شباب اتقتلوا والي اتسجنوا وغابوا واتنسوا في غياهب المعتقلات لغاية يومنا ده عشان ثاروا لحياة محترمة للناس دي، الناس البسيطة دي دي حتي لو ظن البعض انهم معذورين للج��ل لكن قدام الموت ودموية المشهد لازم تتحرك الفطرة الإنسانية البسيطة بغض النظر عن السياسة، لكن دول غاب عنهم كل مشاعر الفطرة السليمة وحل محلها الشماتة والفرح بسفك الدم.
هحكي موقف عمري ما حكيته للسنوات السوداء الي عشتها في مصر، الزمان 2014 والمكان كلية هندسة اسكندرية:
المشهد الأول: مبني ميكانيكا، دكتور جامعي أهان ست من عمال نظافة الدور عشان دخل لقي السبورة مش ممسوحة أهانها وعيطت وصعبت عليا جدًا وانا وجماعة اصحابي جمعنا لها مبلغ وجبرنا بخاطرها.
المشهد التاني: يوم الثلاثاء بعد المشهد الأول بأيام مظاهرات طلبة هندسة اسكندرية واقتحام الشرطة للكلية وانا طالع من معمل الكيميا مبني إعدادي والغاز في كل مك��ن وانا مش عارف أروح فين لقيت قدامي بنت وقعت أغمي عليها، حاولت أفوقها لقيتني انضربت بخرطوش في ضهري واترمي علينا غاز تاني، حاولت اطلع من الكلية بأعجوبة رغم انهم بعدها حبسوا الطلبة جوه واي حد عليه علامات دم يظنوا انه كان في المظاهرة ويحبسوه.
خرجت اجري في شوارع الكلية انا وشاب معرفهوش مش قادر اخد نفسي من الغاز، لابس تيشرت كان ابيض وعليه اثار دم من الخرطوش، شاب محترم في صيدلية قالي ادخل واداني جاكت خفيف اسود البسه فوق التيشرت عشان آثار الدم عشان العساكر ماليين الشوارع.
وبره الصيدلية ألاقي الست الي تعاطفنا معاها وساعدناها من كذا يوم شافتنا واحنا داخلين للصيدلية بنجري وننزف تنده علي العساكر تسلمنا تسليم أهالي وتقولهم بجملة عمري ما هنساها "تعالوا امسكوا الإرهابيين ولاد الوسخة دول" جم لقوا الواد الي كان بيجري معايا عليه آثار دم شدوه والله أعلم بمصيره للحظة دي.
وانا يقولي انت معاه، فيرد الصيدلي لا ده شغال معايا هنا وانا كأن اتكتبلي عمر جديد بموقف الصيدلي ده. بعد المشهد ده قعدت في صدمة اسبوعين وفي صراع أخلاقي بين المشهدين..
وطلعت من الحالة الي حصلتلي دي بإني أقول لنفسي اهرب يابني اهرب اقسم بالله البلد دي والناس دي لا تستحق اي تضحية وهم اول ناس هيدوسوا عليك عشان رغيف عيش، اهرب كل يوم في البلد دي هيفقدك جزء من انسانيتك..
وبعدها بسنتين طلعت من البلد دي، هاجرت ومشيت، مش بس هرباً من البطش، لكن هرباً من مجتمع شديد القسوة قرر يرقص على جثث أولاده. والله ما في لعنة ممكن تصيب شخص زي قسوة القلب…
من كان باكيًا فليبكِ نفسه.. ومن كان ناعيًا فلينعُ البيعة التي في عنقه لرجال نادوا حتى قضوا، دون أن يوفي لهم المدينون دينهم، ولا حِلَّ لهم اليوم إلا الوفاء لورثته؛ غزة، والدعوة، والقضية، والرسالة.