أسمّيه: اقتصاد اليأس!
لاحظتها في بداية حياتي الوظيفية من خلال مقارنة نموذجين؛ أنا وكل أصدقائي إلتحقنا بالجامعة ماعدا شخص واحد بعد الثانوي عمل بوظيفة متواضعة راتبها ٤٠٠٠ ريال. بعد تخرجنا من الجامعة توظفنا، وأقل راتب فينا كان ٦٠٠٠ والأعلى راتبه يصل إلى ١٠٠٠٠ ريال.
بعد مرحلة الشفاحة بالرواتب الأولى، استقرينا نفسيا ويفترض أن شهوة الصرف انطفأت. فكنت أخرج خروجات ثنائية مع أصدقائي، وبدأت أنتبه أن أبو راتب ١٠٠٠٠ يصرف لكن بحساب وحرص، وأن أبو راتب ٤٠٠٠ يبعزق فلوسه كأ��ه ينتقم منها.
وقتها جلست أفكر وأحاول أفهم: أبو ٤٠٠٠ ما كان أحمق، وهو موظف قبلنا بعدة سنوات (يعني الفترة التي كنا نعيش فيها على مكافأة الجامعة ١٠٠٠ ريال كان هو راتبه ٤٠٠٠) وأكيد أنه تجاوز مرحلة "الصرف بجنون" التي غالبا تترافق مع أول الرواتب في الوظيفة الأولى!
بعد تأمل توصلت إلى نتيجة: الحد الأدنى من متطلبات الحياة الأساسية لنا كشباب مستقلين يحتاج ٤٠٠٠ ريال. لذلك فكلنا يفيض جزء من رواتبنا (ما لا يقل عن ١٠٠٠ ريال) وهذا يعطينا أمل استثماري (خلال سنة ممكن أجمع ١٢٠٠٠ إلى ١٥٠٠٠ ريال) مما يشجعنا على الحرص والادخار.
أما صاحبنا أبو ٤٠٠٠ فهو يائس، وهذا اليأس ليس حالة نفسية لكنه حالة وجودية اقتصادية. بمعنى أن سبب يأسه ليس ظرف طارئ يجعل نفسيته محبطة مؤقتا؛ بالعكس حالته النفسية عال العال لكنه مدرك أنه في ظل ظرفه الحالي، يستحيل أن يتطور وظيفيا وماديا، وهذا يجعله حتى لو زادت بضع مئات من راتبه فإنه يراها فتات لا يستحق الإدخار فيصرفه بلامبالاة!
تذكرت مقال يتحدث عن اقتصاد المقاهي، وكيف ان ازدهار المقاهي قد يكون إشارة لمشاكل اقتصادية في المجتمع وليس العكس:
اليونان، عام 2012.
البلاد كانت تغرق في أزمة اقتصادية خانقة. البطالة وصلت إلى 27%، وبين الشباب تجاوزت 58%. الرواتب تراجعت إلى النصف، وصندوق النقد الدولي أصبح يتدخل لإنقاذ الاقتصاد.
ومع ذلك، كانت مقاهي أثينا مزدحمة عن آخرها.
استغل بعض السياسيين هذا المشهد ليقولوا: “أين الأزمة؟ انظروا إلى المقاهي!” فاقتنع كثيرون بهذا الانطباع، ولو مؤقتًا.
لكن الاقتصاديين أطلقوا على هذه الظاهرة لاحقًا اسم “اقتصاد المقاهي” (Café Economy).
عندما يعجز الإنسان عن شراء م��زل، أو العثور على وظيفة، أو تكوين مدخرات، يتمسك بآخر رفاهية يستطيع تحملها…
فنجان قهوة.
في الأزمات، تتراجع المشتريات الكبيرة، بينما تزداد المصروفات الصغيرة التي تمنح الناس شعورًا مؤقتًا بالراحة.
ترى خمسين شخصًا يجلسون في مقهى، لكنك لا ترى الملايين الذين عادوا إلى منازلهم ليتناولوا أبسط الوجبات لأنهم لم يعودوا قادرين على أكثر من ذلك.
لذلك، ازدحام المقاهي ليس دائمًا دليلًا على الازدهار، بل قد يكون في بعض الأحيان أحد أكثر مظاهر الأزمة الاقتصادية وضوحًا.
واليونان احتاجت نحو عشر سنوات حتى تدرك هذه الحقيقة بالكامل.