#من_القلب_للقلب
هناك جلسات لا يحتملها كثير من الناس… جلسات المال والسياسة.
في البداية كنت أظن أن سر جاذبيتها هو المعلومات، ثم اكتشفت أن المعلومات أحيانًا ليست سوى الديكور… أما العرض الحقيقي فهو الأنا.
الإنسان العادي، الذي يقضي يومه بين فاتورة، ومواصلات، وأولاد، وعمل، وربما يبحث آخر الشهر عن طريقة تجعل المرتب يكمل إلى آخر الشهر، يجد نفسه فجأة وسط حديث عن المليارات، والصفقات، والسياسة، والاقتصاد، فيشعر أنه دخل غرفة التحكم في العالم.
وكلما كانت الكلمات أكبر، لمعَت العيون أكثر.
وأنا أيضًا كنت في وقت من عمري أنجذب لهذا النوع من الجلسات.
كنت أستمع بانبهار لمن يتحدث عن المال والسياسة وكأنه، قبل أن يصل إلينا، كان في اجتماع مغلق مع الكوكب نفسه.
ثم مرت السنوات… واكتشفت أنني أصبحت أفضل كثيرًا أن أجلس أمام أديب أو فنان يتحدث عن الإنسان والحياة والحب والخوف.
لأنني اكتشفت أن بعض الناس كلما ازدادت معلوماتهم، لا يزدادون عمقًا… بل يزدادون مساحةً.
مساحة الأنا تحديدًا.
تجلس أمام بعضهم فتشعر أنك لم تأتِ لتتحدث معه، بل حضرت مؤتمرًا صحفيًا لشخص واحد.
هو المتحدث.
وهو الضيف.
وهو المذيع.
وهو المحلل.
وهو الجمهور الذي يهز رأسه إعجابًا بنفسه!
أما أنت فمهمتك الوحيدة أن تقول:
«طبعًا… أكيد… فعلًا… عندك حق.»
وإياك أن تقول غير ذلك، فقد ارتكبت جريمة في حق الحضارة.
وبعضهم عنده ثقة بالنفس تكفي لتغطية نقص الثقة بالنفس في قارة كاملة.
يتحدث في السياسة كأنه صنعها، وفي الاقتصاد كأنه اخترع النقود، وفي التاريخ كأنه كان واقفًا بجوار الأحداث، وفي الطب كأنه أنهى مناوبته منذ قليل في المستشفى.
وأحيانًا، وأنا أنظر إلى أحدهم، كنت أتساءل بصدق:
لو مرّت سحابة منخفضة الآن…
هل سيمر من تحتها أم ستضطر هي أن ترتفع؟
فبين «الأنا» و«الأنا»… يوجد «أنا» أكبر.
وبين المشروب الأول والثاني… يبدأ الإنسان في اكتشاف أنه لم يعد خبيرًا في كل شيء فقط، بل أصبح مرجعًا دوليًا.
ثم تأتي الحالة التي أحبها جدًا…
عبده مشتاق.
عبده مشتاق لا يريد شيئًا بسيطًا في هذه الحياة.
لا يريد أن ينجح… يريد أن يرى الناس نجاحه.
لا يريد أن يصبح غنيًا… يريد أن يعرف الناس كم أصبح غنيًا.
لا يريد أن يكون مشهورًا… يريد أن يطمئن أن كل من في الغرفة يعرف أنه مشهور.
وإذا لم يعرف أحد… فهذه مشكلة خطيرة تحتاج إلى تدخل سريع.
عبده مشتاق مستعد أن يصفق لأي شيء، ويضحك لأي شيء، ويؤيد أي شيء، طالما أن هذا الشيء يمكن أن يقرّبه خطوة من الضوء.
المهم أن يظهر.
أما المبدأ؟
فالمبدأ عنده مرن جدًا… يتغير حسب اتجاه الكاميرا.
وهو لا يحب أن يخالفه أحد.
ليس لأنه دائمًا على حق، وإنما لأن فكرة أن يكون هناك شخص آخر على حق بجانبه تزعجه نفسيًا.
هو علامة في كل شيء.
اسأله عن السياسة: عنده تحليل.
عن الاقتصاد: عنده رؤية.
عن الفن: عنده مدرسة.
عن العلاقات: عنده تجربة.
عن الطب: عنده معلومة من «واحد صاحبه».
ولو سألته عن تربية النحل في نيوزيلندا، سيعدل جلسته قليلًا ويقول لك:
«بصي… أنا عندي وجهة نظر في الموضوع ده.»
وهنا تعرف أن العسل نفسه في خطر.
أما البسطاء الحقيقيون… فهؤلاء أحبهم.
تجلس معهم فتنسى الوقت.
لا يحاولون إثبات أنهم أذكى منك، ولا أغنى منك، ولا أهم منك.
يضحكون، ويحكون، وينقدون، ويسخرون من أنفسهم قبل أن يسخروا من غيرهم.
وهؤلاء تحديدًا تجد نفسك لا تشبع من الجلوس معهم.
لأن الإنسان حين لا يكون مشغولًا بإثبات قيمته… يصبح لديه وقت ليرى قيمة الآخرين.
وسط كل هذه الشخصيات، كنت كثيرًا ما أكتم ضحكتي وأقول في سري:
يا جماعة… لو تعرفوا فقط كيف يراكم الناس الطبيعيون!
لو أمكن للإنسان أن يرى نفسه مرة واحدة من عيون الآخرين، بعيدًا عن الصورة التي صنعها لنفسه، ربما انخفض صوته قليلًا.
وربما اكتشف أن نصف ما يسميه «هيبة»… يراه الآخرون «غرورًا».
وأن نصف ما يسميه «ثقة بالنفس»… يراه الآخرون «محاولة يائسة لإثبات الذات».
وأن كثرة الحديث عن المال لا تجعل الإنسان غنيًا، وكثرة الحديث عن المعرفة لا تجعله حكيمًا، وكثرة الظهور لا تجعله مهمًا.
فبعض الناس يملكون الكثير…
لكنهم يحتاجون طوال الوقت أن يقنعوا الآخرين بأنهم يملكونه.
وبعضهم يعرفون الكثير…
لكنهم لا يعرفون أبسط شيء:
متى يصمتون.
ومع الوقت، أصبحت أعرف أن أجمل جلسة ليست التي أخرج منها وأنا أعرف كم يملك فلان، ومن يعرف فلان، ومن يستطيع الوصول إلى فلان.
أجمل جلسة هي التي أخرج منها وأنا أشعر أنني ضحكت، أو تعلمت، أو أحببت الحياة قليلًا أكثر.
أما الإنسان الذي يحتاج في كل جلسة أن يثبت أنه الأذكى، والأغنى، والأهم، والأعرف…
فليتركه لنفسه.
فربما هو الشخص الوحيد في العالم الذي يصدق فعلًا أن منخاره يلامس السحاب.
#حكاوي_ايما🌿