"تغدو الحياة بالتأكيد سطحية حين تكون على عجل. فحين نهرع، لا نتعمق في الأمور، ونفشل في إقامة اتصال حقيقي مع العالم أو مع الآخرين. وكما كتب ميلان كونديرا في روايته البطء:
عندما تجري الأمور بسرعة كبيرة، لا يمكن لأحد أن يكون متأكداً من أي شيء، أي شيء على الإطلاق، ولا حتى من نفسه."*
روايات خالدة .. ( كفاحي ) عندما يختفي الروائي داخل كتبه
علي حسين
عندما يطالع القارئ غلاف كتاب (كفاحي) للكاتب النرويجي كارل أوفه كناوسغارد سيُثيره العنوان حتماً، وستعود به الذاكرة إلى كتاب (كفاحي) للزعيم النازي (أدولف هتلر)، الأمر الذي جعل بعض القراء يسخرون من الكاتب الذي يحلم أن يصبح مشهوراً باستخدام أسماء تثير حفيظة الناس.. يكتب كناوسغارد: «ليسَ هناك فرصة لأنّ يصبحَ أي أحدٍ نازياً من خلالِ قراءةِ الكتاب».. والمثير في الأمر أن كتاب كفاحي لهتلر وكتاب كفاحي لكناوسغارد انضما إلى قائمة الكتب الأكثر تأثيراً، الأول حين اختير ضمن مئة كتاب أثّرت على القرن العشرين، فيما اختير كتاب كناوسغارد ضمن قائمة نشرتها مؤخراً صحيفة (الغارديان) البريطانية لأفضل مئة كتاب صدرت في القرن الحادي والعشرين.. فيما تنظر إليه الأوساط الثقافية في النرويج باعتباره نجمها المفضل .
صدر الجزء الأول من سداسية كناوسغارد (كفاحي) عام 2009، آنذاك كان يبلغ من العمر 41 عاما -ولد في السادس من كانون الثاني / يناير عام 1968- وكان قد نشر بعض الروايات القصيرة، فازت إحداها بجائزة النقاد النرويجيين، لكنه قرر أن يكتب سيرة حياته، يسترجع الماضي، فوضع قرب سرير النوم رواية (البحث عن الزمن المفقود) لمارسيل بروست: «أردت أن أكتب شيئاً مختلفاً تماماً، أن أكتب عني وعن والدي».. والده كان يعمل في مهنة التعليم، ينتمي إلى الطبقة المتوسطة، يذهب كل انتخابات للتصويت للحزب الليبرالي، لكنه في يوم من الأيام تتغير حياته ليتحول إلى مدمن مخدرات، يتذكر أن والده كان في الأربعين من عمره عندما غادر المنزل دون أن تعرف العائلة ما الذي حصل، ليُتوفى بعد ذلك بسنوات قليلة. بعد عشر سنوات على موت الأب يقرر كناوسغارد أن يعيد رواية ما حدث من دون أية محاولة لتزويق الوقائع: «فقط الحقيقة من دون ألاعيب ولا ذكاء».
في البداية كان الكتاب يسير ببطء، مجرد خمس صفحات كل يوم، ثم أصبح الأمر نوعاً من التعويد؛ 20 صفحة يومياً، لا يهتم فيها بالمراجعة والتدقيق.. إنه يكتب عن كل شيء مرّ في حياته: «تفاهة كل يوم. يمكنني الكتابة عن أي شيء». لكنه بعد ذلك سيشعر بالخجل لأنّ الرواية كانت تروي ذكريات مؤلمة عن مرحلة الطفولة، وفترة المراهقة: «كان مثيراً للاهتمام بالنسبة لي فقط. لقد شعرت بالخزي من عرضه على دار النشر».
إضافة إلى سيرة الأب المتناقضة، كان هناك سبب للكتابة، إنها رواية مارسيل بروست التي تحدّته، فقد كان يسأل أصدقاءه: «هل يمكن قراءة رواية تتجاوز صفحاتها الـ 2000 صفحة، ومن ذا الذي لديه الوقت لذلك»، عندما نشر الجزء الأول من (كفاحي)، أعلن للقراء أن روايته ستتفوق على رواية بروست بعدد الصفحات: «أما الفن.. لا يجرؤ أحد أن ينازل العبقري الفرنسي»، بيعت أكثر من 500 ألف نسخة من الجزء الأول، في بلاد يبلغ عدد نفوسها خمسة ملايين. قال مرة للصحفيين «إن هناك أكثر من سبب للكتابة، فهو إنسان خجول بطبعه، لكنه في قرارة نفسه يعتقد أنه نسخة من أبيه، أراد من خلال الرواية أن يعيش حياة أُخرى وأن يمزج ما بين حياته الداخلية والخارجية، يروي الجزء الأول من (كفاحي) حادثة موت الأب ويمرّ على سيرة العائلة: طلاق والديه، مغامرات المراهقة، الجامعة، الزواج الأول، الأبوة، الضجيج والفوضى التي كان يحدثها والده في البيت، موت الأب. عندما قرر أن يروي كل هذه الأحداث لم يخبر حتى زوجته، اختلى في غرفته الخاصة مع حاسوبه الشخصي، يتذكر أن الساعة كانت تشير إلى الثالثة ليلاً، يشعر بالأرق، زوجته نائمة في غرفة مجاوره، ذهب يطمئن على أطفاله الثلاثة، عاد إلى الحاسوب وبدأ بكتابة الجملة الأولى: «وبالنسبة للقلب، الحياة أمر بسيط: ينبض طالما ظل قادراً على النبض، ثم يتوقف عاجلاً أو آجلاً»، وسيجد نفسه يواصل البوح عبر جهاز الكومبيوتر قبل أن ينتبه إلى أصوات أطفاله وهم يستعدّون للذهاب إلى المدرسة.. أصر أن يبقى الأمر طيّ الكتمان، كان يعرف أن الرواية ستسبب له مشاكل مع عائلته، «في مجتمع محافظ لا يمكن لك أن تنشر غسيل عائلتك القذر»، بعد نشر الجزء الأول حاولت عائلته التي أغضبتها الروية أن توقف نشر الأجزاء الباقية، هددت بمقاضاة دار النشر، أقامت دعوى قضائية على الابن العاق الذي يكذب، لكنه ظل يحاججهم دون جدوى: «كتبتُ الحقيقة، لكنه يصرون على أنها أكاذيب». ومثل كاتبه المفضل (روبرت موزيل) الذي أراد لروايته أن تستمد أحداثها من تجارب شخصية عاشها، يتذكر أن رواية موزيل الشهيرة (رجل بلا صفات)، جعلته يكتشف أن مشكلة الإنسان هي أنه لا يستطيع الحسم، ويخاف من المستقبل، بعد أن نُشرت (كفاحي) عاش كناوسغارد وهو يتوقع أن والده سيعود في يوم من الأيام ليعاقبه على ما ارتكبه من فضيحة بحقّ العائلة، التي وجدت نفسها مطاردة من الصحفيين يسألون: «هل حقاً فعلتم هكذا؟»، كانت زوجته هي الوحيدة التي اطّلعت على المسودات، قرأتها في رحلة قطار طويلة إلى ستوكهولم، قالت له بعد الانتهاء منها: «إن حياتنا معاً لا يمكن أن تكون رومانسية أبداً مرة أخرى»، وفي مرة أخرى اتصلت وهي تبكي، مر الزوجان بأزمة عميقة بعد النشر، يقول كناوسغارد إن القلق يطارده وهو ينظر إلى وجوه أطفاله: أتخيل أنهم سيقرؤون الرواية ويعرفون أشياء فظيعة عن والدهم.. كيف سيكون ردّ فعلهم على ما قرأوه؟ إنهم الآن سعداء بالحصول على الكتب التي كتبها، أما في المستقبل، فلا أعرف. وما أعرفه جيداً أنني لم أقصد إيذاء أحد، لقد كتبتُ بقلب نقيّ، لقد حاولت أن أقدم حياتي كما هي، إن تقديم العالم كما هو يجعل حياتي تستحق العيش». يصرّ على أن الحقيقة يجب أن تُكتب بلا تزويق. قال إن الكتابة جعلته يطرد الخجل من حياته: «حين تكتب، فالفكرة كلّها كيف تصير حرّاً. مِمَّ تصيرُ حُرّاً؟ من الناس الذين يبحلقون بك. أعتقد أن الخجل يلعب دوراً رئيساً في الحياة الاجتماعيّة. إنّه ينظّم كلّ شيء ويجعل الناس يتصرّفون بأدب ولياقة تجاه بعضهم البعض. لكنّني أملك الكثير منه، جرعاتٍ مفرطة. أنا مقيّدٌ للغاية وليس بوسعي فعل شيء" .
في سن المراهقة أراد أن يصبح كاتباً مشهوراً، يتذكر مقابلة أُجريت معه لإذاعة الكلية حين قارن نفسه بإرنست هيمنغواي وكنوت همسون، بعد صدور رواية (كفاحي) اكتشف أن بإمكانه الاختفاء داخل كتابته: «لطالما اختفيت حين كنتُ أقرأ، كانت هذه تقريباً هي غاية القراءة لديّ، ألّا تكون أحداً لبضع ساعات. الآن تحقّق ذلك أثناء كتابتي. أن تختفي بهذا المعنى، أن تدخل حالة نكران للذات، هو أمر أؤمن أن كل موسيقيّ، رسام، ممثّل، مُخرج وكاتب يعرفه. إنّه أمر كامن في جوهر الخلق ذاته. على خلاف أي وسيط آخر، بإمكان الأدب أن يكسر الحدود التي أقامها المُجتمع. إنّه يتحدّث بصوتٍ تأثّر بأصوات كل الأوقات والآداب الأخرى. المفارقة هي أن الشهرة، التي ما تفتأ تؤكّد على الفرد، وثيقة الارتباط بنكران الذات، الذي هو طمسٌ للفرد؛ فالرغبة بأن تُرى وثيقة الارتباط بمتعة إخفاء الذات».
في الجزء الأخير من الرواية يخصّص مقالة صغيرة عن هتلر ومذكراته، معترفاً بأن جزءاً من شعبيته المكتسبة نتيجة بوحه الذاتي المؤلم موازية لذات الحالة المدهشة التي أصابت الألمان عندما قرأوا كتاب هتلر (كفاحي) فتعاطفوا معه وتبعوه. والغريب في حياة كناوسغارد أنه لم يكن في يوم من الأيام مهتماً بالسياسة، وفي كل مرة يقول للصحفيين إن «مهمتي هي تقديم صورة شديدة السطوع عن ذلك الفخّ الذي وقعَت فيه البشريّة في هذه الأيام والتي يسمونها أيام الرأسماليّة المتأخرة، حيث فقدت روحها وتاهت بأروقة الضجر والكذب».
يعترف كناوسغارد بأن الكتابة جعلته يدمن على الشهرة، مثل إدمان والده على المخدرات، لكن الخجل لا يزال يطارده: «ما زلت أعاني من هذا الإحساس لدرجة لا أستطيع معها أن أحمل نفسي على ذكر ما حدث -وجهي على صفحات الجرائد الأولى، وجهي في التلفزيون- لأنّني، إذا ذكرتُ ذلك، كأنّني أقول: لقد صرتُ أحداً، انظر لي! لكن هذا ما أفكّر فيه فعلاً. لقد صرتُ أحداً، انظر لي. وفي الوقت نفسه، يخبرني شيءٌ آخر بالعكس: أنت لا أحد. لماذا تعتقد أنّك صرتَ أحداً؟ وهي فكرة جيّدة. إنّها فكرة أحتفظ بها ليس لأنّني مازوشي، بل لأنني واقعيّ».
بعد صدور الرواية بأجزائها الستة وما أثارته من ردود أفعال يسأل كناوسغارد نفسه: هل كان الأمر يستحقّ كل هذا الغضب والنبذ العائلي والاضطراب والكره الشديد؟: «دائماً ما أواجه بهذا السؤال المثير: هل تعتقد أن أدبك كل هذا الضجيج؟ هل الأدب أكثر أهمية من معاناة الناس بكشف أسرارهم؟ وفي كل مرة يكون دفاعي عن كل هذا، بالقول لقد فعلت هذا بقلب نقي». يؤمن أن الكتابة مهمتها تغيير مفاهيم الناس عن الحياة والموت، وأن مهمتها طرح سؤال: «ماذا يفعل الناس، وليس ماذا يقولون؟ " .
Michael Fassbender literally slammed Gina Carano’s head into a wall in Haywire (2011)
She said “he had no problem slamming me into anything.”
“He slammed my head so hard I lost it for second.”
She hit him back with vase and thought, “I’m so fired. I’m going to lose this job.”
لماذا نقرأ دستويفسكي ؟
علي حسين
( ان الروائيين العظماء فلاسفة عظماء )
البير كامو
ماذا سيضيف قارئ مثلي وهو يكتب عن دوستويفسكي بعد أن اثير حوله قبل أيام نقاش ساخن ، عندما كتبت الاستاذة ابتسام المقرن تدوينة قصيرة قالت فيها ان " من أبرز مآخذي على فيودور دوستويفسكي الإطالة والترهل والتكرار، مما يضعف صقل العبارات مقارنة بثقل أفكاره، التي تفتقر؛ من وجهة نظري؛ إلى الإبداع الفني " ، وذكرت الاستاذة المقرن بعض الاسباب التي تجعل رواياته من وجهة نظرها اقرب الى المقالة منها الى الرواية الممتعة فنياً ، بعدها استشهدت برأيي كتبه الصديق الباحث الدكتور عبد الله ابراهيم في كتابه الأمواج " حول رايه في رواية دستويغسكي " الجريمة والعقاب " التي وصفها بانها رواية " فككة بصورة تثير الشفقة الى حد بعيد " .
ماذا سأكتب انا المغرم بالروايات عن شخصية تشابكت فيها المصائر والمواقف وتنقلت بين اليسار واليمين، والإلحاد والإيمان ، وتشابكت حياته بصورة واضحة مع نتاجه الادبي ؟ .. ماذا ساكتب عن ذلك الإنسان الذي وجد نفسه يقف امام فصيل الاعدام في ساحة سيميونوف في بطرسبورغ بتهمة التأمر على القيصر ، لينهي حياته محمولاً على الاعناق بعد ان القى خطبته الشهيرة عن بوشكين والتي اعلن فيها عن " وحدة البشر " ، دائما يُطرح سؤال : من هو دوستويفسكي ؟ ، هل هو الشاب الذي شارك بحلقة بتراشيفسكي الثورية ، أم هو الداعية للافكار الملكية ، هل هو دستويفسكي الذي قال له الناقد الاشتراكي بيلينسكي بعد أن قرأ روايته " الفقراء " : هل تعي ما كتبت ، هل تدرك ما كتبت ؟ انك كنز وعليك ان تكون امينا على موهبتك " ، أم هو دوستويفسكي الذي كان لينين يعتبر بعض رواياته مقززة وتثير الغثيان ويصفها بالرجعية وخصوصا روايته الشياطين . على مدى 145 عاما منذ رحيل فيودور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي في التاسع من شباط عام 1881 ، عانت رواياته من حالات التذبذب من قبل القراء ، كم وجه لها من النقد الشديد ، وكم رفعت مرات الى اعالي المجد ، وكم حاول البعض ان يخلع منه تاج الادب ، منذ رحيله تجري صياغة طرق لقراءة اعماله حتى بالنسبة للذين يجدون فيه مجرد مريض نفسي . وسيحيرنا دوستويفسكي نفسه حين يصف هذا التناقض الذي يعيش فيه ، في واحدة من رسائله التي يعنونها الى الانسة " ن" يكتب فيها : " اعلم انني ككاتب ، اقع في كثير من الأخطاء ، لأني في الطليعة ، وانا أيضاً غير راضٍ عن نفسي البته ، تصوري أنني في بعض اوقات الاختبار الذاتي ، غالبا ما اكتشف بأسى ، انني لم اوفق في التعبير عن جزء من عشرين مما كنت اريد . ان ما ينتشلني من هذا العجز هو الأمل المالوف أن يمدني الله يوما بالقوة والإلهام الكافيين ، وان اصل إلى مستوى من التعبير اكثر اكتمالا " – الرسائل ترجمة خيري الضامن - . يكتب بوريس بوروسوف ان دوستويفسكي كان قليل الصبر :" اراد ان يسبق الزمن ، واقتناص السر من المستقبل ، واراد أن يكون دوما واثقا من نفسه ، لقد كان يخوض صراعا مع المجهول ، مع المستقبل المغلق ، مع المصير والقدر " – شخصية دوستويفسكي ترجمة نزار عيون السود–
لعل من الصعب ان نجد كاتباً اكثر تناقضا من دوستويفسكي ، فمع انه كان ضحية الطبقة البرجوازية الحاكمة ، إلا انه تغنى بها ، وهو كما يصفه توماس مان غالبا ما يتارجح بين حرية لا حدود لها وطغيان لا حدود له .. في رسائل الشباب التي كان يرسلها الى شقيقه من سيبيريا يبدو دوستويفسكي وكأنه عراف يريد ان يتنبا بما تخبئه له الحياة : " انظر الى الامام ، وياخذني الرعب من المستقبل .. اندفع الى جو بارد قطبي ، لا يصل اليه شعاع الشمس " .
من هو دوستويفسكي أذن ؟ هل هو الروائي الذي كتب في " ذكريات من منزل الاموات " : " ما من إنسان يحيا من دون غاية معينة ، ودون سعي لتحقيق هذه الغاية " أم هو دوستويفسكي الذي يكتب في احدى رسائله :" ما من غاية تستحق أن يفنى الانسان حياته من اجلها " . يطالبنا اندريه جيد ان لا نبحث عن دستويفسكي ، وانما ان نعرف ما هي " الدوستويفسكية " ، هل هي فلسفة ام نمط ادبي ؟ . في كتابه تاريخ الفلسفة الروسية يكتب نيقولاي لوسكي أن الدوستوفسكية ليست فلسفة الحنين الى الآلام والآثام ، بل هي فلسفة التمرد على القيم المتعارف عليها ، و يضع توماس مان تعاليم دوستويفسكي عن النفس البشرية في مرتبة اعلى من انجازات الرواية الاوربية يكتب :" ليس على المرء إلا ان يقارن بينه وبين مارسيل بروست ، ليدرك الاختلاف في اللهجة والنغمة الاخلاقية ، فالاكتشافات النفسية والبدع والوقاحات التي طلع بها بروست ما هي إلا متع تافهة بالقياس الى صنوف ما اوحى به دوستويفسكي ، الرجل الذي يقطن في الجحيم " ..وسيدافع فرانتز كافكا بعناد عن دوستويفسكي ضد اعتراض ماكس برود الذي كان يرى ان الكاتب الروسي قدم الينا العديد من الشخصيات المريضة ، كتب كافكا في يومياته :" هذا خطا فظيع ، فهذه ليست شخصيات مريضة ، اما تشخيص مرضهم فليس إلا وسيلة للكشف عن هذه الشخصيات ، فيكفي مثلا ان نقول بالحاح هذا الشخص ساذج ابله ، لكن مثل هذا الشخص لو كان له سند دوستويفسكي لانجز اعظم الاعمال " .- يوميات كافكا ترجمة خليل الشيخ- .
دوستويفسكي بدون دستويفسكية لا يمكن ان يكون دوستويفسكي ، هكذا يكتب الفيلسوف الوجودي نيقولاي برديائيف الذي فتح في كتابه " رؤية دستويفسكي الى العالم " الباب امام الدراسات الوجودية حول مؤلف الاخوة كارامازوف . لكن د.ج. لورنس سينبهنا الى ان دوستويفسكي يستحق المرتبة الأهم كروائي وليس فيلسوف ، ففي رواياته ليست ثنائية الخير والشر التي تعلق بها نيتشه مجرد واجهة نظرية ، وانما هي تدخل مادة اساسية في قصصه وشخصياته . عاش دوستويفسكي في اعوام المنفى والاشغال الشاقة خيبة امل حادة من المثل العليا للاشتراكية ، وخلافا لكل معاصريه كان يعتقد بان الشر في مجتمعه سيقوى ويزداد عمقا اكثر مما يتصور اصحاب العقول الثورية في عصره .. ولهذا سنجد ان البطل المفكر الذي يعمل عقله دون توقف على تفسير تناقضات ومغزى الحياة ، يحتل مكان الصدارة في رواياته وخصوصا التي كتبها بعد انتهائه من حكم الاشغال الشاقة .فقد اصبح بطله " انسان الأفكار " ،. ان كل بطل من ابطال دوستويفسكي ، فيلسوف ، ومفكر ، وشخصية معقدة ، يقرر بطريقته الخاصة ، القضايا الرئيسية للوجود الانساني .يقول دوستويفسكي :" ان التصوير الواقعي اللامبالي بالواقع لا يساوي شيئا ، والاهم من ذلك لا يعني شيئا " .- يوميات كاتب ترجمة عدنان جاموس – .
تشكلت وجهة نظر دوستويفسكي للعالم وهو في سن التاسعة والعشرين من عمره ، بعد ان واجه حكما بالاعدام خفف فيما بعد الى النفي الى سيبيريا .. انه الآن يُلقي نظرة جديدة على الحياة والعالم فهذه مدينته بطرسبورغ تبدو اليوم : " اكثر مدينة تربصا بالانسان على الارض .. انه يرى اليوم ان شيطان الثروة حقق سلطانه ، وان المواخير وبيوت الدعارة حلت محل الكنيسة .. انه يعلن الحرب ضد ما اسماهم " ثاقبي الارض " .
في روايات دوستويفسكي نشهد التفاعل الغامض بين الروح والمادة والفكر والعمل ، وشياطين العقل البشري ، والمرض البدني والاضطراب الروحي ، وألم المسيح الدائم مقابل معاداة المسيح . ونتذكر الرسالة التي كتبتها والدة راسكولنيكوف تدعوه فيها الى ان لايترك الصلاة لأنها النجاة بالرسالة التي كتبها فرانزيسكا نيتشه إلى ابنها : "إذا كنت فقط سعيدا ، فعندها سنكون سعداء. هل تصلي لله ، ، كما اعتدت ، وهل تؤمن بصلاح خالقنا ومخلصنا؟ أخشى في قلبي أن عدم الإيمان قد زارتك من جديد. إذا كان الأمر كذلك ، أصلي من أجلك. تذكر ، يا عزيزتي ، في طفولتك ، عندما كان والدك على قيد الحياة ، كيف كنت تصلي جالسا على ركبتي ، وكم كنا جميعًا سعداء بذلك " .
لعب دوستويفسكي في حياتي دوراً حاسماً ، فمنذ أن قرأت قبل اكثر من اربعين عاماً رواية "الأبله" أثار فيّ من الحماسة والنشوة للقراءة ما لم يثره كاتب آخر . ولا أزال أتذكر اللحظة الاولى التي قرأت فيها "الأبله" وأتمثل السطور الاولى من الرواية التي لاتزال تسحرني : "في صباح من صباحات تشرين الثاني ، في نحو التاسعة أثناء ذوبان الجليد كان قطار وارسو يقترب من بطرسبورغ " ، بعدها ساتفرغ لقراءة اعمال دستويفسكي التي كانت قد صدرت عن الهيئة المصرية للكتاب في " 18 " جزء وبترجمة العبقري سامي الدروبي ، تنقلت من الفقراء والليالي البيضاء الى مذلون ومهانون ، وازعجتني المقامر وتحيرت مع الشياطين ، لكنني توقفت كثيراً عند " الجريمة والعقاب " ، رواية كئيبة مليئة بأبشع أنواع العذاب ، سواء للقارئ أو لشخصياته. اتعبتني الرواية ، باجوائها السوداوية ، تركتها جانبا وقررت أن ابتعد عن اجواء دستويفسكي ، لكن ذات يوم وكعادتي بالتطفل على زبائن المكتبة التي كنت اعمل بها ، قررت ان ابث شكواي الى العلامة جواد علي الطاهر وكان من الزبائن الدائميين للمكتبة ، قلت له انني شعرت بالخيبة وانا اقرأ " الجريمة والعقاب " ،قال لي وهو يبتسم ان روايات دستويفسكي ارتبطت ارتباطا شديدا بحياته ، وقدم لي النصيحة الثمينة بان اقرأ ما كتب عن سيرة دستويفسكي لتكون مدخلاً لفهم رواياته ، ثم اضاف ان قراءة دستويفسكي اشبه بالتجربة القاسية ، فهو يُطبق على انفاسك وانت تتجول بين صفحات رواياته ، واضاف " لا ينبغي علينا ان نترك دستويفسكي دون ان نقرأ اعماله بشكل متأني . يكتب دستويفسكي في " يوميات كاتب ان :" البساطة عدوة التحليل ، وهي غالباً ما تؤدي في النهاية الى الكف عن فهم الشيء ، ، بل حتى الى عدم رؤيته بالمرة " . سترافقني هذه النصيحة لأعود بعد فترة من الزمن الى " الجريمة والعقاب " .
في احدى رسائله الى شقيقه ميخائيل يقول دستويفسكي انه يفكر بكتابة" الجريمة والعقاب " مروية بطريقة الاعترافات مثل روايته القصيرة " في قبوي " ، لكنه يتخلى عن هذه الفكرة ‘ إلا ان رجل القبو يطل برأاسه في شخصية راسكولينيكوف الذي يؤمن مثل بطل " في قبوي " باهمية الإرادة الفردية ، ونجد في الرسالة التي يرسلها دستويفسكي الى ناشر كتبه كاتكوف عرض لعقدة " الجريمة والعقاب :" إنها رواية سايكولوجية عن جريمة ، شاب مطرود من الجامعة ، برجوازي من حيث خلفيته الاجتماعية يعيش في فقر مدقع ، يقرر مدفوعا بالطيش واضطراب التفكير ، ان يخلص نفسه من حالته التعيسة عن طريق ضربة جريئة واحدة . وهو يستسلم للافكار الفجة. ويقرر الطالب ان يقتل مرابية عجوز " – رسائل دستويفسكي ترجمة خيري الضامن –، في تحليله لرواية الجريمة والعقاب يكتب الناقد الروسي يوري كارياكين ان دستويفسكي رغب في بعث راسكولنيكوف، وفي اكتشاف الكائن الإنساني فيه وفي منحه حياة جديدة " .
ينشغل دستويفسكي في الجريمة والعقاب وفي رواياته الكبيرة الاخرى " الابله ، الشياطين ، الاخوة كارامازوف " ، بما اسماه "الأسئلة الملعونة ": الحياة والموت، الإيمان والشك، الخير والشر.
رسكولنيكوف يعتبر تمرده نقطة انطلاق رواية " الجريمة والعقاب" . ولكن ماهو هو السبب الذي دفعه الى التمرد ؟ .. ان افكار دوستويفسكي اصبحت فيما بعد افكار نيتشه ، وان هناك تشابه بين نظرية راسكولنيكوف عن الإنسان المتفوق ونظرية نيتشه عن السوبرمان . يقول راسكولنيكوف :" ان الناس بحكم قوانين الطبيعة ينقسمون الى فئتين : " فئة دنيا هي فئة العاديين الذين لا وجود لهم إلا من حيث انهم مواد ان صح التعبير ، وليس لهم من وظيفة إلا ان يتناسلوا ، وفئة عليا هي فئة الخارقين الذين أوتوا موهبة ان يقولوا في بيئتهم قولا جديدا " ، وبعد اقل من عشرين عاما يقول نيتشه على لسان زرادشت في كتابه " هكذا تكلم زرادشت :" انني آت اليكم بنبأ الانسان المتفوق .. فما الانسان العادي إلا كائن يجب ان نفوقه " .
ان فكرة نيتشه عن الانسان الاعلى ، الذي يعتبر موت الإله شرطا لظهوره ، قد عبر عنها دوستويفسكي قبل نيتشه بفترة طويلة ، يقول كيريلوف في رواية الشياطين :" الحياة ألم ، الحياة خوف ، والإنسان تعيس بائس . أن من ينتصر على الألم والخوف سيكون إلاها "، انها الصرخة التي اطلقها زرادشت نيتشه بعد عقود ، ويذهب كيريلوف ابعد من ذلك عندما يقول :" إذا لم يكن ثمة إله ، فانا هو الإله .. واذا لم يكن ثمة إله ، فالارادة كلها لي ، وانا ملزم باضهار إرادتي " .
يكتب إيتالو كالفينو في لماذا نقرأ الادب الكلاسيكي ؟ – ترجمة دلال نصر الله – ان :" الكتب الكلاسيكية مثل الكون ، إنما تُنعت بالكلاسيكية لأنها تشبه الطلاسم الاثرية ، وهي التي نعتقد اننا احطنا بمضمونها ، لكننا نكتشف انها تتنافى مع توقعاتنا ، الكتاب الكلاسيكي هو كتاب لا ينضب محتواه " . انها الكتب التي يجب ان لا تحظى بقراءة سريعة ، على حد تعبير هارولد بلوم .
كتب دستويفسكي :" لكي يكون المرء قادرا على ان يكتب جيدا ، عليه ان يعاني " وتجربتي في قراءة بعض الكلاسيكيات تجعلني اؤمنأ القارئ لمثل هذه الاعمال عليه أن يتغلب على معاناتعه ، وان كل قراءة حقيقية هي محاولة للتغلب على هذه المعاناة .
من السطر الاول لرواية " الجريمة والعقاب " ، يشعر القارئ ان شيئا خطيرا ومفزعا سوف يحدث ، هذا الشيء بدور في عقل راسكولنيكوف طوال الوقت . يكشف لنا دستويفسكي ان هذا الشيء المفزع يتغلغل في صميم نوايا راسكولنيكوف .. ثم تحدث الجريمة ويبحث دستويفسكي عن الدوافع الحقيقية ورء هذه الجريمة . وبعد ان يعثر على السر ، يقدم مفاتيح الرواية الى القارئ ، لكنه لا يشرح الحل مباشرة ، بل يفود القراء بطريقة تمكنهم من ان يتمعنوا في الرواية بانفسهم ، وان يجربوا ما مر به دستويفسكي نفسه ، بهذه الطريقة والتي تتلخص بعدم اعطاء اجابات جاهزة للقارئ ، لان عليه ان يبحث عنها بنفسه ، ينجح دستيفسكي في أن يجعل هذه الاجابات ذات معنى وهدف بالنسبة للقراء .
واعود الى السؤال الذي شغلني منذ اللحظة الاولى التي قرأت فيها روايات دوستويفسكي والتي اعود اليها بين الحين والآخر : من هو دوستويفسكي ؟ بالتاكيد انا لست باحثا متخصصة في الرواية أو خبير في الآداب، ، إنما أنا قارئ، شأني شأن الكثيرين منكم، ومصدر اعجابي بدوستويفسكي يكمن في انني وجدت في كل رواية من رواياته صورة ما للعالم ، وأيضا اكتشفت ان دوستويفسكي ، اينما كان ، واي شيء عمل ، وفي اي صورة يظهر لنا ، لا يكف ابدا عن ان يكون دوستويفسكي الذي كتب في احدى رسائله :" الانسان سر يجب اكتشافه " .
يُرينا دوستويفسكي تعقيدات الطبيعة البشرية، ويُرينا انحطاط الإنسان ، يُساعدنا كقراء على رؤيته عن قرب من خلال سطور رواياته ، وعلى إدراك مدى قربنا منه. في البداية، قد نصدر احكاماص قاسية على بعض. لكن شخوص رواياته لن يسمحوا لنا بذلك ، فكلما ظننا اننا امسكنا بالسر ، كان دستويفسكي يسخر منا ويعرض الفكرة بثوب آخر ومن زاوية جديدة ويتكرر هذا الامر مع كل قراءة جديدة لواحدة من اعماله العظيمة .
لا شك أنني مدينٌ بالعرفان لما كتبته السيدة ابتسام المقرن التي اعادتني تدوينتها الى ذكرياتي مع دستويفسكي الذي يصفه باختين بأنه " متعدد الألحان ، وهذا ما يجعلنا نطلق عليه لقب عبقري الرواية " – شعرية دستويفسكي ترجمة جميل نصيف - .
@vHamadovic المشكلة الآن في إغراقنا داخل مواقع التواصل وسط هذا الكم الهائل من الفيديوهات والمنشورات التي تعيق بشكل أو بآخر قدرتنا على الاستمتاع بالكتب والأفلام.