هذا الفيلم هو ما نستطيع وصفه باعتباره نوعًا من التعاطي مع ما هو غير قابل للوصف، فليست كل مضامين الإدراك قابلة للتوصيف. عند مشاهدة الفيلم خطر في ذهني ما قالته سوزان سونتاغ عن الأعمال الفنية وحقيقة أن أكثر العناصر إفحامًا في العمل الفني غالبًا ما تكون لحظات صمته؛ تلك اللحظة التي لا يهم فيها الحوار، إذ لديك ملامح تغنيك عن ألف حوار، وهو أمر عجيب، وليس بالضرورة قصورًا في اللغة بل عمقًا في المعنى.
فيلم أتصور أنني سأغير مفضلتي من أجله. الفيلم لا يتمحور فحسب حول السينما أو العاطفة أو العلاقات أو الشعور، بل هو كل ذلك وأكثر؛ كل لقطة وكل لحظة أشبه بقصة وفكرة.
تلمح الصدع الذي أصاب المنزل في افتتاحية الفيلم، إذ يظهر عنوان الحكاية على ذلك الصدع: «القيمة العاطفية»، في إشارة إلى أن تصدُّع المنزل من تصدُّع القيمة العاطفية للأشياء، وذلك كفيل بجعل المنزل ينهار؛ فالمنزل هو أرض الوطن، والعائلة هي الوطن.
ألاحظ في الآونة الأخيرة أن ثمة خلطـًا في مفهوم الواقعية في السينما إذ يميل كثير من المتلقين إلى الاعتقاد بأن كل واقعية سينمائية سواء أكانت إيطالية أم إيرانية أم بريطانية تقوم بالضرورة على نزعة احتجاجية أو ثورية ضد المجتمع أو السلطة أو المؤسسة غير أن هذا التصور ينطوي على تبسيط مخل بطبيعة الواقعية لأن هذه الأخيرة لا تُعرّف من خلال موقفها السياسي فحسب بل تتشكل وفقًا لخصوصية السياق الذي تنشأ فيه فهي نتاج تفاعل معقد بين عوامل اجتماعية وثقافية وسياسية محددة تختلف جذريًا من بلد إلى آخر ومن ثم فإن الحديث عن الواقعية بصيغة الجمع قصور فني إذ لا يمكن حصرها في نموذج واحد أو إطار فكري موحد فكل مجتمع ينتج واقعيته الخاصة من خلال أدواته الفنية وخبراته التاريخية ووعيه الجمعي لتنتهي إلى أسلوب سينمائي يعكس رؤيته للعالم
وعلى الرغم من أن الواقعية تدّعي الاقتراب من الواقع وتمثيله كما هو إلا أن هذا الادعاء ذاته يظل في موضع ضبابي فالواقع لا يُنقل كما هو بل يُعاد إنتاجه من خلال منظور المخرج وذاكرته الشخصية وهذه الذاكرة تتأثر بفكر المخرج والتجربة الذاتية ولهذا أقول إن الواقع السينمائي ليس سوى بناء رمزي للعالم وقد أشار أندريه بازان إلى هذه الإشكالية في مقاله الشهير أنطولوجيا الصورة حيث يرى أن العلاقة بين السينما والواقع علاقة قائمة على الإيهام بالواقع أكثر من كونها مطابقة له