ما يؤلم أكثر في المُوت
هو عندما يخبرُونك كيف يجب أن تتقبّل
أن من كان يُمسك بيدك يومًا
أصبح الآن مجرّد ذكرى
و تصبح حاملًا غيابه كظلّ يُلازمك
و في بعض اللياليّ تجد نفسك
تهمّس بإسمه في الظلّام
على أمل أن يُجيب و لو مرّة واحدة
_ “ كتبَ اللهُ لـ أمي سلامًا مقيمًا
لا يزول ولا ينقطع .
ها قد اقترب رمضان ولا يزال غيابكِ
يتسلّل إلى يومنا دون استئذان
ولا تزال تفاصيلكِ حيّة بيننا
نترك مقعدكِ كما هو
ونؤجّل الحكايات كأنكِ ستسمعينها لاحقًا
ندعو لكِ بصوتٍ خافت
ونبتلع الشوق كلما ابتسمنا
ومع كل رمضان نتعلّم
أن الحنين لا يعرف الاعتياد
ـ رحمكِ الله وغفر لكِ و وسّع قبرك .
يمرّ شعبان و يقترب رمضان
و أنتِ لستِ هنا لتستقبليه معنا
كما كنتِ تفعلين
لكنّي أؤمن أن لكِ عند الله استقبالًا أجمل
و نورًا أتمّ و رحمةً أوسّع
ِــ عليك من اللّه رحمات تتوارى ؛
و سلوان يُؤنس وحشتك ، و نعيم أبدي
لا يحول ولا يزول ؛
رحمك الله بقدر شوقي إليكِ يا حبيبتي .
ثمّ إن الناس تغدو و تعُود
و أنا سارحة بك
مابين بكاء و تنهيدة
مابين شوق و إحتياج
مابين قبرك و قلبي و حزني المميت عليك
رحمك الله رحمة الأبرار
و نوّر قبرك بضياء لا يمسه وحشة
و آنسك و قلّبك في رياض و نعيم .
رأيتُ غياب أمي يكبر في تفاصيل يومنا
في صمت البيت
و في الفراغ الذي تركته خلفها
لم يكن الفقد لحظة
بل تراكمًا هادئًا من الاشتياق
هو أقسى ما قد يعلّق في الذاكرة
و أصدق ما تعجز الكلمات عن شرحه
ــ اللهم أكرم أمي بسكينةٍ من عندك ؛
و أغمرها برحمتك التي لا تنفد .
حبيبة الدار و الأهل يا فقيدة القلب و العين
عليك من اللّه رحمات تتوارى و سلوان يُؤنس
وحشتك و نعيم أبدي لا يحول ولا يزول
رحمك اللَّه بقدر شوقي إليك يا حبيبتي .
تمرّ الأيام دون أمّي
و أصبر كلّما تشوّقت
و لكن لا بدّ من لحظة يفيض بها صبري
و أشعر أن في صوتي صرخة
صرخة لو أطلقتها لأسمعت كلّ من حولي
لكن أتجرّع ألم كتمانها خوف الجزع
عسى الله أن يُعينني على نفسي
و يجعل في كلّ هذا الصبر أجرًا
و عِوضًا في جناته .
لا زال رحيلُ أمي
وجعًا ساكنًا في قلبي
ليس فقط لأنها غابت
بل لأنني رأيت في عينيها وجعًا خافتًا
لا زالت نظراتها في ذاكرتي
ذلك الأمَل الباهتُ في عينيها
و تلك اللحّظة العاجزة
حين لم أملك لها إلا الدُعاء
ــ اللهُم ارحمها و أعطف عليها
و أجعل مثوَاها جنةً لا ودّاع فيها ولا وجّع .
أتذكرك يا أمي رغم أني لم أنساكِ أبدًا
و أستحضركِ رغم غيابكِ عنِّي
و أنتظركِ رغم أنني أعلم
أنني لن أراكِ مرةً أخرى
اللهم ارحم من إشتاقت العين لرؤيتها
و الروح لمجالستها
و مسمعي لسماع صوتها
اللهم ارحم أمي و اغفر لها
و لجميع موتى المسلمين يا ربَّ العالمين .
من المُمكن أن تعتاد على كل شيء يأتي من القدر إلا الفقد —تظن أنك أعتدت على وجعّه
ولكن يأتي يومٌ عادي تنظر فيه إلى مكانه خاليّ
فتشعر فجأة بأن قلبك أنقبض
و نفسك أنقطع / يقشعّر جلدك /و تدمُع عيناك
كأنك للتوّ فقدته من جديد
—” اللهُم رحمه تغشى قبُور من فقدنا
و جبرًا تمسح به على قلوبنا.
والله يا أمي
إن طيفكِ أمامي في كل لحظة
غادرتِ جسدًا
و لكن بقايا رُوحك موجودة
اللهم بقدر نور نهارك انرّ قبرها
و بقدر سكون المقابر
أنزل السكينة و الطمأنينة على روحها
و بقدر حاجتها إليك ارحم ضعفها يارب .
بعد الفقد
يبدأ قلبك بالبحثِ عن فُتات حضُورهم
نبرة صُوت في ذاكرتك
طرف إبتسامة في صُورة
رائحة يفزّ منها القلب
تُعيد تشكيلهم من ذاكرة و حنين
كأنك تصنّع لهم حياة ثانية داخل رُوحك
— “جعلنا رؤياكم وأرواحكم في أمان الله
و جعلنا قلوبنا و شوقنا لكم تحت رحمته
و أستودعناه جنةً نلتقي بها .
ــ لم تمضِ بنا الحياة كما يُقال ،
بل تعطلّت و بات الفقدُ جزءًا فيها
ــ اللهُم اجعل لـ أمي مقامًا في جناتك لا يزُول
و أجعل لي في صبري هذا لقاءًا لا فُراق بعده
ــ اللهُم إن وعدُك حق فأجبر قلبي بلقياها في جناتك .