تخيل ان تكون في منزلك فيتم قصفه عليك وينتشلوا ما تبقى منك من تحت الركام لتعلم ان كل أفراد عائلتك قد استشهدوا، ثم تكتشف انك لا تشعر برجلك اليسرى فتنظر لتجدها بترت، وعليه يأخذونك للإسعاف، فيتم إسعافك وتخضع لعملية جراحية تحت ظروف مستحيلة وبأدوات غير كاملة وبدون مخدر، وبعد الصراخ والألم المبرح أثناء العملية لا يوجد دواء لكي تشفى، وغالبا يتركوك وانت وحظك بقى، اما ان تكون نائم في خيمة فتنفجر بك مرة أخرى او تموت من جراحك ونقص الدواء، او من قلة التغذية والجوع، ثم بعد كل هذا الظلم الذي وقع عليك لا احد يبحث عن حقك.
ويتأفف بعض الذين نزعوا بأيديهم إنسان��تهم ان موتك افسد فرحهم ومصالحهم، وان دمائك في رقبتك انت وليس في رقبة القاتل وكل من أعانه حتى بالصمت على جريمته.
كيف نترك مئات الآلاف من الأهل يواجهون هذا القدر المفزع دون سند؟ أين ومتى وكيف وقفنا على الحياد أمام سفك دماء أهلنا؟ حتى لو كانوا من الأغراب، كيف نترك هذه الوحشية دون ردع وعقاب؟ هل اصابنا جنون؟ أليس هذا حق بيننا تركناه يضيع؟ اليس هذا خطر معلن يهددنا؟ أليس الصمت الآن فسق وضلال؟
طفل من غزة أنهكه الجوع حتى تحول جسده الصغير إلى هيكل عظمي، فلم يقوَ على الصمود أكثر، وفاضت روحه البريئة إلى السماء شاهدًا على قسوة الحصار ومرارة الجوع.
ربما هذا هو المشهد الأصعب منذ بداية الإبادة
طائراة اسرائيلية قامت بقصف طفلة صغيرة أثناء نقلها للمياه بشكل مباشر
صاروخ لأجل طفلة صغيرة تحمل الماء!!
طغوا كثيرا ً والله!
هذه وصيّتي، ورسالتي الأخيرة.
إن وصلَتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي وإسكات صوتي.
بداية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يعلم الله أنني بذلت كل ما أملك من جهدٍ وقوة، لأكون سندًا وصوتًا لأبناء شعبي، مذ فتحت عيني على الحياة في أزقّة وحارات مخيّم جباليا للاجئين، وكان أملي أن يمدّ الله في عمري حتى أعود مع أهلي وأحبّتي إلى بلدتنا الأصلية عسقلان المحتلة "المجدل" لكن مشيئة الله كانت أسبق، وحكمه نافذ.
عشتُ الألم بكل تفاصيله، وذُقت الوجع والفقد مرارًا، ورغم ذلك لم أتوانَ يومًا عن نقل الحقيقة كما هي، بلا تزوير أو تحريف، عسى أن يكون الله شاهدًا على من سكتوا ومن قبلوا بقتلنا، ومن حاصروا أنفاسنا ولم تُحرّك أشلاء أطفالنا ونسائنا في قلوبهم ساكنًا ولم يُوقِفوا المذبحة التي يتعرّض لها شعبنا منذ أكثر من عام ونصف.
أوصيكم بفلسطين، درةَ تاجِ المسلمين، ونبضَ قلبِ كلِّ حرٍّ في هذا العالم.
أوصيكم بأهلها، وبأطفالها المظلومين الصغار، الذين لم يُمهلهم العُمرُ ليحلموا ويعيشوا في أمانٍ وسلام،
فقد سُحِقَت أجسادهم الطاهرة بآلاف الأطنان من القنابل والصواريخ الإسرائيلية، فتمزّقت، وتبعثرت أشلاؤهم على الجدران.
أوصيكم ألّا تُسكتكم القيود، ولا تُقعِدكم الحدود، وكونوا جسورًا نحو تحرير ��لبلاد والعباد، حتى تشرق شمسُ الكرامة والحرية على بلادنا السليبة.
أُوصيكم بأهلي خيرًا،
أوصيكم بقُرّة عيني، ابنتي الحبيبة شام، التي لم تسعفني الأيّام لأراها تكبر كما كنتُ أحلم.
وأوصيكم بابني الغالي صلاح، الذي تمنيت أن أكون له عونًا ورفيق دربٍ حتى يشتدّ عوده، فيحمل عني الهمّ، ويُكمل الرسالة.
أوصيكم بوالدتي الحبيبة، التي ببركة دعائها وصلتُ لما وصلت إليه، وكانت دعواتها حصني، ونورها طريقي.
أدعو الله أن يُربط على قلبها، ويجزيها عنّي خير الجزاء.
وأوصيكم كذلك برفيقة العمر، زوجتي الحبيبة أم صلاح بيان، التي فرّقتنا الحرب لأيامٍ وشهورٍ طويلة، لكنها بقيت على العهد، ثابتة كجذع زيتونة لا ينحني، صابرة محتسبة، حملت الأمانة في غيابي بكلّ قوّة وإيمان.
أوصيكم أن تلتفوا حولهم، وأن تكونوا لهم سندًا بعد الله عز وجل.
إن متُّ، فإنني أموت ثابتًا على المبدأ، وأُشهد الله أني راضٍ بقضائه، مؤمنٌ بلقائه، ومتيقّن أن ما عند الله خيرٌ وأبقى.
اللهم تقبّلني في الشهداء، واغفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر، واجعل دمي نورًا يُضيء درب الحرية لشعبي وأهلي.
سامحوني إن قصّرت، وادعوا لي بالرحمة، فإني مضيتُ على العهد، ولم أُغيّر ولم أُبدّل.
لا تنسوا غزة…
ولا تنسوني من صالح دعائكم بالمغفرة والقبول.
أنس جمال الشريف
06.04.2025
هذا ما أوصى بنشره الحبيب الغالي أنس عند استشهاده.
إدارة الصفحة