الأحكام القدحية العامة التبسيطية الرغبوية المسبقة، والإدانات الجماعية، واستخدام الخطاب التجييشي غير الجامع بأشكاله وصيغه المختلفة، كل ذلك سيمهّد الطريق في أجواء القهر والعوز والاضطراب والتوجس واستعدادات المتربّصين أمام احتمالات كارثية تهدّد الاجتماع والعمران السوريين. أما الحل فهو أن نتعامل مع الواقع السوري بكل حساسياته وتعقيداته بعقل وقلب مفتوحين، لنتمكّن من تحويل ما يبدو اليوم أنه مبعث الضعف إلى مكمن القوة.
لقد تعلم السوريون كثيرا من كيسهم؛ كما أنهم ازدادوا تجربة وخبرة بفعل ظروف الهجرة والاحتكاك مع ثقافات مختلفة، سواء تلك التي تخص مجتمعات ودول المنطقة، أم المجتمعات والدول الأخرى في مختلف انحاء العالم لا سيما في أوروبا والولايات المتحدة وكندا وغيرها. وقد مكّنتهم الخبرة والدراسة وإتقان اللغات العالمية من الاطلاع والمقارنة والتحليل، والقدرة على تقديم الحلول الإبداعية والقيام بالمبادرات؛ وكل هذه الأمور لا بد أن تكون في الحسبان إذا كانت هناك نوايا صادقة، وإرادة جادّة لإنجاز عمليات إعادة بناء الاجتماع والعمران السوريين، ووضع مؤسسات الدولة على السكة المؤدية التي الأهداف التي تنسجم مع تطلعات السوريين وترتقي إلى مستوى تضحياتهم
قد نجهل الجهات والدوافع التي تقف وراء ترويج الخطاب الطائفي العنصري، ولكنّنا نعلم، بناءً على التجارب والخبرات التي عاشتها شعوب منطقتنا منذ أكثر من 60 عاماً، سواء في لبنان أم في العراق أو سوريا، وحتى في بعض الدول الخليجية، أنّ مآلات هذا الخطاب والسلوكيات المنبثقة منه أو المترتبة عليه كانت (وستكون) تمزيق المجتمعات وإضعاف الدول وفتح الباب أمام التدخّلات الخارجية.
لقد عرفت سوريا الدولة المعاصرة التي شهدت النور بعد الحرب العالمية الأولى إبّان معظم مراحل تاريخها، خاصة المرحلة البعثية الأسدية الطويلة جداً (1963-2024) سلطات عسكرية مخابراتية مستبدّة فاسدة، كرّست الأخلاقيات الإنتهازية الوصولية، والسلوكيات المرضية الانتهازية، والمعايير النفاقية على مختلف المستويات.
لذلك كان من الطبيعي أن نكون على استعداد لتحمّل أعباء المرحلة الانتقالية بهدف التمكّن من تجاوز حصيلة تراكمات الحقبة البعثية الأسدية السوداء باقل الخسائر الممكنة. وذلك لن يكون في دائرة الممكن، ولن يتحقّق، ما لم تكن هناك خطط شاملة تأخذ بعين الاعتبار مخاوف وهموم السوريين بكل انتماءاتهم وتوجهاتهم. خطط تأخذ التنوع السوري بعين الاعتبار، وتراعي الحساسيات التي تراكمت وتفاعلت نتيجة سياسات وممارسات السلطات، وانشغالها بضمان مقومات استمراريتها على حساب الوطن والشعب
المفاسد المصاحبة للسلطة هي من المشكلات القديمة الجديدة، وقد تناولها الفلاسفة والكتاب والفنانون والفقهاء والمفكرون بصورة عامة منذ أقدم الأزمنة. فالسلطة تفسد أصحابها ما لم يكونوا على قدر كاف من الحصانة الأخلاقية والنزاهة والتمسك بالمصالح الوطنية العليا. لهذا كان هناك اجماع بين الذين تناولوا هذه المشكلة في سياق حرصهم على سلامة المجتمعات وتوفير السبل لتنميتها وتقدمها، وسداً لباب المفاسد، على ضرورة الفصل بين السلطات وتوزيعها، وضمان امكانية المحاسبة العادلة.
أما أن تتم إدارة أمور الناس العامة وحتى الخاصة، واتخاذ القرارات بشأن واقعهم ومستقبلهم، بعيداً عن علمهم ورأيهم وإرادتهم، فهذا سيؤدي، بفعل مفاسد السلطة والتسابق بين المتسلقين والانتهازيين الذين يركبون الموجة عادة في المراحل الانتقالية، إلى تراكم السلبيات، وتفاعلها مع السلبيات السابقة، ليتشكل مركب معقد من التراكمات الكابحة العصية على المعالجة.
لقد كنا على وعي تام بأن المرحلة الانتقالية في سوريا ستكون صعبة للغاية، وقد تنبهنا ونبهنا على ذلك منذ بدايات الثورة. وبناء على ذلك أكدنا باستمرار أهمية القطع مع كل أنواع التعصب، واحترام الآخر المختلف، وفهم هواجس مختلف المكونات المجتمعية والتوجهات السياسية السورية، وطالبنا بتبديدها من خلال عقود مكتوبة، وعبر إجراءات تعزيز الثقة على الأرض. وما نعتقده هو أن الوقت لم يفت بعد؛ وما زالت امكانيات ترميم النسيج المجتمعي الوطني السوري متوفرة شرط توفر الرؤية والإرادة.
تعثر الحكم الانتقالي في مهمة نقل البلاد من دولة فاشلة إلى هدف "تجربة سنغافورة " طبيعي ومفهوم في ظل صعوبة الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة بالبلاد . ولكن العقبة الأهم التي تحول دون مهمة نهضة البلاد وتبقي على حالة الفشل هي في المقاربة التي اتبعها الحكم تحت شعار " من يحرّر يقرر " وأعرب عن ذلك بوضوح وزير الخارجية الشيباني بقوله " نحن حررنا الشعب السوري ، وإذا حررت مختطف من خاطفه فلا يمكن أن يسأل بعد ذلك إلى أين ستأخذني ! "
انعكاسات هذه المقاربة نراها اليوم بشكل واضح في تجربة الدولة الوليدة ؛ حيث الولاء يتقدم على الكفاءة ، والثانويات تضيّق مسار الأولويات ، ومركزية القرار تقوّض جهود الكوادر المخلصة والبنّاءة في الهيئات والمؤسسات .
حينما يتمكن PKK وواجهاته من تضليل الكرد السوريين مرات عديدة، ويستغلهم في مشاريعه التي لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بمصلحة الكرد ولا بمصلحة السوريين عموماً فهذا معناه ان المشكلة تتمثل في قلة وعينا وطغيان العاطفة الغرائزية وانتهازية المتسلقين من جميع الأصناف. الفكر النقدي هو الحل.
هناك حديث بين القوى السياسية الكردية في سوريا حول مشروع لبناء مرجعية كردية سورية. هل هناك معايير محددة واضحة لاختيار مكونات هذه المرجعية؟ هل يحق لمن أثبت فشله المزمن، ولمن لم يلتزم يوما بمصالح الكرد السوريين وجعلهم مجرد بيادق في مشاريع الآخرين أن يكون ضمن هذه المرجعية التي يسوق لها المأزومون؟ المشكلة لا تتمثل في أصحاب المشاريع الفاشلة وإنما في توجه الطيبين نحو تلك الأفخاخ.