من الخيول إلى المسيّرات... كيف تعيد الحروب تشكيل مفهوم القوة؟
"
"
عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية كانت الجيوش لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الخيول والفرسان، وكانت صورة الجندي الممتطي جواده جزءًا أساسيًا من مشهد المعركة ،لكن الحرب انتهت وقد تبدلت طبيعة القتال بالكامل، لتصبح الدبابات والطائرات والمدفعية الثقيلة هي العنوان الرئيسي للحروب الحديثة لم يكن الانتقال تدريجيًا بقدر ما كان صدمة تاريخية فرضها الميدان ، وأثبتت أن الحرب نفسها هي التي تعيد تشكيل مفهوم القوة .
اليوم نسمع باستمرار عن الجيوش الكبرى ، وعن الطائرات الخارقة وصفقات السلاح بمئات المليارات، والتقنيات التي تسوق لها الولايات المتحدة والصين وروسيا وغيرها باعتبارها ذروة ما وصل إليه البشر في مجالات القوة والتدمير ، لكن الحقيقة أن كل هذه الادعاءات تبقى نظرية إلى أن يتم اختبارها في الميدان ، فالتقارير العسكرية والعروض الدعائية والمناورات المنظمة ، لا تكشف دائمًا حقيقة فعالية السلاح ، لأن الحرب وحدها هي التي تضع التقنية أمام امتحان البقاء .
عندما بدأت الحرب الروسية الأوكرانية كان كثير من الخبراء يراهنون على أن الحسم سيكون لصالح أنظمة الدفاع الجوي الثقيلة مثل S-400 Triumf، أو لصالح الطيران التقليدي ، أو الدبابات، أو الصواريخ بعيدة المدى ،لكن ما كشفته الحرب كان مختلفًا تمامًا ؛ إذ أثبتت أن هذه الحرب هي ، قبل كل شيء ، حرب الطائرات المسيّرة.
فجأة أصبحت الطائرات الصغيرة بدون طيار هي العنصر الأكثر تأثيرًا في ميدان القتال. استعانت روسيا بتكنولوجيا إيرانية، خصوصًا طائرات Shahed drone، وتحولت أوكرانيا إلى مختبر عالمي لتطوير تقنيات الطيران المسيّر ، سواء من حيث الاستطلاع أو الهجوم أو التشويش أو الحرب الإلكترونية . كما أن انتشار الطائرات المرتبطة بخيوط الألياف الضوئية لتفادي التشويش فتح فصلًا جديدًا في تاريخ الحروب ، وهو فصل لم يكن كثيرون يتحدثون عنه قبل اندلاع الحرب .
لقد أثبتت الأحداث أن الحديث النظري شيء ، والمعركة شيء آخر. شاهد العالم الجيش الروسي الذي كان يستعرض بأرتال ضخمة من الدبابات والمركبات الثقيلة ، ثم رأى كيف تحولت بعض الوحدات لاحقًا إلى استخدام الدراجات النارية ووسائل النقل الخفيفة لتجنب الاستهداف . والأسلحة التي كانت توصف بأنها قاتلة وحاسمة تبخرت أهميتها أمام طائرة صغيرة قد لا يتجاوز سعرها مئات الدولارات ، لكنها قادرة على تدمير دبابة تكلف ملايين الدولارات .
هذه المفارقة تكشف حقيقة مهمة.. ليست كل الأسلحة التي يتم الترويج لها فعالة بالضرورة ، وكثير من التقنيات العسكرية قد يكون جزءًا من بروباغندا سياسية أكثر من كونه انعكاسًا لقوة حقيقية . فالدول تحاول دائمًا تضخيم قدراتها وردع خصومها نفسيًا قبل أي شيء آخر، لكن الحرب وحدها هي التي تفضح الوهم وتمنح الشرعية للتقنية التي تثبت نفسها .
في النهاية، الحروب ليست مجرد صراع بين جيوش ، بل هي لحظات تاريخية تعيد تعريف أدوات القوة ، وتنقل العالم من عصر إلى عصر . كما نقلت الحرب العالمية الثانية العالم من عصر الخيول إلى عصر الدبابات، فإن الحرب الروسية الأوكرانية قد تكون الحرب التي تنقل العالم من عصر السلاح الثقيل التقليدي إلى عصر الطائرات المسيّرة والحروب الذكية . وفي كل الأحوال ، يبقى الميدان هو الحكم النهائي، وليس التقارير أو تصريحات الخبراء .
حسين باراس
من هيمنة الغرب إلى صعود الصين... تحولات النظام الدولي..
"
"
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، وبعد هزيمة ألمانيا وانتصار الحلفاء، برزت الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة العظمى الأولى في العالم ، في تلك اللحظة التاريخية ، بدأت موازين القوة الدولية تعاد صياغتها بشكل جذري ؛ فتراجعت بريطانيا ، التي كانت يومًا ما الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ، لتتحول تدريجيًا إلى شريك يدور في الفلك الأمريكي ، بينما أصبحت واشنطن القائد الفعلي للمعسكر الغربي .
ومع تشكل النظام الدولي الجديد ، لم يعد الصراع مجرد تنافس بين دول ، بل تحول إلى مواجهة شاملة بين محورين ؛ محور غربي رأسمالي تقوده الولايات المتحدة ، ومحور شرقي اشتراكي يقوده الاتحاد السوفيتي . كان ذلك صراعًا بين رؤيتين للعالم ، بين اقتصاد السوق والاقتصاد الموجه ، وبين فلسفتين سياسيتين متناقضتين .
لقد استطاعت الولايات المتحدة ، خلال هذه المرحلة ، أن تبني نظامًا دوليًا يشبه بحرًا واسعًا يمتلكه الغرب بالكامل . من أراد أن يعيش ويتحرك داخل الاقتصاد العالمي ، كان عليه أن يبحر في هذا البحر وفق القواعد التي وضعها الغرب . نشأت منظومة مالية عالمية ، وقوانين للتجارة ، وخطوط إمداد وأسواق وأساليب تمويل ، كلها صيغت بما يخدم الهيمنة الغربية . بدا العالم وكأنه مجموعة من اللاعبين ، بينما كانت أمريكا تمتلك الملعب والكرة والقوانين .
في المقابل ، امتلك المحور الشرقي قواعده الخاصة وأيديولوجيته الصلبة ، لكنه كان يحمل في داخله نقطة ضعف قاتلة وهي الاقتصاد . فالنظام الاقتصادي الاشتراكي ، رغم قدرته على الحشد والتصنيع العسكري ، لم يكن يتمتع بالمرونة أو التنافسية الكافية . غياب البيئة التنافسية أدى إلى ضعف في الجودة والإنتاجية والابتكار . فالتنافس ، في جوهره ، هو ما يدفع نحو تحسين المنتج وتقليل التكلفة ورفع الكفاءة . وعندما يغيب هذا العامل ، تظهر مواطن القصور بوضوح . وقد تجسد ذلك في النهاية بسقوط الاتحاد السوفيتي في مطلع التسعينيات ، وهو الحدث الذي أنهى مرحلة الحرب الباردة وكرّس لحظة الأحادية الأمريكية .
لكن التاريخ لا يتوقف عند انتصار قوة واحدة . فمع بداية الألفية الجديدة ، بدأت قوة صاعدة أخرى تظهر على السطح الصين .
الصين لم تدخل اللعبة الدولية بوصفها نسخة مكررة من الاتحاد السوفيتي ، ولم تنخرط كليًا في المنظومة الغربية . على العكس، لعبت اللعبة بأدوات حديثة ، لكنها احتفظت ببحرها الخاص . فتحت نافذة محدودة على الاقتصاد العالمي ، سمحت من خلالها بالتبادل والاستفادة من الأسواق والتكنولوجيا ، لكنها أبقت السيطرة الكاملة بيد الدولة . لم تذب في البحر الغربي ، بل بنت فضاءها الخاص منظومة اقتصادية ، فلسفة حكم، ورؤية استراتيجية مختلفة .
وهنا تكمن خصوصية النموذج الصيني فهو يستخدم بعض أدوات السوق والرأسمالية لكنه لا يتبنى الفلسفة الغربية ذاتها ،الصين بنت اقتصادًا قويًا. ، وطورت قاعدة صناعية هائلة وتحولت إلى مصدر رئيسي للتكنولوجيا والتصنيع وسلاسل الإمداد العالمية كما عززت قدراتها العسكرية بشكل كبير ، وأصبحت لاعبًا لا يمكن تجاوزه في المعادلة الدولية .
إن الخطر الحقيقي الذي تمثله الصين بالنسبة للولايات المتحدة لا يكمن فقط في تفوقها الاقتصادي أو توسعها العسكري ، بل في كونها تلعب وفق قواعد مختلفة . إنها ليست دولة منخرطة بالكامل في المنظومة الغربية بحيث يمكن إخضاعها بسهولة عبر الأدوات التقليدية من ضغوط مالية أو سياسية أو حتى عسكرية . إنها كيان مستقل ، يمتلك مؤسساته الخاصة، وشبكة علاقاته الدولية ، وسوقه الداخلية الضخمة، وقدرته الذاتية على الصمود.
ومع ذلك ، تبقى أمام الصين معضلة كبرى غياب الأيديولوجيا القابلة للتصدير فالغرب لم ينتصر فقط بقوته الاقتصادية والعسكرية ، بل أيضًا بقدرته على تصدير نموذجه الفكري والسياسي إلى العالم ، الديمقراطية الليبرالية ، حقوق الإنسان، واقتصاد السوق . أما الصين، فرغم نجاحها الداخلي ، ما زالت تفتقر إلى منظومة فكرية عالمية قادرة على منافسة النموذج الغربي في المجال الرمزي والثقافي .
ولهذا، فإن الصراع القادم قد لا يكون صراعًا على الاقتصاد وحده، بل صراعًا على تعريف المستقبل نفسه من يضع القواعد؟ ومن يملك البحر الجديد الذي سيبحر فيه العالم ؟
حسين باراس
شاهدتُ صورًا لما قيل إنه مصادرة أسلحة من مواطنين ثم إتلافها، وللأسف كان هناك من يهلّل لهذا القرار بشكل عاطفي.
أولًا ، ليس من حق أي جهة أو شخص اتخاذ قرار بمصادرة أو إتلاف ممتلكات الآخرين خارج إطار القانون . هذا سلوك يعكس عقلية فوضوية ومليشياوية غثر مسؤله، ويدل على جهل بطبيعة الدولة ومؤسساتها وصلاحياتها . فقرارات المصادرة أو العقاب يجب أن تصدر عن القضاء فقط ، لا أن تُترك لاجتهادات أفراد ، مهما كانت مناصبهم . وإلا فإننا نفتح الباب للفوضى ، حيث يمكن لأي شخص صاحب سلطة أن يتصرف وفق مزاجه دون محاسبة .
ثانيًا، إتلاف الممتلكات قرار غير مسؤول وينمّ عن غياب الوعي والإحساس بالمسؤولية . إذا رأى القضاء ضرورة مصادرة أي ممتلكات، فيجب أن تُحوّل إلى خزينة الدولة ، خاصة إذا كانت ذات قيمة مادية . هذه ليست مواد مخدره يجب اتلافها ، بل أصول يمكن الاستفادة منها، سواء عبر إعادة استخدامها من قبل الجهات الأمنية كالشُرطة والجيش، أو عبر إدارتها بطريقة تعود بالنفع العام. إتلافها يعني هدرًا مباشرًا للمال العام .
ومن المفارقات أن هناك وحدات قد تفتقر إلى أبسط التجهيزات ، بينما يتم استعراض القوة عبر تدمير ممتلكات يمكن أن تسد هذا النقص . ومع ذلك ، نجد من يصفّق لهذا السلوك وكأنه إنجاز.
في الحقيقة، نحن بحاجة إلى تهذيب الوعي العام ، لأن ما يحدث ليس حزمًا، بل طيش ونزق غير مسؤؤل .
حسين باراس
إطالة أمد الحرب في الخليج ...لمصلحة من من الناحية الميدانية؟
في قراءة أولية لأي صراع عسكري، قد يبدو أن الطرف الأقوى هو المستفيد الطبيعي من استمرار الحرب، بحكم تفوقه في العتاد والموارد. لكن التجربة التاريخية تكشف نمطًا مغايرًا ،إذ غالبًا ما تتحول إطالة أمد الحرب إلى فرصة استراتيجية للطرف الأضعف، لا عبئًا عليه.
في سياق الخليج ، تبدو هذه القاعدة حاضرة بوضوح فإيران ، بوصفها الطرف الأضعف عسكريًا مقارنة بخصومها، لا تسعى بالضرورة إلى حسم سريع ، بل إلى إطالة أمد المواجهة ذلك أن الزمن ، في مثل هذه الصراعات ، يتحول إلى أداة بيد الأضعف، يعيد من خلالها تشكيل موازين القوى بشكل غير مباشر.
ورغم أن كلفة الحرب على الطرف الأضعف تكون مرتفعة، فإن الكلفة على الطرف الأقوى غالبًا ما تكون أعلى وأكثر تعقيدًا. فالقوى الكبرى لا تخوض الحروب بمعزل عن حسابات الداخل حيث تتداخل التكاليف العسكرية مع الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية . ومع مرور الوقت ، تتحول هذه الضغوط إلى عنصر استنزاف حقيقي .
من هذه الزاوية، يمكن فهم كيف أن صمود الطرف الأضعف، واستمراره في القتال لفترة طويلة ، يُعد في حد ذاته شكلًا من أشكال الانتصار . فهو لا يحتاج إلى تحقيق تفوق ميداني كامل ، بل يكفيه أن يمنع خصمه من تحقيق نصر حاسم ، وأن يدفعه إلى حالة إنهاك تدريجي.
في الحالة الأمريكية ، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح. فاستمرار الحرب يعني تصاعد الكلفة المادية والبشرية ، وهو ما ينعكس مباشرة على الداخل الأمريكي ، سواء من حيث الاقتصاد أو المزاج العام. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية ، تصبح هذه الكلفة عاملًا سياسيًا ضاغطًا، قد يترجم إلى خسائر انتخابية ، خصوصًا في ظل حساسية الرأي العام تجاه الحروب الطويلة.
في المقابل ، يظهر النظام في طهران قدرة أعلى على التكيف مع الأزمات الممتدة . فسنوات العقوبات الطويلة صقلت بنية الدولة الإيرانية لتتعامل مع الضغوط الاقتصادية والسياسية بوصفها حالة طبيعية ، لا استثناء. وهذا يمنحها هامشًا أوسع للمناورة في صراع طويل الأمد.
في النهاية، الخاسر الأكبر هو شعوب المنطقة بشكل أساسي، التي تحولت أراضيهم إلى ساحة لتصفيه الحسابات .
#معركة #كسر #العظم..
حسين باراس
مع الأسف الشديد، يمتلك اليمن، شماله وجنوبه وشرقه وغربه، طيفًا واسعًا من النخب التي تُصرّ على تقديم البلاد بصورة رخيصة ومبتذلة ، فما إن يغادر أحدهم إلى الخارج، حتى يتحول سريعًا إلى “يوتيوبر”، لا إلى شخصية سياسية يُفترض أن تمثل بلدها أو مشروعها الوطني.
هذا الإصرار على استعراض تفاصيل الحياة العامة من المطاعم والشوارع والعمارات ، وصولًا إلى القطط والكلاب التي لم تسلم من عدسات الصحفيين يكشف حالة انبهار ساذجة ، تعكس عمق الأزمة التي تعيشها اليمن ، إلى الحد الذي بلغ فيه الأمر ببعض السياسيين ، المفترض أنهم يمثلون الشعب، أن يتباهوا بأنواع السيارات والفنادق التي يقيمون فيها .
حين تصبح الأشياء الطبيعية مصدر دهشة مفرطة، فإن ذلك يدل على ضعف الهمة وغياب أفق الإدراك . والأخطر أن بعض هؤلاء قد يتحولون إلى سياسيي المستقبل ، أو صانعي رأي عام ، وربما مؤثرين في مسار السياسة . فإذا كانت قشور الحضارة وحدها تُصيبهم بصدمة حضارية ، فكيف سيكون تصورهم لطبيعة الوطن ؟ وكيف يفكرون في مستقبله ؟
ما هي خططهم لبلد مدمّر ؟ وكيف يرون أفقه القادم ؟
نحن نعيش حالة كارثية بكل معنى الكلمة، ومع هذا المستوى من السطحية، يبقى السؤال المؤلم معلّقًا ...
أي مستقبل ينتظر هذه البلاد؟
وما مصير هذا الشعب الصابر؟..
هذا الطرح، رغم ما يبدو عليه من وجاهة إنسانية في ظاهره، يفتح بابًا لإشكال أعمق وأكثر خطورة. نعم، المجلس الانتقالي كان يعيل أسرًا، ويدفع رواتب، ويفتح بيوتًا، لكن السؤال الجوهري الذي لا يمكن الهروب منه هو..
هل كان المجلس جمعية خيرية؟
أم مؤسسة ربحية جرى تصفيتها، ويجب وفق هذا المنطق دفع حقوق “العمّال”؟
الحقيقة أن المجلس الانتقالي كيان سياسي . والكيانات السياسية لا تُنشأ لتكون مصدر دخل للبعص ، ولا لتتحول إلى مظلة معيشية، ولا لتقوم مقام الاقتصاد أو سوق العمل.
وهنا نصل إلى جوهر الأزمة...
هل يعني هذا الطرح أن كل من يريد راتبًا، أو تحسين وضعه المعيشي، عليه أن ينخرط في كيان سياسي؟
هل كل من لا يملك دخلًا، في بلد شُحّت فيه فرص العمل، وتآكل فيه الحد الأدنى للأجور حتى أصبح بلا قيمة، مطالب بالانضمام إلى مكوّن سياسي كي يعيش؟
بمعنى آخر، هل أصبح تحسين الوضع المعيشي مرهونًا بالعمل السياسي، لا بالكفاءة، ولا بالعمل، ولا بالإنتاج؟
هذه الفكرة تقودنا إلى نتيجة خطيرة ومقلقة...
من يريد أن يؤمّن معيشته، عليه أن ينخرط في مكوّن سياسي، ويشتبك مع بقية الأطراف، فإذا ما تضرر، أو قُتل، أو أُقصي، وُجد من يعوّضه.
أما من يعمل بجد، ويصبر على عبث المكونات السياسية المتصارعة، ويتحمل ظلمها ونتائج صراعاتها، فلا نصيب له من شيء.
بالله عليكم، أي منطق هذا؟
أي رسالة تُبعث للمجتمع حين يصبح الانتماء السياسي هو طريق العيش، بينما يُترك العامل، والموظف، والكادح، بلا حماية ولا أفق؟
وفق هذا المنطق العبثي، لا يسعنا إلا أن ننصح المواطنين بتأسيس كيانات سياسية، لا من أجل تمثيل الناس، ولا للدفاع عن القضايا العامة، بل فقط لننال “راتبًا” من التحالف كما ناله غيرنا.
وإن شاء الله، قريبًا، كل عاطل او عامل لايكفيه راتبه يؤسس حزب او ينظم لاي جماعة لتحسين دخله ..
هل نطالب بحقوقنا لأن لدينا نفطًا؟!!
أم لأن لدينا وطنًا . ...
من حينٍ لآخر، وبسبب موقفنا السياسي المطالب بحق حضرموت، أسمع من يقول،
"أنتم تطالبون بالاستقلال أو الانفصال أو سمِّه ما شئت لأن عندكم نفطًا، لكن النفط سينتهي، والنفط قليل أصلًا".
هذا الصوت، وهذا النفس تحديدًا، ليس عابرًا ولا بريئًا، بل له أسبابه وجذوره العميقة.
في جوهره، هو خطاب صادر عن عقلية قائمة على الفيد ؛ عقلية ترى الوطن مجرد ثروة تُنهب ، لا كيانًا يُصان .
صاحب هذا الخطاب يفكّر ويُسقِط هاجسه عليك ، فيتصوّر أن مطلبك السياسي ليس دفاعًا عن الكرامة أو الهوية، بل رغبة في الاستئثار بالنفط لان كل تفكيره يدور حول هذا الامر .
هو لا يراك شريكًا في الوطن ، بل آبار نفط ، وغازًا، وذهبًا قابلًا للاستهلاك .
هذا ليس خطابًا وطنيًا، بل خطاب نابع من ذهنية مبنية على النهب وهذا امر متجذّر في عقول البعض .
هذا الخطاب مع الأسف ، أسمعه أحيانًا من نخب تتحدّث كثيرًا عن السلطة والثورة ، لكنها نادرًا ما تتحدّث عن الكرامة ، والهوية ، والوطن .
عندهم الوطن مجرد موارد، أما الإنسان فهو آخر ما يُفكَّر فيه .
أما موقفنا نحن فواضح وبسيط،
نحن نريد وطنًا ، حتى لو كان حجرًا أو ترابًا ، لا توجد فيه قطرة نفط واحدة .
لأن الوطن لا يُقاس بالثروات، بل بالهوية، والتاريخ، والانتماء والكرامه .
النفط مجرد عنصر ريعي زائل ، قد ينضب اليوم أو غدًا، أما الوطن فباقٍ .
صحيح أن أهل الأرض هم الأولى بثروات أرضهم ، لا من باب الطمع ، بل لأنهم هم من تحمّلوا التلوّث ، ونُزعت أراضيهم، ودفعوا ثمن الاستخراج .
لكن من وجهة نظري ، الثروة الحقيقية ليست النفط ، ولا الغاز ، ولا أي عنصر في جوف الأرض .
لدينا عشرات الدول الغنية بالنفط وتعيش فقرًا مدقعًا ، وهناك العديد من الامثلة على ذلك مثل العراق، وفنزويلا، ونيجيريا.
النفط ليس بالضرورة نعمة ،في كثير من الأحيان يكون نقمة يجرّ معه التلوّث ، وعدم الاستقرار السياسي والصراع ، والفساد .
الثروة الحقيقية هي الإنسان،
الإنسان الذي يبني الحضارة ، ويصنع الاقتصاد ويحسن الإدارة ويحافظ على الأرض والتراب .
ومن هذا المنطلق، أرى حضرموت غنية جدًا لا بنفطها بل بإنسانها ،
بالإنسان الحضرمي، صانع الحضارة ، الذي أينما حلّ كان عامل بناء ، وبلسمًا للمكان ، لا عبئًا عليه .
هذه هي الثروة التي نعتز بها ونفخر بها .
أنا اريد بكيان لأنني أستحق وطنًا بعيدًا عن الفوضى والعبث والاضطراب والعنتريات .
بعيدًا عن التهميش وعن عقلية لا ترى فيك إلا خزان نفط لا شريكًا في المصير.
لا أبحث عن كيان بسبب النفط ، بل أبحث عن الخلاص من ذهنية مريضة تفسّر كل مطلب عادل بمنطق النهب .
نحن مع الأسف لم نكن نعيش مع شركاء وطن بل مع عقليات قامت على الفيد والهيمنة .
ومتى ما تغيّرت هذه العقليات حينها فقط قد نرى يومًا وطنًا مشتركًا يجمعنا .
حسين باراس
لا حوار بلا مرجعية ....ولا وطن بلا عدالة...
لم تكن مشكلتنا يومًا مع أي تيار بسبب اختلاف في الرأي، ولا مع أي مشروع لمجرد أنه يطرح رؤية مغايرة، فالتعدد في الأفكار ظاهرة طبيعية، بل شرطٌ أساسي لنهضة المجتمعات وصحّة الحياة العامة . والاختلاف، حين يُدار بعقلانية، يكون مصدر إثراء لا سبب صراع.
لكن أزمتنا الحقيقية تبدأ عند اللحظة التي يصبح فيها اللقاء أو الحوار مستحيلًا ، تبدأ حين يغيب المنطق عن النقاش ، وحين يقبل طرفٌ ما أن يُمارَس الظلم على الطرف الآخر ، أو يُفرض عليه التهميش ، أو تُصادَر حقوقه، تحت مبررٍ جاهز يتكرر في كل مرة..
«اصبر الآن، فهناك غاية وطنية كبرى ستتحقق لاحقًا ».
وكأن المطلوب دائمًا أن تتحقق تلك الغاية على حساب حقوقي ، وأن أُطالَب بالقبول بأن أعيش أقل من غيري ، لأنني وُضِعت في خانةٍ مؤجلة . مرةً باسم الوطنية ، ومرةً باسم الضرورة، وأحيانًا وهو "الأخطر "باسم الدين.
وتتعمق الأزمة أكثر عندما يعجز هذا الطرف عن مقارعة الحُجّة بالحُجّة ، فيلجأ بدلًا من ذلك إلى أسهل الطرق وأخطرها التخوين ، فبدل أن يُناقَش الرأي المخالف تفنيدًا موضوعيًا، يبدأ سيل الاتهامات ،
أنت تابع لفلان، أو أداة لعلان، أو واجهة لمخططٍ خفي .
وهنا ينتهي الحوار عمليًا ، لأنه يتحول من نقاشٍ عقلاني حول نقاط الخلاف إلى تراشقٍ بالتهم، لا ينتج معرفة ولا يقود إلى حل .
وتبلغ الأزمة ذروتها حين تُبنى القناعات على أكاذيب تاريخية ، مع رفضٍ تام للبحث أو التحقق أو المراجعة. تُشيَّد سرديةٌ كاملة على كذبة واحدة ، ثم يُعامَل كل من يجرؤ على مناقشة هذه الكذبة أو مساءلتها بوصفه عدوًا ، لا شريكًا في نقاشٍ مشروع ، وهكذا تتحول الرواية من فكرة قابلة للنقاش إلى عقيدة مغلقة لا تُمس .
وأخيرًا ، لا يمكن لأي نقاش أن يكون مثمرًا أو نزيهًا ما لم تكن له مرجعية حاكمة نحتكم إليها جميعًا ، سواء كانت العقل ، أو الدين في فهمه الصحيح ، أو قانونًا مكتوبًا واضحًا ومتفقًا عليه ، فبدون مرجعية مشتركة، لا يكون الحوار سوى جدلٍ عقيم ، ولا يكون الاختلاف إلا طريقًا مفتوحًا نحو القطيعة والانقسام .
إن أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم ليس الاختلاف، بل تحويل الاختلاف إلى أداة إقصاء ، وتحويل الوطنية إلى ذريعة لتبرير الظلم ، وتحويل التاريخ إلى أسطورة مغلقة لا يجوز الاقتراب منها ، وعند هذه النقطة ، لا يعود الصمت حكمة، بل يصبح مشاركة غير مباشرة في دعم الباطل .
حسين باراس .
القضايا العادلة لا تُحمَل بأدوات معطوبة
لا يمكن النظر إلى أي قضية سياسية أو وطنية، أو التعامل معها بجدية، من دون النظر إلى حاملها السياسي.
فمحاولة الفصل بين القضية وحاملها مغالطة منطقية مكشوفة، إذ إن القضايا السياسية لا تتحرك في الفراغ، بل تُحمَل وتُدار وتُنفَّذ عبر بشر لهم رؤى وانتماءات وتوجهات، وتتحكم في سلوكهم عوامل متعددة، من خلفيات سياسية ومناطقية ومذهبية وغيرها.
وأي قضية عادلة لا بد أن يبرز لها حامل سياسي يليق بها،حامل عادل، منطقي، وقادر على التعبير عنها بصدق ومسؤولية. فالقضية لا تُقاس بعدالة شعاراتها وحدها، بل بعدالة ووعي من يحملها ويجسدها على أرض الواقع.
من هنا، لا يمكن مثلًا تناول القضية الكردية بمعزل عن حزب العمال الكردستاني ورؤيته السياسية، سواء اتفقنا معها أم اختلفنا، لأن النقاش الجاد يربط القضية بحاملها وبالرؤية التي تقود مسارها.
وبالمنطق ذاته ، فإن محاولات بعض الأطراف عزل القضية الجنوبية عن ممارسات المجلس الانتقالي الجنوبي، في ظل غياب أي بديل سياسي حقيقي ليست سوى محاولة للهروب من مواجهة الأسئلة الصعبة المتعلقة بسلوكه ونزعته الإقصائية ، وارتهانه لقوى خارجية.
إن الطريق الأسلم ليس في التذاكي أو القفز فوق الواقع ، بل في مواجهة الحقيقة بشجاعة، والبحث الجاد عن حل سياسي وحامل وطني حقيقي يليق بالقضية ، بدل الاكتفاء بتبرير الواقع أو الالتفاف عليه.
حسين باراس
لا يمكن لأي دولة أن تؤدي دورًا جيوسياسيًا يتجاوز وزنها الحقيقي.
فهولندا، رغم كونها دولة متقدمة وصناعية وقوية اقتصاديًا، تدرك جيدًا حدود حجمها ودورها، ولذلك لا تسعى لمزاحمة قوى كبرى كفرنسا أو ألمانيا.
إنها تلعب دورًا منسجمًا مع قدراتها، لأن أي محاولة لتجاوز هذا التوازن الطبيعي ستكون كلفتها باهظة وعواقبها وخيمة.
*🔴🔹 النظرية السياسية التي تتجاهل الإنسان والجغرافيا...*
*بقلم / م .حسين باراس*
الخميس 15 يناير 2026
المثقف النخبوي، حين يكتب الرؤية وينظّر للفكرة، غالبًا ما يرى الخريطة أكثر مما يرى الإنسان. ينشغل بالمخططات الكبرى ويهمل العامل البشري، كأن السياسة معادلة هندسية لا تحكمها النفوس ولا تشوّهها الغرائز. نرسم الفيدرالية، أو الكونفدرالية، أو الدولة المركزية، ونغرق في توصيفات سياسية براقة، بينما نتجاهل أن جوهر الأزمة ليس في الشكل، بل في من يدير هذا الشكل.
فنحن لا نتعامل مع فراغ. نحن نتعامل مع إنسان تشكّل وعيه داخل خلفية زيدية مركزية، يرى نفسه الأحق بالحكم، والأجدر بالسيطرة، والأشجع في ميدان القوة، ويؤمن أن لديه قدرًا تاريخيًا وقدرة دائمة على الحشد. ونتعامل في الوقت ذاته مع مكوّن قبلي على تخوم الشمال، حملته هفوة تاريخية إلى وهم التفوق، فأقنع نفسه أنه العمود الفقري للجنوب، وأنه لولاه لما كان هناك جنوب أصلًا.
ننسى، أو نتناسى، أن من يصنع القرار السياسي في واقعنا ليس المثقف ولا المنظّر، بل غالبًا ذلك الجاهل الذي فشل في دخول كلية الطب، فالتحق بالكلية العسكرية بوساطة، ثم انتهى به المطاف رئيسًا. أو ابن الشيخ الذي دفع له والده المال ليلتحق بأي كلية، ثم وفّر له شبكة علاقات جعلته مدير إدارة، أو وكيل محافظة، أو حتى وزيرًا. هؤلاء لا تحكمهم النظريات، بل المصالح، ولا تقودهم الأفكار، بل الغرائز والولاءات.
نحن نحدّق طويلًا في تجارب الآخرين، ونحاول استنساخها فوق أرضنا، دون أن ننظر بصدق إلى داخلنا، إلى تاريخنا الاجتماعي، وإلى أمراضنا العميقة. نحن المجتمع الذي غرق في وهم الخلافة والدولة الإسلامية، بينما “أمير الجماعة” يسرق المساعدات باسم الدين. وهو ذاته المجتمع الذي صدّق اليساري الذي حفظ بضع شعارات، وعلّق صورة جيفارا، ودخّن سيجار كاسترو، بينما كان في الواقع إقطاعيًا متوحشًا، يرى في الاشتراكية مجرد أداة لتمكين العمال والفلاحين من رقاب القبائل، لا لتحريرهم.
هنا تتجلى المعضلة الحقيقية: الفجوة الهائلة بين النظرية والتطبيق. بين ما نكتبه على الورق، وما نعيشه على الأرض. فإذا أدركنا هذا الفرق، وتوقفنا عن خداع أنفسنا، ربما نستطيع أخيرًا أن نقترب من حل سياسي عقلاني، يقوم على فهم الإنسان قبل النظام، وعلى معالجة الواقع قبل استيراد الأوهام.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*
*`للمزيد من التفاصيل على الرابط التالي :`*
https://t.co/pFfHMJVbgb
*`اشترك في قناتنا عالتلجرام :`*
https://t.co/ih8bJ8JRi9
*`تابعونا على قناة تاربة اليوم على واتس اب عبر الرابط التالي`*👇
https://t.co/eK50ZX7eP1
#تاربة_اليوم
النظرية السياسية التي تتجاهل الإنسان والجغرافيا....
المثقف النخبوي، حين يكتب الرؤية وينظّر للفكرة، غالبًا ما يرى الخريطة أكثر مما يرى الإنسان. ينشغل بالمخططات الكبرى ويهمل العامل البشري، كأن السياسة معادلة هندسية لا تحكمها النفوس ولا تشوّهها الغرائز. نرسم الفيدرالية، أو الكونفدرالية، أو الدولة المركزية، ونغرق في توصيفات سياسية براقة، بينما نتجاهل أن جوهر الأزمة ليس في الشكل، بل في من يدير هذا الشكل.
فنحن لا نتعامل مع فراغ. نحن نتعامل مع إنسان تشكّل وعيه داخل خلفية زيدية مركزية، يرى نفسه الأحق بالحكم، والأجدر بالسيطرة، والأشجع في ميدان القوة، ويؤمن أن لديه قدرًا تاريخيًا وقدرة دائمة على الحشد. ونتعامل في الوقت ذاته مع مكوّن قبلي على تخوم الشمال، حملته هفوة تاريخية إلى وهم التفوق، فأقنع نفسه أنه العمود الفقري للجنوب، وأنه لولاه لما كان هناك جنوب أصلًا.
ننسى، أو نتناسى، أن من يصنع القرار السياسي في واقعنا ليس المثقف ولا المنظّر، بل غالبًا ذلك الجاهل الذي فشل في دخول كلية الطب، فالتحق بالكلية العسكرية بوساطة، ثم انتهى به المطاف رئيسًا. أو ابن الشيخ الذي دفع له والده المال ليلتحق بأي كلية، ثم وفّر له شبكة علاقات جعلته مدير إدارة، أو وكيل محافظة، أو حتى وزيرًا. هؤلاء لا تحكمهم النظريات، بل المصالح، ولا تقودهم الأفكار، بل الغرائز والولاءات.
نحن نحدّق طويلًا في تجارب الآخرين، ونحاول استنساخها فوق أرضنا، دون أن ننظر بصدق إلى داخلنا، إلى تاريخنا الاجتماعي، وإلى أمراضنا العميقة. نحن المجتمع الذي غرق في وهم الخلافة والدولة الإسلامية، بينما “أمير الجماعة” يسرق المساعدات باسم الدين. وهو ذاته المجتمع الذي صدّق اليساري الذي حفظ بضع شعارات، وعلّق صورة جيفارا، ودخّن سيجار كاسترو، بينما كان في الواقع إقطاعيًا متوحشًا، يرى في الاشتراكية مجرد أداة لتمكين العمال والفلاحين من رقاب القبائل، لا لتحريرهم.
هنا تتجلى المعضلة الحقيقية: الفجوة الهائلة بين النظرية والتطبيق. بين ما نكتبه على الورق، وما نعيشه على الأرض. فإذا أدركنا هذا الفرق، وتوقفنا عن خداع أنفسنا، ربما نستطيع أخيرًا أن نقترب من حل سياسي عقلاني، يقوم على فهم الإنسان قبل النظام، وعلى معالجة الواقع قبل استيراد الأوهام.
حسين باراس
حضرموت قضية… لا مشروعًا مُلحَقًا...
إلى كل الطيف الحضرمي،
تمرّ حضرموت اليوم بلحظةٍ مفصلية، لحظة يُعاد فيها رسم المسار السياسي، ويتحدّد على ضوئها مصير هذا البلد ومستقبله، وموقعه في قلب التحوّلات المتسارعة من حوله. لقد قطعت حضرموت طريقًا طويلًا، وواجهت خلال مسيرتها محاولات تطويق ومشاريع إقصاء، غير أنّ تلاحم الحضارم، وصمود الرجال، وثباتهم على صخرة حضرموت، كان كفيلًا بإسقاط الأوهام وإفشال رهانات المتآمرين.
وما تحقق حتى اليوم ليس نهاية المطاف، بل بداية مرحلة جديدة أكثر حساسية وتعقيدًا، مرحلة تتطلّب وعيًا أعمق، وبصيرة أشد، واستعدادًا جادًا لما هو قادم. مرحلة لا تحتمل التشرذم ولا الارتجال، بل تستوجب توحيد الصف، ورصّ الجبهة الداخلية، وإعداد العُدّة سياسيًا ومجتمعيًا بما يليق بثقل حضرموت وتاريخها ودورها.
إن المرحلة المقبلة تفرض تنسيقًا مسؤولًا وحقيقيًا بين مختلف المكوّنات الحضرمية، والسلطة المحلية، والشخصيات الاجتماعية والاعتبارية، من أجل رسم طريق حضرموت بإرادة حضرمية خالصة، لا وصاية فيها ولا إملاء. فهناك حوار قادم في الرياض برعاية الأشقاء، ومن حق حضرموت بل من واجبها أن تحضر فيه بمكانتها التي تستحقها، وأن تُطرح قضيتها في موقعها الطبيعي، كما يحدّدها أبناؤها، لا كما يراد لها من خارجها.
حضرموت اليوم أحوج ما تكون إلى رصّ الصفوف، وتوحيد الكلمة، والذهاب إلى الرياض بقضية حضرمية واضحة المعالم، لا بحثًا عن حلول لأزمات الآخرين، ولا قبولًا بأن تكون حضرموت مجرّد تفصيل في مشاريع لا تعبّر عنها ولا تمثّل إرادتها.
نعم لحوار حضرمي جنوبي يمني متوازن، ولا لحوار جنوبي جنوبي يُختزل فيه صوت حضرموت أو يُهمَّش حضورها.
حضرموت قضية قائمة بذاتها، لا تابعة ولا ملحقة، ويجب أن تُناقش على طاولة حوار مستديرة، دون اختزال أو تذويب، ودون حصرها قسرًا داخل أطر لا تعبّر عن خصوصيتها، بل باعتبارها قضية ذات هوية، وحقّ كامل في التمثيل والقرار وتحديد المصير.
حسين باراس
حضرموت بين التهميش وخطر العطش ......ضرورة التخطيط الاستراتيجي للأمن المائي .
حضرموت، وعبر مختلف المراحل التي مرّت بها، تعرّضت لتهميش ممنهج شمل الجوانب السياسية والاقتصادية والصناعية، ولم يكن قطاع التخطيط الاستراتيجي بمنأى عن هذا الإهمال، خصوصًا في مجالات التطوير الصناعي والزراعي، وعلى رأسها ملف الأمن المائي.
لقد عانى هذا القطاع من عبثٍ منظم ومزمن عبر سنوات طويلة؛ بدءًا من تلويث المياه الجوفية بفعل أنشطة شركات النفط، مرورًا برمي مياه الصرف الصحي في مصبات الأودية، وانتهاءً بالاستنزاف المفرط للمياه الجوفية في أرضٍ مهددة بالجفاف، وتفتقر أصلًا إلى مصادر مائية سطحية دائمة كالأنهار.
وفوق كل ذلك، فإن حضرموت بلد محدود الإمكانيات، لا يملك القدرة على تعويض هذا العجز عبر حلول مكلفة مثل تحلية المياه، كما تفعل بعض دول الخليج. فإذا كنا نعجز اليوم عن توفير الكهرباء بصورة مستقرة للمواطنين، فكيف يمكن التعويل على حلول بديلة تتطلب طاقة وبنية تحتية ضخمة؟
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى بناء خطة استراتيجية شاملة، يكون هدفها الأول الحفاظ على المياه الجوفية، وترشيد استخدامها، وتطوير أساليب الري والزراعة، والاستفادة الذكية من الجغرافيا الحضرمية، ولا سيما الطبيعة الجبلية، في إنشاء السدود.
حضرموت في حقيقتها وادٍ كبير، تتوزع مدنها على مصبات الأودية، سواء في السهل الساحلي الممتد، أو الهضبة الواسعة، أو الوادي والصحراء. وهي بيئة مؤهلة بطبيعتها لإنشاء سدود تُسهم في تغذية الآبار السطحية، وتخفيف الضغط على المياه الجوفية، وتوفير جزء معتبر من الاحتياجات الأساسية، سواء لمياه الشرب أو للزراعة.
ومن وجهة نظري، فإن المرحلة الأولى تتطلب إنشاء مجموعة من السدود لا تقل عن ثلاثة سدود في الساحل، ومثلها في الوادي، إضافة إلى سد في وادي حجر العظيم، بما ينعكس مباشرة على توسيع الرقعة الزراعية وتعزيز الاستقرار المائي في حضرموت.
إن الحديث عن هذا المشروع ليس رفاهية فكرية، ولا حلم يقظة، بل ضرورة وجودية، وعمل يجب الشروع فيه قبل أن تقع الكارثة. فكل من يعرف حضرموت جيدًا، ويدرك مساحتها وطبيعتها، سيعي تمامًا خطورة الاستمرار في تجاهل هذا الملف.
لقد تم تهميش حضرموت عمدًا عبر مراحل سابقة، في الوقت الذي أُقيمت فيه مشاريع استراتيجية في مناطق أخرى. واليوم، وفي ظل الظروف الراهنة، علينا أن نغتنم الفرصة، ونطرح هذا الملف بقوة أمام السلطة، وندفع باتجاه تبنيه وتنفيذه، مع توجيه أي دعم متاح نحو مشاريع مستدامة توضع في مكانها الطبيعي، وتعود بالفائدة المباشرة والسريعة على حضرموت وأهلها.
إن تنفيذ هذا التوجه سيمثل نقلة نوعية حقيقية، وسيكون حجر أساس في بناء حضرموت قوية، عزيزة، وقادرة على حماية مواردها ومستقبلها.
حفظ الله حضرموت.
حسين باراس
النخبة الحضرمية… عمود البيت الحضرمي....
كانت النخبة الحضرمية أول تشكيل عسكري حضرمي خالص، منذ القضاء على جيش البادية الحضرمية. ولم يكن تأسيسها قرارًا فوقيًا أو مشروعًا عابرًا، بل كان مطلبًا حضرميًا عامًا، أجمع عليه أبناء حضرموت دون استثناء، باعتبارها التعبير الطبيعي عن حق الأرض في أن يحميها أبناؤها.
ومع بسط سيطرتها على ساحل حضرموت، استطاعت النخبة الحضرمية أن توفّر الأمن والأمان في جميع مواقع انتشارها، ولكل أبناء المحافظة، حتى أصبحت حضرموت نموذجًا يُحتذى به على مستوى الجغرافيا اليمنية كافة. لم يزر حضرموت مسؤول أو وفد أو جهة إلا وأشاد بدور النخبة الأمني، وقدّم دليلًا عمليًا على أنها صمام أمان حضرموت أرضًا وإنسانًا، وأن الاستقرار الذي عاشته المناطق الخاضعة لانتشارها لم يكن صدفة، بل نتاج عمل منظم وانضباط مهني ومسؤولية وطنية.
ورغم ما شاب المشهد من منغصات نتجت عن تجاوزات ارتكبتها قوات دخيلة من خارج حضرموت، وقوات الدعم الأمني، والتي جرى تحميلها زورًا لقوات النخبة، ظلت النخبة الحضرمية متماسكة، وأثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أننا قادرون على حماية أرضنا، وصناعة أمننا بأيدينا، داخل أرضنا. وهو نموذج لم يرق للبعض، فكان لا بد من التآمر على حضرموت وأهلها.
بدأ العبث حين زُجّ بقوات من خارج حضرموت، تحت ذرائع واهية، بهدف خلط الأوراق، بعد أن كانت النخبة حضرمية خالصة. ثم تلا ذلك إيقاف تطويرها وتسليحها، في وقتٍ كانت تُنشأ فيه يوميًا وحدات عسكرية جديدة في مناطق أخرى، ويُجنّد الآلاف ويُسلّحون، رغم أن مساحة حضرموت تعادل عشرات أضعاف تلك المناطق مجتمعة.
وللأسف، شارك في هذا العبث قادة وشخصيات حضرمية، إلى جانب أطراف ودول، وكل ذلك جرى أمام مرأى ومسمع قيادات السلطة المحلية، التي انشغلت بالصراعات البينية، والمؤامرات، والكيد السياسي، بدلًا من حماية أهم مكتسب أمني لحضرموت.
واختُتم هذا المشهد المؤلم بتلفيق تهمة لأحد كبار ضباط النخبة الحضرمية، في واقعة مخزية ومعيبة، عكست حجم الحقد الذي يُكن لحضرموت، واستهداف رمز من رموز أمنها.
سنوات طويلة من التآمر الممنهج دمّرت معنويات الشباب، ونخرت في جسد النخبة، بينما كان المتآمرون يزايدون على وطنية الحضارم. وخلال كل تلك السنوات، لم يُشكَّل لواء واحد إضافي للنخبة، في حين شُكّلت في مارب وعدن والساحل الغربي عشرات الوحدات العسكرية.
كان من المفترض أن تزحف النخبة الحضرمية لتأمين وادي حضرموت، وهي قادرة على ذلك، لكنهم قيّدوها، وأضعفوها، بل استخدموها غطاءً لقمع أي تيار حضرمي يسعى لبناء قوة حضرمية أخرى، بحجة الحفاظ على النخبة، بينما كانوا هم من يمنع تطويرها وزيادة قوامها، إلى أن تُركت قيادتها عرضة للاستهداف والنهب.
اليوم، تقع على عاتق المحافظ والسلطة المحلية مسؤولية تاريخية في حماية النخبة الحضرمية، وتطويرها، وإعادة الاعتبار لها، فهي رأس مال حضرموت الحقيقي، وعمود البيت الحضرمي. ولا عذر لأحد بعد اليوم.
أعيدوا الروح لحضرموت، وأعيدوا القيادة للنخبة الحضرمية، فهم أبناؤنا، وهم حماة الأرض، وسياج الوطن.
حسين باراس
حضرموت يجب أن تستعيد ذاتها وتبني قوتها.
لقد مرّت حضرموت بظروف عصيبة ومنعطفات تاريخية بالغة الصعوبة، غير أن اليوم هو يوم جديد، ومسؤولية مشتركة تقع على عاتقنا جميعًا. إن الواجب يحتم علينا أن نقف صفًا واحدًا من أجل بناء حضرموت، وأن نؤسس لقوة حضرمية حقيقية تنبع من أهل الأرض، وأن نفتح صفحة جديدة لكل أبناء حضرموت، على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم، بحيث تكون حضرموت هي البوصلة، وهي القبيلة الجامعة لكل حضرمي دون استثناء.
ويأتي في مقدمة ذلك الحفاظ على النخبة الحضرمية، وتطويرها، وتمكينها، وجعلها قوة حضرمية خالصة تعبر عن إرادة أبناء حضرموت وتدافع عن مصالحهم. فالمسؤولية الوطنية تقتضي أن نبدأ من حيث انتهت المشاريع، لا أن نهدم ما تحقق ثم نعود للبناء من الصفر؛ بل نُصلح ونُطوّر ونُراكم التجربة، حفاظًا على الاستقرار وتجنبًا للفوضى.
يجب أن تُتاح الفرصة لجميع الحضارم دون إقصاء أو تهميش، وأن تكون حماية حضرموت وأمنها وسيادتها بأيدي أبنائها، ومن مختلف أطياف المجتمع الحضرمي، بما يضمن شراكة عادلة ومسؤولية جماعية في حمل هذا العبء الوطني.
نحن اليوم مطالبون بتجاوز خلافاتنا الصغيرة، وبترسيخ ثقافة التسامح، وبتجنيب حضرموت منطق استهداف بعضنا البعض، والتركيز بدلًا من ذلك على بناء قدراتها السياسية والأمنية والاجتماعية. لقد انعكس تراجع الدور القيادي لحضرموت سلبًا ليس عليها وحدها، بل على محيطها الجغرافي بأسره، ولذلك فإن إعادة بناء حضرموت اليوم سيكون لها أثر مباشر وحاسم في مسار العملية السياسية داخل حضرموت وما حولها.
وأتمنى من أبناء حضرموت أن يؤمّنوا إخوانهم من التيارات الاخرى، يجب طيّ صفحة الماضي وإغلاق دائرة الثأر إلى الأبد. فهذا هو الوقت الذي تسمو فيه المواقف، وتُختبر فيه النوايا، ويعلو فيه صوت الحكمة على كل ما عداه.
نحن جميعًا في خندق واحد؛ حافظوا على بلدكم، ولتكن قوة حضرموت نابعة من داخلها، لا مستوردة من الخارج. ومن يعتقد أن الأمور قد انتهت فهو واهم؛ فنحن ما زلنا في إحدى مراحل العمل السياسي الوطني، لا في نهايته.
اتحدوا يا حضارم، فبوحدتكم تُصان الأرض وتُبنى الإرادة.
حفظ الله حضرموت، وأهلها، ومستقبلها.
حسين باراس ...
التسامح قيمة عظيمة، وهو من أسس ديننا الحنيف ومن ركائز أخلاقنا الحضرمية الأصيلة. غير أن التسامح لا يعني التغاضي أو الصفح عن الخيانة، ولا سيما حين تصدر عن قيادات كبرى أدخلت الغرباء إلى حضرموت، وأسهمت في تفكيك النخبة الحضرمية وإضعافها.
لقد وجّه محافظ محافظة حضرموت يوم أمس نداءً واضحًا إلى أبناء المؤسسة العسكرية، دعاهم فيه إلى الحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، مؤكدًا أنكم جزء أصيل من أبناء حضرموت، وأن هذه الأرض أرضكم، وأنكم الأحق بحمايتها وصونها. كما شدّد على أن كل من يبقى في موقعه سيُعاد ترتيب وضعه ضمن إطار منظم وعادل.
لكن، ومع الأسف الشديد، خالفت بعض القيادات هذا التوجه، وخانت الشرف العسكري، حين أصدرت أوامر للأفراد بالعودة إلى منازلهم وترك المواقع والممتلكات العامة، فاتحةً بذلك الباب أمام الفوضى والنهب من قبل ضعاف النفوس.
نحن ندين ونستنكر بشدة كل أعمال العنف غير المبرر، وكل أشكال الاعتداء ونهب الممتلكات العامة والخاصة. كما نرفض رفضًا قاطعًا استهداف أي شخص، كائنًا من كان، ومن أي منطقة أو جهة. فالجهة الوحيدة المخوّلة بالمحاسبة والمعاقبة هي الجهات القضائية المختصة، وذلك عبر محاكمة عادلة، بعيدة عن العنف والترهيب والانتقام.
أبناء حضرموت دعاة سلام ومحبة، ونرفض العنف بكل أشكاله. وما يحدث اليوم ليس خيارًا سعينا إليه، بل معركة فُرضت علينا.
ويا أبناء حضرموت، إن بلادكم أمانة في أعناقكم، وإياكم والبغي على أحد. حافظوا على القيم النبيلة التي عُرف بها الحضارم عبر التاريخ. من أراد الخروج بنفسه آمنًا فليُفتح له الطريق، ومن طلب الحماية فأمِّنوه. اليوم هو الوقت المناسب لإظهار الأخلاق الحضرمية الأصيلة، فالمواقف الحقيقية تتجلى في أوقات الشدائد.
ومن هذا المنطلق، ندعو الجميع إلى التكاتف من أجل بناء دولة مؤسسات، وتقديم الخدمات للمواطنين، وحفظ الأمن للجميع، وفق أسس العدالة وسيادة القانون، وبناء نموذج دولة يليق بحضرموت وأبنائها.
حفظ الله حضرموت وأهلها.
حسين باراس