ليست العظمة أن تموت وتترك لمن خلفك أن يبرّر الخسارة، بل أن تبقى حيًّا فلا يحتاج أحد إلى تبريرها. وليس كلُّ قبرٍ نصرًا، وإلّا لكانت الأمم تُقاس بعدد موتاها لا بما فرضته على المسار التاريخي العام، ولكانت المقابر عواصم التاريخ لا مدن الحياة والإبداع والتقدم.
التاريخ لا يكتبه الذين رحلوا مقتنعين أنّهم انتصروا؛ التاريخ يكتبه الذين بقوا بعدهم، إمّا منتصرين أو ناجين، ثم حملوا العبء، وجمعوا الركام، وكتبوا الرواية، وحدّدوا معنى ما جرى. فالتاريخ لا يرحم النوايا، ولا يسجّل الأمنيات، ولا يمنح الأوسمة على حسن الاعتقاد؛ إنّه لا يعرف إلّا النتائج.
وليس الانتصار أن تغادر الدنيا وأنت مؤمن أنّ السماء ستُكمل عنك ما عجزت عنه على الأرض؛ الانتصار أن تبقى فتُغيّر الأرض نفسها. أن تحمي شعبك، وتحفظ أبناءك، وتترك وراءك مؤسسات لا مراثي، ودولة لا أسطورة، ومستقبلًا لا خطابات عزاء.
كم من مهزومٍ بقي فصار مؤسّس عصر، وكم من منتصرٍ مات فلم يبقَ منه إلّا ذكرى تتناقص مع الزمن. الأموات يملكون الشرف والذكرى، أمّا القوة والتغيير وكتابة المصير فلا يملكها إلّا الأحياء.
السماء قد تمنح الخلاص، لكن الأرض لا يحكمها إلّا الذين بقوا عليها.
ما يجري اليوم يتجاوز نقاش "التفاوض أو عدمه". المسألة أعمق: عندما تُصادَر الدولة من الداخل، يصبح أي مسار خارجي—تفاوضًا كان أو غيره—فاقدًا لضماناته. هنا تتحوّل الحماية الدولية من طرحٍ سياسي إلى ضرورة سيادية لحماية الدولة نفسها.
تجربة السنوات الماضية واضحة: كل اتفاق أو تفاهم سقط لأن الدولة لم تكن قادرة على فرضه. اليوم، ومع استمرار واقع السلاح الخارج عن الشرعية، يصبح السؤال منطقيًا: كيف يمكن حماية أي مسار سياسي أو تفاوضي من الانهيار مجددًا؟
الجواب الذي طرحه معراب 3 صريح: "لا دولةَ مع سلاحَين، ولا سيادةَ مع قرارَين". وعندما تعجز الدولة عن فرض هذه القاعدة بنفسها، يصبح اللجوء إلى المجتمع الدولي امتدادًا طبيعيًا لحقها في حماية سيادتها، لا انتقاصًا منها.
الحماية الدولية ليست وصاية، بل آلية لحماية لبنان من أن يبقى ساحة مفتوحة. وهي تطبيق عملي لقرارات قائمة أصلًا: 1559، 1680، 1701. وهي أيضًا وسيلة لضمان أن أي وقف لإطلاق النار أو مسار تفاوضي لا يتحوّل إلى محطة مؤقتة قبل جولة جديدة من الانهيار.
في العمق، ما أوصل لبنان إلى هنا هو قرار أحادي حوّله إلى منصة لصراعات إقليمية. وكما ورد بوضوح في مقررات معراب 3 فأن "لبنان استُهدف لأنه مخطوف." من هنا، لا يمكن فصل مسار التفاوض عن مسار استعادة الدولة. ولا يمكن حماية لبنان من دون آلية تضمن تنفيذ ذلك فعليًا على الأرض، لا نظريًا فقط.
لذلك، يصبح الطرح واضحًا:
الحماية الدولية ليست خيارًا تصعيديًا، بل شبكة أمان سيادية، هدفها تمكين الدولة اللبنانية من استعادة دورها، وحماية شعبها من تكرار السيناريو نفسه.
ولبنان اليوم أمام خيار واقعي، لا شعاري: إمّا ترك الأمور على حالها، أي استمرار الانهيار، أو الذهاب نحو تثبيت الدولة بكل الوسائل المتاحة، داخليًا ودوليًا.
"إما دولة… أو لا دولة."
#حماية_دولية_للبنان
ما قرأناه بين البارحة مساءً واليوم صباحاً في المواقع الإلكترونيّة التابعة لوسائل الإعلام والصحف من مواقف لرئيس مجلس النواب نبيه بري شابه تناقض ولم يأتي في إطار التباين الإعلامي العابر، بل ينم عن ازدواجية سياسية واضحة بين خطابين لا يلتقيان. خطاب يُقال في العلن عن الدولة والسيادة، وخطاب يُدار في الكواليس ضمن حسابات مرتبطة بمسار إقليمي أوسع.
من جهة، تنقل اليوم صحيفة "الأخبار" عنه موقفًا حادًا: رفض للتفاوض المباشر، تشكيك بالمسار، وربط واضح بالمقاربة الإيرانية، حتى الإشارة إلى انتظار ما ستؤول إليه المفاوضات الإيرانية – الأميركية. هذا يعني بوضوح أن لبنان ليس صاحب القرار الكامل، بل جزء من مسار أكبر يُرسم خارجه.
ومن جهة أخرى، نقلت الـmtv عنه بالأمس مواقف مختلفة كليًا: إشادة بكلمة رئيس الحكومة في ذكرى 13 نيسان والتي للملاحظة تضمنت خطاباً سيادياً، تحذير من الحرب الأهلية كخطر أكبر من الحرب الإسرائيلية، وتأكيد أنه "لا أحد يمكنه الانقلاب على الدولة". وهنا يظهر خطاب مختلف: خطاب رجل يدرك خطورة الانهيار الداخلي ويتمسّك بالدولة كمرجعية.
التناقض صارخ: كيف يمكن رفض مسار تقوده الدولة رسميًا، وفي الوقت نفسه تأييد كلمة ركيزتها الأولى هي سيادة الدولة والحديث عن حماية الدولة ومنع الانقلاب عليها؟ كيف يمكن التحذير من الفتنة، مع الدفاع، ولو في بعض الأحيان غير المباشر، عن واقع هو أساس هذه الفتنة؟ إلا أن الحقيقة التي لا مفرّ منها أننا نعيش مرحلة لم تعد تحتمل هذا التوازن الهش، ولم يعد يمكن لبري الإستمرار بما كان يقوم به دوماً وهو الجمع ما بين منطق الدولة ومنطق الدويلة في آنٍ واحد.
والمسألة لا تقف عند هذا الحد، وإنما يزداد هذا التناقض وضوحًا مع ما يُنقل في إحدى المواقع الإلكترونيّة عن تباين بين بري وحزب الله حول القرارات الحكومية المتعلّقة بالسلاح غير الشرعي. هنا يصبح المشهد أكثر تعقيدًا: في خطاب "الأخبار"، بري أقرب إلى موقف الحزب، وفي تسريبات أخرى، يُتَّهم بتغطية قرارات تضرب هذا السلاح. أي أن الرجل يُقدَّم في موقعين متناقضين بحسب الجهة التي تتحدث عنه.
الحقيقة أن هذا برأيي الشخصي ليس تضارب روايات، بل تعبير عن أزمة داخل المنظومة نفسها. إنه صراع بين خيارين لا يمكن الجمع بينهما: إبقاء لبنان ضمن المحور الإيراني، أو الحفاظ على الحد الأدنى من الدولة والسيادة.
أما في إطار الرد عن ما نُقل، فالقول إن التفاوض يضعف لبنان لأنه "لا يملك أوراق قوة"، فهو يتجاهل سؤالًا أساسيًا: من منع لبنان أصلًا من امتلاك هذه الأوراق؟ أليست ازدواجية القرار والسلاح هي التي أضعفته؟ أليس ربطه بمحاور خارجية هو ما أفقده القدرة على التفاوض من موقع سيادي؟ وفي المقابل، التحذير من الحرب الأهلية لا ينسجم مع رفض أي مسار يعيد القرار إلى الدولة. والحقيقة واضحة وهي: إن أخطر وأقصر طريق إلى الفتنة هو استمرار وجود قرارين وسلاحين، فمن لا يريد الفتنة لا يمكن له أن يحمي السلاح. ومن لا يريد الفتنة يجب عليه الإلتزام بديمقراطيّة الأكثريّة.
وأخطر ما نُقل على لسان بري، فهو ربط الموقف اللبناني بمسار التفاوض الإيراني – الأميركي. وبرأيي هنا تسقط كل الأقنعة: إما أن ما نقل عنه في الأخبار هو محض خيال وكذب وافتراء وبالتالي نحن في انتظار بيان توضيحي، وإما إذا كان فعلياً هذا ما قاله بري، فالسؤال هنا: إذا كان قرار لبنان مرتبطًا بما تقرّره طهران، فأي معنى يبقى للسيادة والدولة التي يدعي بري أنه طالما هو حي لا يمكن لأحد الإنقلاب عليها، أوليس هذا بحد ذاته انقلاب على الدولة وخياراتها وقراراتها؟
الوقائع الملموسة تفيد بأنه لم يعد ممكنًا الوقوف في المنطقة الرمادية. كما لم يعد ممكنًا الجمع بين خطاب الدولة وخطاب المحور. لذا يقف بري اليوم أمام خيار واضح: إمّا دولة واحدة بقرار واحد، أو استمرار التناقض الذي أوصله إلى الانهيار، وليس لديه ترف المماطلة والوقت.
الضجيج الذي يرافق المفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة اليوم ليس صدفة. هو محاولة منظمة لإعادة خلط المفاهيم: تحويل الدولة إلى متّهم، والسلاح الخارج عنها إلى "ضمانة"، والتفاوض إلى "خيانة". بينما الحقيقة أبسط بكثير: لبنان يفاوض اليوم لأن قراره لم يكن يومًا بيده بالكامل.
من يقرأ ما يُكتب في الصحف يلاحظ ثلاث نقاط أساسية يجري تسويقها: الخوف من التفاوض، التشكيك بقدرة الدولة، وتصوير أي مسار سياسي كأنه استسلام. لكن ما لا يُقال هو الأخطر: كل هذا الخوف هو نتيجة مباشرة لوجود سلاح خارج الدولة، لا نتيجة التفاوض نفسه.
لبنان لا يدخل المفاوضات من فراغ، بل من واقع واضح: حرب فُرضت عليه، اقتصاد منهار، ضغط دولي متصاعد، وبلد لا يملك ترف الخيارات. من أوصل لبنان إلى هذا الموقع ليس طاولة التفاوض، بل سياسات ربطه بمحاور خارجية وتحويله إلى ساحة صراع.
وهنا، استكمالاً للبحث، يجب قلب السؤال: هل المشكلة في أن الدولة تفاوض؟ أم في أن هناك من يريد منعها من أن تكون صاحبة القرار الوحيد؟
الذين يهاجمون المفاوضات اليوم، هم أنفسهم الذين رفضوا قيام دولة قوية قادرة على حماية قرارها. هم الذين عطّلوا المؤسسات، وفرضوا توازنًا مشوّهًا، وربطوا لبنان بحسابات "ثوريّة" ومشاريع إقليمية، ثم يعودون ليحذّروا من "نتائج التفاوض" وكأنهم غير مسؤولين عن الظروف التي فرضته.
أما السردية التي تصف المفاوضات بأنها "خضوع"، فهي تسقط عند أول اختبار واقعي: الدول تفاوض لتحمي مصالحها، أما الكيانات التابعة فتُمنع من التفاوض عندما لا يخدم ذلك الجهة التي تتحكم بها.
أما بالنسبة لجوهر المسألة، فنعود ونكرّر: المشكلة ليست في التفاوض مع إسرائيل، بل في أن لبنان لم يكن حرًا يومًا في تحديد متى يواجه ومتى يفاوض. وفُرضت عليه المواجهات عندما لم تكن الدولة تريدها، ويُراد منعه من التفاوض عندما تحتاجه الدولة.
ما نقرأه اليوم في بعض الصحف ليس موقفًا سياديًا… هذا مصادرة للسيادة نفسها.
ما يُطرح اليوم من قبل الدولة اللبنانيّة، وبعيدًا عن كل المزايدات، هو مسار واضح المعالم:
تثبيت وقف إطلاق النار
استعادة السيطرة على الأرض
فتح باب إعادة الإعمار
وإعادة إدخال لبنان في النظام الدولي كدولة لا كساحة
وهذا بالضبط ما يُخيف المعترضين: لأن أي مسار كهذا ينتهي حتمًا بنتيجة واحدة لا يمكن الالتفاف عليها: لا يمكن أن تقوم دولة بقرارين، ولا يمكن أن تستمر بسيادتين، ولا يمكن أن تفاوض بوفدين: واحد رسمي وآخر فعلي.
والتاريخ الذي يُستحضر اليوم (من 1949 إلى 1969) لا يفيد بأن التفاوض خطر بحد ذاته، بل يدل على إن الخطر هو عندما تعجز الدولة عن امتلاك قرارها. أي أن المشكلة ليست في التوقيع… بل في من يملك القوة لفرضه أو إسقاطه.
ومن هنا، الخلاصة التي لا يريد البعض مواجهتها: لبنان لا يقف أمام خيار "التفاوض أو لا"، بل أمام خيار أعمق بكثير: إمّا أن يصبح دولة تفاوض باسم شعبها وتفرض نتائجها، أو يبقى ساحة يُفرض عليها كل شيء من الخارج. وكل ما يُكتب اليوم، وكل هذا الخوف، وكل هذه الحملات… ليست نقاشًا حول التفاوض. بل هي معركة على سؤال واحد: من يملك قرار لبنان؟
في لحظةٍ تستعيد فيها الدولة اللبنانية موقعها على طاولة القرار الإقليمية، يخرج وفيق صفا ليقول بوضوح: "نحن غير ملزمين بأي اتفاق". هذه ليست زلّة لسان، بل إعلان صريح أنّ حzب الله لا يعترف بالدولة أصلًا، ولا بسيادتها، ولا بقراراتها، وأنّه يعتبر نفسه سلطة فوق السلطة وكيانًا موازياً للكيان.
أي منطق هذا؟ الدولة اللبنانية تجلس إلى الطاولة بتمثيل رسمي، وتؤكد عبر سفيرتها في واشنطن على السيادة الكاملة، سلامة الأراضي، وقف إطلاق النار، وعودة النازحين، فيما يخرج حzب الله ليعلن مسبقًا أنّه غير معني وغير ملزم. هذا ليس موقفًا سياسيًا… هذا نسف مباشر لفكرة الدولة، هذا انقلاب كامل المواصفات على الدولة. فعندما يقول وفيق صفا "نحن غير ملزمين"، فهو لا يرفض اتفاقًا، بل يرفض أن يكون لبنان دولة واحدة بقرار واحد. يرفض أن يكون الجيش المرجعية، والدستور هو الحاكم، والحكومة هي صاحبة القرار. يريد لبنان تحت سيطرته ليكون بحسب المصلحة الإيرانية ساحة مفتوحة، لا دولة مكتملة السيادة، وسقول افعلوا ما شئتم نحن من نقرر وهنا الإنقلاب.
ما قالته السفيرة ندى معوّض واضح: تثبيت اتفاق تشرين الثاني 2024، حماية السيادة، ومعالجة الكارثة الإنسانية. هذا منطق الدولة.
أما ما يقوله حzب الله فهو العكس تمامًا: تعطيل أي مسار سيادي، ونسف أي فرصة استقرار، لأن القرار لا يجب ان يكون في بيروت بل في طهران.
البيان المشترك الصادر من واشنطن كان أكثر وضوحًا: مفاوضات مباشرة بين دولتين، دعم لاستعادة الدولة اللبنانية احتكار استخدام القوة، إنهاء النفوذ الإيراني المفرط، وفتح باب إعادة الإعمار والاستثمار.
وهنا جوهر المشكلة: هذه المفاوضات، بمنطق الدولة، تعني إعادة القرار السيادي اللبناني إلى لبنان وسحب الورقة اللبنانية من يد النظام في إيران وكسر الهيمنة الإيرانية عن لبنان، كما استعادة القرار العسكري والأمني إلى مؤسسات الشرعية، وتعني عمليًا إنهاء ازدواجية السلاح. وهذا تحديدًا ما يرفضه حزب الله، لأنه يهدّد دوره كأداة تنفيذ داخل المشروع الإيراني.
وفي موضوع المفاوضات، الحقيقة التي يحاول حzب الله تزويرها هي التالية:
المفاوضات ليست إذعانًا، بل أداة سيادية تستخدمها الدول لحماية شعوبها ووقف الحروب. الإذعان الحقيقي هو أن يُفرَض على لبنان قرار الحرب من قبل ايران، وأن يُمنع من التفاوض عندما تكون مصلحته في ذلك، وأن يُستخدم كورقة في مفاوضات إيران مع العالم.
حzب الله يرفض المفاوضات اللبنانية لأنه يرفض أن يصبح القرار لبنانيًا. يريد أن يبقي القرار في طهران، وأن يبقي لبنان رهينة لهذا القرار. وأي مسار يعيد الدولة إلى موقعها الطبيعي يُعتبر بالنسبة له تهديدًا وجوديًا، لأنه يُنهي وظيفته كقوة فوق الدولة.
الوقائع لا تُكذَّب:
الدولة اللبنانية تفاوض لاستعادة سيادتها
المجتمع الدولي يدعم حصر السلاح بيد الدولة
إعادة الإعمار والاستقرار مشروطة بعودة القرار إلى الدولة
وحzب الله يعلن صراحة أنه غير ملزم بكل ذلك
إذاً الخلاصة الواضحة، بعيداً عن الأوهام: حزب الله لا يريد دولة، بل ساحة. لا يريد سيادة، بل وصاية. لا يريد قرارًا لبنانيًا، بل تنفيذًا لقرار إيراني.
وفي المحصّلة، ما قاله وفيق صفا ليس موقفًا سياسيًا، بل اعتراف مباشر: إنّ حزب الله كيان خارج الدولة، لا يعترف بها، ولا يلتزم بقراراتها، ويضع نفسه فوقها.
وهنا تتبلور الحقيقة الأخطر: عندما يعلن طرف مسلّح صراحة أنه غير ملزم بقرارات الدولة واتفاقاتها، فإنه يسقط كل الذرائع التي كان يختبئ خلفها. لم يعد النقاش نظريًا حول الاستراتيجية الدفاعية أو التوازنات الداخلية، بل أصبح واقعًا واضحًا: هناك سلاح خارج الشرعية يرفض الخضوع لها.
وبالتالي، فإن تحرّك الدولة لحصر السلاح بيدها لم يعد خيارًا سياسيًا قابلاً للأخذ والرد، بل أصبح واجبًا سياديًا مشروعًا بالكامل، لأنه يأتي ردًا على إعلان صريح برفض سلطة الدولة. أي تأخير في هذا المسار لم يعد يُفسَّر كحكمة، بل كقبول ضمني باستمرار ازدواجية القرار.
في النهاية، المعادلة باتت واضحة: إمّا دولة واحدة تحتكر القرار والسلاح، أو ساحة مفتوحة تُدار من الخارج.
ولا يمكن الجمع بين الاثنين.
في لحظةٍ مصيرية يمرّ بها لبنان، لم يعد مقبولًا تمييع الحقيقة أو تغليف الكارثة بالشعارات. ما يصرّح به نعيم قاسم لا يمكن أن يُعدّ "خطاب مقاومة"، بل يُعدّ وصايةً مسلّحة على الدولة، وامتدادًا مباشرًا لمشروع إيران داخل لبنان ويجب على المؤسسات الشرعيّة في الدولة اللبنانيّة العامل معه على هذا الأساس.
يقول نعيم قاسم في خطابه الأخير: "لن نستلم وسنبقى في الميدان… ومن يريد الاستسلام فليذهب وحده". هذا ليس موقفًا بطوليًا، بل تهديد مبطّن لكل اللبنانيين: إمّا الانصياع لقرار حzب الله وإمّا الاتهام بالخيانة. أمّا في تعريف الخيانة الحقيقي، فهو أن يُصادَر قرار بلدٍ كامل لمصلحة دولة أجنبية، وأن يُدفَع شعبٌ بأكمله إلى الموت والخراب خدمةً لحسابات لا تمتّ إلى مصلحته الوطنية بصلة. الخيانة أن تعرف أن الدولة هي صاحبة الحق الحصري في قرار الحرب والسلم، ثم تضع هذا القرار في يد تنظيم مسلّح، "الحرث الثوري"، مرتبط بإيران. الخيانة أن تتكلّم باسم لبنان فيما ولاؤك السياسي والعسكري والعقائدي معلَّق خارج لبنان. وهنا الأسئلة: من أعطى حzب الله حق احتكار قرار الحرب والسلم؟ من فوّض نعيم قاسم أن يقرّر مصير شعب كامل؟ من نصّبه وصيًا على الدولة والدستور والجيش والحكومة؟ هذا ليس "ميدان مقاومة"، هذا ميدان مصالح، ميدان ارتهان لمشروع، ميدان خدمة نظام، ميدان مقاتلوه ليسوا مقاومين وإنما وقود للثورة الإيرانيّة ونظام الملالي، هذا الميدان مفتوح عنوةً عن الشعب اللبنانيّ ومفروض بقوة السلاح علينا، ومَن يرفضه خدمة لمصالح لبنان القوميّة العليا يُخَوَّن، ومَن يعترض عليه انطلاقاً من قراءة استراتيجّة واضحة يُتَّهَم بالاستسلام، ومَن يطالب بقرار سيادي للدولة على كامل أراضيها يُصوَّر كأنه عميل، فيما العميل الحقيقي هو من صادر قرار لبنان ووضعه في جيب إيران.
ويقول نعيم قاسم: "المعركة الحالية ليست لضمان أمن شمال إسرائيل بل هي معركة إبادة لبنان". نعم، لبنان يُدمَّر… لكن بسبب مَن؟ بسبب دولةٍ تحمي شعبها، أم بسبب حzب الله الذي ينفّذ الأوامر الإيرانية من دون أي تفكير أو اكتراث بالمصلحة اللبنانية العليا وأمن الشعب اللبناني، وربط لبنان بالكامل باستراتيجية إيران؟ الحقيقة الواضحة أنّ لبنان لم يُستهدف لأنه لبنان بحدّ ذاته، بل لأنه خُطِف ووُضع في قلب حربٍ إقليمية لا علاقة له بها. منذ فتح حzب الله الجبهة الجنوبية “إسنادًا لغزة” في تشرين الأول 2023، كان واضحًا أنّ القرار ليس لبنانيًا بل جزء من ربط الساحة اللبنانية بحسابات أوسع من لبنان نفسه. وعندما قَبِل حzب الله أصلًا بوقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 عبر المسار الذي رعته واشنطن وباريس، سقطت أسطورة أنّه يرفض كل مسار غير عسكري بالمطلق؛ هو يقبل أو يرفض فقط وفق ما تقتضيه مصلحة المشروع الإيراني، لا مصلحة لبنان.
ويقول: "التفاوض المباشر مع إسرائيل إذعان واستسلام". الغريب أنّه عندما تفاوضت إيران مع الولايات المتحدة، وكانت تستخدم لبنان كورقة في هذه المفاوضات، لم يخرج علينا نعيم قاسم بهذا "الرفض البطولي الوطني". لم نسمع منه أنّ الجلوس الإيراني إلى الطاولة إذعان، ولم نسمعه يهدّد إيران إذا فاوضت، ولم نره يصف أي قناة تفاوض تخدم طهران بالخيانة أو الاستسلام. الحقيقة أنّه يرفض التفاوض عندما يكون لبنانيًا سياديًا، ويقبله عندما يكون جزءًا من صفقة إيرانية، أو ورقة تفاوض إيرانية، أو بابًا لتحسين موقع إيران الإقليمي. هذه ليست عزّة ولا كرامة ولا إباء ولا بطولة… هذه تبعية صريحة، وعمالة سياسية مكتملة الأركان، ونفاق فاضح في تعريف السيادة نفسها. فهو لا يعترض على مبدأ التفاوض، بل يعترض على أن يصبح القرار لبنانيًا لا إيرانيًا. والمفارقة الأوضح أنّه يزايد على الدولة اللبنانية في مسألة التفاوض، فيما حزبه نفسه لم يتردّد في القبول بوقف إطلاق النار عندما دخل في سياق تفاوضي رعته الولايات المتحدة وفرنسا مع إسرائيل وكان الأخ الأكبر كبير المفاوضين يوم ذاك. أي أنّ "المبدأ" يسقط فورًا عندما تقرّر إيران غير ذلك.
ويقول نعيم قاسم: "المفاوضات عبثية وتحتاج إلى إجماع لبناني… ولا يحق لأحد أخذ البلد إلى هذا المسار من دون توافق". أيّ وقاحة هذه؟ حzب الله هو أوّل من اغتال الإجماع اللبناني يوم فرض سلاحه على أكثريّة لبنانيّة ترفض وجود سلاحه أصلاً، يوم فرض سلاحه على الدولة اللبنانيّة فوق الدستور، ويوم اغتال خيرة من قادة لبنان الأحرار، ويوم عطّل انتخاب رئيس، ويوم فرض حكومات ومسارات حكوميّة بقوة الأمر الواقع، ويوم جرّ لبنان إلى حروب من دون استئذان أحد، ويوم قرّر وحده متى يفتح الجبهة ومتى يهدّئها ومتى يربط البلد بالملف الإيراني ومتى يفصله عنه. من صادر الدولة لا يحق له أن يتحدّث عن الإجماع أبداً. من نسف مبدأ الشراكة الوطنية لا يحق له أن يتكلّم عن "التوافق". من بنى سلطته على الترهيب السياسي والعسكري لا يحق له أن يزايد على أحد في احترام المؤسسات. هذه وقاحة سياسية موصوفة: يدمّرون الدولة ثم يطلبون منها شهادة حسن سلوك، يلغون الإجماع ثم يتباكون عليه، يخطفون القرار ثم يتحدّثون عن الشراكة.
ويقول: "المفروض أن تتصدّى الدولة اللبنانية… ويمكن تبرير ضعفها". الدولة ضعفت لأن حzب الله صادر قرارها، جرّدها من سيادتها، ومنع جيشها من أن يكون المرجعية الوحيدة للسلاح. لا يمكن لدولة أن تدافع بينما هناك ميليشيا فوقها تأتمر بأوامر إيران، ولا يمكن لدولة أن تفرض استراتيجيتها الدفاعية فيما هناك تنظيم يحتكر قرار الحرب، ويخزّن السلاح، ويعبر الحدود، ويقرّر عن لبنان بدم أبنائه من دون أي تفويض. الدولة لم تضعف تلقائيًا، بل أُضعِفت. أُضعِفت يوم صار سلاح حzب الله أقوى من الشرعية، ويوم صار قراره أعلى من قرار الحكومة، ويوم صار الجيش مطالبًا أن يتكيّف مع وجود دويلة مسلّحة بدل أن يكون هو صاحب الإمرة والسيطرة في البلاد. كل شكوى من ضعف الدولة يجب أن تبدأ من هذه الحقيقة: حzب الله هو السبب الأول في هذا الضعف، لأن الدولة لا يمكن أن تقوم بدورين متناقضين في وقت واحد: دولة ذات سيادة، ومظلّة لكيان مسلّح يعمل لحساب إيران.
ويقول نعيم قاسم: "نحن أصحاب حق ومعتدى علينا". معيار الحق ليس الشعارات بل الوقائع. كيف يكونون هم "المعتدى عليهم" وهم من فتحوا الحرب بصواريخ 6 عشوائيّة غبيّة بقرار أحادي وبأمر إيراني مباشر، وبعد تهديدات بالعشرات مباشرة من إسرائيل في أنهم "لو ضربوا فإنها ستضرب"؟ كيف يكونون "ضحايا" وهم من قَرّروا إدخال لبنان في معركة لا شأن له فيها؟ كيف يكونون "مدافعين" وهم من لم يلتزموا منطق الدولة بعد وقف إطلاق النار، وتركوا البلد معلّقًا على منطق التعنّت والتصعيد، وكأنّ اللبنانيين وقودٌ مجاني لمغامراتهم؟ عندما أتاهم الأمر الإيراني نفذوا من دون تفكير أو اعتراض وصعّدوا، واليوم عادوا ليقدّموا أنفسهم كأنهم الطرف المسكين المجرَّد من المبادرة، لقد انكشف حجم الكذب. من هجّروا هم الضحايا بالمعنى الاجتماعي، من قتلوا وجرحوا هم الضحايا بالمعنى الإنساني، وإنما هم ليسوا ضحية بالمعنى السياسي وإنما طرف صادر قرار البلاد وكابر وتعنت ثم بعد أن خرّب البلاد ونشر فيها التهجير والموت ودمار والخراب يريد إعفاء نفسه من المسؤولية الأخلاقية والسياسية والإنسانية عن النتائج.
الأخطر هو المنهج: مدرسة إيران التي ينتمي إليها حzب الله تقوم على تزوير الوعي. الهزيمة تُسوَّق كنصر، الدمار كـ"ثمن"، الخسارة كـ"تكتيك"، والعزلة كـ"صمود". وهذا بالضبط ما فعله نعيم قاسم في خطابه: يصف بقاء لبنان تحت النار وكأنّه بطولة، ويحوّل تحمّل الناس للخراب إلى دليل "انتصار"، ويتحدّث عن التفاوض السيادي كأنه إذعان، فيما الإذعان الحقيقي هو أن يبقى لبنان مربوطًا بقرار خارجي. هكذا تُقلَب المعاني: يصبح من يطالب بالدولة متخاذلًا، ومن يرفض خطفها "مستسلمًا"، فيما من يسلّم قرار البلد لإيران يُقدَّم بوصفه سياديًا. هذا ليس تحليلًا، هذا تضليل منظّم يُستخدم لإبقاء الناس في دائرة الوهم، ولمنع أي مراجعة، ولإقناع جمهورهم بأن كل كارثة يمكن تسويقها كإنجاز بمجرد تغيير الاسم.
وهنا الحقيقة التي يخشون قولها: إيران لا ترى في لبنان وطنًا، بل ساحة. وحzب الله لا يتصرّف كحزب لبناني، بل كجهاز تنفيذ داخل هذه الساحة. والدليل ليس شعارًا بل سلوكًا: تُفتح جبهة الجنوب عندما يحتاج المشروع الإيراني إلى ممارسة الضغط أو لتنفيس الضغط عن طهران، وتُهدَّأ عندما تحتاج إيران إلى التفاوض، وتُرفع النبرة عندما تريد طهران تحسين موقعها، وفي كل مرّة وبعد حصول طهران على ما تريده يُترك لبنان يواجه وحده النتائج. إيران لا تدفع ثمن الخراب في بيروت والجنوب والبقاع؛ اللبنانيون هم من يدفعون. إيران لا ينهار اقتصادها بسبب شلل الدولة اللبنانية؛ اللبنانيون هم من يتحمّلون ذلك. إيران لا تفقد أبناءها على الأرض اللبنانية؛ اللبنانيون هم من يخسرون أبناءهم وبيوتهم واستقرارهم وفرصهم. لذلك يُطلب من اللبناني أن يموت من أجل مشروع لا يخدمه، وأن يصفّق لدماره كأنه إنجاز، وأن يقبل أن يكون وطنه مجرّد صندوق بريد أو منصة رسائل أو ورقة مساومة.
الوقائع لا تُكذَّب:
• حzب الله صادر قرار الحرب والسلم من الدولة
• حzب الله ربط لبنان مباشرة بإيران
• حzب الله عطّل المؤسسات والدستور
• حzب الله أدخل لبنان في حروب لا قرار ولا مصلحة للبنان فيها
• والنتيجة: دمار، موت، تشريد، جوع، عزلة، انهيار دولة، وانهيار ثقة اللبنانيين بأي مستقبل مستقر
الخلاصة الحاسمة: لا سيادة مع سلاح حzب الله، لا كرامة مع قرار إيراني، ولا وطن مع ازدواجية السلطة. الدولة وحدها تمثّل اللبنانيين، والجيش وحده يحميهم، والدستور وحده يحدّد مصيرهم. وأي كلام خارج هذا الإطار هو مشروع فتنة دائمة لا مشروع حماية، وهنا تكمن الخطورة من حرب أهليّة وليس إذا بادرت الدولة لتطبيق القوانين والقرارات التي اتخذتها ومارست دورها في احتكار القوّة وفرض القوانين بالقوّة. وأي منطق يعتبر أنّ بقاء السلاح فوق الدولة هو ضمانة، إنما يقول صراحة إن بقاء لبنان نفسه ليس أولوية، وأن الأمن القومي اللبنانيّ ليس ضرورياً، وأن الأمن الاجتماعي اللبنانيّ ليس مهماً.
وفي المحصّلة: حzب الله ليس مقاومة، بل ذراع إيرانية تعمل داخل لبنان. ونعيم قاسم ليس صاحب قرار، بل منفّذ. كل هذا الخطاب العالي السقف ليس إلا غطاءً لحقيقة واحدة: تنفيذ أوامر تصدر من خارج لبنان، على حساب لبنان. ومن هنا فإنّ المعركة الحقيقية لم تعد فقط مع سلاح غير شرعي، بل مع منظومة كاملة من الكذب السياسي وتزوير المفاهيم وخطف الدولة باسم شعارات ثبت بالوقائع أنّها لا تحمي وطنًا ولا تبني دولة، بل تسحقهما معًا.
المشكلة في المشروع الإيراني ليست فقط في سلوكه، بل في هندسته العميقة...
لقد بنى هذا النظام شرعية له في وجدان بعض من الشعوب العربيّة عبر ادعائه بالتمسّك بالقضية المركزية بالنسبة لهم، فلسطين، وقتاله دفاعًا عنها، فيما تُظهر الوقائع في مراحل مفصلية أنّه يدفع بهؤلاء للقتال عقائديًا من دون تفكير، فيما يعتمد هو مقاربات براغماتية متناقضة مع كل الخطاب العقائدي الذي يتكلّم به، حيث جرى توظيف الصراع وتبديل الأولويات بما يخدم بقاء المشروع وتوسّعه، حتى ولو جاء ذلك على حساب وحدة الموقف الإسلامي أو على حساب شعوب المنطقة نفسها، الأمر الذي جعل من المستحيل الوصول إلى وحدة موقف عربي، وهذه نتيجة استراتيجيّة لهذا النظام عمل عليها بشكل خفي ودقيق، وقد كشفت محطات تاريخية مثل Iran Gate حجم هذا التناقض بين الشعارات والممارسات. وهكذا تحوّلت القضية من التزام مبدئي إلى أداة تعبئة وتبرير، تُستخدم لشرعنة النفوذ وتحصينه، أكثر مما تُستخدم لتحقيق هدفها الأساسي. ومن خلال هذا التوظيف، جعل منها مدخلًا للتسلّل إلى الدول العربية بدل مواجهتها مباشرة، باعتبار أن النظام أدرك أن أي تمدّد علني كان سيستفز الحسّ العربي ويعيد وحدة الموقف العربيّة التي كان قد ضربها سرًا إلى التبلور، الأمر الذي كان سيُسقط مشروعه في الدول العربيّة أخلاقيًا، فاختار التغلغل من الداخل تحت شعارات المقاومة، مستثمرًا عاطفة الشعوب تجاه فلسطين ليحوّلها إلى غطاءٍ لنفوذٍ يتوسّع بهدوء، من دون أن يدفع كلفة المواجهة الصريحة.
هذا النموذج لا يكتفي بالسيطرة السياسية، بل يعيد صياغة الوعي: يُربّي أجيالًا على أن الولاء ليس للدولة أو للقومية، عربية كانت أم محلية، بل لـ“المشروع” فقط، وهذا أخطر ما قام به هذا النظام، إذ ضرب من خلاله وحدة المجتمعات بشكل جذري. كما ربّى أجيالًا على أن الحقيقة لا تكمن في ما يحدث على الأرض، وهو موثّق ومعلوم، بل في الرواية التي تُصاغ حوله. وعندما يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين الوقائع والرواية، بين الحقيقة والوهم، يصبح كل شيء ممكنًا… حتى تبرير الانهيار كأنه خيار.
في لبنان، لم يعد النزاع على سلاح أو نفوذ، بل على معنى الدولة نفسه: هل نحن دولة طبيعية بقرار سيادي واحد، أم ساحة مفتوحة تُدار بمنطق الرسائل والحروب بالوكالة؟ ما يحصل ليس صدفة، بل نتيجة مسار طويل من تفكيك المؤسسات وتطويع القرار الوطني لصالح مشروعٍ لا يرى في لبنان إلا وظيفة.
ولا بدّ من قول الحقيقة كما هي: الحروب ليست قدرًا محتومًا ولا يمكن تجميلها تحت أي عنوان، فهي في جوهرها تدمير شامل، لكنّ المسؤولية عنها واضحة وليست مبهمة. ففي لبنان، خلال العقدين الأخيرين، فُرضت الحروب على اللبنانيين نتيجة قرار أحادي خارج الدولة مصدره هذا النظام في إيران، ويتحمّل حزب الله مسؤولية هذا المسار بما جرّه من مآسٍ ودمار، عبر سلاحٍ مرتبط بمشروع إيراني يتقدّم على الدستور والمؤسسات، وما رافقه من تضليل ممنهج وغسل للوعي الجماعي حوّل بيئته إلى حالة معزولة عن الواقع، مُعبّأة دائمًا وجاهزة للدفع أثمانًا لا نهاية لها.
ومن هنا، لا يمكن الاستمرار في التهرب من الخلاصة: ما يعيشه لبنان اليوم ليس انحرافًا عابرًا، بل نتيجة مسار مُمنهج حوّله إلى ساحة مفتوحة لمصلحة النظام الإيراني. والاستمرار في هذا الواقع لم يعد مجرّد خطأ، بل خطر وجودي. لذلك، فإن المواجهة الحقيقية لا تكون بالشعارات، بل بقرارات سيادية واضحة: إعادة رسم العلاقة مع هذا المشروع من جذورها، وصولًا إلى قطع العلاقات مع النظام الذي يرعاه، وإقفال المنصّات التي تُجسّد حضوره السياسي والأمني، وفي مقدّمها سفارة هذا النظام الإرهابي التي تحوّلت إلى بؤرة أمنيّة عاصية على الدولة اللبنانيّة وقراراتها. كما أنّ المواجهة لا تقتصر على البعد السياسي، بل تمتد إلى البعد الإجتماعي المجتمعي، لأن هذا المشروع لم يضرب الدولة فقط، بل ضرب نسيج المجتمع اللبناني ذاته، ما يفرض إعادة بناء الحواجز الوطنية والأخلاقية التي تحمي الهوية اللبنانية من هذا الاختراق العميق.
لبنان ليس تابعًا لأي محور، ولن يكون انعكاسًا لهوية مفروضة عليه. هويته الحقيقية نابعة من تاريخه وثقافته ورسالة العيش فيه، لا من مشاريع تُغرقه في العنف وتدفعه إلى مسارٍ لا يشبهه. واستعادة هذا المعنى ليست تفصيلًا، بل معركة وعي وسيادة في آنٍ معًا. واستعادة الدولة ليست خيارًا سياسيًا بل شرط بقاء. وعندما يستعيد اللبنانيون قدرتهم على تسمية الأشياء بأسمائها، سيسقط هذا البناء كله، لأنّه قائم على فكرة واحدة: أن تقبل الشعوب بما لا يُقبل. وسيأتي يوم تتهاوى فيه هذه المنظومة، ليس فقط سياسيًا، بل فكريًا، يومها لن يكون السقوط خسارة، بل بداية الخلاص.
أقدّر الجهود التي يقوم بها دولة الرئيس نواف سلام في هذه المرحلة الدقيقة، ولا سيّما سعيه إلى تثبيت منطق الدولة، وحصر القرار بمؤسساتها، والعمل على وقف الحرب وحماية لبنان من الانهيار الكامل. هذا المسار هو، بلا شك، في الاتجاه الصحيح من حيث المبدأ.
ولكن لا يمكن المرور مرور الكرام على الكلمة التي وجّهها إلى اللبنانيين في ذكرى 13 نيسان، صحيح انني أثمن ما جاء فيها لناحية تأكيده على ضرورة تثبيت منطق الدولة، ورفض الفتنة، والسعي لوقف الحرب، وتمكين المؤسسات الشرعية من القيام بدورها الكامل. هذه العناوين تشكّل، من حيث المبدأ، المدخل الصحيح لأي مسار إنقاذي حقيقي.
لكن، ومن منطلق الرأي السياسي، لا يمكن تجاوز المقاربة التي اعتمدها في قراءة الحرب الأهلية، خصوصًا حين تُطرح بصيغة تعميمية تُساوي بين تجارب مختلفة جذريًا في خلفياتها وأهدافها. فالتاريخ اللبناني، بكل مآسيه، لا يمكن اختزاله بعبارة "أخطأ الكثيرون" من دون تمييز واضح بين من اراد الإطاحة بالكيان اللبناني برمته، ومن حمّل لبنان صراعات الخارج، ومن وجد نفسه في موقع الدفاع عن الكيان في ظل غياب الدولة.
الإشارة إلى أن "بعضنا الآخر أخطأ أيضًا حين اعتقد أنه يمكن تحويل ضعف لبنان إلى قوّة" تحمل، في سياقها السياسي، إيحاءً معروفًا تجاه اليمين المسيحي، وشخص الشيخ بيار الجميل تحديداً وما يمثله، فيما الحقيقة أن هذا الخطّ، الذي ارتبط تاريخيًا بشخصيات عظام، ورجال دولة نفتقدهم اليوم وعلى رأسهم فخامة الرئيس كميل شمعون، لم ينطلق من وهم القوة بقدر ما انطلق من إدراك عميق لفراغ السلطة، ومن محاولة حماية الكيان في لحظة كان فيها القرار السيادي مفقودًا، والأرض اللبنانية مشرّعة أمام صراعات الآخرين والتنظيمات والمنظمات المسلحة.
صحيح أن الدولة اليوم يجب أن تكون المرجعية الوحيدة، وأن السلاح يجب أن يكون محصورًا بيدها، وهذا ما يلتقي مع جوهر اتفاق الطائف الذي دعا إليه سلام نفسه، لكن إسقاط هذا المعيار على مرحلة لم تكن الدولة فيها قادرة أو موجودة فعليًا، هو قراءة غير متوازنة للتاريخ. فهناك فرق بين من لجأ إلى الخارج ليقضي على الكيان اللبناني، اما لأضغاث احلام قومية وأوطان كبرى او أوطان بديلة، ومن اضطر إلى المواجهة لأنه لم يجد دولة تحميه.
إن الدعوة إلى عدم استحضار الماضي يجب ألا تتحوّل إلى إعادة صياغته بشكل يطمس الفروقات الأساسية، لأن المصالحة الحقيقية لا تقوم على المساواة بين الأدوار، بل على فهمها كما كانت، بكل تعقيداتها، وبما يحفظ الحقيقة لا أن يختصرها.
ليست كل الأخطاء سواء.
هناك من أخطأ لأنه راهن على ضعف لبنان فانقض عليه ليستوطنه او ليحتله أو ليضمه… وهناك من قاتل للحفاظ على الكيان وحرية شعبه لأنه لم يجد دولة تحميه.
وبين الاثنين فرقٌ شاسع:
فرق بين من حاول الحفاظ على لبنان،
ومن ساهم في احتلاله وتحويله إلى ساحة.
التاريخ لا يُكتب بالمساواة…
بل بالتمييز بين من دافع عن الكيان،
ومن وضعه على طاولة المساومات.
مع فائق الإحترام والتقدير لدولته...
كلمتي إلى اللبنانيين عشية ذكرى ١٣ نيسان:
عشية ذكرى اندلاع الحرب الأهلية في 13 نيسان 1975، ما أحوجنا اليوم إلى أن نتعلّم من ماضينا، لا أن نستحضره للتهويل او الترهيب، ولا أن نحوّله إلى سلاح في وجه بعضنا البعض.
في تلك الحرب، التي أنتجت خرابًا هائلًا، وذكريات موجوعة وانقسامات دفعت أجيالًا كاملة أثمانها، أخطأ الكثيرون.
بعضنا أخطأ حين حمّل لبنان أكثر مما يحتمل، فغلّب تضامنه مع قضايا عادلة على حساب مقتضيات حماية سيادة البلاد وأمنها.
وبعضنا الآخر أخطأ أيضًا حين اعتقد أنه يمكن تحويل ضعف لبنان إلى قوّة. وأخطأ كل من لجأ إلى دعم خارجي متوهّمًا أن لا هدف لهذا الخارج سوى دعمه، فوجد نفسه أسير لعبة أكبر منه.
ففي الحرب الأهلية تقاتل بعضنا مع بعض، ودفع الجميع الثمن. أما اليوم، فالمطلوب أن نقف جميعًا مع بعضنا البعض، لا بعضنا في وجه بعض، وأن نحصّن الداخل، ونمنع الفتنة، أو التهديد بها، أو التهويل بالحرب الأهلية، وكأننا لا نعرف أثمانها.
أيها اللبنانيون، أيتها اللبنانيات،
أتوجّه إليكم اليوم في منعطفٍ مأساوي آخر من تاريخنا، حيث يثقل القلوب شعورٌ جارح بأن الصوت قد لا يصل، وأن المعاناة لا تجد دائمًا من يُنصفها.
أعرف، وأدرك تمامًا، آلام من فقدوا أحبّاءهم، بيوتهم، قراهم، وحقول زيتونهم، ومن يجدون أنفسهم اليوم يتنقّلون من مأوى إلى آخر.
أفهم غضبكم، وحاجتكم لأن يُسمَع صوتكم، حتى عند أبواب السراي.
وأفهم أيضًا قلق وغضب أولئك الذين لم يعودوا يحتملون مصيرًا لا يختارونه بأنفسهم، مصيرًا تصنعه إرادات غيرهم، ولو بالحرب والدمار.
وأعلم أن ذاكرة الرابع من آب لم تندمل، خاصة عند أهلي في بيروت، وأنها استُحضرت بكل قسوتها مع فاجعة الثامن من نيسان، وضحاياها المدنيين العزّل.
أعلم أنكم جميعاً سئمتم أن يُسلب منكم حقّكم في تقرير مصيركم.
أشعر بوجع الأمّ التي فقدت ابنها المقاتل على الجبهة، كما أشعر بوجع الأمّ التي فقدت طفلًا لم يختر هذه الحرب، ولم يطلب سوى أن يعيش.
أعلم أنكم جميعًا تتألّمون… أكثر مما يُحتمل، ومنذ زمنٍ طويل.
وأدرك أيضًا أن ما كان مصدر غنى لهذا البلد — أي تنوعه — قد يتحوّل في بعض الأوقات إلى عامل انقسام. تحملون في وجدانكم ذاكرةً جامعة، إلى جانب ذاكرات وتجارب متباينة.
ومسؤوليتي أن أعزّز ما يجمع بين هذه الذاكرات، وأن أهدّئ توتّراتها، وأن أقرّب بينها قدر الإمكان.
وأهلي في الجنوب يعرفون أكثر من غيرهم كلفة الحروب والانقسامات والرهانات الخاطئة. فقد دفعوا على مدى عقود أثمان الاحتلال والاعتداءات والتهجير، كما دفعوا أيضًا أثمان تعدّد مراكز القرار وغياب الدولة أو ضعف حضورها.
ومن هنا، فإن من واجبنا الوطني اليوم أن نؤكد أن الجنوب لن يُترك مرة جديدة وحيدًا في مواجهة الخوف والدمار والقلق على المصير. حمايته، كما حماية كل لبنان، لا تكون إلا بدولة واحدة قوية وعادلة.
وسنستمر في العمل من أجل وقف هذه الحرب، التي لم تكن خيارنا، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي من كامل أراضينا، واسترجاع كل أسرانا، ومن أجل إعادة إعمار قرانا وبلداتنا المدمّرة، وعودة أهلنا النازحين الآمنة إليها، وتمكينهم من العيش فيها بكرامة وأمان.
ولهذا، فإننا مستمرون بجهودنا لوقف الحرب، وفي مقدّمتها المبادرة التي قدّمها فخامة الرئيس للتفاوض لوقف الحرب، وتمكين مؤسسات الدولة الشرعية من القيام بدورها الكامل في حماية لبنان واللبنانيين.
لذلك فلنعد جميعًا،
إلى ما ارتضيناه ميثاقًا فيما بيننا لا لوقف الحرب الأهلية فحسب، بل لبناء الدولة المنشودة، الدولة العادلة القوية، الدولة الواحدة الحاضنة لجميع أبنائها، والمقصود هنا ان نعود جميعاً لاتفاق الطائف. فلنطبّق بنوده كاملة، ولنصوّب ما طُبّق منه خلافًا لنصّه أو روحه، ولنعمل على سدّ ما بيّنت فيه الممارسة من ثغرات، وعلى تطويره كلما برزت حاجة إلى ذلك.
ولما كان اتفاق الطائف قال ببسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية، وهو ما لم نفعله منذ إقرار هذا الاتفاق، ففي تنفيذ ذلك ما يوفّر الأمن والأمان لكل المواطنين، ويسمح ببسط سلطة القانون في كل أرجاء البلاد وعلى الجميع بالتساوي. فلا يكون أحد فوق القانون أو خارجًا عنه.
كرامة الوطن هي كرامتكم جميعًا، دون تمييز. وإذا كان الحفاظ عليها يقتضي اليوم تواضعًا ومسؤولية، فأنا ملتزم بذلك… وأدعوكم جميعًا إلى التمسّك بما يجمعنا، حمايةً لوطننا ولمستقبل أبنائنا.
فلنواجه معًا الأخطار المحدقة بنا بالعقل والوحدة والمسؤولية الوطنية.
وحدتنا اليوم ليست شعارًا عاطفيًا، بل ضرورة وطنية.
كلّنا للوطن،
والوطن لنا جميعًا
أخطر ما روّجته المدرسة الإيرانيّة ليس مفهوم تصدير الثورة كـ"فكر ثوري" بحد ذاته وانما نظرية "الردع الاستراتيجي"، او واقعياً "وهم الانتصار الدائم".
يُقنعون أتباعهم أنّ كل خسارة هي "تكتيك"،
وكل تراجع هو "إعادة تموضع"،
وكل موت ودمار هو "ثمن الانتصار" وآخرها تصريح نعيم قاسم الأخير عمن سقطوا في بيروت وباقي مناطق لبنان في غضون دقائق معدودات، معتبراً ان دماءهم ركن من اركان الإنتصار.
بالمحصلة، في لبنان، قيل لنا إن الصمود هو "نصر استراتيجي"، اياً تكن الخسائر بمجرد ان هناك من بقي من بينهم هم، فنحن منتصرون وغالبون… فانهارت الدولة ودمر اليلاد وهجر الناس وقتل الآلاف منا ولكن بمجرد بقاء نعيم قاسم في ملجئه تحت الأرض فنحن غالبون.
في العراق، قيل لهم إن السيطرة هي "إنجاز استراتيجي"، السيطرة على مصائر الناس وترهيبهم وقتلهم بحد ذاته مكسب "استراتيجي"… فابتلعت الميليشيات الدولة، ودمر العراق.
في اليمن، قيل إن الحرب قوة، والمواجهة بحد ذاتها "تقدم استراتيجي"… فصار الشعب رهينة جوع وحصار.
السؤال لمن هذا "النصر الإستراتيجي" في لبنان و"الانجاز الإستراتيجي" في العراق و"التقدم الاستراتيجي" في اليمن، أهو لصالح هذه الأوطان والشعوب!؟ أهو لمصلحة الشعب الإيراني الذي يذبح ويقتل وينوء تحت العقوبات منذ ٤٠ عاماً!؟ ام كل هذا هو لمصلحة النظام، والنظام فقط لا الشعوب ولا الأوطان!!!!؟؟؟؟
هذه ليست عقيدة مقاومة… هذه عقيدة تبرير الهزائم وتسويقها كإنتصارات... وكل هذا مبني على أوهام بأوهام.
الخطر الحقيقي ليس في السلاح… السلاح يمكن حصره ومصادرته عملياً، إلا أن الخطر يكمن في العقل الذي يرفض الاعتراف بالخسارة. لأن من لا يعترف بخسارته… سيُكرر خطأه مرارًا وتكراراً، ولكن بثمنٍ أعلى في كل مرة، وما حصل منذ ٢٠٠٦، و"لو كنت أعلم"، حتى اليوم خير دليل على ذلك، و"البيئة" لم تقارب ما حصل بالمنطق، ولن تقوم بذلك ما لم يلعب الأحرار فيها دورهم الفكري قبل السياسي.
الحقيقة التاريخية الوحيدة هي أن الدولة وحدها تنتصر عندما تحمي شعبها ومصالحها القومية،
وكل ما عدا ذلك… هو انتصارٌ وهمي فوق ركام الأوطان.
ما يُسمّى بالمدرسة الإيرانيّة السياسيّة، التي تقوم على مبادئ كـ"الصمت البنّاء" و"التروي الاستراتيجي" و"الصبر الطويل" و"الردع الإستراتيجي" لم يكن يومًا فلسفة استقرار… بل كان دائمًا إدارة فوضى مؤجّلة.
هذه النظريات لم تُختبر في الكتب… بل على شعوب حيّة: في لبنان، العراق، واليمن.
في لبنان، تحوّل البلد إلى ساحة اختبار مكتملة:
– "توازن الرعب" جعل الدولة رهينة سلاح خارجها
– "الصبر الاستراتيجي" عطّل أي قرار سيادي لحل الأزمة اللبنانيّة بانتظار حسابات إقليمية
– "إدارة النزاع" أبقتنا في حالة لا حرب ولا سلم… أي في استنزاف دائم
والنتيجة؟
اقتصاد منهار، دولة مشلولة، شباب يُدفَع إلى الموت أو الهجرة، وبلد يعيش على حافة الانفجار الدائم.
في العراق، أُعيد إنتاج الدولة على قاعدة الميليشيا لا المؤسسات.
وفي اليمن، تحوّل "الردع الإستراتيجي" إلى حرب مفتوحة لا تنتهي، يدفع ثمنها شعب بأكمله.
هذه ليست أخطاء تطبيق… هذه هي النتيجة الطبيعية لهذه العقيدة "الثوريّة": عقيدة ترى في الدول ساحات، وفي الشعوب أدوات، وفي الزمن سلاحاً.
لبنان لم يكن حليفًا… بل كان مختبرًا.
جُرّبت فيه كل النظريات: التروّي، الردع، التوازن، الصمت… ورأينا النتيجة: دمار، موت، وانهيار شامل.
إلى من لا يزال يراهن على هذا النهج: أنتم لا تدافعون عن قضية أو تعبرون عن إيمانكم بعقيدة "ثوريّة"… بل تبرّرون تجربة فاشلة على حساب أوطانكم.
هذه السياسات لا تبني دولة، بل تُتخذها رهينة وتبقيها معلّقة بين أزمة وأخرى.
ولا تحمي شعبًا، بل تجعله وقودًا لمصالح الآخرين.
ما نعيشه اليوم ليس قدرًا…
بل نتيجة مباشرة لسياسات قيل لنا إنها "استراتيجية"… فإذا بها طريقٌ ثابت إلى الانهيار.
اليوم، ما تقوم به الدولة اللبنانيّة هو عين الصواب السياسي: العودة إلى منطق الدولة، إلى الشرعية، إلى القرار الواحد.
السِّلم هو الرادع الحقيقي، لا "توازن الرعب" ولا نظريات التأجيل والانفجار.
الدبلوماسية ليست ضعفًا… بل هي السلاح الأدقّ والأفتك، لأنها تبني استقرارًا مستدامًا بدل إدارة فوضى مؤقتة.
أما الصواريخ العشوائية، غير الذكيّة، التي تُطلق بلا حساب ولا وضوح في الأهداف، فليست هي قوة الردع… وإنما هي مقامرة بمصير شعب كامل. لأن القوة الحقيقية ليست في القدرة على إطلاق النار، بل في القدرة على منع اندلاعها وفي حماية الشعب والمصالح الإستراتيجيّة والقوميّة للدولة.
وهذا هو الفارق بين دولة تحاول أن تبني وتأوي وتوقف إطلاق النار يمثلها "الصهيوني" نواف سلام، ومشروعٍ لا يعيش إلا على حافة الحروب ويشرد ويقتل ويدمر بيئته في أسقاع الأرض، فيما هو يختبئ في أعمق الملاجئ الذي يمثله "البطل" نعيم قاسم. وتطلون في كل مرّة لتقولوا إن إيران أمرتكم بالقتال ثم تركتم وسط المعركة، في حين أن المشكلة ليست في طهران وإنما فيكم لأنكم في كل مرّة تنسون فتوى من تتبعونه قائداً لكم، والتي تفتي بأن مصلحة النظام وبقائه أهم من مصير الشعب أو أي قيادي فيه أو فرد.
خلال اجتماع الهيئة الإدارية لـ"مؤسسة جبل الأرز"، في معراب، حيث تداولنا في الملفات الاجتماعية والحياتية التي تُعنى بها "المؤسسة" منذ سنوات، مؤكدين استمرارها في اهتمامها الدائم بالمساعدات الاجتماعية والطبية والتربوية التي تساهم في تخفيف الأعباء عن أهلنا في قضاء بشري:
المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها لبنان تفرض الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها الشرعية، ونشدد على الدعم الكامل لقرار الحكومة القاضي بتفكيك البنى العسكرية والأمنية التابعة لـ"حzب الله" واعتبار كل نشاطاته العسكريّة والأمنيّة خارجة عن القانون والطلب من الجيش و الأجهزة الأمنية والسلطة القضائية تنفيذ القرار بشتى الوسائل.
هذه الخطوة تشكّل مدخلاً أساسياً لاستعادة الدولة دورها الطبيعي وسيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، ولإعادة تثبيت مبدأ حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية.
إن أهمية القرار لا تكمن فقط في صدوره، بل في ترجمة مفاعيله على أرض الواقع، من خلال قيام الأجهزة المعنية، وفي مقدّمها الجيش اللبناني وسائر الأجهزة الأمنية والقضائية المختصة، باتخاذ الإجراءات التنفيذية اللازمة، لذا فإن أي تهاون في تطبيق هذا القرار من شأنه أن يضرب صورة الدولة وهيبتها في هذه اللحظة الحساسة، فيما البلاد بأمسّ الحاجة إلى تعزيز حضور الدولة ومؤسساتها في ظل التحديات الراهنة.
وفي ما يتعلق بالانتخابات النيابية، نجدد التأكيد على الموقف المبدئي لحزب "القوّات اللبنانيّة" الرافض للقرار الذي صدر عن مجلس النواب والقاضي بتمديد ولايته لمدة سنتين، أي نصف ولاية.
إن هذا القرار يشكّل مساساً واضحاً بجوهر النظام الديمقراطي في لبنان وبروح الدستور ونصّه، فضلاً عن كونه يضرب مرة جديدة عرض الحائط بالمواعيد الدستورية للاستحقاقات الانتخابية، وبكون الشعب هو مصدر السلطات في لبنان. وإن كان الواقع الميداني القائم يفرض بالفعل ظروفاً استثنائية تجعل إجراء الانتخابات في موعدها أمراً مستحيلاً من الناحية العملية، إلا أن ذلك لا يمكن أن يبرّر إطلاقاً ما أقدم عليه بعض النواب اليوم في مجلس النواب، فما جرى داخل المجلس لا علاقة له إطلاقاً بمفهوم القوة القاهرة أو الظروف الطارئة، بل يشكّل مخالفة دستورية واضحة.
نؤكد أن حزب "القوّات اللبنانيّة" سيتقدّم بطعن بهذا التمديد أمام المجلس الدستوري، وأي محاولة لاستغلال التمديد من أجل فتح نقاشات جديدة حول مسائل أساسية في الحياة السياسية اللبنانية، وعلى رأسها قانون الانتخابات، تُعد أمراً مرفوضاً من حيث المبدأ، لأن المجلس الذي مدّد لنفسه يفتقد الشرعية السياسية والأخلاقية اللازمة لطرح أو إقرار قضايا مصيرية من هذا النوع. فالمجلس المخوّل مناقشة هذه الملفات هو المجلس الذي تنبثق شرعيته من صناديق الاقتراع، لا مجلس انتهت صلاحيته الشعبية وأصبح وجوده مرتبطاً بقرار تمديد مفروض على اللبنانيين. ومسألة الشرعية الشعبية لا يمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها إلى ما لا نهاية، لأن مصدرها الحقيقي سيبقى دائماً صناديق الاقتراع مهما تأخر موعد العودة إليها.
اطل محمد رعد فأنهى اكذوبة الجناح السياسي والجناح العسكري في حzب الله...
وعليه،
يجب على الحكومة ان تنعقد فوراً وتطرد وزراء الحزب منها.
كما على وزير العدل تحريك النيابة العامة فوراً لارسال طلب الى مجلس النواب لرفع الحصانة عن محمد رعد بعد ارتكابه جرماً مشهوداً من قبل الشعب اللبناني برمته، بعدما هدد واستقوى على الدولة وتجبر عليها واطلالته لا يمكن ان تعد سوى مجاهرة لناحية القرار في انشطة الحزب الأمنية والعسكرية التي اقرت الحكومة انها خارجة عن القانون....
بحسب ما أفادت به LBCI، حكمت المحكمة العسكريّة الدائمة على ثلاثة من عناصر حzب الله بغرامة مالية قدرها مليون وتسعمئة ألف ليرة لبنانيّة لكلٍّ منهم، بجرم حيازة ونقل أسلحة غير مرخّصة.
في المقابل، تنصّ المادة 72 من المرسوم الاشتراعي رقم 137/1959 (قانون الأسلحة والذخائر) على معاقبة كل من حاز أو نقل أو حمل سلاحًا حربيًا أو ذخائر حربية من دون ترخيص قانوني بعقوبة تتراوح بين الحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، إضافةً إلى غرامة مالية ومصادرة السلاح المضبوط حكمًا.
الباقي عندكم...
كيف تريدون من الحزب أن يهاب الدولة ويعمد إلى تسليمها سلاحه مع هذا الأداء!؟؟ كيف للدولة أن تفرض سيطرتها على كامل أراضيها في ظل صيف وشتاء تحت سقف واحد؟؟ القرار صدر والغطاء السياسي موجود، فما الحجّة هذه المرّة؟؟ لو كان الموقوفون الثلاثة لا ينتمون إلى الحزب هل كانت لتكون العقوبة أقل من 6 أشهر سجن؟؟
حمى الله @DimaSadek وعائلتها...
ولكن سأستغنم هذه الفرصة للكلام عن مسألة مهمّة جداً، فأنا لن أجنح نحو مطالبة الدولة والمراحع القضائيّة بمتابعة هذا الفرد وتوقيفه لأن هذا من البديهيات، ولكن أريد أن ألقي الضوء على مسألة أعمق، ففي هذا التهديد دلالتان على مشكلتين فكريتين عميقتين تستحقان التوقف عندهما. وأنا هنا لا أنطلق من تصرّف فردي لأعمّم حكماً، بل من ملاحظة نمط متكرر من الأفكار المشابهة التي تنتشر على نطاق واسع في فضاءات التواصل الاجتماعي:
- أولاً، إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه يعكس تحوّل فكرة تصفية الخصومة السياسية بالقتل والاغتيال إلى ما يشبه "البداهة الذهنية". أي أن العنف القاتل لم يعد يُنظر إليه كجريمة استثنائية، بل كخيار مشروع لحسم النزاع. وقد أظهرت دراسات في علم النفس الاجتماعي حول تطبيع العنف السياسي (Normalization of Political Violence) أن التكرار المستمر للخطاب العنيف يؤدي تدريجياً إلى جعله مقبولاً في الوعي الجماعي، بحيث يتحول مِن فِعل مُدان إلى أداة يُنظر إليها كوسيلة طبيعية للصراع. والمفارقة العميقة هنا، أن من يبرّر الإغتيال كوسيلة مشروعة لحل النزاعات إنما يشرّع، من حيث لا يدري، استخدام المنطق ذاته ضده وضد قادته. فحين يصبح الاغتيال مبدأً مقبولاً، فإنه يتحول إلى قاعدة عامة في الصراع، لا إلى استثناء يُستخدم ضد طرف واحد. أي أن ما يراه المرء "صواباً أخلاقياً" لنفسه قد يراه خصمه "صواباً" بالمقدار ذاته.
- ثانياً، يكشف هذا النوع من الخطاب درجة خطيرة من التجريد من الإنسانية (Dehumanization)، وهي ظاهرة موثّقة جيداً في الأدبيات النفسية والاجتماعية المرتبطة بالبيئة التي يتكلم عنها المهدد أدناه. فحين يصل الخطاب إلى حد التهديد بإقحام الأطفال في النزاع أو استهدافهم كجزء من ردّة فعل انتقاميّة على معارض لنا في السياسة، فهذا يعني أن الحواجز الأخلاقية الأساسية لهذه المجموعة قد تآكلت. وتشير دراسات عديدة في علم النفس الأخلاقي إلى أن تجريد الخصم من إنسانيته هو الخطوة الأولى التي تسمح بتبرير العنف الأقصى ضده، بما في ذلك قتل المدنيين والأطفال.
في الخلاصة، يجب ألا تُختزل المشكلة لدى هذه المجموعة فقط في مسألة السلاح غير الشرعي. فحصر السلاح بيد الدولة يبقى خطوة أساسية وأولى لا غنى عنها لإعادة بناء منطق الدولة والقانون، لكنه لا يعالج وحده الجذر الأعمق للأزمة. فثمة خراب فكري وثقافي تراكم على مدى سنوات طويلة في عقول شريحة من اللبنانيين، نتيجة خطاب سياسي وعقائدي عمل منهجياً على إعادة تشكيل الوعي وتطبيع مفاهيم العنف والصراع الدائم. ومعالجة هذا الخراب الفكري أصعب بكثير من معالجة مسألة السلاح، لأنها تتعلق بإعادة بناء الوعي والقيم والمعايير الأخلاقية داخل المجتمع، وهي عملية بطيئة ومعقدة تتطلب وقتاً طويلاً وجهداً تربوياً وثقافياً وسياسياً واسعاً حتى نصل مجدداً إلى مجتمع طبيعي تسوده ثقافة الدولة لا ثقافة الصراع المفتوح.
ولهذا، عندما يُراد إقناعنا بخطاب يتحدث عن "الشيطان الأكبر" و"قتلة الأطفال الصهاينة"، فإن الحد الأدنى من الاتساق الأخلاقي والمنطقي يقتضي ألّا يُعاد إنتاج السلوك نفسه الذي يُدان لدى الآخرين. فالأخلاق لا تكون أخلاقاً حين تُستخدم ضد الخصم فقط، بل عندما تُطبّق على الذات قبل أي أحد آخر.
المشكلة ليست في أن حzب الله يكذب ويبيع الأوهام لبيئته، فليس بيده حيلة سوى ذلك. المشكلة الحقيقية في من يصدّقون هذه الأوهام ويصرّون على تصديقها، ويتمسّكون برواية “القوة والانتصار” رغم كل ما يظهر عكسها.
لقد نبشوا القبور وانتهكوا حرمة الموت وسرقوا الرفات ليجروا عليها الفحوصات ليتأكدوا ان كانت عائدة لرون آراد... أليس من بينكم من يتساءل الآن، وبعد أن أعلنوا ان الرفات التي سرقوها لا تعود لآراد، ماذا فعلوا بها!؟
دخلوا ونفّذوا الإنزال في عقر الدار، قتلوا من قتلوا وجرحوا من جرحوا ثم عادوا أدراجهم وكأن شيئًا لم يكن... ومع ذلك يصدر الحزب بياناً يكذب فيه عن "إفشال الإنزال"!
أي عقل يمكن أن يصدق هذا؟ وكيف يمكن لحzب الله أن يجرؤ أصلًا على ادعاء ذلك فيما فيديوهات المقابر المنبوشة تنتشر في أصقاع الأرض؟؟؟؟
والأدهى من كل ذلك أن هناك من ما زال يصدّق.
أيها اللبنانيون،
بغضّ النظر عن رفضنا كحزب لفرض ضرائب جديدة لتمويل الزيادة المحقّة على رواتب العسكريين والموظفين المدنيين، وتمسّكنا بإصلاح الجباية ووقف الهدر لتأمين إيرادات أعلى للدولة، خصوصاً في الجمارك والأملاك البحريّة.
لنكن واضحين:
إنّ ما يُسوَّق اليوم تحت عنوان "ثورة تشرين ثانية في رياض الصلح" إنما هو من صنع حZب الله، الذي يحاول تحويل وجع الناس إلى أداة ضغط لعرقلة مسار قيام الدولة وبسط سيادتها على كامل أراضيها، وخصوصاً لعرقلة ملف حصر السلاح بيدها. فإلهاء الجيش بالتظاهرات سينهك قواه، المحدودة أصلاً، وسيعوق استكماله لمهمته في حصر السلاح شمال الليطاني.
المطالب المعيشية حقّ، أمّا توظيفها لحماية السلاح غير الشرعي فمكيدة مرفوضة ويجب التصدي لها.
لا تنجرّوا خلف من يستغل الآن لقمة العيش لضرب الدولة والبقاء خدمة للمحور، كما استغل قضية فلسطين والمقاومة لتكبيل الدولة وخدمة لأجندات هذا المحور.
النهاية ستكون مشابهة، فهؤلاء مثل "غراب الخراب" ان سرت خلفهم لن تصل إلا إلى الخراب.
#السيادة_أولا
ردًّا على تصريحات محمود قماطي:
أولاً، حين تتهمون كل من يطالب بقيام دولة فعلية بأنّه ينفّذ «إملاءات خارجية» ويقدّم «تنازلات مجانية لإسرائيل»، أنتم لا تدافعون عن السيادة، ولا عن لبنان الذي دمّر بسببكم، بل تهربون من الحقيقة الأساسية: لا سيادة مع سلاح خارج الدولة. حصر السلاح بيد الشرعية ليس مطلباً أميركياً ولا إسرائيلياً، بل مطلب لبناني قديم، منذ اتفاق الطائف، سبق كل الضغوط وكل المبادرات الدولية الأخيرة بعشرات السنوات، وهو الشرط الوحيد لقيام دولة تحمي شعبها وحدودها وتقرّر وحدها الحرب والسلم.
ثانياً، الحديث عن أن «الحزب دفع ثمن اتفاق وقف إطلاق النار آلاف الشهداء» لا يغيّر في الوقائع شيئاً. اتفاق وقف إطلاق النار ليس شعاراً ولا نصف التزام. الاتفاق يتضمن شقاً لبنانياً واضحاً: إنهاء كل التنظيمات العسكرية غير الشرعية، ومصادرة سلاحها ووضعه بإمرة الجيش اللبناني. لا يمكن الادّعاء بالالتزام بالاتفاق فيما يُرفَض تنفيذ هذا البند الجوهري. الدولة لا تفرّط بالاتفاق، بل تُطالَب بأن تطبّقه كاملاً، وأنتم ترفضون ذلك.
ثالثاً، القول إن الدولة «تفرّط بإنجازات المقاومة ومعادلة القوة» يعني عملياً الإصرار على إبقاء لبنان رهينة معادلة لم تحمه، بل دمّرته. أين هي هذه «القوة» حين تُستباح الأراضي اللبنانية يومياً؟ وأين هي حين يُمنَع لبنان من إعادة الإعمار، ومن استعادة علاقاته العربية والدولية، ومن الحصول على أي دعم جدّي؟ أكبر عامل ضعف للبنان اليوم هو السلاح الخارج عن الدولة، لا غيابه.
رابعاً، في ما يتعلّق بدور الجيش، فالجيش اللبناني ليس مهمته لا «حماية إسرائيل» ولا تنفيذ أجندة أحد، كما أنه ليس جيش فئة أو حزب. الجيش هو أداة الدولة الشرعية الوحيدة لبسط سيادتها على كامل أراضيها باستعمال القوّة. المشكلة ليست في الجيش ولا في قيادته، بل في وجود سلاح موازٍ يقيّد قرار الدولة ويمنعها من ممارسة سيادتها. تحويل النقاش إلى اتهام الجيش هو محاولة مكشوفة للهروب من أصل الأزمة.
خامساً، التحذير من أن حصر السلاح شمال الليطاني يقود إلى «الفوضى واللااستقرار وربما حرب أهلية» هو ابتزاز سياسي مرفوض. الفوضى الحقيقية هي استمرار ازدواجية السلاح، والاستقرار الحقيقي لا يُبنى على توازنات السلاح بل على دولة واحدة، وسلطة واحدة، وقرار واحد. المطالبة بحصرية السلاح ليست مشروع فتنة، بل مشروع إنقاذ وطني.
سادساً، اتهام الحكومة أو بعض أركانها بالجهل أو التواطؤ مع «المخطط الأميركي – الإسرائيلي» هو لغة تخوين تُستخدم منذ سنوات لإسكات أي نقاش سيادي. الحقيقة أبسط وأوضح: من يرفض قيام الدولة ويتشبّث بسلاحه خارج الشرعية هو من يضع لبنان في مهب الريح، ومواجهة مفتوحة مع الخارج ويقوم بعزله عن محيطه العربي والعالم. لا أحد يطالب بالتنازل لإسرائيل، بل نطالب بأن يصبح لبنان دولة محترمة قادرة على الدفاع عن نفسها بجيشها ومؤسساتها.
سابعاً، القول إنكم «أقلية في الحكومة وتحتجّون لكن القرارات تُتخذ» يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تقبلون بمنطق الدولة والديموقراطية أم بمنطق الفيتو المسلّح؟ في الدولة، القرارات تُتخذ في المؤسسات، ومن يرفض تنفيذها يضع نفسه خارج منطق الدولة. الاعتراض السياسي حق، أما تعطيل القرار أو رفضه أو «اعتباره كأنه لم يكن» فهو خروج عن القانون ويعد انقلاباً على الدولة ويجب مواجهته بما تقتضيه القوانين المرعيّة الإجراء.
ثامناً، التأكيد أن «الجيش لن يواجه شعبه والمقاومة لن تنجرّ إلى مواجهة الجيش» كلام جيد نظرياً، لكنه يبقى بلا قيمة ما دام أصل المشكلة قائماً، ويحمل في طياته تهديد باستعمال السلاح بوجه الجيش. ولكن لضرورات البحث من الجيد التوضيح أن لا أحد يطالب بمواجهة داخلية لحل مسألة السلاح غير الشرعي، بل المطلوب هو مسار سياسي واضح ينهي ازدواجية السلاح ويضع كل القدرات العسكرية تحت سلطة الدولة. المشكلة سياسية قبل أن تكون عسكرية.
تاسعاً، رفض «أي نقاش حول السلاح شمال الليطاني قبل انسحاب إسرائيل الكامل وتحرير الأسرى ووقف الاستباحة» هو عملياً تعليق الدولة إلى أجل غير مسمّى. لا دولة في العالم تربط سيادتها الداخلية بشروط يحدّدها طرف مسلّح خارج مؤسساتها. بالعكس، استعادة السيادة الكاملة هي الطريق الوحيد لتعزيز موقع لبنان في أي مواجهة سياسية أو دبلوماسية مع إسرائيل.
عاشراً، أما الحديث عن «الاستراتيجية الدفاعية»، فلا معنى له في العام 2026، فهذا المنطق قد مضى عليه الزمن، فالقرار قد اتخذ في الحكومة في 5 و7 آب الماضي وليس هناك من شيء اسمه «الاستراتيجية الدفاعية» هناك حكومة لبنانيّة شرعيّة هي المسؤول بحسب قانون الدفاع الوطني المرعي الإجراء بمناقشة واقرار السبل الدفاعيّة عن لبنان واعطاء التعليمات للقوى المسلحة الشرعيّة. أي كلام غير هذا الكلام تحايل وهروب إلى الإمام وغطاء لاستمرار الأمر الواقع، وهذه المحاولات أصبحت مكشوفة اليوم.
أحد عشر، القول إن «أكبر جريمة ترتكبها الدولة هي اتخاذ قرار يتعلق بالسلاح شمال الليطاني» هو قلب للحقائق. أكبر جريمة بحق لبنان هي استمرار السلاح خارج الدولة، لأنه يكرّس الضعف، ويشرّع الاستباحة، ويمنع قيام الدولة، ويُبقي اللبنانيين رهائن حروب لا يقرّرونها.
اثنا عشر، وأخيراً، رفض أن يكون الجيش «أداة تنفيذية» ليس مبرّراً لإبقاء السلاح غير الشرعي. الجيش لا يكون أداة بيد أحد عندما يكون هو المرجعية العسكرية الوحيدة. أما تعدّد السلاح، فهو ما يحوّل الجيش إلى مؤسسة مقيدة وعاجزة.
https://t.co/eQb2EaJHLw
Si même le Dr @FaresSouaid n’arrive plus à tolérer ton attitude, alors nous sommes tous excusés de ne plus le faire depuis 2016. 😉😉😉
Tu as atteint un niveau de déchéance tel qu’il ne s’agit plus d’opinion ni de débat, mais d’un comportement qui a toujours été insupportable; la seule différence, c’est qu’aujourd’hui même ceux qui faisaient semblant de supporter commencent à en ressentir les effets.
Ton besoin permanent de te présenter comme le seul patriote, le seul révolutionnaire autoproclamé, militant de salon, le seul croyant en la cause, le seul lucide et, bien sûr, le seul à avoir toujours raison, en dit finalement beaucoup plus sur toi que sur les autres.
Avec cette attitude, tu n’imposes aucune domination intellectuelle: tu donnes surtout le spectacle d’une prétention creuse. Quant à croire que l’usage du français suffirait à masquer cela, c’est presque touchant — surtout dans une société où même les enfants le parlent. Ce n’est ni brillant ni impressionnant. Juste révélateur.