ليس الموت قسوة كما يظن الناس، بل هو أحيانًا الرحمة الوحيدة التي تأتي حين تُستنفد كل صور الرحمة الأخرى. لقد تعلّمتُ في تخصص العناية المركزة أن الموت، في بعض اللحظات، لا يكون هزيمةً للطب، ولا انطفاءً للرجاء، بل لطفًا أخيرًا بجسدٍ أنهكه الألم، وروحٍ طال وقوفها بين الأجهزة والدعاء.
في العناية المركزة، لا يبدو الموت دائمًا خصمًا للحياة؛ أحيانًا يبدو كخاتمة رحيمة لوجعٍ لم يعد يحتمل مزيدًا من المقاومة. هناك، بين جهاز التنفس، وصفير الشاشات، وصمت الأهل، يفهم الإنسان أن الحياة ليست دائمًا في استمرار النبض، وأن الرحمة لا تعني دائمًا إطالة المعاناة.
قال تولستوي في موت إيفان إيليتش:
“مكان الموت كان هناك نور.”
وكأن النهاية، حين تصالحها الروح، لا تعود هاوية، بل نافذة.
وقال تشارلز ديكنز في قصة مدينتين:
“إنها راحة أبعد وأفضل، أذهب إليها، مما عرفتُه في حياتي كلها.”
أما فيكتور هوغو في البؤساء فيقول:
“ليس الموت شيئًا؛ المرعب حقًا هو ألّا نعيش.”
وفي الكونت دي مونت كريستو يختصر ألكسندر دوما حكمة الإنسان في كلمتين:
“انتظر وأمل.”
وهكذا نحن في العناية المركزة: ننتظر ونأمل ما دام في الأمل معنى، ونقاوم ما دامت المقاومة رحمة، ونتمسّك بالحياة ما دامت حياةً لا عذابًا خالصًا. فإذا بلغ الجسد حدّه الأخير، صار السكون أحنّ من الضجيج، وصار الرحيل أرفق من البقاء.
وفي الأدب العربي، تقول الخنساء في رثائها:
“لا بدّ من ميتةٍ في صرفها عبر،
والدهر في صرفه حولٌ وأطوار.”
وكأنها ترى في الموت حقيقةً لا تملكها الأماني، ولا تردّها الدموع، لكنها تحمل للإنسان عظةً لا يبلغها إلا حين يقف أمام الفقد عاريًا من كل وهم.
وقال المتنبي:
“كفى بك داءً أن ترى الموت شافيًا،
وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا.”
وهذا ليس تمجيدًا للموت، بل وصفٌ دقيق للحظةٍ يبلغ فيها الألم حدًّا يرى فيه الإنسان أن السكون أرفق من البقاء.
وقال أحمد شوقي:
“خُلقنا للحياة وللممات،
ومن هذين كلّ الحادثات.”
فالحياة والموت ليسا ضدّين دائمًا؛ بل هما بابان في معنى واحد، تبدأ بهما الحكاية وتنتهي، وبينهما يمتحن الإنسان صبره، وحبّه، وضعفه، وإيمانه.
وفي المعنى الإسلامي، يقول الله تعالى:
“كل نفس ذائقة الموت.”
ويقول سبحانه:
“إنا لله وإنا إليه راجعون.”
ثم يأتي النداء الأجمل للروح المطمئنة:
“يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية.”
وكأن الموت، في آخر معانيه، ليس سقوطًا في العدم، بل رجوعًا إلى الأصل؛ عودة المتعب إلى الرحيم، والغريب إلى بابٍ لا يرده الألم.
وفي الحديث الصحيح:
“العبد المؤمن يستريح من نَصَب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب.”
وهذه العبارة وحدها تكفي لتفسير ما رأيته في العناية المركزة: أن بعض الأجساد لا تموت لأنها استسلمت، بل لأنها بلغت آخر حدود الاحتمال، وأن بعض الأرواح لا تُنتزع، بل تُعتق.
ويقول الغزالي في بيان حقيقة الموت:
“الموت معناه تغيّر حال فقط، وأن الروح باقية بعد مفارقة الجسد، إما معذبة وإما منعمة.”
ويقول ابن سينا:
“اعلم أن الجوهر الذي هو الإنسان في الحقيقة لا يفنى بعد الموت، ولا يبلى بعد المفارقة عن البدن، بل هو باقٍ لبقاء خالقه تعالى.”
وهكذا يلتقي الأدب بالفلسفة، والطب بالإيمان: الإنسان ليس جسدًا فقط، والحياة ليست نبضًا فقط، والرحمة ليست دائمًا في أن نزيد الأيام عددًا، بل أحيانًا في أن نمنح الألم نهاية.
هكذا تعلّمت في العناية المركزة: الموت لا يُطلب، ولا يُتمنّى، ولا يُستعجل؛ لكنه حين يأتي بعد أن تُغلق كل أبواب الشفاء، قد يكون رحمة لا عقوبة، وسترًا لا ظلمة، وهدوءًا أخيرًا لجسدٍ قاوم طويلًا، وروحٍ آن لها أن تستريح.
بين تولستوي وديكنز وهوغو ودوما، وبين الخنساء والمتنبي وشوقي، وبين القرآن والحديث والغزالي وابن سينا، أفهم المعنى نفسه: ليست الرحمة دائمًا في بقاء الجسد حيًا، بل قد تكون، في أصدق لحظاتها، في أن يجد الإنسان سلامه حين يعجز عن حمل المزيد.
ربي تمم لي أموري القادمة على خير وبشرني
بما أنتظره منك فأنت خير المبشرين
اللَّهُمَّ أرح قلبي وهون علي ما أثقلني كتمانه
وأسـقني صبرا
يارب إجعل كل ما دعيتــه لك سرًا وجهرًا تكتبه
لي واقعًا يفرح به قلبي
يارب إني وكلتك أمري
وأنت خير وكيل ودبر لي أمري يارب💌
في يوم عاشوراء قال الله تعالى لموسى :
"قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى"
اللهُمَّ كما نجيت نبيك موسى في يوم عاشوراء، نَجَّنا مما نخاف ونحذر، وأجبر قلوبنا بجبرك العظيم .
اللي بالصورة هم (آل شيبة)
آل شيبة عليهم مسؤولية كبيرة من 14 قرن وأكثر، توارثوا هذه المسؤولية حتى قبل الإسلام، وهي سدانة الكعبة وفيها يخدمون الكعبة الشريفة، ويعتنون بأمورها، من فتح بابها وإغلاقه إلى الإشراف على تنظيفها وغسلها.
السدانة بدأت مع بناء الكعبة على يد إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام. وكانت بعده تحت عهدة إسماعيل الذي أقام بجوار الكعبة وقام بخدمتها.
انتقلت السدانة من إسماعيل إلى أبناءه لفترة طويلة حتى استولت عليها قبيلة جرهم، ثم خزاعة، إلى أن استعادها "قصي بن كلاب"، الجد الرابع للنبي محمد ﷺ.
من بعد "قصي بن كلاب" أصبحت في عهدة ولده الأكبر "عبد الدار".
تولى أبناء "عبد الدار" السدانة، وبقيت في بني عبد الدار في الجاهلية وحتى في الإسلام.
في عهد النبي ﷺ، كانت السدانة مع عثمان بن طلحة من بني عبد الدار، حتى توفي عثمان، وبعدها وصلت إلى ابن عمه (شيبة بن عثمان) ولا تزال في ذريته إلى الآن والذي يتسمون به (آل شيبة).
عندما فتح النبي ﷺ مكة، أخذ مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة ودخل الكعبة، ثم طهرها من الأصنام. بعد ذلك أعاد المفتاح لعثمان بن طلحة قائلاً: خذوها يا بني أبي طلحة (أي السدانة) خالدة تالدة لا يظلمكموه إلا كافر.
اليوم يحتفظ أكبر السدنة سنًا من آل شيبة بمفتاح الكعبة، ويشرف على مراسم فتحها وغسلها من الداخل ويقوم السادن الأول بإعلام السدنة الآخرين بموعد فتح الكعبة لضمان مشاركتهم في هذا العمل العظيم.
السدانة ليست وظيفة عادية، بل شرف كبير وتاريخ عريق يعود إلى زمن الأنبياء، وتستمر إلى يومنا هذا كجزء من إرث الإسلام العظيم.