكان يصل الرحم، ويزور المريض، ويعطف على الضعيف، حتى إذا اشتدّ عليه المرض، لم يفارقه ذكر الصلاة، ولم يغب عنه تعظيمها، وقلبه معلّقٌ بالصلاة ما بقي فيه نَفَس.
فلما قضى الله أمره، حزن عليه من عرفه، وذكره من عرفه، وبكى عليه أهلُ مستورة ودعوا له، وشاركهم في الدعاء من العمالة الوافدة، إذ لم ينسوا إحسانه، فدعوا له وأثنوا على سيرته. وقد صُلّي عليه في المسجد الحرام، فكان في ذلك شرفُ مقامٍ، وحسنُ ختام.
مضى رحمه الله، وبقي أثره؛ غاب شخصه، وبقي ذكره، وانقضى عمره، واستمرّ نفعه. فتلك صورةُ مربٍّ مصلح، يُتعلّم منها أن التربية خُلُقٌ قبل أن تكون علمًا، وعملٌ يُرى قبل أن يُقال.
رحم الله أبا أمين، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وأبقى له في القلوب ذكرًا طيبًا، وفي الأعمال أثرًا كريمًا.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
وجهُ البساطةِ ويَدُ الكرم
الأبواءُ ليست أرضًا تُذكَر، بل ذِكرٌ إذا حضر أحيا، وإذا غاب استعادته القلوبُ شوقًا؛ فإذا مرّ بها الخاطرُ انسكب فيه صفاءٌ لا يُشبِه سواه، وإذا ذُكرت، نهض معها رجالٌ لا تُعرَف أقدارُهم بكثرة القول، ولكن بصدق الأثر، وحُسن الفعل، وخفوت الخطو الذي يترك في النفس ضجيجَ التقدير. ومن هؤلاء العمُّ عبدالعالي بن غالي اليوبي — رحمه الله — رجلٌ عاش بسيطًا، فكَبُر أثرُه، وخفَت ذكرُه، فارتفع قدرُه.
كان مجلسُه — وإن ضاق مكانُه — يتّسع للناس اتّساعَ القلوب الرحيمة؛ يجلس أمام بقالته ومخبزه، صورةٌ صغيرة في ظاهرها، كبيرةٌ في معناها؛ لا تُشبِه المتاجر التي تُقاس بما تُدرّ، بل تُشبه المجالس التي تُوزَن بما تُعطي. تفوح منها رائحة الخبز، غير أنّها لا تقف عند الأنف، بل تبلغ القلب؛ إذ تمتزج برائحة الأُنس، فيخرج الداخل وقد أخذ فوق حاجته، وإن لم يشعر، وكأنّ للمكان سرًّا يهب ولا يُعلِن، ويجود ولا يُذكِّر.
كانت بساطتُه خُلُقًا اختاره، لا يعتريه تكلّف، ولا تُفسده رغبةُ الظهور؛ وكان عطاؤه سجيةً تمضي على سجيّتها، لا تُحصي ولا تُحصى، يمدّ يدَه قبل أن يُسأل، ويُعطي قبل أن يُذكَر، كأنّ العطاء عنده أقربُ إلى الفطرة من التفكير، وأسرعُ إلى القلب من الحساب. وكان رزقُه مبذولًا، تجري به الرحمة بين الناس جريانًا لا يعرف الوقوف، فإذا مسّ يدًا طمأنها، وإذا بلغ قلبًا آنسه.
تراهُ إذا ما جئتَهُ مُتَهَلِّلًا
كأنَّكَ تُعطيهِ الذي أنتَ سائِلُهْ
وكان من أهل الأبواء الذين سكنوا القلوبَ قبل الدور، وألِفتهم الأرواحُ قبل المجالس؛ فلا تُوصَف صلتُه بهم، لأنّه منهم وفيهم، يعرفه المكان كما يعرفهم، ويأنس به الناس كما يأنسون بأنفسهم. قريبًا من أهل المدرسة ومعلميها، ومن الأهالي جميعًا، لا يُعرَف بينهم إلا بالألفة، ولا يُذكَر إلا بالمودّة.
فإذا رأى طالبًا خرج من المدرسة، سأله برفقٍ فيه من الأبوة ما يُطمئن: “إلى أين يا ولدي؟” فيجيبه: “طلب مني المدير أن أحضر وليّ أمري”، وفي صوته خوفٌ يعرفه من خبر الصغار؛ خوفٌ من شدّةٍ تنتظره إن عاد إلى وليّ أمره. فيبتسم العمُّ ابتسامةً تُبدّد ما في القلب، ويقول: “أبشر، أنا وليُّ أمرك”، ثم يمضي به، لا ليجادل، بل ليُصلح، حتى إذا دخل، سلّم، وقال بلطفٍ يفهمه السامع دون أن يُصرّح به: “ها قد جاء وليُّ أمره”، فينتهي الأمر على ما تُحِبّ القلوب، وكأنّ بينهم عهدًا صامتًا، أن تُحفَظ هيبةُ التربية، وتُصان قلوبُ الصغار.
ومن خفيّ جميله، ما كان يفعله مع بعض الطلاب ممّن ضاقت بهم ذاتُ اليد، فإذا أُغلِقَ بابُ المدرسةِ الخارجيُّ الكبيرُ وقتَ الفسحة، وجدوه عنده، يمدّ إليهم ما يسدّ حاجتهم من طعامٍ من تحته، فيأخذون نصيبهم، ويعودون وقد أخذوا معه شيئًا لا يُرى: طمأنينةً تُسكِّن الجوع قبل أن تُسكِّن البطن. لا إعلان، ولا انتظار شكر، بل عملٌ يمضي كما تمضي الأشياء الصادقة: هادئًا، ثابتًا، بعيدًا عن الضجيج.
وكان من حوله يرون ذلك فيصمتون؛ لأنّ بعض الأفعال يفسدها البيان، وبعض الخيرات يبهتُها الظهور، فإذا خفيت، بقيت، وإذا سُتِرت، نَمَت.
كم من قاصدٍ قصده بلا زادٍ كافٍ، فعاد وقد امتلأ قلبُه قبل يدِه، وكم من كلمةٍ قالها فكانت أبلغَ من نصيحة، وكم من ابتسامةٍ بذلها فكانت أصدقَ من مواساة. وكان يقول للصغير: “خذ يا ولدي، رزقُك عند ربك قبل أن يكون عندي”، فيُعلِّم وهو لا يقصد التعليم، ويُهذّب وهو لا يتكلّف التهذيب.
وما كان صاحبَ بقالةٍ ومخبزٍ فحسب، بل صاحب أثرٍ يُعرَف بالفعل لا بالقول؛ لأنّ الأثر لا يُصنَع بالكلمات، بل بما تتركه الأيدي في القلوب. وكان مثالًا ظاهرًا، أنّ الإنسان يُعرَف بما يُعطي، لا بما يملك، وأنّ البساطة إذا صدقت، صارت رفعة، وإذا صفَت، صارت قدرًا.
رحم الله العمَّ عبدالعالي بن غالي اليوبي رحمةً واسعة، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، ورفع درجته، وأبقى له في القلوب ذكرًا لا يخبو، وأثرًا لا يزول، وجمعنا به في مستقرّ رحمته، حيث لا ينقطع ودّ، ولا يغيب أثر.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
جلالُ الإدارةِ وبهاءُ البيان
هو العلَمُ الذي سمت به الأخلاقُ، واستقامت به السجايا، وتزيّنت بذكره الصفحاتُ، واطمأنّ بحضوره المكان؛ الأُستاذ حمودُ بنُ حمّاد المحمدي، رحمه الله رحمةً تُغدِق عليه من فيضها، وتجعل له في الصالحين ذِكرًا مؤبَّدًا لا ينقضي ولا يزول.
كان — رحمه الله — ممّن أودع الله فيهم من محاسن الخِلال ما تتفرّق نظائره في غيرهم؛ حِلمٌ إذا جرى ألان، وحزمٌ إذا حضر أقام، ورحمةٌ إذا فاضت أحيت، وهيبةٌ إذا بدت أوقرت؛ فاجتمع له من كمال الخُلُق ما فرّقته الأيام في سواه، فصار مقصودَ القلوب، ومهوى الأفئدة، تُؤنس به النفوس، وتأنس إليه الأرواح.
تولّى إدارة مدرسة ابن القيم الابتدائية بالأبواء، فنهض بها نهضةَ من جمع بين حُسن التدبير ولطف الرعاية، وتمام العناية؛ لا يُديرها بسلطان المنصب، بل بسلطان الخُلُق، ولا يُحكمها بالأمر المجرّد، بل بالقدوة التي تُرى، والأثر الذي يُلمس. فانتظمت به الشؤون انتظام العقد إذا استقام، وسمت به التربية سموّ الغصن إذا اعتدل، وغدت المدرسة في عهده مَعينَ علمٍ لا ينضب، ومَغرسَ أدبٍ لا يذبل، ومثابةَ نفوسٍ تُصان وتُهذَّب.
وكان — رحمه الله — لطلابه أبًا شفيقًا، ومربّيًا رفيقًا؛ إن أحسنوا أشرق وجهه سرورًا، وإن أخطؤوا رقّ قلبه عليهم رحمةً، لا يعاجل بالعقوبة، ولا يُقابل الخطأ بالقسوة، بل يسلك مسالك اللطف، ويأخذ بيد النفوس حتى تستقيم، وبالقلوب حتى تطمئن؛ فكم من نفسٍ أصلحها، وكم من خلقٍ قوّمه، وكم من طريقٍ سدّده.
وكان حسنَ الخطّ، بديعَ الصنعة، مُحكمَ التحرير، كأن الحروف قد دانت له طوعًا، وانتظمت بين يديه انتظامًا بديعًا لا خلل فيه؛ فخطُّه مرآةُ نفسه، ونفسُه مثالُ النظام والجمال. وكان — حين كان مديرًا للمدرسة — يُدرّس مادةَ الخط، فيجمع بين تعليم الحروف وتهذيب النفوس، حتى صار الخطّ عنده أدبًا يُغرس، قبل أن يكون مهارةً تُكتسب. وكانت أقلامُه الباركرُ الذهبيةُ تجري بين أنامله جريان الطوع بين يدي صاحبه، فتُخرج من البيان ما يَسِمُ السطورَ بهاءً، ويُكسِب المعاني رونقًا.
وله — رحمه الله — سمتٌ وقور، وطلعةٌ بهيّة، وهيبةٌ ساكنة، تسبق حضوره، وتدلّ عليه قبل أن يُرى؛ كأنّ المكان إذا أحسّ بقربه تهيّأ، وإذا حلّ فيه سكن، وإذا مرّ به أنِس، فكان حضوره طمأنينة، وهيبته محبوبة، وطلعته راحةً للنفوس.
وأما لسانُه، ففصيحٌ سليم، رصينُ العبارة، لا ينطق إلا بحكمة، ولا يقول إلا ما يُحمد؛ إن تكلّم أوجز فأبلغ، وإن سكت أفاد فأعمق، فكلامه دررٌ تُنتقى، وصمته فِكرٌ يُستصفى.
فاجتمع له — رحمه الله — حُسنُ التدبير، وجمالُ الخط، وبلاغةُ البيان؛ فكان في الإدارة ميزانًا، وفي الخط مثالًا، وفي الفصاحة عَلَمًا.
ومن مآثره الإدارية — رحمه الله — ما دلّ على سابقةِ فضلٍ، ومتانةِ رأيٍ، وحُسنِ تدبيرٍ؛ إذ كان أوّلَ من تقلّد إدارةَ متوسطة الأبواء حين استقلّت عن مدرسة ابن القيم، فأنشأها إنشاءَ من يُحسن الوضع، ويُتقن البناء، حتى استقامت قواعدُها، ورسخت دعائمُها، واستنارت بآثاره أرجاؤها. ثم تولّى إدارةَ مدرسة حمزة بن عبدالمطلب بمستورة، فقام عليها قيامَ المربّي البصير، وأدارها إدارةَ الخبير الحكيم، وأفاض عليها من محاسن أخلاقه ما زان ظاهرها، وأصلح باطنها، فجرت على يديه في نظامٍ محمود، واستقامةٍ مشهودة. وكان — إلى ذلك — من المؤسِّسين للجمعية التعاونية بالأبواء، وأوّلَ رئيسٍ لمجلس إدارتها، كما كان من المؤسِّسين لجمعية البرّ الخيرية بالأبواء، فمدّ أثره من التعليم إلى التكافل، وغرس في المجتمع معاني العطاء، حتى صار له في كل ميدانٍ أثرٌ، وفي كل بابٍ من أبواب الخير سهمٌ.
غير أنّ جماعَ أمره، ولبَّ فضله، إنما هو قلبٌ كبير، كالبحر في سعته، وكالغيث في نفعه؛ وسِع طلابه محبةً، واحتضن زملاءه مروءةً، وبسط على من حوله ظلًّا من الألفة، كأنّه سحابٌ إذا مرّ أخصب، وإذا نزل أنبت، وإذا غاب أبقى أثره حيًّا لا يزول.
ولا تزال تلك المواقف جليلةَ الأثر في القلوب؛ كلمةٌ تُقيم نفسًا، ونظرةٌ تُحيي أملًا، وموقفٌ يُنبت خلقًا… آثارٌ صغارٌ في صورها، كبارٌ في معانيها، لأنها خرجت من قلبٍ إذا أعطى أغنى، وإذا أثّر أبقى.
ثم غاب — رحمه الله — عن الأبصار، وبقي في القلوب أثرُه، وفي الدعاء ذكرُه.
رحم الله أبا محمد، رحمةً واسعةً تليق بفضله، وأجزل له المثوبة، ورفع درجته في عليين، وجعل ما قدّم من الخير نورًا في قبره، وضياءً في آخرته، وجمعنا به في دارٍ لا فراق فيها ولا انقطاع..
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
هذا الاعلامي كان احد الاعلاميين الذين يروجون للوثيقة المزورة بمنح الملك عبدالعزيز فلسطين لاسرائيل مع انه تم الرد عليها في حينها وايضاح ان الختم ليس للملك عبدالعزيز ولا الكتابة وليس لها مصدر لا بريطاني ولا سعودي وانها مزورة ولكن الاخونج السفلة استخدموا اعلامهم وكلابهم للترويج لها انها حقيقة ليصلوا لمبتغياتهم الدنيئة
و لم يصدق هذا الكلام الا الحمير
فكيف يمنح المدك عبدالعزيز دولة لا يملكها وليس له عليها سلطة⁉️
عموماً هذا الاعلامي حصل على تقرير اسرائيلي موجه للكونجرس الامريكي
صدمه هذا التقرير ويتسائل لماذا الاعلام السعودي مقصر في توصيل هذه الحقائق‼️
قال النبى صلى اللّٰه عليه وسلم
مِن صلى علي صلاة صلى اللّٰه عليه بها عشراً✨
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد✨
#ليلة_الجمعة#رمضان
.