السَّلامُ عليك يا صاحبي،
قرأتُ البارحة شيئاً لابن سعدٍ في الطبقات هزَّني عميقاً، عميقاً جداً!
يحدثُ أن يقرأ المرءُ شيئاً فيستشعر معه ضآلة نفسه!
ثمة أشخاص سبقونا كثيراً بقلوبهم!
وحتى لا أطيل عليكَ وأترككَ معلقاً على حبال اللهفة،
أقولُ لكَ:
روى ابن سعدٍ أن النبيَّ ﷺ حين قَدِمَ المدينة،
نزل في بيت أبي أيوب الأنصاري سنةً أو نحوها،
فلما تزوج عليُّ فاطمة قال له النبي ﷺ:
اُطلبْ منزلاً!
فطلبَ عليٌ منزلاً،
فأصابه بعيداً عن النبي ﷺ قليلاً،
فجاء النبيُّ ﷺ إلى فاطمة وقال:
إني أريدُ أن أحوِّلكِ إليَّ!
فقالتْ: كلِّمْ حارثة بن النعمان أن يتحوَّل،
وكان منزل حارثة قريباً من بيت أبي أيوب!
فقال لها النبيُّ ﷺ:
قد تحوَّل حارثة عنَّا حتى استحييتُ منه،
فبلغَ ذلكَ حارثة فجاء إلى النبيِّ ﷺ وقال له:
بلغني يا رسول الله أنك تريدُ أن تُحوِّل فاطمة إليك،
وهذه منازلي هي أقرب بيوت بني النجار إليك،
وإنما أنا ومالي للهِ ورسوله،
والمال الذي تأخذه مني أحبُّ إليَّ من المال الذي تدع!
فدعا له النبيُّ ﷺ بالخير!
ثم حوّل فاطمة من بيتها القديم إلى بيت حارثة بجواره!
تخيَّلْ هذا الحُب يا صاحبي،
أن تنأى الديار قليلاً بين النبيِّ ﷺ وبين ابنته
وليس غير بيتك يُقرِّب الحبيبين،
فتأتيه وتقول له: كُلّي لكَ يا رسول الله!
ليس كلاماً فقط وإنما فعلاً!
تتركُ بيتكَ لابنته لأنك علمتَ حبه لقربها،
يا الله!
شيء لو لم تثبته كتب السيرة لقلنا هذا ضربٌ من ضروب الخيال!
يا صاحبي،
قلتُ لكَ مرةً وقد جمعنا حديث وجهاً لوجه:
ليست النُّبوة وحدها اصطفاءً،
الصحبه اصطفاء أيضاً،
إنَّ الذي اصطفى نبيه من دون الناس،
اصطفى له أصحابه من دون الناس أيضاً!
فتأمل يوم الهجرة وأبو بكر يناول النبيَّ ﷺ قدح اللبن ليشرب،
ثم يقول: فشربَ النبيُّ حتى رضيتُ!
تخيل هذا الحُب ما أعظمه!
أن يشربَ النبيُّ ﷺ عليه وسلم فيرتوي أبو بكر!
ويا ليوم بدر أول عهد الإسلام بالسيف،
كيف تجلى فيه الحُب،
فالحب يا صاحبي مواقف!
"اشيروا عليَّ أيها الناس"، يرددها النبيُّ ﷺ
فيتكلم أبو بكر بخير، وعمر بخير،
ولكن النبي ﷺ ما زال يرددها:
"اشيروا عليَّ أيها الناس!"
فيعرف سعد بن معاذ بفطنته أنه يريدُ الأنصار!
فقام فقال له: كأنك تُريدنا يا رسول الله؟!
فقال له: نعم!
فقال له سعد: يا رسول الله ﷺ ، هذه أموالنا بين يديك،
خُذْ منها ما شئتَ، ودعْ منها ما شئتَ،
وما أخذته منها كان أحب إلينا مما تركته،
ولو استعرضتَ بنا البحر لخضناه معكَ ما تخلَّفَ منا أحد!
إنّا لصبرٌ في الحرب، صدقٌ عند اللقاء،
فامضِ بنا حيث أمرك الله!
يا لسعدٍ يا صاحبي، يا لسعدٍ!
فكأنه يقول له: كلنا فداك ورهن أمرك،
نحن سهام في قوسك، فارمِ بنا حيث شئتَ!
أرأيتَ مثل هذا الحُب يا صاحبي؟!
فإن كنتَ رأيتَ، فإني واللهِ ما رأيت!
ثم كانت غزوة أُحدٍ يا صاحبي،
وانكفأ المسلمون بعد تقدمهم بسبب نزول الرماة عن الجبل،
وفي هذا الموقف العصيب أقام الصحابة بأجسادهم سياجاً حول النبيِّ ﷺ،
وقام أبو طلحة أمامه يحميه بصدره ويقول له:
نحري دون نحركَ يا رسول الله!
يا للحُب يا أبا طلحة!
مستعد أن تموت ولا يُصاب حبيبك بشوكة!
وبعد أن أُصيب النبيُّ ﷺ عليه وسلم بالجراح،
وثقل عليه الصعود إلى صخرةٍ بسبب نزفه ودرعين كان يلبسهما،
جاء طلحة بن عبيد الله وأحنى ظهره ليصعد عليه النبي ﷺ
فلما صعد عليه قال له: أوجبَ طلحةَ!
لم يكونوا دروعاً فحسب،
وإنما كانوا سلالم ليرقى عليها حبيبهم،
فهل سمعتَ بشيءٍ كهذا في التاريخ؟!
فإني والله لم أسمع!
يا صاحبي،
كانوا من فرط الحُب لا يطيقون فراقه،
فهذا ثوبان يسأله النبيُّ ﷺ:
يا ثوبان ما غيَّر لونك؟
فيقول: يا رسول الله، ليس بي مرض ولا وجع،
غير أني إذا لم أرك أستوحشُ وحشةً شديدة حتى ألقاكَ!
ثم ذكرتُ الآخرة، فخفتُ أني لا أراك،
لأنك تُرفع مع النبيين،
وإني إن دخلتُ الجنة ففي منزلةٍ أدنى من منزلتك،
وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبداً!
أسمعتَ بشوقٍ لحبيبٍ يُغيِّرُ لون وجه المشتاق يا صاحبي؟!
فإني واللهِ ما سمعتُ!
يا صاحبي،
هل أتاكَ حديث امرأةٍ من بني دينار،
أُصيبَ زوجها وأخوها وأبوها يوم أُحد،
فلما نعوهم إليها قالت: ما فعلَ رسول الله؟
قالوا: هو بخير!
فقالتْ: أَرونِيه حتى أنظر إليه!
فلما رأته قالت له: كل مصيبةٍ بعدك جلل/ صغيرة يا رسول الله!
يا للحُبِّ يا صاحبي، يا للحُب!
امرأة مكلومة بفقد زوجها وابنها وأبيها!
تسأل: ما فعلَ رسول الله؟
كانت كل الدنيا تهون عندهم ما دام هو بخير!
والسلام لقلبكَ
يقول ابن مسعود : ما ظن أحد بالله ظنًا إلا وأعطاه ما يظن ، وذلك لأن الفضل كله بيد الله ..
اللهم إنا نظن بك غفرانًا وتوفيقًا ونصرًا وثباتًا وتيسيرًا وسعادة ورزقًا وشفاءً وحُسن خاتمه وتوبة نصوحًا ، فهب لنا مزيدًا من فضلك .
عميقةٌ جداً مقولة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه:
الناسُ نيامٌ، فإذا ماتوا انتبهوا!
تخيَّلْ فاجعة أن لا تُدرك الحقيقة إلا عندما ترى وجه ملك الموت!
كل تلك المعارك الفارغة التي لم تكن تستحق جهدك،
كل تلك المشاعر الحلوة التي جعلتها في حرام،
كل تلك الخُطى في طُرقٍ ما كان ينبغي أن تمشي فيها،
كل تلك اللحظات الجميلة التي كان يجب أن تعيشها مع عائلتك ولم تعشها،
كل تلك الحقوق التي لم تعدها لأصحابها،
كل تلك اللحوم التي لُكتَ أصحابها بالغيبة،
كل أولئك المظلومين الذين رأيتهم فأشحت بوجهك عنهم،
كل تلك الصرخات التي استنجدت بك فوضعتَ إصبعك في أُذنيك كي لا تسمعها،
كل القطيعة التي كانت على أشياء تافهة،
كل تلك العبادات التي لم تُؤدى كما يجب،
مرعبٌ جداً أن لا نستيقظ إلا بعد فوات الأوان!
يا أيها الملكُ الذي
لمعالم الصُلبان نكّس
جاءتْ إليك ظلامة
تسعى من البيت المُقدّس
كلُّ المسَاجد طُهرتْ
وأنا على شَرفي أُدنس
—
59 عاماً وشرف الأمة الإسلامية مُنتهك، 59 عاماً على احتلال مسرى رسولنا صلى الله عليه وسلم، ولن تتعافى الأمة إلا بحرية #المسجد_الأقصى