بيان علماء الأمة بشأن ما يسمى "مسابقة ملكة جمال فلسطين"
الحمد لله رب العالمين الذي كرّم الإنسان وصان العرض وجعل الحياء والعفاف من شعائر الإيمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي زكّى النفوس وأقام موازين الفطرة وحفظ للمرأة كرامتها ورسالتها، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾، سورة الإسراء: 70.
فقد بلغ علماء الأمة وروابطها وهيئاتها العلمائية خبر الترويج لما يسمى "مسابقة ملكة جمال فلسطين" وما تقوم عليه من عرض المرأة لجسدها ومحاسنها أمام لجان التحكيم والكاميرات والجمهور وتحويل الجمال الجسدي إلى ميدان للمفاضلة والشهرة والاستثمار، ويرى العلماء في هذه السابقة اعتداءً شرعيًا وأخلاقيًا وهوياتيًا يمس كرامة المرأة الفلسطينية وصورة فلسطين ورسالة شعبها ويستوجب موقفًا واضحًا وحاسمًا، وأمام هذا الحدث فإننا نؤكد على النقاط الآتية:
أولًا: يؤكد علماء الأمة أن المرأة في ميزان الإسلام إنسانٌ مكرَّمٌ وصاحبة رسالة وأمانة واستخلاف، وأن قيمتها تُبنى على إيمانها وتقواها وعقلها وعلمها وخُلقها وعطائها وأثرها في بناء الإنسان والمجتمع؛ أما اختزالها في ملامح الوجه ومقاييس الجسد وإخضاعها لنظر الجمهور وموازين المفاضلة فـهو إهدارٌ لكرامتها، وردٌّ لها من مقام الإنسان المكرم إلى سلعةٍ معروضةٍ، ومن صاحبة رسالة إلى موضوع للاستهلاك البصري، وهو انقلابٌ صريحٌ على ميزان الوحي، وإحياءٌ لصورةٍ جاهلية حديثة تتزين بأسماء الجمال والفن والشهرة، بينما جوهرها تسليع المرأة وتسعير جسدها.
وقد أقام القرآن ميزان الكرامة على التقوى، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، سورة الحجرات: 13.
ثانيًا: يؤكد علماء الأمة أنَّ هذه المسابقة محرمةٌ شرعًالما تقوم عليه من التبرج وإظهار الزينة واستجلاب الأبصار للنظر الحرام وتسليع المرأة وتحويل جسدها إلى مادة للعرض والتقييم والمفاضلة والترويج، ولما تؤديه في أثرها ووظيفتها من خدمةٍ للمشروع الصهيوني وإسنادٍ لحربه الثقافية والقيمية والأخلاقية على الشعب الفلسطيني والأمة، إذ تسهم هذه الأنشطة والمسابقات في ضرب منظومة الحياء وتشويه صورة المرأة الفلسطينية وإعادة تشكيل الذوق العام بعيدًا عن معاني الإيمان والرباط والجهاد والكرامة.
قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، سورة الأحزاب: 33.
ثالثًا: يحذّر علماء الأمة من أنَّ التبرج إذا تحوَّل إلى صناعةٍ وإعلانٍ وقدوةٍ فإنه يغدو أداة هدمٍ أخلاقي وإفسادٍ اجتماعي وتخريبٍ قيمي مُنظ؟َم؛ لأنه ينقل الحرام من دائرة الفعل الفردي إلى دائرة الثقافة العامة، ويكسر هيبة الحياء في النفوس، ويعيد تعريف الجمال والنجاح والقبول والكرامة وفق مقاييس الجسد والصورة والشهرة.
وهذه المسابقات تربي العين على الاستباحة وتربي النفس على الاستعراض وتربي المجتمع على قبول ما كان يستنكره ثم تُحوِّل المنكر إلى ذوقٍ عام والذوق العام إلى معيارٍ حاكم، وهنا تبدأ الهزيمة من الداخل؛ عندما يفقد المجتمع حساسيته تجاه الفاحشة وتبهت في قلبه معاني العفة وتتحول المرأة من حاملة رسالة ومن صاحبة كرامة إلى مادة عرض وموضوع استهلاك بصري.
رابعًا: يؤكد علماء الأمة أن إقامة هذه المسابقة تحت اسم فلسطين تمثل اعتداءً مباشرًا على هوية الشعب الفلسطيني ورسالة أرضه وتاريخ جهاده؛ فهوية فلسطين هويةٌ صاغها الوحي وربّاها المسجد الأقصى وثبّتها الرباط والجهاد في سبيل الله وكتبت فصولها دماء الشهداء وعذابات الأسرى وثبات المرابطين وصبر الأمهات.
وإن نقل صورة المرأة الفلسطينية من المرابطة والمربية وصانعة الصمود إلى الجسد المعروض أمام العيون تشويهٌ لهوية فلسطين وإهانة لذاكرة شهدائها وانقلابٌ على المعنى الذي عاش الشعب الفلسطيني وضحَّى في سبيله.
خامسًا: يقرر علماء الأمة أن هذه المسابقة في أثرها ومآلها سلاح ثقافي وفكري وقيمي وأخلاقي في الحرب الصهيونية الشاملة على فلسطين والأمة؛ فالسلاح العسكري يقتل الأجساد ويهدم العمران، والسلاح القيمي يضرب العقيدة والحياء والذاكرة والمعيار ويهيئ لهزيمة الروح من داخلها.
ومن ثَمَّ فإنَّ مقاومة هذا الاختراق وحراسة هوية الأجيال وإحياء معاني العفاف والرباط والجهاد والتضحية نوعٌ من الجهاد المبرور في سبيل الله بالعلم والبيان والتربية والإصلاح؛ فحراسة القيم ثغر، وحراسة الوعي رباط، وصيانة هوية فلسطين جزء من معركة تحريرها.
سادسًا: يجدد علماء الأمة التأكيد أن معركة فلسطين معركة أرض وعقيدة وهوية ووعي وقيم، وأن تحرير الأرض يقترن بتحرير الإنسان من الاستلاب وحماية فطرته من التشويه وصيانة ذاكرته من المحو؛ فكل مشروع يبدل معايير الحياء والكرامة والبطولة ويعيد تشكيل الجيل بعيدًا عن الوحي والرباط والجهاد يضرب جبهة من جبهات فلسطين.
وعليه فإن مواجهة الاختراق الثقافي والقيمي والأخلاقي يُعدُّ من الجهاد المبرور في سبيل الله بالعلم والبيان والتربية والدعوة وحراسة الوعي؛ لأن معركة الأمة على الإنسان تسبق كثيرًا من معاركها على الأرض.
سابعًا: يؤكد علماء الأمة أن حماية هوية الشعب الفلسطيني جزء أصيل من حماية فلسطين نفسها وأن الثغر الأخلاقي ثغر من ثغور الرباط وأن الجيل الذي يحمل الأقصى في عقيدته ويحمل الشهداء في ذاكرته ويحمل العفاف في سلوكه هو الجيل القادر على حمل أمانة التحرير، فالأرض يحرسها المجاهد والهوية يحرسها العالم والمربي والأسرة والمنبر والكلمة الصادقة، وكل هؤلاء شركاء في رباط واحد وجهاد تتكامل ميادينه.
ثامنًا: يحمّل علماء الأمة منظمي هذه المسابقة ومموليها ورعاتها ومروجيها ووسائل الإعلام والمنصات التي تمنحها الانتشار المسؤولية الشرعية عن صناعة المنكر وتوسيعه وتطبيعه وتحويله إلى نموذج اجتماعي؛ فالإفساد حين يمتلك المال والمنصة والصورة يصل أثره إلى المجتمع كله وتتضاعف تبعته بمقدار ما يصنع من أثر في الناس والأجيال.
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، سورة المائدة: 2.
تاسعًا: يطالب علماء الأمة الجهات الرسمية والعلمية والدعوية والاجتماعية والإعلامية وأهل التأثير بالتحرك الفوري لوقف هذه المسابقة وقطع مسارات الترويج لها بالوسائل المشروعة وبالقيام بأمانة حماية المجال العام وصيانة هوية المجتمع الفلسطيني وإسناد قيم العفاف والحياء والكرامة فيه؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مثل هذه النوازل حراسة للمجتمع من أن يتحول المنكر إلى ثقافة، والإفساد إلى اعتياد.
قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، سورة آل عمران: 104.
عاشرًا: يدعو العلماء إلى تقديم نموذج فلسطيني أصيل لتكريم المرأةيجعل ميدان المنافسة العلم والخلق والإبداع والتربية والتعليم والابتكار وخدمة المجتمع والصمود والبذل والتضحية؛ فهذه هي مقاييس الجمال التي صنعت المرأة الفلسطينية التي يعرفها العالم أمًّا للشهيد وحاضنةً للأسير ومربيةً للمجاهد وطبيبةً للجريح ومعلمةً تحت القصف ومرابطةً في المسجد الأقصى.
الحادي عشر: يتوجه علماء الأمة إلى بنات فلسطين: أنتن بنات أرض الإسراء والرباط والجهاد ووارثات أمهات الشهداء والأسيرات والمرابطات فاحملن هوية الإسلام التي صاغت تاريخ فلسطين وحاضرها بعلمكن وحيائكن وثباتكن وعطائكن، واجعلن رضا الله وكرامة الرسالة ميزانًا للحضور والنجاح؛ فمكان المرأة الفلسطينية أرفع من منصات الاستعراض وأجل من موازين الصورة والجسد، وأوثق اتصالًا بتاريخ كتبته التضحيات والدماء.
الثاني عشر: يتوجه علماء الأمة إلى القائمين على هذه المسابقة والداعمين لها بكلمة صريحة: اتقوا الله في بنات فلسطين، واتقوا الله في اسم فلسطين، واتقوا الله في دماء شهدائها وهوية شعبها، ووجّهوا المال والمنابر والإعلام إلى ما يبني المرأة ويحفظ كرامتها ويقوي مجتمعها ويخدم معركة شعبها في التحرر والرباط والصمود.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، سورة النور: 19.
ويجدد علماء الأمة في ختام بيانهم أن فلسطين أرض إسراء ورباط وجهاد وشهادة، وأن معركتها معركة تحرير الأرض والإنسان معًا، وأن صيانة المرأة الفلسطينية من التسليع وصيانة الأجيال من الاختراق الأخلاقي وصيانة المجتمع من التبرج والإفساد جبهات من جبهات الجهاد في سبيل الله وحراسة لثغور الأمة من الداخل؛ فحماية فلسطين تبدأ من حماية معناها، وحماية الأقصى تمتد إلى حماية الجيل الذي يحمل الأقصى في قلبه وعقيدته ومسؤوليته.
اللهم احفظ فلسطين وأهلها ونساءها وبناتها واحفظ عقيدتهم وهويتهم وأعراضهم وثبتهم على أرضهم ومقدساتهم واجعلهم منارات للحق والعفاف والرباط والكرامة والثبات.
والحمد لله رب العالمين.
العلماء والروابط والهيئات والمؤسسات العلمية الموقعة:
توقيع العلماء:
1- الشيخ الملا أنور الآمدي
2- عبد الله بن عبد المجيد الزنداني
3- د. سلمان السعودي
4- د. نواف تكروري
5- د. وصفي عاشور أبو زيد
6- د. حسين عبد العال
7- د. عمر شلح
8- د. خيران محمد عارف
9- د. إبراهيم مهنا
10- الشيخ الدكتور أبوبكر العيساوي
11- د. مصطفی ذوالفقار
12- أ. د. كامل صلاح
13- د. غازي التوبة
14- الشیخ عبد المجید البلوشی
15- أ.د. بلخير طاهري الإدريسي
توقيع المؤسسات:
1- اتحاد العلماء والمدارس الإسلامية في تركيا
2- جمعية نهضة علماء اليمن
3- ملتقى دعاة فلسطين
4- مجلس الدعاة في لبنان
5- هيئة علماء فلسطين
6- رابطة علماء أهل السنة
7-هيئة أمة واحدة
8- رابطة الدعاة الإندونيسيين
9- الائتلاف العراقي لنصرة الأقصى
10- معهَدُ الدِّرَاسَاتِ المُقَارَنَةِ لِبُحُوثِ الـمُسْتَقْبَلِ الـدِّینِیَّةِ
11- الرابطة العالمية للفقهاء
12- مؤسسة المرتضى للدراسات والدعوة الاسلامية - إيران
13- جماعة عباد الرحمن - السنغال