ليسوا أرقامًا!
ليسوا شريطًا عاجلًا في نشرة الأخبار،
ولا خبرًا يمحوه خبرٌ أحدث بعد عشر ثوانٍ،
ولا فئةً عمريةً يصنفون حسبها القتلى!
وإنما هم قصص ممتلئة، وحكايات طويلة،
وسنوات من الذكريات، وأعمارٌ من التجارب،
وحيواتٌ مفعمةٌ بالضحك والبكاء والمشاعر!
الزميل أنس الشريف قبل قليل بكى على الهواء مباشرة لأنه لم يحتمل مشهد سقوط سيدة أمامه بسبب شدة الجوع !!!
اليوم في غزة كلناا سنسقط من الجوع واحداً تلو الآخر
اليوم في غزة لا يوجد رغيف خبز واحد لتسد به شيئاً من جوعك
اليوم في غزة لا الصحفي قادر على الحديث وإيصال الصوت، ولا الطبيب قادر على التركيز ومعالجة المصابين، ولا الدفاع المدني قادر على الوقوف وإكمال عمله في إنقاذ الأرواح، وكل هذا بسبب الجووع
الجوع الذي يفتك بالكبير قبل الصغير وبالقوي قبل الضعيف
الجوع الذي طال كل منزل وكل خيمه وكل مكان في غزة
صحيح، لم أتمالك نفسي من هول المجازر،
لكنني وجدت صوت أبناء شعبي المجوّعين يصرخ بجانبي: "استمر يا أنس، لا تقف، أنت صوتنا".
والله، هذا هو كل همي… أن أنقل صوت الناس المخذولين، المحاصرين، المجوّعين في غزة.
"مِنْ حَقِّ الرسول عليه الصلاة والسلام أَنْ تُصَلِّي عليه، لِأَنَّ اللهَ أَنْقَذَكَ بِهِ مِنَ الضَّلالة، وَدَلَّكَ إلى الرُّشْدِ عَنْ طَرِيقِهِ عليه الصلاة والسلام، فلا طَرِيقَ يُوصِلُ إلى رِضْوَانِ اللهِ تعالى وَجَنَّتِهِ إلَّا طَرِيقَ مُحَمَّدٍ ﷺ ."
-الشيخ ابن عثيمين رحمه الله
لا حول ولا قوة إلا بالله.
قصف الاحتلال قرب ملعب فلسطين شمال غزة طمر أكثر من 15 خيمة للنازحين تحت الرمال، والحفرة الهائلة ابتلعت عائلات بأكملها. البحث عن الشهداء والمفقودين مستمر.
وداعًا أمّنا أم عمر نوفل
لا نعرف كيف نرثيك يا أمّنا، ولا كيف نكتب عنك في لحظة رحيل تقطع القلب وتُثقل الروح.
كنتِ في هذه الحرب الصدر الذي اتسع لنا، واليد التي امتدت بالحنان، والدعاء، والرعاية.
لم تكوني فقط من تطبخ لنا وتخاف علينا، بل كنتِ الأمان في وسط العاصفة.
تحملتنا كأننا أولادك، وقلتيها بصوت يرتجف من الحب:
"يا أنس، أمانة دير بالك على حالك... بدّي إياك إنت وأبو يحيى وكل اللي معك، كلكم ولادي."
لم تكن كلمات فقط... كانت وصيّة قلب أمٍّ حقيقيّة، خافت علينا أكثر من نفسها، دعت لنا في كل لحظة، وكانت تحيطنا برضاها ومحبتها.
أبو يحيى
ابنك يا أم عمر، رفيق دربي، أخي قبل أن يكون صديقي، لم يفارقني لحظة في الحرب...
كنا سويًّا في قلب الموت أثناء التغطية، وكانت عيناكِ تلاحقنا بدعاءٍ صادق وأمومةٍ لا توصف.
لكن يا أم عمر...
ما كنتِ تدرين أن الموت كان بانتظارك أنتِ، لا نحن.
ما كنتِ تعلمين أنكِ من ستغادرين، وتتركين لنا هذا الفراغ الذي لا يُملأ، والحنين الذي لا يُطفأ.
رحمكِ الله يا وجه الخير، يا أمّنا جميعًا، يا من حملتنا بالدعاء، وعلّمتنا معنى الصبر والرضا.
اللهم اجعل قبرها نورًا، ومثواها الفردوس الأعلى،
واجزها عنّا خير ما تُجزى به أمٌّ عن أولادها في الدنيا والآخرة.
إنا لله وإنا إليه راجعون.