إنَّ من أكثر الآراء الثقافيَّة مجازفةً إعطاءَ رأي مطلق في الشِّعر. لا يُقدِم على هذا التهوّر إلَّا جاهل أو طارئ غرّ، لا يعلم أنّ مقام الشِّعر في الفنون هو مقام اللاهوت من الناسوت، وأنّ الفنون جميعها، على اختلاف تجلياتها، غايتها الكبرى أن تقول الشِّعر، أو أن تلامس شرط الشِّعر.
حتى عندما حاول الفلاسفة والنقَّاد المفكِّرون، عبر الدهور، أنْ يعطوا مفهومًا للخصائص الدقيقة التي ترمز إلى السِّحر والجمال والجوهر الإبداعيّ في الفنون، لم يجدوا بُدًّا من اجتراح كلمةٍ من الشِّعر ذاته، لعلَّها تأخذ طيفًا من مكانته وغموضه وطاقته وسحره، فجاء مفهوم "الشِّعريَّة".
في الفترة الأخيرة، وبشكلٍ متكرِّر، يخلط كثيرون في الفضاء الثقافيّ والإعلاميّ بين القصيدة والشِّعر، أو لعلَّ بعضهم لا يعرف الفرق بينهما، فيقولون آراءً مطلقةً في الشِّعر بحسب ذائقتهم الضيّقة وحويصلات معرفتهم تجاه القصائد النشيد. وأعجبُ ما رأيتُ في أولئك أنَّ فيهم مجموعةً من الشعراء، وتلك الآراء البائسة -للأسف- تجعلنا نزهد في متابعة أيّ قصيدة يكتبونها؛ إذ كيف تتوسَّم دهشةً في نصّ شاعرٍ لا يرى بأنَّ الشِّعر ضدُّ الوثوقيّة والحَتْم والإغلاق.
وبلى..
الشِّعر هو نهر الزمن،
وشمس الغيب الأقصى.
هو الذي يقبضنا ولا نقبض عليه.
حين تُدركُ أخيراً،
أن البهجةَ ليست في دَوِيّ الألعاب النارية،
بل في وَمِيضِ اليراعات..
وأنها ليست في هَدِير الأوركسترا،
بل في غناء العصافير..
حينها.. ستزورك أكثر.
فالبهجةُ لا تُزاحِم إيقاع الحياة المتسارع،
ولا تسكن كل ما يبدو برّاقًا أو جديدًا.
بل تتنفسُ في تفاصيلنا العادية،
وتغفو في أشيائنا البسيطة،
...
هاري بيكر
ترجمة شريف بقنه
السجال حول لغة الفنون بين من نسميهم الحرس القديم و فوبيا الهوية والآخر المنفتح بلا حدود سجالاً ليس جديداً
شخصيا لا أرى مانع في استخدام أي لغة لتدريس الفنون .
جامعة الملك فهد للبترول مثال حي وما الفرق بين دراسة الطب مثلاً و الفن .
المدافعون عن العربية هنا يذكروني بالمتشددين في الستينات والسبعينات و موقفهم من ابتعاث طلابنا للدراسة في الغرب (و نفس العباره تتكرر سيرجع ممسوخ الهويه )
خريج جامعة الرياض للفنون مستقبلاً يا ساده يا كرام لن ينسلخ من جلده لأنه درس بالانجليزي كلمتين عن آلية صنع منتج فني ولن يكفر بثقافته الأصلية ولا جذوره الضاربة في عمق هذه الجزيرة العربية لأنه درس ماده أو مادتين عن فلسفه الفن( بالانجليزي طبعاً) ولن ينكر موروثة لأنه نبش في الموروث الإيطالي او اليوناني ولن يتعالى على قبيلته ولن يسخر من أدبه الشعبي ولن يطمس تاريخه بل سيكون أكثر التصاقاً بأرضه وأكثر قدرة في التعبير عن هويته
و أكثر انفتاحاً على العالم كله .
و مستقبلاً ( و أراه قريباً ) سيصنع خريج هذه الجامعه عملاً فنياً عظيماً سيحكي عنه العالم ( كما فعل والده خريج السبعينات ) سيحكي عنه العالم .. كل العالم
قد يبدو مصطلح "حسن النية" مبسطًا نوعًا ما لمعنى الإرادة الخيرة عند كانط ويحيل لمعاني مثل طيبة القلب. الإرادة الخيرة بالنسبة إليه هي الإرادة التي تتصرف بدافع الواجب العقلي المحض احتراماً للقانون الأخلاقي الكلي (الضرورة الحتمية)، حتى لو كان هذا الواجب يتعارض تماماً مع عواطفنا أو نتائج أفعالنا.
بمعنى آخر: قيمة الفعل الأخلاقي عند كانط تنبع من الالتزام العقلي الصارم بالصواب.
بالمناسبة استمتع بقراءة كتابكم "برميل سارتر" هذه الأيام.
كل التحية ا. علي
شوية فلسفة
اعتمدت الفلسفة الأخلاقية لإيمانويل كانط على مفهوم الواجب ، وهو ما يمثل خروجا على الفلسفة اليونانية التي كانت تركز على الفضيلة التي كانت بارزة في الفلسفة الأخلاقية عند أفلاطون وأرسطو ، وقد حدد أفلاطون أربع فضائل أساسية " الحكمة والعدالة والثبات والاعتدال " وطور أرسطو لاحقا قائمة باكثر من عشرين سمة اخرى تحدد المفهوم اليوناني لعيش حياة فاضلة وعادلة .
قدم كانط نظريته الأخلاقية من خلال التدقيق في معنى الفضائل والنظر في جدوى انشاء تسلسل هرمي للقيمة الأخلاقية للصفات الإنسانية . وكان استنتاج كانط هو أن الفضيلة الوحيدة التي لا يمكن الشك أو التشكيك فيها هي فضيلة حسن النية أو النية الحسنة تجاه الآخرين . يكتب كانط : " لا يوجد أي شيء على الإطلاق ، سواء أكان داخل العالم أم خارجه يمكن اعتباره جيدا بشكل غير مشروط سوى النية الحسنة تجاه الآخرين " .
من غرف فندق في مونترو السويسرية، حيث يعيش فلاديمير نابوكوف وزوجته "فيرا" حياةً تشي بروح المنفى الأبدي، تتشكل عوالم روائية خالدة تُكتب بتأنٍ على بطاقات فهرسة صغيرة. تقف فيرا حارسةً ليقظته ومعاونةً لا تفارقه، بينما يختار هو في هذا اللقاء أن يكتب إجاباته سلفاً؛ هرباً من آفة التحريف الصحفي، ومتذَرِّعاً بدعابةٍ يغلفها ألمٌ تراجيدي حول ضعف لغته الإنجليزية مقارنة بفداحة فقدانه للغته الروسية الأم.
حين يتطرق اللقاء إلى رائعته "لوليتا"، يقطع نابوكوف الطريق على التفسيرات الأخلاقية السطحية، مؤكداً أنه لا يكترث البتة لمقاييس الأخلاق العامة. فالانحطاط مأساة تخص بطله "همبرت" وحده، ذلك الكائن الذي يصفه بالبؤس والقسوة والغرور، في حين لا تستحق التعاطف والرثاء سوى الطفلة الضحية. وبسلطويةٍ فنية صارمة، يسخر نابوكوف من الفكرة الرومانسية المبتذلة القائلة بتمرد الشخصيات على كاتبها، مقرراً بوضوح أن شخصياته ليسوا سوى "عبيد" يُسخّرهم لدفع مجاديف نصه. كما ينفي فكرة الجمود عن عوالمه، لأنه لا يعترف أصلاً بوجود ما يُسمى بالواقع اليومي الموضوعي، فالأصالة الفنية في نظره لا تقلد سوى ذاتها.
وعلى صعيد الهوية، يعرّف الكاتب نفسه كليبرالي من الطراز القديم، لا يخفي احتقاره العميق للينينية وللنظام السوفييتي الذي يراه تجسيداً للادعاء والبرجوازية الوضيعة. في المقابل، يعانق هويته الجديدة بزهوٍ شاعري، قائلاً إنه "أمريكي كشهر أبريل في أريزونا"، معتزاً بجواز سفره الأخضر وبطبيعة الغرب الأمريكي التي تذكره ببراري روسيا.
ولعل من أصدق اعترافاته في هذا الحوار، إقراره بأن لذة اكتشاف فصائل الفراشات وتفحصها تحت المجهر تفوق لديه أي نشوةٍ يمنحها الإلهام الأدبي، إلى حد أنه لولا الثورة الروسية لكرّس حياته لعلم الحشرات ولم يكتب الرواية قط. ثم يشن هجوماً لاذعاً على الـ "بوشلوست" (Poshlost)، وهو مصطلح روسي يعبر عن الابتذال والادعاء الأجوف، والذي يراه متفشياً في الرمزية الفرويدية، والفن التجريدي الزائف، واستغلال المآسي الكبرى في سياقات استعراضية رخيصة. ويختتم اللقاء بنظرة استعلائية حادة تجاه بعض أيقونات الأدب المعاصر، معلناً أن أسماءً كبريخت، وفوكنر، وكامو لا تعني له شيئاً، ولا تمثل في ميزان ذائقته سوى "عدمٍ مطلق"، رافضاً بذلك الانسياق وراء الإجماع النقدي الأعمى.
بين العالمية والهوية.. جدلية تدريس الفنون بالإنجليزية
هل ستُنتج جامعة الرياض للفنون فنانًا سعوديًا له صوت خاص؟ أم نسخة معولمة يمكن أن تخرج من أي مدينة في العالم؟ هذا السؤال يتجاوز قضية اللغة نحو سؤال أعمق يتعلق بهوية الفن وعلاقته بالمجتمع. فعندما يُطرح مشروع جامعة للفنون في السعودية بمناهج تُدرَّس باللغة الإنجليزية، تظهر جدلية ثقافية ترتبط بمستقبل الفنان السعودي وقدرته على الوصول إلى العالم عبر أدوات تعليم حديثة وشراكات أكاديمية دولية.
وبحسب ما نُشر عن مشروع جامعة الفنون والشراكات الدولية التي قادتها نهى قطان، فإن التوجّه يبدو واضحًا نحو بناء مؤسسة أكاديمية مرتبطة بجامعات ومؤسسات عالمية مثل University of Southern California وRoyal College of Art وغيرها، مع تطوير مشترك للمناهج وبرامج التدريب الأكاديمي. ويعكس هذا التوجّه رغبة في تأسيس بيئة تعليمية حديثة تمنح الطلاب فرصة الاحتكاك المباشر بأحدث المدارس الفنية والتقنيات الإبداعية في العالم.
فالإيجابية هنا واضحة، إذ أصبحت الإنجليزية اللغة المهيمنة على مصطلحات السينما والفنون المعاصرة، خصوصًا في مجالات الإنتاج والتقنيات الرقمية والتعليم الأكاديمي. فمعظم المراجع الحديثة في السينما والتصميم والإنتاج الموسيقي مكتوبة بها، كما أن سوق الفن العالمي يعتمد على شبكات إنتاج وتوزيع ومنصات دولية تعمل بهذه اللغة. ولهذا تبدو الدراسة باللغة الإنجليزية خطوة مرتبطة ببناء صناعة إبداعية سعودية قادرة على المنافسة عالميًا وعلى التواصل مع المؤسسات والأسواق الفنية الكبرى.
لكن في المقابل، تحمل الفنون مثل الموسيقى والمسرح والشعر والسينما والرسم حساسية ثقافية وتاريخًا طويلًا وطرق تعبير مرتبطة باللغة نفسها. وعندما تُدرَّس الفنون بلغة أجنبية بالكامل، قد يكتسب الطالب اتصالًا أوسع بالعالم والمدارس الفنية العالمية، وفي الوقت نفسه قد يواجه خطر الاغتراب الثقافي أو الوقوع في فخ “التغريب الفني”. غير أن هذا التحدي لا يعني بالضرورة ذوبان الهوية إذا امتلك الفنان القدرة على تحقيق مفهوم “العولمية المحلية”، وهي الدمج الذكي والواعي بين ما هو عالمي وما هو محلي.
وهنا يظهر الفرق بين لغة التقنية الفنية ولغة الخيال الفني. فمن الممكن أن يتعلّم الطالب المصطلحات السينمائية بالإنجليزية وأن يستخدم أدوات عالمية في التصوير والمونتاج والإخراج، ثم يصنع فيلمًا بروح محلية عميقة. وقد ظهر هذا النموذج جليًا في السينما الإيرانية والكورية الجنوبية واليابان، وكذلك نسبة من الأفلام السعودية، حيث استُخدمت أدوات عالمية وتقنيات حديثة لإنتاج هويات سينمائية خاصة تحمل ملامح المجتمع المحلي وتاريخه وثقافته.
ومن هذا المنطلق، يجب أن ندرك أن الهوية ليست قالبًا جامدًا نخاف عليه من الكسر، بقدر ما هي كائن حي يتنفس ويتأثر. فالهوية السعودية المعاصرة تتجاوز الصور النمطية التقليدية نحو تعبيرات جديدة مرتبطة بالتحولات العمرانية والرقمية والاجتماعية. ومن هنا يصبح الفنان السعودي المعاصر معنيًا بالتعبير عن مدنه الجديدة وتحولاته الاجتماعية وإيقاع حياته الرقمية، مستخدمًا أحدث الأدوات التقنية واللغات البصرية المعاصرة.
إن تجاوز هذه الجدلية يتطلب هندسة مناهج ذكية في جامعة الرياض للفنون، بحيث تعتمد إستراتيجية توطين المعرفة الإبداعية، فيُتاح تدريس التقنيات والنظريات المعاصرة بالإنجليزية، بينما يُشترط على الطلاب غرس مشاريعهم التخرجية في البيئة المحلية، مع إدراج مساقات مكثفة باللغة العربية حول تاريخ الفن الإسلامي، والأنثروبولوجيا الثقافية للمجتمع السعودي، والموروث الشعبي والشفهي. وهذا التوازن الأكاديمي يضمن تزويد الطالب بأدوات العولمة دون اقتلاعه من جذوره الثقافية.
السينما الحديثة والفنون المعاصرة تقوم اليوم على التعاون الدولي، وعلى فرق عمل متعددة الجنسيات، وعلى منصات عرض عابرة للحدود. ولهذا أصبحت الإنجليزية أقرب إلى لغة تشغيل عالمية داخل الصناعة الفنية. ومن هذه الزاوية، تبدو الدراسة بالإنجليزية وسيلة تمنح الفنان السعودي قدرة أكبر على الحضور الدولي والمشاركة في الاقتصاد الإبداعي العالمي، بشرط أن يظل وعيه الفكري مغذىً بمحيطه وثقافته الأم.
السؤال الحقيقي إذن لا يتعلق باللغة التي تُدرَّس بها الفنون بقدر ما يتعلق بقدرة الفنان على توظيف أدوات عالمية لصناعة تعبير محلي قادر على الوصول إلى العالم. فقد تحمل الإنجليزية مفاتيح الوصول إلى المنصات العالمية، بينما تمنح الثقافة المحلية العمل الفني روحه الخاصة وصوته المختلف. وفي النهاية، تبقى اللغة أداة يطوّعها الفنان وفق رؤيته الخاصة. فالتحدي الحقيقي أمام جامعة الرياض للفنون يتمثل في قدرتها على تخريج فنانين يمتلكون أدوات العالم، دون أن يفقدوا قدرتهم على التعبير عن ذواتهم وثقافتهم المحلية.
في المشهدِ الثقافي، هناك دائمًا فئةٌ تُتقن الحديثَ عن الأدبِ أكثر من الأدبِ نفسه؛ يستهلكون أعمارهم في تشريحِ القصيدة، وتفكيكِ الرواية، وإلقاء المحاضرات عن "فلسفة الكتابة"، حتى يخال السامعُ أنهم ورثةُ اللغةِ الشرعيون، بينما تقف رفوفهم خاليةً إلا من الصدى.
إنهم يشبهون أولئك الذين يبيعون خرائطَ البحارِ ولم يبتل حذاؤهم يومًا بالماء؛ نقّادُ احتراقٍ لم تحرقهم الكتابةُ قط!
قناة The Temporal Nomad (الرحالة الزمني)
فعلاً صيد ثمين واكتشاف جميل، من نوعية القنوات التي تخاطب العقل بأسلوب بصري مذهل.
تركز على الأنثروبولوجيا الثقافية وتطور الوعي البشري عبر العصور، وتربط التاريخ بالتساؤلات الفلسفية المعاصرة من خلال مناقشة وتأمل رؤى فلاسفة وأدباء أمثال نيتشه، كامو، كارل يونغ، هيس، سينيكا، إبيقور، وثورو.
https://t.co/q5QvvpK4gN
استعد لوجهتك للإثراء الأدبي والتواصل الملهم، في مساحاتٍ صُمّمت لتفتح باب الفكرة، وتقرّب المسافات بين الأدب وقرّائه.
كن جزءًا من الشريك الأدبي… حيث يتجدّد اللقاء، وتتسع الحكايات.
ما يربكني دائماً في نصوص باسكال هو قدرته على تشريح القلق البشري، يضعنا في المنتصف تماماً، نقطة تائهة ومرتجفة بين لامتناهيين: كونٌ ساحق بشساعته، وعدمٌ يسحبنا من الأسفل. حين يكتب عن "الصمت الأبدي للفضاءات"، أنت لا تقرأ تأملاً عابراً، بل تسمع صرخة فزع وجودي. مما أتذكر أيضًا من شذراته ما كتبه حول مأزق "الإلهاء". نحن لا نركض خلف الانشغالات والمشاريع لأننا نبحث عن معنى، بل لنخدر ذواتنا ونهرب من مواجهة الخواء الداخلي والفناء. كل شقاء الإنسان يتلخص في عجزه عن الجلوس بصمت في غرفته.
لماذا نقرأ باسكال اليوم؟
في كتابه الصادر عن دار نشر جامعة كامبريدج في فبراير 2026 ضمن سلسلة "لماذا نقرؤهم اليوم؟"، يقدّم يوفال أفنور، أستاذ مختص في الفلسفة الحديثة ونظرية المعرفة وفلسفة الدين، ومدير معهد العلوم الإنسانية في كلية "سكريبس" الأمريكية، إجابة مركّزة ولامعة عن سرّ راهنية بليز باسكال. يقع الكتاب في 162 صفحة، لكنه ينجح في فتح نافذة واسعة على مفكرٍ مهم.
يذكّرنا أفنور بأن باسكال (1623–1662) كان فيزيائيًا ورياضياتيًا أسهم في نظرية الاحتمالات وابتكار آلة حاسبة مبكرة، وفي الوقت نفسه مفكرًا دينيًا عميقًا واجه أسئلة الخلاص وطبيعة الإنسان المجبولة على الضعف والخطيئة. وبدل أن يدور حول الرهان وحده، يكشف الكتاب جوانب أقل تداولًا في فكر باسكال، جوانب تحتاج إلى استكشاف وتمحيص جديدين.
عشر سنوات على رؤية السعودية 2030
ماذا جرى؟
ثورة من اعلى،، حولت الحلم إلى خطة وإلى واقع
رسمت اقتصادا لا ينتظر النفط
تطوير التشريعات كان بوابة التغيير الأولى
الإنسان استثمارها والثروة الأولى
ومن اقتصاد يعتمد إلى اقتصاد يقود
من دولة خدمات إلى دولة ممكنات
أعادت ترتيب الأولويات
كما أعادت للثقافة والفنون والسينما الحياة
مكّنت المرأة فارتفع المجتمع كله
فتحت ابواب السياحة المغلقة من العالم للداخل
أطلقت طاقات الشبا و المبادرات
للتأمل: الرؤية اكثر من مجرد أرقام 🇸🇦
حين ضاق (الديوان) بالشعر
محمد العباس
خرج الشعر من “الديوان” لأنه ضاق به. فقد كان الديوان، لقرون، بيت الشعر ومملكته. هناك تُحفظ القصائد، وتُرتّب، وتُقدَّم للقارئ ككيان مكتمل، كأنها آثار خالدة لا يجوز المساس بها. حينها كان الشعر يعيش في الصفحة، في الصمت، في تلك العلاقة الحميمة بين عين القارئ والكلمة. تغيّر العالم، ومعه تغيّرت شروط الوجود نفسها. الإنسان يقيم في الصمت زمنًا أقصر، والكلمة تحتمل انتظارًا أقل حتى تُكتشف بين دفّتي كتاب.
هكذا بدأ الشعر يتسرّب. ولم تكن البداية ثورةً معلنة، وإنما تآكلًا بطيئًا لسلطة الديوان. حين ظهرت الأغنية الحديثة، لم يكن أحد يتوقع أنها ستصبح أحد أكبر أوعية الشعر. الكلمات التي كانت تُقرأ صارت تُغنّى، والإيقاع الذي كان داخليًا صار مسموعًا، جسديًا، يُحسّ ولا يُفهم فقط. في هذه اللحظة، لم يفقد الشعر شيئًا من جوهره، إلا أنه غيّر وسيلته. فما عاد يحتاج إلى قارئ، وإنما إلى مستمع.
ثم جاءت اللحظة التي خرج فيها الشعر إلى الشارع. ففي “الشعر المنطوق” ما عاد النص غاية في ذاته، وإنما أداء. فالصوت، والجسد، والنبرة، كلها أصبحت جزءًا من القصيدة. الشاعر يختبئ خلف الكلمات، ثم يقف أمامها، يواجه الجمهور مباشرة. وهنا، استعاد الشعر شيئًا من طبيعته الأولى: أن يُقال، وأن يُكتب أيضًا. كأن التاريخ دار دورة كاملة، وعاد الشاعر إلى موقعه القديم: راوٍ بين الناس، وناسخ في كتاب.
التحول الأكبر ظهر في السرعة. ومع الفضاء الرقمي، انفجر شكل الشعر. ما عاد يحتاج إلى ناشر، ولا إلى مؤسسة، ولا حتى إلى وقت طويل. بضعة أسطر، صورة، لحظة شعورية مكثفة، وتُلقى في العالم فورًا. في منصات السوشل ميديا، تحوّل الشعر إلى ومضة: قصير، سريع، قابل للمشاركة. قد يبدو هذا تبسيطًا مخلًّا، وفي الوقت نفسه إعادة تعريف لماهية القصيدة. القصيدة بناء طويل، وشرارة في آن واحد.
وفي قلب هذا التحول، تظهر قصيدة النثر كعلامة فارقة. تخلّت القصيدة عن عمودها القديم، واقتربت من الكلام اليومي، حتى بدت أحيانًا وكأنها قطعة نثر عابرة. غير أن هذا الاقتراب يحمل مفارقة عميقة: فكلما اقترب الشعر من اللغة العادية، ازداد احتياجه إلى توتر داخلي يحفظ له هويته. المسألة في الوزن الذي غاب، وفي الكثافة التي بقيت. هكذا، صارت قصيدة النثر مساحة يتخفّى فيها الشعر داخل الكلام، دون أن يذوب فيه.
وهنا تظهر المفارقة. كلما خرج الشعر من الديوان، بدا وكأنه يفقد عمقه. وفي الوقت نفسه يبحث عن شكل جديد للحياة. فالديوان ما عاد مركز العالم. أصبح أحد أطرافه. العالم يمرّ بالنصوص الطويلة كما يمرّ العابر بزجاجٍ لا يعكسه. لذلك كان على الشعر أن يتكيّف، أن يصبح أخف، أسرع، وأكثر قابلية للانتشار، دون أن يتخلى—إن استطاع—عن كثافته.
ومع ذلك، يمكن القول إن الشعر هجر الديوان نهائيًا بدرجة أقل دقة. الأصح أن الشعر انقسم. جزء منه بقي هناك، وفيًّا للشكل التقليدي، يحافظ على عمق اللغة وبطئها. وجزء آخر خرج، يجرب، يخاطر، ويتحوّل باستمرار. كأن الشعر اليوم يعيش حياتين: واحدة في الداخل، حيث التأمل والتراكم، وأخرى في الخارج، حيث السرعة والانتشار.
هذا الخروج يحمل معنى الضرورة. لأن الشعر، في جوهره، طاقة تبحث دائمًا عن وسيط. وإذا تغيّر الوسيط، تغيّر معه شكل الشعر، وروحه تستمر. لذلك، حين خرج من الديوان، كان يوسّع بيته. صار بيتًا من ورق، وفضاءً مفتوحًا: في الصوت، في الصورة، في الشاشة، في اللحظة العابرة.
الشعر ما زال قائمًا في لغته. لكن موقعه في العالم تغيّر. لم يعد مركزًا تُبنى حوله المعاني، وإنما أثرًا يتشكّل على أطرافها. وما يبدو خروجًا للشعر من الديوان، قد يكون في حقيقته خروجًا للإنسان من ذلك الأفق الذي كانت اللغة فيه أكثر من أداة، وأكثر من استعمال. لذلك، فالسؤال لم يعد: أين ذهب الشعر؟ لأن الشعر، على الأرجح لم يختف. نحن الذين فقدنا القدرة على الإصغاء. ولذلك يتشكل السؤال حول ماذا حدث للكائن الذي كان يجد في الشعر ضرورةً لوجوده؟