"يا رب قني شر التفكير في مجريات الأمور التي تكفّلت لي بها، وخفّف عن رأسي ذلك القلق الذي يثقلها ولا فكاك منه. أرحني من آمال الغد الذي لم يأت، وأزح عن كاهلي عثرات الأمس الذي انتهى، ودبر لي ما ترضيني به وتسعدني واجعله خير، واصرف عني الشر الذي أسعى إليه عن جهلٍ مني، وارزقني السكينة"
"كثرةُ التعلق بالأسباب الدنيوية والانشغال بتفاصيلها، يُحدثُ غبرةً على القلب، يغسلهُ قرآن الليل والقيام به بين يدي الله سبحانه ومناجاته بالدعاء، فلا ينتهي الإنسانُ من الصلاة إلا وقد غُسِلَ قلبهُ غسلاً لا يبقى معه من وسخ الدنيا شيء!
فأثرُ قيام الليل على صلاح القلب عجيب!"
ألطاف ﷲ بعبده كثيرة متوالية، ولست أخشى انقطاع اللطف بقدر ما أخشى الإعراض عنه، فاللطف قد يأتيك في كلمة عابرة، أو ضيقٍ مفاجئ يصرفك عن سوءٍ كنت تهرع إليه، أو حرمانٍ من أمنيةٍ كان في طياتها بلاءٌ صُرف عنك، أو فكرةٍ خطرت على بالك فصلح بها شانك، وغيرها من الإشارات التي لو جمعت خيوطها لوجدت نفسك محاطًا بسياجٍ من الرعاية، لا يخرقه إلا غفلة القلب، أو توهم الاستغناء بالأسباب!
قد يُبطئ الله إجابتك حتى يوشك صبرك أن ينفد؛ لا ليحرمك، بل ليرتقي بقلبك من التعلّق بالعطية إلى التعلّق بالمعطي، يُربّيك بالمنع حتى يغدو أُنسك بمناجاته أعظم من رغبتك، فإذا استقرّ قلبك به، أمطرك بالبشارة، ليصبح يقينك أثمن تتويجٍ لانتظارك "إنّا وجدناه صابراً نعمَ العبدُ إنّه أوّاب".
الرقيّ أن يهدأ في داخلك ذلك الصوت الذي يطارد تفاصيل الآخرين ..كأنك فهمت أخيرًا أن لكل إنسانٍ حكاية لا تُروى..وسترًا لا يُفتح ومساحة لا تُمسّ...
أن تمشي بين الناس بقلبٍ خفيف، لا يثقل نفسه بالسؤال عمّا وراءهم، ولا يبحث عمّا لا يخصّه وكأنك اخترت أن تحفظ نفسك من ازدحام لا يشبهك...
وحين تصل إلى هذا الهدوء ..لا تعود بحاجة أن تعرف أكثر لأنك ببساطة… صرت أكثر امتلاءً بنفسك وأرحم بقلبك ..وأقرب إلى السلام ..!!!
يُقَاس رُقِيّ الإنسان بتقَلُّص مساحات الفضول لديه حول خصوصيّات الآخرين وتفاصيل حياتهم، بابتعاده عن حَشر ذاته فيما لا علاقة لهُ به من شُؤون غيره، فلا يصبّ اهتمامه على ما لا يعنيه، ولا يتغذّى على أخبار الناس، ولا يحفل بالقِيل والقال، وكثرة التطفُّل والسُؤال.
لا شيء أكثر راحة من أن تكون مواقفك اتجاه الأشخاص من حولك واضحة؛ بحيْث أن مَن تحبه يعلم تمامًا بمحبتك له، ومَن لا تتقبله لا تكلِّف نفسك عناء التصنع، ولا تخجل من قَول الأسباب التي تجعلك لا تتقبله.
الشخص الذي يرفض مشاعره اتجاه مَن حوله ويُحاول قَمعها وتزييفها هو شخص مُستنزَف ومُتعب.
"علق قلبك بالله دائماً وأبداً،وكن على ثقة تامة بلطفه وحسن تدبيره اجعل هذا اليقين يستقر في أعماقك ويتغلغل في روحك،حتى تفيض طمأنينة وسكينة،تصبح وتمسي،وأنت واثق بالله موقناً أنه يتولى أمرك، بأحسن ما يكون،وأنه لن يتركك ما دمت تلوذ ببابه،وتستمد القوة منه واثق أنه سيحميك ويكفيك ويعطيك"
لو يدرك الإنسان أن كل ما يصدر منه من خير أو شَرّ، أو نَفع أو أذى؛ يعود إليه بشكل أو بآخر، طال الزمن أو قصر، لأجل ذلك يحرص العاقل الحصيف أن يكون مُنصِفًا في أقواله وأفعاله، وأن لا يصدر منه -قَدر استطاعته- إلا الخير، مُستحضرًا سُنّة هذه الحياة في استرداد ديونها.
"يولد الإنسان من جديد بعد ليلةٍ توقع أنها لن تمرّ ومرت، بعد دموع وتساؤلات لم يجد لها ردًا، بعدما شكّ في نفسه وكل شيء من حوله في لحظة عجز عن التصديق ورفض تام من هول الخيبة، يولد بقناعات مختلفة وشخصية أنضج، يولد إنسان يسعى أن يكون جديرًا بالثقة لأنه لا يريد لغيره أن يذوق ما ذاق."
هناك شعور من السكينة عجيب، يعرفه المرء في نفسه إذا اجتهد في بذل الأسباب ثم خرج الموضوع من يده؛ وكأنه خرج من تدبيره إلى تدبير الله المحض، ومن ضيق نظره إلى كمال نظر الله له، فخف عليه ثقل التدبير وكثرة التفكير، وانتقل من حال الاختيار إلى حال التسليم، فهو في ظلِّ حكمةٍ ترعى تفاصيل حياته بأدق مما يرعاها هو لنفسه!