الوفاق تعرّي "النيابة": بيانكم فضيحة طائفية وتضليل متعمد وسعيكم لاعتبار الخُمس غسيل أموال 'سخيف'
مرآة البحرين
فنّدت جمعية الوفاق الوطني الإسلامية الرواية الرسمية للنيابة العامة بشأن توقيف ما يزيد عن 40 من نخبة علماء الدين الشيعة في البلاد، واعتبرت في رد حاد أن بيان النيابة لا يمثل سوى فضيحة طائفية كبيرة جداً تعكس أحقاداً، وتوزيعاً لاتهامات متناقضة وهزيلة، بهدف التشويش وتضليل الرأي العام الذي يعيش غلياناً متصاعداً.
وجاء موقف جمعية الوفاق رداً على إعلان رئيس نيابة الجرائم الإرهابية بشأن ما أسماه "ضبط تنظيم رئيسي مرتبط بالحرس الثوري الإيراني وفكر ولاية الفقيه والمشكل من أعضاء بالمجلس العلمائي المنحل"، وهي السردية التي وضعتها المعارضة في خانة الغطاء المفضوح لتبرير أكبر جريمة استهداف طائفي بغيض ومليء بالانتقام ضد مكون ووجود أصيل في هذا البلد، دون أدنى رادع وطني أو أخلاقي أو ديني.
وأكدت الجمعية في بيانها أن النيابة العامة قد خرجت عن مهمتها بشكل كامل، وتحولت إلى جهة أمنية مسيسة تكيل الاتهامات الباطلة بالتنسيق وتوزيع الأدوار مع المؤسسات الأمنية التي باتت تشكل مجتمعة خطراً على وحدة المجتمع وتماسكه.
وأوضحت الوفاق أن بيان النيابة بدا على مستوى فاقع من التناقض والتضاد مع كلام وزير الداخلية البحريني الذي وجه التهم للعلماء بعد ساعات من اعتقالهم دون تحقيق، مثلما يتناقض مع بيان النيابة السابق نفسه.
وأكدت أن هذه الصياغات المفبركة في الغرف المظلمة تثبت أن هؤلاء العلماء باتوا يُعاملون كأسرى حرب صُبّ عليهم جام الغضب نتيجة حسابات وحروب إقليمية مشؤومة لا علاقة لهم بها.
وفنّدت الوفاق المزاعم التي ساقها المحامي العام مشيرة إلى فقدان الأهلية والاختصاص، حيث كشف البيان أن المحققين والأمنيين وموظفي النيابة العامة والمسؤولين عن صناعة هذه التهم ينتمون لمذهب آخر مختلف، وليس لديهم اطلاع على المذهب الجعفري، وهم ليسوا من أهل الاختصاص في موضوع الفرائض الشرعية.
ووصفت الوفاق محاكمة أجهزة أمنية لفريضة دينية بأنه أمر فاقد لأبسط مقومات العدالة والعقلانية والحكمة، جازمة بأن سعي السلطة لاعتبار الحقوق الشرعية قضية غسيل أموال هو أمر سخيف ولا يستقيم مع الدين والمنطق السويّ.
كما وصفت الجمعية حديث النيابة عن تحويلات مالية إلى إيران والعراق ولبنان لدعم منظمات إرهابية بأنه نوع من الاستغفال والاستغباء للرأي العام، مؤكدة أن العلماء المعتقلين هم وكلاء شرعيون علنيون ومعلنون لفقهاء الشيعة في كل العالم.
وأكدت أن نقل الحق الشرعي وهو الخمس من المكلف إلى المرجع هي عملية وساطة عبر الوكيل تصل ليد المراجع العظام، وفي مقدمتهم آية الله العظمى السيد علي السيستاني، ومكتب آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم في العراق، والسيد فضل الله في لبنان، وآية الله العظمى السيد الخامنئي، والشيخ الشيرازي والشيخ الخراساني في إيران، وليس إلى حكومات أو أحزاب أو جماعات.
ووصفت التأطير الرسمي بأنه كلام مضلل وغير أخلاقي، مشددة في الوقت ذاته على سقوط فرية التنظيم الموحد، كون العلماء المعتقلين والذين يتجاوز عددهم الأربعين عالماً ينتمون لمدارس وحوزات وتوجهات دينية متنوعة ومختلفة، مما يثبت أن ما يجري هو محاكمة مذهب ديني واستهداف لنخبة علمائية لها وزن وثقل ديني واجتماعي ومعنوي كبير.
وشددت الوفاق على أن ما يقوم به العلماء ليس عملاً سرياً ولا مخفياً إطلاقاً، بل هو تطبيق للأحكام الشرعية الواضحة والمعلنة، وهو وظيفة إلهية شرعية وعمل كان يقوم به أئمة أهل البيت عليهم السلام قبل أكثر من 1400 سنة واستمرت في كل الحقب دون توقف.
واعتبرت الجمعية أن محاولة شيطنة هذا العمل واعتباره اكتشافاً أمنياً جديداً هو سلوك يفتقد للمصداقية وليس له اعتبار، مؤكدة أن نشاط العلماء يمثل حماية للمجتمع وضمانة ضد الانحراف والتطرف.
كما أوضحت الوفاق أن نظرية ولاية الفقيه هي نظرية علمية ولها أفهام وتوجهات ومستويات متعددة تتفاوت من مرجع لآخر، وكل المدارس في الفقه الشيعي لا تتناقض مع المواطنة والانتماء للوطن، وأن من يحاول الخلط يعمل على الاستثمار السيء على حساب حرية وسلامة المجتمع.
وربطت الجمعية بين اعتقال النخبة العلمائية وبين خطوات السلطة الممنهجة الأخرى، كسلب خصوصية الأوقاف الجعفرية وإغلاق جمعية التوعية الإسلامية.
وشددت على أن أبناء المذهب الجعفري في البحرين باتوا يشعرون ببالغ الخطر والتهديد على أنفسهم ومعتقداتهم ووجودهم نتيجة هذه الاستهدافات التي تدار عبر شبكات من المتطرفين الذين يهاجمون الشيعة بالشتائم وينالون من أئمتهم وتاريخهم أمام مرأى ومسمع السلطة وبغطاء حكومي رسمي.
لقراءة الخبر كاملاً :
https://t.co/ZnWQR6SL8X
الأوقاف الشيعية أصبحت خاضعة لقرار من الطائفة السنية
وجود 6 أعضاء من الشيعة داخل مجلس يضم 12 عضوًا ورئيسًا، ويتولى إدارة الأوقاف للطائفتين، لا يغيّر من حقيقة أن أوقاف الطائفة الشيعية أصبحت، بحكم تركيبة المجلس، خاضعة لقرار أغلبية من الطائفة السنية
القرار بيد أغلبية قوامها 7 أعضاء، بمن فيهم الرئيس. وعندما، تكون الأغلبية والقرار خارج الطائفة، فإن الأوقاف الشيعية تكون قد انتقلت فعليًا من إدارة أبناء الطائفة إلى إدارة غيرهم
الوقف ليس ملكًا للدولة ولا للأغلبية، هو أمانة مقيدة بإرادة الواقف والجهة التي خصص لها وقفه، ومن ثم فإن نقل سلطة القرار على أوقاف طائفة ما إلى أغلبية من خارج تلك الطائفة يثير اعتراضًا مشروعًا وله ما يبرره
ولو انعكست الصورة، وشُكِّل مجلس تكون فيه الأغلبية من الشيعة، فهل كان متوقعًا من أبناء الطائفة السنية، من واقفين لأملاكهم ورجال دين ومتولين ووكلاء ومتعهدين وجمهور الطائفة عمومًا، القبول بإدارة ذات أغلبية شيعية تتولى إدارة أوقافهم؟
الصحفي عادل مرزوق
للمزيد :
https://t.co/87C3Nhu11j
الدولة تُناقض نفسها: تستهدف الشيعة وتُطلق حملة تبرئة دعائية في آن!
مرآة البحرين
تعمل الماكينة الإعلامية الرسمية في البحرين على مشروع واضح عنوانه الدولة تحبّ الشيعة رغم تنكيلها بهم. هذا الإعلام لم يعد يكتفي بإنكار الواقع، بل بات يُنتج مشاهد دعائية تُثير السخرية أكثر ممّا تُقنع أحدًا. كلّما تصاعدت الاتهامات الشعبية والتقارير الحقوقية للنظام باستهداف الطائفة الشيعية، تخرج علينا الصحف والمنصّات والحسابات الموجّهة بمقاطع مصنوعة بعناية، تُكرّر المعنى نفسه: لا توجد مشكلة مع الشيعة. وكأنّ القضية تُحلّ بفيديو على "إنستغرام"، أو بتغريدة على منصة "إكس"، أو بظهور بضعة أسماء تُقدّم باعتبارها "الصوت الشيعي" الذي يُبرّئ السلطة من كلّ ما ترتكبه.
هذا الإصرار على نفي التمييز والاستهداف، بات بحدّ ذاته دليلًا على وجوده. الدولة التي لا تحارب فئة من شعبها، لا تحتاج يوميًا إلى حملات "علاقات عامة" لإقناع الناس بذلك. والسلطة الواثقة من صوابية قراراتها، لا تستنفر صحفها ومنابرها لتلميع صورتها عبر شهادات مُعلّبة وأسماء فاقدة لأيّ حضور حقيقي في الشارع.
المشهد الإعلامي في البحرين أصبح أقرب إلى "مسرح دفاعي" دائم. هناك نصّ جاهز، ومقدّمون يُردّدونه، وحسابات تُعيد نشره، وضيوف معروف مسبقًا ما سيقولونه. أمّا المواطن الشيعي الذي يعيش الوقائع اليومية من إسقاط جنسيات، وملاحقات، وتضييق ديني، واستهداف للعلماء والشعائر، فلا أحد يسأله عمّا يراه أو يشعر به. المطلوب فقط أن يشاهد العرض ويمشي مع الرواية الرسمية.
المضحك في هذه الحملة، هو اعتمادها المتكرّر على شخصيات شيعية لا تمتلك أيّ تمثيل حقيقي بين الناس. أسماءٌ تُستحضر عند الحاجة فقط، وتُقدَّم باعتبارها "الدليل" على أنّ الشيعة بخير وأنّ لا أزمة في البلد. وكأنّ المشكلة في البحرين هي مجرّد سوء فهم يحتاج إلى شاهدٍ شيعي يوقّع على براءة السلطة!
السؤال الذي يدحض هذا الأسلوب الدعائي هو: إذا كنتم فعلًا مُقتنعين أنّكم لا تستهدفون الشيعة، فلماذا كلّ هذا القلق؟ لماذا هذا الهوس اليومي بإنتاج مواد إعلامية دفاعية؟ ولماذا الحاجة الدائمة إلى شهود نفي من الطائفة نفسها؟ من يثق ببراءته لا يقف طوال الوقت أمام المرآة ليُقنع نفسه أنّه بريء.
الحقيقة أنّ هذه الحملات لا تُخاطب الشيعة أصلًا، لأنّ أبناء الطائفة يعيشون الواقع بتفاصيله ولا يحتاجون إلى من يشرحه لهم. هي موجّهة للخارج أكثر ممّا هي للداخل، محاولة لتلميع صورة السلطة أمام الرأي العام كما اعتادت دائمًا، وإظهار البحرين كأنّها واحة انسجام طائفي، بينما الوقائع على الأرض تقول شيئًا مُختلفًا تمامًا.
هناك من يقول إن الشعوب لا تُخدَع طويلًا بالمؤثرات البصرية، خصوصًا عندما تكون معاناتها اليومية أوضح من أيّ فيديو دعائي. في النهاية، ليس أسوأ ما في هذه الحملات أنها تُنكر الاستهداف، بل أنها تُهين عقول الناس. تفترض أن المواطن يمكن أن ينسى كلّ شيء لمجرّد أنّ صحيفة نشرت مقابلة، أو لأنّ حسابًا على "إكس" قال إنّ الأمور بخير أو بيّن أن ما يحصل محض افتراء، بينما الحقيقة التي لا تستطيع كلّ هذه المنصات إخفاءها، هي أنّ الحقّ لا تحتاج إلى حملة إعلانية، والمساواة الحقيقية لا تحتاج إلى ممثلين "كومبارس" لإثبات وجودها.
للقراءة:
https://t.co/yPqlT8TTVE
6 مواطنين في غياهب الإخفاء القسري منذ 70 يوماً
مرآة البحرين
في الوقت الذي تواصل فيه الأجهزة الأمنية في البحرين إطباق قبضتها الأمنية داخل البلاد، تتكشف فصول جريمة إنسانية ممنهجة؛ حيث يستمر الإخفاء القسري لعدد من المعتقلين السياسيين منذ شهر مارس الماضي، وسط تعتيم رسمي وغياب لأي معلومات تفصح عن أماكن احتجازهم وعن أوضاعهم القانونية والصحية.
يعد المواطن محمد عقيل عبد الرسول من أبرز الحالات، حيث مضى على اختفائه أكثر من 70 يوماً، بعد اعتقاله من نقطة تفتيش، إضافة إلى خمسة مواطنين آخرين اعتقلتهم السلطات برفقة الشهيد السيد محمد الموسوي، والذي خرج من مباني الأمن جثة ممتلأة بآثار تعذيب، بعد حوالي أسبوع من تاريخ توقيفه مع أصدقائه، السيد أحمد الموسوي، علي غريب، علي إسحاق، مصطفى يوسف، وعمار حافظ.
الشاب محمد عقيل اعتقل مع مواطن آخر من إحدى نقاط التفتيش المنتشرة فترة الحرب الماضية، ونقل إلى جهة مجهولة. وبحسب شهادة المعتقل الآخر الذي أُفرج عنه لاحقاً، فإن الموقع الذي نُقلا إليه يعمل خارج أي إطار رقابة قانونية.
وتستند مخاوف أهالي المعتقلين إلى حوادث سابقة، منها ما رافق حادثة الشهيد الموسوي من إجراءات وتصريحات رسمية أنكرت أصل جريمة قتله بداية الأمر، وبررتها عبر الإعلان عن اتهامه بـ"التخابر مع الحرس الثوري"، وما تلا ذلك من إعلان متأخر عن تشكيل لجنة تحقيق من قبل وحدة التحقيق الخاصة التابعة لوزارة الداخلية، ونسب الفعل لأحد عناصرها.
وفي بيان صدر قبل أيام، أكدت عائلة عقيل مراجعتها لمختلف الجهات الرسمية دون أي نتيجة، معتبرة أن هذا التعتيم يمثل تعذيباً نفسياً بحقها، محمّلة السلطات المسؤولية الكاملة عن سلامة ابنها، ومطالبة بالكشف الفوري عن مصيره.
هذه الوقائع تعكس استمرار لتوظيف الإخفاء القسري كسياسة تستخدم ضمن المنظومة الأمنية، تقوم على إنتاج الخوف كوسيلة لإخضاع المجتمع، حيث تغيب أي مساءلة أو آلية رقابية فاعلة تضع حدًا لمسار الانتهاكات المتصاعد بحق المواطنين.
للقراءة:
https://t.co/hHVfCKj8E4
توحيد الأوقاف في البحرين.. إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والطائفة الشيعية
عبدالله البحراني؛ مرآة البحرين: أثار المرسوم الملكي رقم (18) لسنة 2026، الصادر بتاريخ 26 مايو 2026، بشأن تشكيل مجلس شؤون الأوقاف الإسلامية برئاسة وزير العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف [1]، جدلاً واسعاً في البحرين، باعتباره أحد أبرز التحولات التي طالت إدارة الشأن الديني خلال السنوات الأخيرة.
فالمرسوم الجديد لا يقتصر على إعادة تنظيم إداري للأوقاف، بل ينهي عملياً الصيغة السابقة لمجلسي الأوقاف السنية والجعفرية، ويضعهما ضمن مجلس موحد تديره السلطة التنفيذية بشكل مباشر، وذلك بعد أقل من عام على صدور مرسوم تنظيم الأوقاف السنية والجعفرية لعام 2025.
وبينما تقدم السلطات القرار باعتباره خطوة تهدف إلى تحديث الإدارة وتعزيز الرقابة والشفافية، تنظر إليه قطاعات واسعة من الشيعة في البحرين بوصفه تحولاً سياسياً ودينياً يتجاوز الإطار الإداري، ويمس بصورة مباشرة طبيعة الأوقاف الجعفرية واستقلاليتها التاريخية.
جذور تاريخية تسبق الدولة الحديثة تعود البدايات المؤسسية للأوقاف الجعفرية في البحرين إلى عام 1927، حين قام القاضي السيد عدنان السيد محمد صالح الموسوي بحصر وتوثيق الأوقاف الشيعية فيما عُرف لاحقاً باسم «سجل السيد عدنان» [2]، وذلك بجهد أهلي مستقل بعيداً عن أي تدخل حكومي. ويمثل هذا السجل، الذي تم توثيق غالبيته العظمى في عامي 1926 و1927، المرجع التاريخي والشرعي للأملاك الوقفية الشيعية. وتحمل هذه المرحلة أهمية خاصة داخل الوعي الشيعي، لأن الأوقاف الجعفرية لم تنشأ كمؤسسة رسمية تابعة للدولة، بل ككيان ديني واجتماعي هدفه حماية أملاك الطائفة وضمان صرف عوائدها وفق الشروط الشرعية التي حددها الواقفون. ومن هنا ارتبطت الأوقاف الجعفرية بمفهوم «الولاية الشرعية»، حيث يُنظر إلى المتولي الشرعي باعتباره أميناً على الوقف أمام الله والواقفين، لا موظفاً حكومياً خاضعاً للسلطة التنفيذية. ولذلك يرى معارضو المرسوم أن نقل إدارة الأوقاف إلى مجلس موحد برئاسة وزير حكومي يمس جوهر الفلسفة الفقهية التي تأسست عليها الأوقاف الجعفرية منذ نشأتها.
مركزية القرار وتداعياته المالية بموجب الهيكل الجديد، يتولى وزير العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف رئاسة المجلس الموحد، فيما يشغل رئيس الأوقاف السنية السابق منصب النائب الأول، ورئيس الأوقاف الجعفرية السابق منصب النائب الثاني. ويرى منتقدو القرار أن هذا التحول ينهي مرحلة الاستقلال الإداري النسبي التي كانت تتمتع بها الأوقاف الجعفرية، وينقل القرار الوقفي بصورة مباشرة إلى السلطة التنفيذية، بما يجعل إدارة الأوقاف خاضعة للمعايير السياسية والإدارية للدولة، بدلاً من المرجعيات الفقهية والاجتماعية الخاصة بكل مذهب. في المقابل، تؤكد السلطات أن الهدف من المجلس الموحد يتمثل في تقليص البيروقراطية، وتوحيد السياسات الاستثمارية، وتعزيز الرقابة المالية والإدارية على الأصول الوقفية، إضافة إلى تطوير إدارة الموارد الوقفية وتحقيق قدر أكبر من الشفافية. كما يُطرح المشروع ضمن إطار «تعزيز الهوية الوطنية الموحدة» وتقليص الفوارق المؤسسية بين الطائفتين، مع توحيد الإشراف الرسمي على الشأن الديني. ولا تقتصر التداعيات على الجانب الإداري فقط، بل تمتد إلى الجانب المالي للأوقاف الجعفرية، التي تُقدر إيراداتها السنوية بأكثر من تسعة ملايين دينار بحريني، أي ما يقارب 24 مليون دولار أمريكي. وقد كشف تقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية (2024-2025) أن إجمالي متأخرات الإيجارات المستحقة لإدارة الأوقاف الجعفرية بلغ نحو 15 مليون دينار بحريني [3]، ما أثار تساؤلات حول كفاءة الإدارة السابقة وضرورة تعزيز الرقابة. ومع ذلك، يخشى معارضون أن يؤدي تحويل القرار الوقفي إلى سلطة حكومية مركزية إلى إعادة توجيه العوائد الوقفية أو استثمارها وفق اعتبارات سياسية أو اقتصادية للدولة، لا وفق المقاصد الشرعية الأصلية للوقف، وهو ما يعتبرونه مساساً بحرمة الوقف وطبيعته الدينية.
إشكالات شرعية وقانونية
من أبرز الاعتراضات المطروحة داخل الأوساط الشيعية أن القرار يتعارض، من الناحية الفقهية، مع طبيعة الوقف الجعفري وأحكامه الخاصة. ففي الفقه الجعفري يُعتبر الوقف عقداً شرعياً دائماً، لا يجوز تغيير شروطه أو نقل ولايته إلا ضمن الضوابط التي حددها الواقف والمرجعية الشرعية المختصة.
ولذلك يرى منتقدو القرار أن إخضاع الأوقاف الجعفرية لإدارة مركزية موحدة برئاسة وزير سياسي يمثل تجاوزاً لمبدأ «ولاية المتولي الشرعي»، الذي يشكل أساس إدارة الوقف الجعفري. كما تبرز مخاوف من أن يؤدي دمج الأوقاف السنية والجعفرية إلى خلط أوقاف ذات أحكام ومصارف شرعية مختلف…
للقراءة كاملاً:
https://t.co/DRYYPDSEbo
التماهي مع الجلّاد.. ظاهرةُ السقوط الأخلاقي لأدواتٍ رخيصة بيد الحُكم
مرآة البحرين
في البحرين، لا يكفي أحيانًا أن تكون مُواليًا للسلطة كي تنجو من بطشها، بل يجب عليكَ أن تتحوّل إلى نسخةٍ أكثر تطرّفًا منها في الدفاع عنها. أن تكون ملكيًا أكثر من الملك، تُبرّر كلّ سياساته، وتُصفّق لكلّ إجراءاته، ولو كنتَ بالأمس القريب أحد ضحاياه أو ممّن اكتوَوا بتهميشه.
هي صورةٌ عن واقع بات نافرًا وفاقعًا في البحرين أكثر من أيّ وقت مضى. المسألة بكلّ بساطة وبأسلوب مباشر هناك من تحوّل إلى أداة في حرب السلطة على فئة من الشعب في هذه المرحلة الحساسة التي تعيشها البلاد. لم يتحوّل إلى مُوالٍ وفقط، بل إلى عارضٍ يوميّ يبحث عن فكرة يبالغ فيها أثناء تقديمه فروض الطاعة، وكأنه في مسابقة مفتوحة لإثبات الإخلاص ولو على حساب الكرامة والذاكرة والحقائق.
النماذج حيّة ولا نتحدث عن شخصيات وهمية أو مُختلَقة. في البحرين، لم تعد المشكلة مًقتصرة على وجود موالين تقليديين للنظام، فهذا أمرٌ موجود في كلّ الدول والأنظمة. المشكلة في ظاهرة أولئك الذين كانوا يومًا جزءًا من خطاب الاعتراض، أو على الأقل ممّن تضرّروا من السياسات الرسمية، ثمّ انقلبوا فجأة إلى مدافعين مُتحمّسين عن السلطة، يُزايدون أحيانًا على إعلامها الرسمي نفسه، ويقدّمون أنفسهم بوصفهم "العقلانيين" الذين اكتشفوا متأخرين "عبثية" المعارضة وعدم جدوى المواجهة.
إذا أردنا تحليل هذه الظاهرة على الصعيد النفسي لفهم الدوافع فحتمًا أكثر من ترجيحٍ يمكن احتماله: قد يكون خوف، أو رغبة في النجاة، أو طمعًا في عطاء، لكنّ الأهمّ المصلحة الشخصية، وهذا الدافع بحدّ ذاته يُفسّر إعادة تموضع هذه الأسماء. أسماءٌ لا يمكن ويكاد يكون مستحيلًا فهم ما تقترفه اليوم "على محمل حسن" أو ربّما على أنه تقية. ليس الأمر كذلك حتمًا، ولأنّنا لسنا أيضًا أمام صحواتٍ متأخرة أو مراجعة فكرية لخيارات أو مواقف اتُخذت سابقًا، يمكن القول إن هؤلاء، ولعلّ أكثر الأسماء تجسيدًا لهذه الظاهرة جعفر سلمان مؤخرًا وضياء الموسوي سابقًا، الانتقال من دور الضحية إلى الجلّاد أو مشاركة الجلّاد في جرائمه هو أيضًا مرضٌ نفسي خطير، وعلى الصعيد الوطني وباء.
وفي تفصيل الظاهرة ومؤشراتها، يتبيّن أن هذه الأدوات تعمد على الرغم من تحكّم الدولة بها، إلى الذهاب إلى ما هو أبعد: مطالبة الناس بألّا توصف بالخونة والمتواطئين، فتحمل كذبًا شعارات التعايش والديمقراطية المزعومة في البحرين، تُسوّق لمعايير مُختفية أصلًا من قاموس الحكم،وتتباكى على حرية الرأي التي تعطيها لنفسها وتسلبها من الناس.
الأمر لا يقف عند حدود واضحة، أن يطبّلوا للحكم وسياساته الظالمة بحقّ الكثير من المواطنين وعلماء الدين البارزين، بل يعتدون على كرامات الناس، يسخّفون معاناتهم ومطالبهم، ويجلدونهم كقطعان يمشون وراء قيادات ستقودهم إلى الهاوية. هذا الأسلوب الرخيص في التعبير السياسي إزاء قضايا بائنة الاضطهاد، تؤكد فقدان هؤلاء لأيّة أخلاقيات في التعاطي وفي موازنة الأمور ولا سيّما في الأزمات. هؤلاء لم ينأوا بأنفسهم عن كلّ الإجراءات والتنكيلات التي تتخذها الدولة في الفترة الأخيرة وتُصعّد من خلالها الحرب على شيعة البلاد تحت عناوين عقائدية دينية بحتة، بل يسعون إلى تكريس حالة من الإحباط بين الناس وإشاعة السكوت عن الظلم كشرط للبقاء على قيد الحياة في البلد، وكذلك لنشر قيم الجُبن والخنوع، حيث لا وجود لأيّة مقاومة لأيّ سياسة قاهرة ومُجحفة، حيث لا جهاد حتى بالكلمة، حيث يتحوّل الإنسان إلى "روبو" تُبرمجه الدولة ليكون خاليًا من أيّ أفكار وبلا ضمير، لا يفرّق بين الحقّ والباطل، ينسلخ تمامًا عن القيم الإنسانية الفطرية للعيش في أيّة دولة.
هذه الظاهرة اليوم تؤكد صوابية المعارضة طيلة السنوات الماضية، وجدوى رفع الصوت ورفض كلّ ما تفرضه السلطة الأمنية والسياسية بالقوة بعيدًا عن أيّ منطق أو مشاركة حقيقية في القرار. شعارات الإصلاح لا يمكن أن تكون عديمة الفائدة بعد هذا العمر من النضال وإعلاء الصوت، والأهمّ أن من هو مُقتنع بالإصلاح كطريق لبناء الدولة العادلة لا يتغيّر مهما زادت الضغوطات والمصاعب.
تجميل أفعال هؤلاء الخونة ورمي تصرّفاتهم و"تكويعاتهم" على فئة من الشعب أو الشعب بأكمله لحمله على الاستسلام للفساد والمفسدين لا ينفع. هؤلاء عاجزون عن التأثير بأصحاب المبادئ الوطنية والعقائد المقدّسة مهما كثّفوا من حضورهم على المنصّات والصفحات والشاشات وفي التغريدات واللقاءات إلى أعلى الهرم، بشكل مباشر أو بأسماء وهمية حتى. يُقال إن الوباء مُعدٍ ويتفشّى سريعًا. أمامنا هنا حالة مشخّصة لانفصام الحُكم عن الأرض وعن حياة الشعب، وهذا الانفصام تسلّل واستوطن في عقل هؤلاء الخونة، فأضحوا هم كذلك مُنفصمين عن الواقع والمبادئ.
للقراءة:
https://t.co/CpY8m5DMeI
إعدام الأوقاف الجعفرية في بلد الاضطهاد الطائفي
حجي منصور البحارنة؛ مرآة البحرين
على أي أساس قرر رأس النظام إلغاء إدارة الأوقاف الجعفرية مقابل تشكيل ما يسمى بـ"مجلس شؤون الأوقاف الإسلامية"، وفي أي ظرف تم ذلك ، ووفق أي تفاهم؟ وكيف سيؤدي هذا التجاوز باستباحة أوقاف الشيعة إلى الإخلالٌ بالوضع السياسي القائم؟
في العام 2011 ، عبّر زعماء الطائفة الشيعية في البحرين عن مخالفتهم الصريحة للظلم الرسمي حينما كان القتل يمارس على الهوية ، واليوم وبعد أكثر من 15 عامًا عاد الحاكم للتمادي ، مخلًا بتوازنٍ رسمه الاستعمار البريطاني منذ عقود ، أي تمكين حاكم ينتسب لأقلية من حكم أكثرية شعبية.
لقد صبر البحارنة أكثر من سبعين عامًا على سياسات إقصائهم عن مراكز القرار في البلاد ، وتحملوا أساليب محاصرتهم الاقتصادية ، إلا أن الصبر أوصلنا إلى اليوم الذي تُمس فيه مسائلهم الوجودية ، الأمر الذي شكّل انحدارًا خطيرًا سيهدد لا محالة استقرار الحكم.
يا حمد بن عيسى ، لقد أسرفت في العداء بجريمة سحب جنسيات الشيعة ، فضلًا عما اقترفته قبلها من توطينٍ للأجانب استقواءًا بهم على الشعب ، متعديًا على ما كان أجدادك يحذرون من مآلات المس به. معارضة سلطتك لم تعد تقتصر اليوم على جمعيات سياسية وناشطين ، بل تشمل بفضل سياساتك الرعناء قريبين منك ، وحتى ممن يجلسون على مائدتك ، وأصبح حق تقرير المصير مطلبًا يتردد على ألسنة من لم يكونوا يتخيلون يومًا أنهم سيصلون إلى هذه القناعة ، بعدما أوصدتَ أبواب الإصلاح وأغلقتَ منافذ الشراكة الوطنية.
للقراءة:
https://t.co/l33FwcDop0
الواجهة الزجاجية: كيف تآكل معنى البرلمان في البحرين؟
عبدالله البحراني؛ مرآة البحرين
في فترة اتسمت بتصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتعمق جراح الحريات والحقوق، كان المواطن البحريني يرقب مجلس نوابه، آملاً أن يكون صوتاً للحق ودرعاً للكرامة. بيد أن ما شهده عام 2025 وما تلاه، لم يكن سوى فصل جديد في مسرحية سياسية، تحول فيها البرلمان إلى ما يشبه "واجهة زجاجية" أنيقة، خالية من أي مضمون حقيقي، تعكس بوضوح آلام المواطن وهمومه التي تلاشت في أروقة مؤسسة كان من المفترض أن تمثله. فبدلاً من معالجة قضايا البطالة وتدهور القدرة المعيشية والوضع الحقوقي والسياسي، تحولت الجلسات إلى مشاهد أقرب للكوميديا السوداء؛ سجالات هامشية، وصراعات داخلية، وخطابات لم تُحدث أي تغيير في واقع المواطن.
1. إسقاط العضوية: مشهد "أكلَةُ لحم الزملاء" لا يمكن لأي مراقب أن يتجاهل حجم الخذلان الذي ساد الشارع البحريني إزاء مشهد تسابق النواب لإسقاط عضوية زملائهم. ففي عام 2026، تجاوز الأمر مجرد الخلاف السياسي ليصبح، في نظر الكثيرين، "إعداماً سياسياً" تحت قبة البرلمان. فقد تسابق النواب للتوقيع على طلب إسقاط عضوية كل من عبدالنبي سلمان، ممدوح الصالح، ومهدي الشويخ. أما التهمة، فكانت تدور حول "الاعتراض على إجراءات أمنية" أو "انتقاد سحب الجنسية".
لقد تحول المجلس من ساحة للنقاش إلى ما يمكن وصفه بـ "مقصلة" سياسية. فبدلاً من أن يوفر الحصانة التي تحمي النائب لقول كلمة الحق، أصبح البرلمان نفسه هو من يسحب البساط من تحت أقدام من تبقى فيه بصيص من الكرامة. إن مشهد النواب وهم يصفقون لإقصاء زملائهم يجسد، بوضوح، "وهم الديمقراطية"؛ حيث يُطرد من يمثل الناس، ويُبقى على من يمثل "الأوامر العليا". هذا المشهد سيبقى محفوراً في ذاكرة الأجيال كوصمة عار على جبين مؤسسة كان من المفترض أن تكون حامية للديمقراطية، فإذا بها تتحول إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية. لقد تآكلت ثقة الناس بالانتخابات، وتغير خطاب الشارع من المطالبة بالإصلاح إلى السخرية المريرة، وباتت الجلسات البرلمانية مادة للتندر، مما أثر سلباً على صورة الدولة دولياً.
2. رئاسة المجلس: "صمتُ القبور" التشريعي أما رئيس المجلس، أحمد المسلم، فقد رسخ، بحسب مراقبين، مدرسة جديدة في "الزهد التشريعي"، أو بالأحرى "الصمت المطبق". ففي الوقت الذي كانت فيه البحرين تمر بمنعطفات حقوقية خطيرة، سجلت سجلاته الرسمية "صفراً" كبيراً في الاقتراحات بقوانين والأسئلة البرلمانية. هذا الصمت، في نظر المنتقدين، لم يكن بريئاً، بل كان تواطؤاً صريحاً مع سياسات تكميم الأفواه.
إن رئيس البرلمان الذي لا يسأل، ولا يقترح قانوناً، ولا يفتح تحقيقاً، هو في الحقيقة، كما يصفه البعض، 'موظف استقبال' بمرتبة رئيس سلطة، وظيفته الوحيدة هي تنظيم دخول القوانين الحكومية لتخرج من الطرف الآخر بختم 'الموافقة بالإجماع'. لقد كان المسلم، وفقاً للمتابعين، وفياً لنهج "الموافقة السريعة"، خاصة في قانون الصحافة الذي أبقى على الغرامات الخيالية (50 ألف دينار) كبديل عن السجن، وكأن حرية التعبير أصبحت سلعة لا يشتريها إلا الأثرياء. هذا القانون، الذي مرره البرلمان، لم يكن سوى قناع إصلاحي يستر وجه القمع، ويضمن استمرار تكميم الأفواه تحت طائلة عقوبات مالية باهظة وتهديدات مستمرة بالحبس بموجب قوانين أخرى.
3. نواب المحرق: نشاز المعارضة الخجولة يكشف تحليل الأداء الجماعي لنواب محافظة المحرق كمثال عن مشهد برلماني يغلب عليه التماهي المطلق مع التوجهات الحكومية، مع استثناءات نادرة تؤكد القاعدة. السمة البارزة لهذا الأداء هي الغرق في "النشاط الكمي" المفرغ من أي تأثير نوعي. فالنواب يتسابقون في تقديم عشرات "الاقتراحات برغبة" (وصلت إلى أكثر من 40 اقتراحاً لبعض النواب)، وهي أدوات غير ملزمة لا تعدو كونها "تمنيات" تذروها الرياح، تُستخدم للاستهلاك الإعلامي وتجميل الصورة البرلمانية. في المقابل، يغيب استخدام الأدوات الرقابية الحقيقية كالاستجوابات ولجان التحقيق الجدية بشكل شبه تام. الأكثر دلالة على هذا التماهي هو التصويت الجماعي لغالبية النواب (بمن فيهم رئيس المجلس) بـ "مع" على قوانين محورية ومثيرة للجدل، مثل الميزانية العامة وقانون الصحافة القمعي. هذا التصويت يفرغ أي نشاط برلماني من مضمونه، ويحول النواب إلى مجرد مصادقين على قرارات السلطة التنفيذية. ورغم بروز أصوات معارضة خجولة ونادرة (مثل تصويت نائبين بـ "ضد" على الميزانية وقانون الصحافة)، إلا أن هذه الأصوات تظل نشازاً في سيمفونية الامتثال العام، ولا تكفي لتغيير مسار برلمان اختار طواعية التخلي عن دوره الرقابي والتشريعي الحقيقي لصالح البقاء في المنطقة الدافئة للموالاة.
للقراءة كاملا
:
https://t.co/2Ube5X5i0g
كيف تشرح لحمارك فكرة ولاية الفقيه؟
محمد العصفور مرآة البحرين: عندما عدتُ له بعد سنوات طويلة قضيتها في السجن، تذكرني سريعاً، ثم استقبلني بنهيق كما لو كان يعزف أوركسترا ترحيب بعد كل هذه الأعوام. تعانقنا طويلاً قبل أن أحدّثه عن حظي العاثر الذي وضعني في هذه اللحظة التاريخية من الاستحمار الوطني الرشيد.
قلتُ ذلك ثم انتبهت لنظرات حماري الاستنكارية، وأذناه اللتان ارتفعتا تنديداً بكلامي، فتداركتُ ذلك باعتذارٍ شديد على هذه الإهانة غير المقصودة: أنت أعلم يا حماري العزيز بأنّي لا أحمل هذه الأفكار العنصرية تجاهكم، لكن هذا اللفظ يجري على ألسنة الناس كما لو كانوا يعدوّن أنفسهم نوعاً أرقى من الحمير.
قال حماري بينما هممنا بالسير معاً في حقلنا الكرّاني الجميل: نحن لسنا أغبياء إلى هذا الحد، وقد أثبتت الأيام أن بني البشر فيهم من الحمقى وأصحاب المآرب الدونية والمتلونين والمنافقين ما يفوق عالم الحيوان! صدقت يا حماري، وكأنك قد أصبت ما أردت قوله، بل أزيدك في ذلك أن هؤلاء أضل من الحيوانات، أرأيت من ترك عقله أهو أضل من الحيوان أم أرقى منه؟! تنحنح حماري تحذيراً لي بأن لا أعيد تكرار إهانتي للحمير من بني جلدته، ثم قال: دعنا من هذا، ما الذي يثير همومك إلى هذا الحد؟!
قلتُ كمن فقد التسلسل في حديثه بينما تترقرق خيوط الأصيل من سعف نخيل الحقل المتدلية فتضفي جوّاً ساحراً على جلستنا التي عقدناها أخيراً تحت ظلّ شجرة توت عمرها أكثر من 300 عام: أتعرف "ولاية الفقيه" يا حماري العزيز؟ ثم رميت إلى جانبه حبّة لوز مكتنزة قطفتها للتو، وأمرته بالجلوس.
حماري الحبيب.. يشن مجموعة من الجهلة وأصحاب المآرب ومرتزقة السلطة حرباً تشويهية على فكرة "ولاية الفقيه"، وكأن أساس الدمار في بلدنا وفي المنطقة هو من وراء هذه الفكرة، هذا ما يصوّرونه، لكن أتعلم يا حماري الذي اشتقته أعواماً طويلة، لقد عادت بي هذه الحرب إلى أثينا، هناك حيث ظهرت أعرق الفلسفات السياسية قبل أربعمئة عام من الميلاد.
هل تعرف أفلاطون يا حماري العزيز؟ دعني أقول لك أمراً قبل ذلك، لقد شغل سؤال "من يستحق أن يكون على رأس الحكم" البشرية منذ فجر التاريخ، وقد جاءت الفلسفات السياسية والأديان والمذاهب والمشارب الفكرية لتجيب على هذا السؤال. انظر لحالنا يا حماري، نحن نعيش في ممالك خليجية يحكمها ملوك رشّحهم قدر السلالة إلى أن يكونوا ملوكاً علينا، ومن الحظ التاريخي الذي قلّما يحدث، أن تؤدّي هذه الصدفة البيولوجية إلى مجيء ملكٍ كفوء أو عادل أو طيّب مع شعبه. أرأيت يا حماري كم نحن واقعون في ورطة؟ نحن لا نملك الخيار الديمقراطي (رأي الأكثرية) لإيصال الشخص الذي نراه كفوءً لسدّة الحكم، ونُجرَّم عندما نؤمن بنظريات الأديان أو الفلاسفة العظماء، بل وتطالنا الطوباوية من فوقنا ومن تحتنا، وكأننا شططنا عن الركب الإنساني عندما حلم بيوتوبيا المدينة الفاضلة! دعنا نعود إلى أفلاطون، كانت فلسفة أفلاطون تنطلق من خلفيات هذا الصراع الأبدي، فقد كفر بشرعية السلطة التي تأتي عن طريق الانتخاب والملكية وجحيم ظلمهما المتصاعد لما وجده من سوء الأحوال السياسية التي عايشها وآلت لإعدام أستاذه سقراط، ثم شقّ طريق بناء فلسفته حول الدولة على أساس "حكم الفلاسفة"، أي أنّ معيار تقلّد كرسي الحكم هو المعرفة والحكمة والعدالة وليس الأكثرية الشعبية التي تأتي عن طريق صناديق الاقتراع، أو الملكية التي تفرض نفسها من خلال السيطرة والقوة والقهر.
التقطتُ في هذه الأثناء غصناً يبّسته شمس جزيرة البحرين الحارقة، ثم رسمت خطوطاً على التراب: هنا بالضبط يا حماري العزيز، تتقاطع "ولاية الفقيه" مع الرؤية الأفلاطونية، هذا بالضبط ما جعل أبو نصر الفارابي يوفّق بين النظرتين، عندما مَثَّل المواصفات الأفلاطونية للحاكم بالنبي أو الإمام من بعده.
ألا تلاحظ يا حماري.. الأساس الذي بُنيت عليه "ولاية الفقيه" هو ذاته الذي انطلقت منه فكرة "المدينة الفاضلة"، إنّهما "العلم" و"العدالة" اللتان أرّقتا كامل المنظومة الاعتقادية والفكرية للأديان السماوية بما فيها الإسلام الخاتم، وحولهما دارت الجدليات الكبيرة في التاريخ الفلسفي والسياسي على مدار الوجود البشري.
خرج الحمار عن صمته متسائلاً: وما الضرورة أن يكون الحاكم عالماً وعادلاً؟ وأنا أهمّ في إجابة حماري، مددتُ يدي لأقطف لوزة بحرانية اصفرّ لونها وبدت في كامل فتنتها الوجودية العظمى.. ثم قلت: هو سؤال مهم يا صديقي.. لكن ألا ترى حال المشهد الدولي وهو يتداعى إلى الحضيض، يترك إنسانيته وراء ظهره ويتفرّج على أعظم مذبحة تجري أمامه بكل برود في قطاع غزة؟!
لقراءة المقال كاملاً:
https://t.co/azqOjWfJ47
الدولة تستكمل حربها على الشيعة: الأوقاف اليوم وعاشوراء غدًا
مرآة البحرين
القضاء على الهوية الشيعية الأصيلة في البحرين ليس تُهمةً تُوجّه إلى النظام الحاكم، بل هو مشروعٌ خطير يجري تنفيذه على الأرض بلا تردّد. هذا هو الواقع الذي يعيشه أبناء الطائفة جراء خطوات مُتلاحقة وسريعة جدًا تُقدم عليها السلطة يوميًا. لم تعد المسألة محطّ شُبهة، وتكذيب المشروع عبر ترداد لازمة أن الدولة تعتمد الانفتاح والتعايش مع الآخر والديمقراطية مبادئ لسياستها في الداخل، أصبح مسرحية فاشلة لا تُحقّق هدفها.
في جديد الإجراءات المتّخذة من قبل حمد بن عيسى مباشرة، إلغاء مجلسي الأوقاف السنية والجعفرية وإدارتيهما وإنشاء مجلس للأوقاف برئاسة وزير.
الإجراء لا يمكن فصله عن سلسلة القرارات التي تستهدف الطائفة وشؤونها في الآونة الأخيرة. حصار أبنائها، تخوينهم والنيْل من كرامتهم، إسقاط جنسياتهم، مُلاحقتهم في عقيدتهم الدينية، سجن علمائهم البارزين، حرمانهم من ممارسة شعائرهم الممتدة إلى عقود طويلة في البحرين.
لعلّ أخطر ما في القرار ليس بُعده الإداري أو التنظيمي كما تحاول السلطة تسويقه، بل رمزيّته السياسية والدينية العميقة. حين تُنزع عن الأوقاف الجعفرية إدارتها من بيئتها الطبيعية وتوضع تحت وصاية مباشرة من الدولة ووزير تابع للسلطة التنفيذية، فإن الرسالة تصبح واضحة: لا استقلالية لأيّ شأن شيعي، حتى في أكثر الملفات ارتباطًا بالعقيدة والخصوصية الدينية، حتى لو كانت هذه الأوقاف تمثّل مصالح الدولة وتسير بسياساتها.
هذا التحوّل لا يمكن قراءته إلا ضمن مشروع متكامل يسعى إلى إعادة تشكيل البحرين وفق مقاس سياسي وطائفي محدّد، تكون فيه الطائفة الشيعية مجرّد جماعة مُراقبة ومُحاصرة، لا شريكًا أصيلًا في الوطن. المسألة لم تعد تقتصر على التضييق الأمني أو الخطاب التحريضي في الإعلام الرسمي وشبه الرسمي، بل تجاوزت ذلك إلى محاولة تفكيك الشؤون الوقفية للطائفة، وإخضاعها بالكامل لإرادة السلطة.
منذ سنوات، والبحريني الشيعي يعيش تحت ضغط دائم: إن عبّر عن رأيه اتُّهم بالخيانة، وإن تمسّك بعقيدته وطقوسه وُضع تحت المراقبة، وإن طالب بحقوقه المدنية والسياسية صار هدفًا للملاحقة والتشهير. واليوم، يأتي استهداف الأوقاف ليؤكّد أن المشروع دخل مرحلة أكثر وضوحًا، عنوانها السيطرة الكاملة على الشأن الديني الشيعي وتجريده من أي قدرة مستقلة على إدارة نفسه.
السلطة التي تدّعي الدفاع عن التعايش لا تتعامل مع الشيعة بوصفهم مكوّنًا وطنيًا متساويًا، بل باعتبارهم مشكلة أمنية يجب ضبطها باستمرار. ولذلك، فإن كلّ ما يمتّ بصلة إلى هويتهم يُنظر إليه بعين الريبة: العلماء، المآتم، الشعائر، الخطباء، الأوقاف، وحتى المناسبات الدينية التي عاشتها البحرين لعقود طويلة دون أن تهدّد أحدًا.
ماذا بعد؟ ثمّة من يرى أن الدولة ستزيد من مستوى تصعيدها ضدّ الطائفة ولن تكتفي بما سلف من قرارات. وأكثر السيناريوهات الخطيرة استهداف موسم عاشوراء المقبل. لن نشهد حصارًا للمواكب والمآتم الكبرى أو حتى الصغرى وفقط، بل إن الدولة ستسعى إلى التخلّص من الصورة العاشورائية التي يُجسّدها الشيعة كلّ عام على خريطة الإحياءات في الدول الإسلامية، فشيعة البحرين تميّزوا في الإحياء المنظّم للعزاء الحسيني الشامل، من فعاليات على الطرقات، ومواكب، ومجالس عزاء مكثّفة، وغزارة في الإنتاج الفني والشعري سنويًا. هذه الصورة باتت محطّ إزعاج للدولة التي ضاقت ذرعًا بها. بدل أن تعمل على تقديم التسهيلات أكثر لها أو على الأقلّ تستفيد من نشاطها و"نجومية الموسم السنوي"، تزداد المخاوف من تشديد تدخّلها عبر التضييق على خروج المواكب الحسينية كما هو معتاد في مساراتها المعروفة خارج المآتم، وخنق الإحياءات الجماهيرية الكبرى.
وعليه، لم يعد السؤال اليوم عمّا إذا كانت هناك حرب على الوجود الشيعي في البحرين، بل إلى أيّ مدى يمكن أن تذهب السلطة في هذا المسار المفتوح على مزيد من التصعيد؟
للقراءة:
https://t.co/nSg24CcEyB
الاضطهاد والتمييز الطائفي في البحرين.. ادعاء مظلومية أم واقع معاش؟
سيد يوسف المحافظة؛ مرآة البحرين
بحسب الأمم المتحدة فإنه لا معنى للمواطنة من دون تحقيق شرط المساواة أمام القانون بين جميع المواطنين، فالقوانين الدولية لحقوق الإنسان تحظر التمييز، وبحسب المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فإن لكلِّ إنسان حقُّ التمتُّع بجميع الحقوق والحرِّيات المذكورة فيه دونما تمييز، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدِّين، أو الرأي السياسي وغير السياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أيِّ وضع آخر.
السردية الحكومية التي تسعى إلى تغطية وتبرير الممارسات التمييزية تتوارى خلف عناوين مثل مكافحة الارهاب، وخلف اتهامات للضحابا مثل طابور خامس ، إضافة لحملات قذف وتشهير تكرر اساءات كالولاء للخارج و اتباع أجندات خارجية، أو تسخيف لمعاناتهم الطويلة على أنها مجرد حالة من ادعاء المظلومية. غير أنّ القانون الدولي صريح، والصمت أمام الاضطهاد والتمييز جريمةٌ مستمرّة في حقّ الإنسانية، صمت مرفوض إن كان من طرف الضحيّةُ أو من جانب الشهود.
ولإثبات وجود اضطهاد أو تمييز ممنهج، يشترط القانون الدولي توفر ثلاثة عناصر: سلوكٌ حكومي متكرّر، حرمانٌ فعليّ من حقٍّ يكفله القانون، والانتماءُ الطائفي. لذلك، نستعرض بعض الاحصائيات المثبتة في الحالة البحرينية، والأرقام الموثّقة حقوقيًا : 1) عشرون ألف معتقل من المكوّن الشيعي خلال خمسة عشر عاماً. 2) أكثر من ألف حالة إسقاط جنسية، بعضها بالتبعيّة، مع حالات ترحيل قسري. 3) ألف وخمسمائة اعتداء موثّق على الشعائر الدينية للمواطنين الشيعة خلال الخمسة عشرة عام الماضية. 4) سبعة وثلاثون مسجدًا شيعيًّا هُدِم خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية. 5) ثلاثة من كبار علماء الدين البحرينيين أُسقطت جنسياتهم. 6) مائةٌ وخمسون عالمَ دينٍ شيعيًّا اعتُقلوا. 7) سبع جمعيات سياسية ودينية أُغلقت بشكل تعسفي وجرى محاكمة قياداتها. 8) أكثر من مائة وخمسين حالة وفاة خارج نطاق القانون خلال الخمسة عشرة عام الماضية بينهم آلاف من ضحايا التعذيب 9) تمييز في التوظيف في المؤسسات الرسمية بما في ذلك أجهزة الأمن والجيش.
أضف إلى ذلك تصريح وزير الداخلية في مؤتمر صحفي حول "تنظيف البحرين" والذي ورد في سياق ما جرى من اعتقال علماء دين شيعة يمثلون شريحة واسعة من المجتمع، وهو مصطلح مرادف لـ"التطهير"، وهو فعل مدان في قوانين الأمم المتحدة.
وإذا كان الشيعة يُشكّلون أكثر من ستّين في المئة من المواطنين، فما الذي يُفسّر حجم غيابهم عن المؤسّسات السيادية والعسكرية والأمنية والقضاء والمناصب العليا، فإن كانت السياسةُ هي الجواب، فالقانون الدولي يقطع بأن هذا السلوك "تمييزًا" يجرمّه ويُحاكم مرتكبيه.
للقراءة:
https://t.co/jNROi63CBA
الشيخ سعيد المادح لـ”مرآة البحرين”: أُقلدُ من لا يقول بـ"ولاية الفقيه المطلقة" لكني متهم بتنظيم يُجبر الناس على تبنيها
لقراءة نص الحوار كاملاً:
https://t.co/zRF3tXZ8Et
البحرين في ظل الحرب: كيف تحوّلت مواجهات الإقليم إلى موجة اعتقالات واسعة تستهدف الشيعة
مرآة البحرين
منذ أن أطلق التحالف الأمريكي الإسرائيلي حربه العدوانية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، سارعت السلطات في المنامة لتقديم أوراق اعتمادها كأداة تابعة في هذا الصراع الإقليمي. وبدلاً من تجنيب البلاد تبعات المحاور العسكرية الهدامة، اختار النظام البحريني الهرب إلى الأمام، مستغلاً نيران الحرب الخارجية كغطاء يبرر إعلان حرب داخلية شرسة ضد مواطنيه؛ حرب لا تستهدف معالجة جذور التوتر، بل تهدف إلى خنق المجتمع وتشديد القبضة البوليسية.
فمنذ الثامن والعشرين من فبراير، ومع تصاعد وتيرة الجنون العسكري في المنطقة، شنت أجهزة النظام البحريني حملة اعتقالات فاشية ممنهجة، أسفرت عن اعتقال أكثر من 350 مواطناً من أبناء المكون الشيعي. هذا الجنون الأمني لم يكن إجراءً طارئاً، بل مثّل إعادة إنتاج لنهج طائفي متأصل في بنية نظام يرى في كل أزمة إقليمية فرصة سانحة للانتقام السياسي، وإعادة هندسة المجال العام عبر سحق المعارضة، ومصادرة الحقوق السياسية بالحديد والنار.
الحملة المسعورة لم تكن عشوائية، بل انتقائية وموجهة بدقة لضرب الرأس المفكر للمجتمع؛ إذ امتدت الاعتقالات لتطال النخبة الدينية التي تشكّل صمام الأمان الاجتماعي والديني. عبر مداهمات وحشية للمنازل، اقتيدت عشرات من العلماء الشيعة إلى أحد مباني جهاز الأمن الوطني، حتى أوقفتهم "النيابة العامة" 60 يومًا على ذمة التحقيق، بناءً على اتهامات مفبركة وقضايا معلبة لا صلة لهم بها، سوى أنهم رفضوا إعلان الولاء للطغيان، ومارسوا شعائرهم.
إن هذا الاستهداف المخطط له لنخبة علماء البحرين يهدف بوضوح إلى قطع رأس الحراك الديني والاجتماعي، وتحييد أي صوت يمتلك الوعي والقدرة على تشكيل رأي عام مناهض للوجود العسكري الأمريكي وأساطيله التي تحوّل البحرين إلى منصة عدوان سافر.
من جانب آخر، نساء البحرين لم تسلم هي الأخرى من بطش أمن النظام، حيث سُجل اعتقال أربع نساء، في مقدمتهن المدونة "بدور عبد الحميد"، والتي صدر بحقها مؤخرًا حكماً بالسجن المؤبد على خلفية تغريدات ومنشورات عبرت فيها عن نبض الشارع الرافض للوجود العسكري الأمريكي في البحرين؛ ما يعكس مدى ضيق السلطة بالرأي الآخر.
وفي الجانب المظلم من هذا القمع، يبرز ملف الإخفاء القسري كشاهد حي على انفلات اجراءات السلطة، حيث أعيد العمل بعقوبة الإخفاء القسري لعدد ممن اُعتقلوا، مع تعمد إخفاء كل ما يحيط بظروف اعتقالهم ووضعهم القانوني ومنعهم من التام من الاتصال بذويهم، لمدة تجاوزت الخمسين يوماً في بعض الحالات.
أمام هذا المشهد، تتضاعف المخاوف الحقوقية مما يجري في غرف التحقيق، خاصة مع ما يحمله النظام من سجل حافل بأنواع الانتهاكات، وما حادثة مقتل الشهيد "سيد محمد الموسوي" ببعيدة عن الأذهان، بعدما غادر مكان احتجازه جثة محمّلةً بآثار تعذيب شديد، فأعاد إلى الواجهة صورة العقيدة الأمنية القائمة على سحق الكرامة الإنسانية، مع تأكيد غياب أي محاسبة للجلادين.
للقراءة:
https://t.co/T84Y0RLCgu
أيها السادة: لا يُحاكم الفقه بقانون العقوبات
سيدعباس شبر؛ مرآة البحرين
عندما تعلن سلطة ما، في أي زمان، تحت أي ذريعة، أنها تريد تجريم فكرة كـ"ولاية الفقيه" بحجة كونها نظرية سياسية "دخيلة"، فأنت أمام لحظة عبثية تستحق أن تُقرأ بثلاثة ألسنة: لسان الفقيه الذي يفكر، ولسان السياسي الذي يحلل، ولسان الساخر الذي يضحك حتى لا يبكي، لأن تجريم عقيدة سياسية متكاملة، لها جذورها في نصوص دينية وآراء فقهية تمتد لأكثر من ألف عام، ليس فقط خطأ قانونياً وفكرياً، بل هو كوميديا سوداء تصلح لتكون مشهداً في مسرحية "الدولة المدنية" التي يراد فرضها بمنطق "إما أن تكون مثلنا أو تذهب إلى السجن".
لنبدأ بالمعالجة الفكرية التي لا مناص منها: "ولاية الفقيه" في أصولها ليست مؤامرة على أحد، بل هي نظرية من نظريات الحكم في الفقه الإمامي، تقول باختصار بأن الفقيه الجامع للشرائط (العدالة، العلم، الكفاءة) يمكنه أن يتولى شؤون الحكم نيابة عن الإمام المعصوم في زمن الغيبة. هذه النظرية لها أدلتها من القرآن والسنة، ولها تاريخ طويل من البحث داخل الحوزات، ولها مؤيدون ومعارضون حتى داخل المذهب الواحد. فتجريمها أشبه بتجريم "ولاية المتغلّب" عند إخوتنا في المدرسة السنية، والتي تقرّر أن من استولى على الحكم بالقوة والغلبة يصبح حاكماً شرعياً تجب طاعته.
لسنا فقط أمام تجريم فكرة، بل سلبٌ لحق الناس في الاجتهاد والاختلاف. والمشكلة الأكبر أن من يسعى لتجريم ولاية الفقيه غالباً ما يكون متبنياً بصمت لنظرية أخرى، ونعني "ولاية الوزير" أو "ولاية الرئيس" أو "ولاية الملك المطلق"، وكأن هذه الولاية "طبيعية" وتلك "شاذة". والواقع أن ولاية الوزير، مثلاً، إنما هي ولاية مفوَّضة من حاكم أعلى، ولا تملك أي شرعية بذاتها، وغالباً ما تفتقد لشرط "العدل" الذي تشترطه ولاية الفقيه، فلماذا لا تُجرَّم ولاية الوزير الظالم التي تسمح له بسجن من يشاء لمجرد معارضته، حتى وإن كانوا من أخلص العلماء، وتسمح له بالاستحواذ على المال العام تحت عنوان "التفويض"؟ إن مشروع السلطة اليوم يسعى إلى فرض نموذج واحد للحكم، نموذجٍ لا يشترط العدل، ولا يخضع للمساءلة، ولا يسمح لأي مرجعية مستقلة أن تقول: "لا".
سياسيًا، يمكن تفنيد محاولات تجريم الاعتقاد بفكرة ولاية الفقيه من دون كبير جهد، فأي دستور يكفل حرية الضمير والمعتقد، بما فيهم دستور المنحة، حيث تنص المادة 22 منه على أن "حرية الضمير مطلقة، وتكفل الدولة حرمة أماكن العبادة وحرية القيام بشعائر الأديان". والمادة 23 صريحة في أن "حرية الرأي والتعبير مكفولة". فإذا كانت ولاية الفقيه رأياً وعقيدة، فكيف يمكن تجريمها دون انتهاك صريح للدستور؟ إلا إذا كنا نتعامل على قاعدة "ما وافق هواهم شرع، وما خالفهم منع". هذا إضافة للمواثيق الدولية التي صادقت عليها البحرين، كالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والتي تحظر التمييز على أساس الدين (المادة 2)، وتكفل حرية الفكر والضمير (المادة 18)، فهل هناك تمييز أكبر من تجريم عقيدة دينية كاملة باسم "الأمن القومي" أو "وحدة الصف"؟
أخطر ما في الأمر أن السلطة لا تكتفي بمنع نشر الفكرة، بل تسعى لتحويلها إلى جريمة يعاقب عليها القانون، كما هو الحال مع السرقة أو القتل، ما يعني أن المواطن الشيعي أصبح مجرماً بمجرد اعتقاده بخصوصيات مذهبه، وهذا هو عين الاضطهاد الديني الذي تزعم هذه السلطات أنها تحاربه.
اليوم، يجدر بمستشاري السلطة اقتراح توسيع دائرة التجريم لتشمل كل ما قد يزعج العقل السياسي الرسمي. لنُجرِم الأذان لأنه يعلن "الله أكبر" من أي سلطة أرضية، ما يخل بالولاء المطلق للدولة. ولنُجرِم صلاة الجمعة لأنها تجمع الناس خلف إمام غير حاكم البلاد! فنحن أمام ثقافة خوف من أي بديل ديني.
ما يريده أولئك الساعون لتجريم الاعتقاد بولاية الفقيه إنما هو فرض الوصاية على الدين من قبل الدولة بالقوة، كبديل عن النموذج المبني على أساس فقهي وأصولي، والذي عكفت عليه علماء الإمامية على مدى قرون، وهذا هو عين الاعتداء على الخصوصيات المذهبية.
أما لو توقّع أحدٌ قبل عام 1979م أن تُضاف "ولاية الفقيه" يومًا إلى مواد قانون العقوبات في بلدٍ عربيٍّ مسلم، لكان توقّعه مثارًا للسخرية والتندّر.
للقراءة:
https://t.co/xzxPDVhWKn
مواكب البحرين تتحدّى الترهيب.. لا عزاء تحت وصاية أمنية
مرآة البحرين
مرةً جديدة، يُثبت البحرينيون أنهم أهل الولاية والثبات. ليلة استشهاد الإمام الجواد (ع)، انتظر الكثير من الحاقدين والشامتين أن يرضخ الموالون لأهل البيت (ع) للتهديد والوعيد الذي أطلقته وزارة الداخلية، بعد المجازر الطائفية التي نفّذتها مؤخرًا، ولاسيّما بحقّ علماء الشيعة الكبار والبارزين على صعيد البحرين.
المشهد في الشارع البحريني ليل 16 أيار/مايو كان مؤثّرًا ويحمل رسالة واضحة بأن لا نقاش في هويّتنا الإسلامية وعقائدنا وعزائنا وشعائرنا وحُزننا على أئمّتنا (ع) في كل المناسبات، وهذه المواكب والإحياءات نموذجٌ للإخلاص والوفاء لخطّ أهل البيت (ع) مهما بلغت التحديات.
المشهد الشعبي في القرى والبلدات قدّم جوابًا مختلفًا تمامًا عمّا أرادته السلطة. الناس نزلوا إلى الساحات، ازدحمت الشوارع بالمواكب، وارتفعت الرايات السوداء من جديد، في صورة تؤكّد أن الذاكرة الشعبية والدينية في البحرين لا تُدار بالأوامر الأمنية ولا تخضع بسهولة لمنطق الترهيب.
خلال الأيام الماضية، حاولت الدولة أن تفرض معادلة جديدة: إمّا عزاء تحت السيطرة الكاملة، أو لا عزاء في الفضاء العام وخارج الحسينيات. لكن ما جرى على الأرض كشف حدود هذه المقاربة. ففي أكثر من منطقة بحرينية، خرجت مواكب العزاء وسارت في الشوارع وسط حضور لافت، خصوصًا من الشباب، في مشهد بدا وكأنه استفتاء شعبي صامت على حق الناس في ممارسة شعائرهم الدينية والتعبير عن هويتهم الجماعية.
السلطة التي أرادت تحويل مراسم العزاء إلى ملف أمني بحت في أول اختبار له عقب توقيف العلماء، فوجئت بأن الحضور الشعبي كان أكبر من لغة التخويف. فمنذ بداية التصعيد، سادت أجواء من التهديد والاستدعاءات والرقابة المكثّفة، وترافق ذلك مع خطاب رسمي يحاول ربط المواكب الشعبية بمفاهيم "الإخلال بالنظام"، غير أن البحرينيين تعاملوا مع القضية باعتبارها مسألة وجود وحق ديني، لا مجرّد فعالية موسمية يمكن إلغاؤها بقرار إداري.
المواكب التي خرجت مؤخرًا لم تكن مجرّد تجمعات دينية تقليدية، بل حملت في مضمونها رسالة واضحة: المجتمع ما يزال حيًا على الرغم من كلّ محاولات الترهيب وإنتاج نموذج الشيعي الموالي للسلطة. الصور والمقاطع المتداولة أظهرت أعدادًا كبيرة من المعزّين يسيرون في الشوارع بثقة، غير آبهين بأجواء التهديد. هذا الحضور الكثيف أعاد إلى الأذهان حقيقة لطالما حاولت السلطة تجاوزها، وهي أن المواكب الحسينية في البحرين ليست طقسًا عابرًا، بل جزء متجذّر من الوعي الشعبي والثقافة المحلية.
ثمّة مفارقة واضحة في المشهد البحريني اليوم. الدولة تتحدّث باستمرار عن التعايش والانفتاح، لكنها في الميدان تتعامل مع التجمعات الدينية الشعبية بعقلية أمنية بحتة. بينما تحاول وزارة الداخلية تسويق نفسها كجهة تنظّم الموسم وتحافظ على النظام، وفق مزاعمها، يشعر كثير من البحرينيين أن المطلوب فعليًا هو إخضاع الفضاء الديني الشعبي بالكامل للرقابة السياسية.
للقراءة:
https://t.co/wnnqsMzCLk
لا تقعوا في فخاخ وزير الداخلية
عباس الجمري؛ مرآة البحرين
في سياق السرديات المكررة التي آثر النظام في البحرين إعادة الاعتبار لها ضمن أدوات الضربة الأمنية التي يتم توجيهها الآن للشيعة في البلاد، أعاد الخطاب الرسمي إثارة جانب من تاريخ سماحة العلامة الراحل الشيخ سليمان المدني رحمه الله، ولكن من بوابة جدلية، لا لتمجيد شخصه وعلمه ونتاجه الفكري والمعرفي والفقهي والعقائدي، وإنما لإدانة التيار المعارض عبر استعراض موقفه من حقبة زمنية انتهت، ولا تشبه في الكثير من تفاصيلها ما يجري الآن.
بدأت الإثارة تلك في خطاب ألقاه وزير الداخلية راشد بن عبد الله آل خليفة أمام شخصيات اجتماعية ورؤساء مآتم استدعتهم السلطة يوم 12 مايو الجاري، ونُشرت تفاصيله في الإعلام الرسمي، لتبدأ حملة إعلامية لازالت مستمرة لحد كتابة هذه السطور.
الوزير ضمّن خطابه جملة ملغومة: "رحم الله الشيخ سليمان المدني، الذي كان واضحًا في الموقف، ولكن تم إرهاب من يُصلّون خلفه، ومن هم حوله".
الحملة الموجهة أشادت بحكمة الشيخ المدني وبعدم تسييسه للخطاب الديني، وذلك بغرض إحداث بلبلة في الشارع الشيعي، تزامنًا مع جريمة اعتقال أكثر من أربعين عالم دين شيعي، وسحب جنسية 69 مواطناً معظمهم لا يتعاطون السياسة أصلًا.
كلمة الوزير جاءت لتوحي بالدفاع عن الشيخ المدني ضد العلماء الآخرين، لكنها لم تخلُ من تأليب تيار عريق داخل البيت الشيعي على تيار آخر، في وقت يغيب الشيخ المدني في عليائه -رحمه الله- ولا يمكنه بطبيعة الحال إبداء رأيه في الأحداث الجارية وتفاصيلها، فهو وإن كان يختلف في منهجه السياسي مع بقية العلماء، إلا أن ذلك لا يعني أنه يؤيد اعتقالهم والتنكيل بهم بالصورة القائمة الآن، وهو لم يُسأل ولم يُستفتَ في ذلك ليُستحضر بهذه الكيفية لشرعنة حملة ظالمة تقودها الدولة على العلماء.
الحملة المركّبة متعددة الطبقات، هدفها الأول والأخير إيذاء الشيعة، لكن الأخطر هو الرغبة في إرهاب المجتمع الشيعي الذي اعترف الوزير بأصالته في تاريخ البلد، إلا أنه أضفى شرعية على استباحته بزعم خضوعه لما أسماه "فكر ولاية الفقيه" والحرس الثوري، ومزاعم أخرى ممجوجة.
من هنا، أرغب في التشديد على نقطتين حول زج اسم سماحة الشيخ المدني في سياق الحملة الأمنية:
النقطة الأولى: أننا أمام فخ يستهدف إعادة إنتاج الخلاف بين أبناء المجتمع الواحد، رغم أن العقل السياسي الشيعي في البحرين قد بلغ من النضج ما يؤهله لصد مثل هذه الفتن المفتعلة.
والفخ هنا لكلا الطرفين، سواء تيار الشيخ المدني نفسه، أو التيار الآخر، فالسلطة لا تدّعي وصلاً بليلى حبّاً فيها، ولا رعايةً لمصالحها، وواضح أنها تريد أن تضرب البيت الشيعي ببعضه لتسود هي من بعد ذلك (فرّق تسد)، وأن تستخدم هذا الطرف لإيلام الطرف الآخر، حيث لا مصلحة لتيار الشيخ المدني في هذا الافتعال، ولا المعركة معركته، ولا هو الذي يقودها ليتحمّل تبعاتها اجتماعياً، وهو يعي أن السلطة تريده أن يكون بيدقاً لضرب الأخ أخيه، والجار جاره. أما التيار نفسه فهو متضرر أصلاً منذ 2011 حاله كحال غيره من التيارات الشيعية الأخرى، فالبطالة والتمييز والفقر والتجنيس وغيرها ليست موجّهة للتيار المعارض وحده، ولا تفرّق إن كان الشيعي مدنياً أو جمرياً أو قاسمياً، هذا فضلاً عن تضرر الجناح السياسي للتيار وعزله عن المشهد البرلماني بقرار ممن يدير الغرف المظلمة لصالح تركيبة انتخابية تخدم ما تراه هذه الجهات.
النقطة الثانية: لمن ابتلع الطعم وردد كلام الوزير حول الشيخ المدني، يجدر التأكيد -كما ذكرت- إلى أن الشيخ رحمه الله انتقل إلى جوار ربّه، وليس من الأخلاق استخدامه بهذه الطريقة في أحداث تختلف في تفاصيلها مع أحداث التسعينيات التي كان حاضراً خلالها، وإن كانت تتشابه في بعضها، ولو كان حاضراً بيننا اليوم ربما لكان له رأيٌّ آخر يتناسب مع التعقيدات الموضوعية الموجودة على الساحة، خصوصاً فيما يتعلّق بأصل هذه التداعيات القائمة والحرب على إيران والجهة المعتدية واستخدام الأراضي البحرينية في هكذا حرب، والمؤكد أنّ سماحته كما قلت، وإن كان يختلف في منهجيته السياسية مع العلماء، لكنه من المستبعد أن يرضى بإيقاع الظلم عليهم واستهدافهم، لذا من الإجحاف استحضاره بهذه الطريقة في معركة ظالمة على العلماء لا يمكن أن يؤخذ رأيه فيها لانتقاله إلى الرفيق الأعلى.
البحرين تمر بظرف بالغ الحساسية، وحملات النظام العدوانية لم تتوقف ولم تتضح تداعياتها الكاملة بعد، لذا فالتريث والصمت خير من الانسياق خلف سلطة لا تملك شرف الخصومة، ولا تراعي مخاطر تداعي المجتمع وتفككه.
أما عن الذين وعوا خطورة هذه الفخاخ، فأعتقد بقدرتهم على إفشال النهج الأمني القاسي الذي فعّلت السلطة أدواتها فيه بكل وحشية تجاه مكون رئيسي من مكونات مجتمع البحرين، وأرادت أن يكون البيت الشيعي كلّه حطباً فيه
البحرين: هل ربحت الموالاة معركة 2011؟ وماذا ينتظرها بعد 2026؟
علي الفايز؛ مرآة البحرين
تتبنى السلطة الحاكمة في البحرين مشروعًا أحد أبرز أركانه تكريس الانقسام الطائفي تحت شعار "الوطنية". ووفق هذا المنطق، تُختزل الوطنية في الولاء المطلق والأعمى للحاكم، حتى وإن تعارضت سياساته وقراراته وسلوكياته مع المصلحة الوطنية، وأدت إلى الإضرار بالشعب والوطن، وتقويض الأمن والاستقرار. وهذا هو الخطاب الذي يروجه بعض من تستخدمهم السلطة، حيث يمنح الخضوع والتبرير غطاءً دينيًا، بما يخدم السلطة ويمنحها الشرعية، حتى وإن بلغت ارتباطاتها وتحالفاتها درجة التماهي مع المشروع الصهيوني.
في عام 2011، ومن أجل أن يكون الشعب البحريني، بشيعته وسنّته وسائر مكوّناته الأصيلة، صاحب السيادة الحقيقي كما ينص الدستور، خاضت المعارضة معركتها وقدّمت التضحيات. كان الهدف أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، وأن تُدار ثروات البلاد وسياساتها بما يحقق الأمن والاستقرار والرفاه لجميع المواطنين دون استثناء. ومن أجل ذلك، تجاوزت المعارضة الجراح وتحملت الكثير، ولم تطلب من المحسوبين على الموالاة سوى أن يُنصفوا أنفسهم.
لكن في المقابل، كيف تصرفت شخصيات الموالاة حيال الحراك المطلبي؟ وهل كانت النتيجة بالنسبة للمجتمع المحسوب على الموالاة سوى مزيد من التجنيس العبثي والقهر المعيشي والبطالة وتآكل الحقوق؟ ثم ما موقفها من تكدّس الامتيازات والثروات لدى فئة محدودة من المنتفعين وكبار المتنفذين بينما تُحيّد الطبقة الصامتة أو الخائفة أو المُضلَّلة، عبر شعارات زائفة في مقدمتها الطائفية، والتي استثارت المشاعر وشوشت العقول، واستُغلّت لخدمة مشروع الانقسام وإدامة الهيمنة.
اليوم ونحن في العام 2026, وفي أمواج التغيير الإقليمي والعالمي، ومع إعادة رسم الخرائط السياسية والاقتصادية والجغرافية للمنطقة، فإنه من المؤسف أن الخراف لازالت تُجر للمذبح قربةً لأمريكا وفداءً لإسرائيل، وما الطائفية إلا مفتاحًا للمسلخ.
لازالت المعارضة تدعو لإغلاق القواعد الأجنبية الجاثمة على أرضنا، إضافة لوقف سفينة التطبيع العبثي، وكم تمنت أن تتخذ السلطة موقف الحياد -على أقل تقدير- برفض تحويل بلدنا لمنصة للعدوان على الجيران، حفظًا لواقع ومستقبل الوطن.
ونعيد التذكير هنا بأنّ السلطة عندما صمّت آذانها عن النصائح وأعطت الضوء الأخضر لاستخدام أراضينا في المجهود الحربي، ورّطت الوطن في حرب على جار مسلم، رأينا موقفًا مغايرًا من عموم الشعب البحريني عبر إظهار الفرح على قصف قواعد الأمريكي والصهيوني المتواجدة على أرضنا، منطلِقًا من إيمانه بقيمه الثابتة بدينه وعروبته، ولم يكن مفاجئًا اعتبار هذا الموقف الشعبي التاريخي "خيانة" في نظر الحاكم، رغم اتساق الموقف مع دستور البلاد وبداهة انحياز الشعب تجاه قضية فلسطين التي تُذبح منذ عقود بالسلاح الأمريكي.
أما تساؤلنا في هذه المرحلة عن موقف "الموالاة" من اصطفاف النظام مع محور أمريكا وإسرائيل، فينطلق حرصًا على مستقبل البلد واستقلاله، خصوصًا والجميع يلحظ تآكل ما تبقى من سيادته أمام التغوّل الأمريكي في توجيه دفته، وتمكن الفساد من اقتصاده على حساب لقمة المواطن الذي يُلاحق بالضرائب على ما يتبقى له من فتات. نسأل عن موقف مكونات الشعب رغم فوضى ذباب الحكومة الإلكتروني المتغطي بأسماء عوائل أهل السنة الكرام كذبًا وتدليسًا.
سينجلي غبار الحرب وستخفت حملة النظام ضد المكون الشيعي، عندها ستعود قضايا المواطن العادي للصدارة، وسيواجه الجميع أسئلة مُلحة حول الهموم المشتركة، عندها سيتوجب على القوى الوطنية إعادة تقييم المواقف ونتائجها.
في هذا السياق، يمكننا استحضار بعض الحقائق والثوابت :
1- أهمية الدور الذي تلعبه الجغرافيا في السياسة. 2- حقبقة وجود مشروع إسرائيل الكبرى وأطماعها. 3- إيران والولايات المتحدة هما طرفا الحرب الأساسيان في المنطقة. 4- مركزية الاقتصاد في الحروب ولاسيما ما يرتبط بسوق الطاقة وطرق التجارة. 5- إخفاق الولايات المتحدة في حماية قواعدها وقواتها فضلًا عن "حلفائها". 6- بُعد الولايات المتحدة آلاف الأميال عن منطقتنا وأن مصالحها هي ما يربطها بمنطقتنا. 7- إيران بلد كبير المساحة، وشعبها يناهز المئة مليون، ويربطنا بها الجوار والإسلام والتاريخ. 8- انحصار دور دول الخليج ببيع الطاقة لا إدارة سوقها، وقد أضعف وزنها بدء تفكك "أوبك". 9- إيران صديق اقتصادي لروسيا والصين وهي من تباشر فعليًا مواجهة هيمنة الولايات المتحدة اليوم. 10- الشيعة في محيط الخليج (إيران والعراق و دول الخليج) يمثلون أكثرية عددية وقوة صاعدة. 11- مشروع المقاومة هو مشروع أمة تسعى لتحرير فلسطين.
للقراءة:
https://t.co/MyPtPswI6Q
الداعشية السياسية تفخخ أحزمتها من قصر الصافرية
باقر قرويش؛ مرآة البحرين
لم يكن مفاجئا أن تتجه السلطات الأمنية إلى التصعيد بعد الاجتماع الأخير لمجلس العائلة الحاكمة، وحملات الحرب النفسية لمرتزقة خطاب الكراهية في مواقع التواصل الاجتماعي؛ فضلًا عن التحريض الإعلامي المصاحب لموجة إسقاط الجنسيات التعسفي، إنما ما كان مفاجئا هو استحضار أدوات التحريض الطائفي المستخدمة في 2011، والذهاب بعيدًا في مشروع الإجهاز على مقدرات الطائفة الشيعية، والاستهداف المجنون لغالبية علماء الطائفة الشيعية في البحرين. استخدمت وزارة الداخلية في بياناتها عددًا من المفردات مثل "الإرهاب المنظم" و "التوغل"، فيما يشبه التشريع الوقائي القمعي؛ لتبرير تحويل كل الأنشطة الدينية لجريمة ما لم تدر في فلك السلطة؛ خصوصًا بعد اعتماد تقنية القمع بالصدمة الجماعية على غرار الأداء الإعلامي المعروف لداعش؛ لتوليد حالة رعب جماعية لفرض الطاعة لكل أجندة السلطة. ومن الغريب، أن السلطة التي تحتكر أدواة القوة وتبرز نفسها في موقع المسيطر، تعتمد في التحريض الإعلامي على حسابات مجهولة لتسريب المعلومات ذات أغراض الحرب النفسية في مواقع التواصل الاجتماعي؛ لتبشر بأساليب ترهيبية بقوائم إسقاط الجنسية وبالقرارات المتعلقة بالعقاب الجماعي قبل صدورها رسميًا، وكأنها تعيش ظروف المعارضة المرغمة في العمل بظروف العمل السري.
فضلًا عن الجرعة الإعلامية الترهيبية في تعظيم صورة الإنجاز الأمني ونشر الخوف؛ فإن توجه السلطة في ضرب استقلالية الشأن الديني والإنذار باستهداف الحوزات العلمية والمؤسسات التعليمية وخطب الجمعة والجماعة ورياض الأطفال؛ یعيد التذكير بمنهجية داعش في السيطرة على المساجد والمدارس والمؤسسات المدنية لتحويلها لأدوات سيطرة وترويع. وكما في 2011؛ فإن تجريم المعتقدات الفقهية في طريقة تناول فكرة ولاية الفقيه، وهي من النظريات الشيعية المبحوثة من مئات السنين، وتصوير كل من لا يتبنى فكر "ولایة الأمر" وفق التفسير السياسي للسلطة عدوٌ يجب استهدافه بأقصى العقوبات، ومنها الإعدام المدني كإسقاط الجنسية، بما يشبه منطق الإرهاب الجمعي للمعتقدات لدى داعش؛ فالسلطة تتعامل مع الأحكام الفقهية والرسائل العملية لكبار مراجع التقليد الشيعة على أنها تشكل تهديدًا أمنيًا، يجب مواجهته عبر انتزاعها من عقول الأطفال قبل الكبار. وأما عن حملات الاعتقال التعسفي التي طالت 41 عالما، وهي آخذة في التوسع، فإن هذه الحملات التی لا تستند لإطار قانوني، وتجري -كما هي عادة الأجهزة الأمنية القمعية- خارج الضوابط القانونية، وهي أشبه بالمحاكمات الإعلامية العلنية لداعش؛ لفرضها عقوبات خارج المسار القضائي الطبيعي، وبعبارة أخرى: داعشية قانونية. إن اللجوء للعقاب الجماعي بذريعة الولاء والضرورات الأمنية إنما يمثل استنساخًا للمنطق الداعشي في سلب الإرادة الجماعي لمكون ديني بلا مبررات أو أدلة واقعية لفرض الولاء السياسي القسري، ولم يكن ينقص بيانات وزارة الداخلية سوى صعود أبو بكر البغدادي على منبر من منابر الصافرية، وربما استضافته بمجلس العائلة الحاكمة!
*رئيس منتدى البحرين لحقوق الإنسان
للقراءة:
https://t.co/w9mcPnlV4T
مع البحرينيين في وجعهم اليومي
لطيفة الحسيني؛ مرآة البحرين
في خضمّ المشهد المتأزّم اليوم في البحرين والخانق والقاهر، سألتُ أحد المواطنين البحرينيين: ما هو الأصعب بالنسبة لكَ، أن تُمسي بلا جنسية أو أن تُسجن مدّة طويلة داخل بلدك؟ لم أحصل على إجابة حاسمة، ربّما لأن الخياريْن قاسيان. أسمع من مواطن بحريني آخر يقول: شعبنا أصبح عبارةً إمّا عن مُعتقل، أو مهجّر بلا جنسية، أو شهيد!
في حالة البحرين، لا تحتاج لأن تحمل الجنسية، وليس مطلوبًا أن تكون مواطنًا أصيلًا لتُلامس وجع الجميع وتنبض بهمومهم. الكلّ مُراقب، مُهدّد، مُلاحق، مُحاصر، مُقيّد، في المحصّلة مُستهدف. لم يعْهد هؤلاء حالة خانقة كالتي يعيشونها اليوم. دولةٌ تُصرّ على التحكّم حتى بتفكيرهم وعقائدهم.
الوضع الصعب يتجلّى في يوميات هؤلاء. الكلّ يتعرّض لإرهابٍ متواصل. أجهزة أمن تتحيّن الفرص للانقضاض على أيّ مواطن شكّل إزعاجًا للدولة. تكاد البحرين تكون أكثر البلدان استدعاءً لمواطنيها وسؤالهم: لماذا كتبتَ ذلك؟ لماذا قلتَ هذا؟ ولماذا انتقدتَ تلك؟
اليوم لا يُسمع عن تغليظ للعقوبات إلّا في البحرين. لا يُسمع عن سجنٍ مؤبّد أو إسقاط جنسية على نحوٍ فاقع إلّا في البحرين. لا يُسمع عن نشاطٍ كثيف لجهة رسمية تُعنى بالجرائم الالكترونية إلّا في البحرين. لا نسمع عن حالة انصياعٍ كامل للحاكم وتقديسه وتعظيمه إلّا في البحرين. لا يُسمع عن لون واحد في وسائل الإعلام إلّا في البحرين. لا يُسمع عن عناوين صحافية منسوخة ومُتشابهة إلّا في البحرين. لا يُسمع عن تجريد من هوية وطنية متجذّرة لمئات السنين إلّا في البحرين.
كلّ هذا بسبب ماذا؟ لأنّ فئة وازنة من الشعب اختارت التمسّك بعقيدتها الإسلامية التي أصبحت اليوم خطًا أحمر بالنسبة للدولة البوليسية. هذه الفئة التي استقطبت بإخلاصها وثباتها على ولاية وتعاليم أهل البيت (ع) ومدرسة الحسين بن علي (ع) كلّ المسلمين العرب ولاسيّما الإثنا عشريين، وكانت نموذجًا حقيقيًا للتعرّف على الإيمان الفطري بالدين المحمدي الأصيل، ومِصداقًا حيًّا لجهاد التبيين في زمن السلاطين الجائرة.
اليوم، ثمّة وطنٌ كاملٌ يعيش على أعصابه. الناس لا تخشى فقط الاعتقال، بل تخشى أن تتحوّل إلى أرقام جديدة في نشرات الأحكام القاسية، أو إلى أسماء تُتداول في أخبار المداهمات والمحاكمات السريعة بسبب تهمٍ لا تستحق أن تكون تهمًا. في كلّ يوم، تكبر مساحة القلق، ويشعر المواطن أنّه محاصر بين الصمت الذي يجرحه، والكلمة التي قد تُكلّفه عُمرًا من المُلاحقة.
في البلدات والقرى، ثمّة وجوهٌ تٌغيّرها الأحزان بصمت. أمٌّ تنتظر اتصالًا من ابنها المعتقل، وأبٌ يُخفي دموعه كي لا تنهار العائلة، وأطفالٌ يكبرون على صورة الغائبين خلف القضبان. هذه ليست حكايات فردية معزولة، بل مشهد جماعي لوطنٍ يتعب بصمت.
الأشدّ إيلامًا ليس فقط في الاعتقالات نفسها، بل في ذلك الإحساس العام الذي يصل لكلّ مُواكب لأخبار البحرين بأنّ العدالة لم تعد ملاذًا آمنًا للناس. حين تُصبح الأحكام صادمة في قسوتها، يشعر المواطن أنّه مكشوف أمام الخوف، وأنّ مصيره قد يتغيّر بكلمة أو موقف أو حتى شُبهة، وهنا حتمًا تفقد المجتمعات شعورها بالأمان.
يُقال إن الأوطان لا تُحمى بالخوف وحده، ولا تستقرّ بالملاحقات المفتوحة، بل تُحمى بالعدالة التي يشعر الناس أنّها تُنصفهم جميعًا، وبالمساحة التي تسمح للمواطن أن يتنفّس دون أن يرتجف من الغد. وهذه هي البحرين اليوم على هذه الصورة وهذا الواقع. الهاجس الأمني دائم والدولة تستعرض مشاريع التطهير في البلد مما تسميه "أتباع ولاية الفقيه".
تحتاج البحرين إلى اللين وليس إلى القسوة، بل إلى لحظة إنصاف تُداوي هذا التعب المتراكم في قلوب أهلها. تحتاج إلى أن يشعر الناس أنّهم أبناء وطن من الدرجة الأولى، لا ينتظرهم طائفيون يُبغضونهم، لا أن يكونوا مشاريع اتهام دائمة. الشعوب قد تصبر طويلًا على الضيق، لكنّها لا تنسى أبدًا شعورها بالخذلان حين يتحوّل الخوف إلى أسلوب حياة.
للقراءة:
https://t.co/ciX9FNbCQ5