ليس كلُّ سمعٍ موضعًا للحُجَّة، ولا كلُّ قلبٍ وعاءً للحكمة، ولا كلُّ نفسٍ تُذعنُ إذا لاح لها الحقُّ؛ فإنَّ البصائرَ مواهبُ، لا تُستعار، والهدايةُ فضلٌ، لا تُنالُ بكثرةِ الجِدال. فدعِ القومَ وما اختاروا لأنفسهم، وامضِ على سَنَنِ الحقِّ غيرَ هيَّابٍ ولا مُلتفت؛ فإنَّ الأيامَ تُظهرُ خبيءَ السرائر، وتُقيمُ للفضائلِ من الشهادةِ ما لا تُقيمه الخُطب، وما ارتفعَ ذِكرُ امرئٍ بطولِ مُماراةٍ، ولكن بثباتِ مبدأٍ، وصحَّةِ قصدٍ، وشرفِ أثرٍ. فإذا نطقَ الفعلُ، خرسَ الجدلُ، وإذا شهدَ الزمانُ، استغنى المرءُ عن كلِّ شاهد.
ما أروع هذه القراءة، وما أقربها إلى روح النص. لقد لامستم المعنى الذي أردتُ، ثم أضفتم إليه من تأملكم ما أكسبه عمقًا وجمالًا.
وهذه هي القراءة التي لا تكتفي بفهم الكلمة، بل تُحسن محاورتها وتمنحها امتدادًا جديدًا.
كل الشكر لكم على هذا الفهم الراقي، وذائقةٍ تُعيد للنص نبضه، وتكشف من معانيه ما يزيده بهاءً.
بعد أن تُرهقك كثرةُ الوجوه، وتُجرِّب من العلاقات ما يكفي لتعرف معادن الناس، تبلغ مرحلةً لا يعود فيها العددُ يعنيك، ولا يُغريك صخبُ الإعجاب، ولا تستوقفك كلماتُ المديح. تميل إلى السكينة، وتكتشف أن أثمن ما ظفرتَ به ليس كثرةَ المعارف، بل قلبًا صادقًا واحدًا، إذا ضاقت بك الدنيا كان لك وطنًا، وإذا أثقلتك الأيام كان لك ملاذًا. فليست الغنيمة في اتساع الدائرة، وإنما في صدق من يبقى حين ينصرف الجميع.
ما أعمق هذه القراءة، وما أصدقها؛ فالغربة ليست امتحانًا للأماكن، بل امتحانٌ للقلوب، وفيها تنكشف الحقائق، وتسقط الأقنعة، ولا يبقى إلا الصادقون.
وقد أحسنتم إذ ربطتم المعنى بواقع التجربة، فازدادت الفكرة رسوخًا، وأضفتم إلى النص بُعدًا لا يمنحه إلا من خبر الحياة وتأملها.
كل الشكر لكم على هذا الفهم الراقي، وذائقةٍ تُحسن القبض على جوهر المعاني قبل ألفاظها.
لم يكن يظنُّ أنَّ الدهرَ يُهذِّبُ النفوسَ كما تُخلِّصُ النارُ جوهرَ الذهب، فلا تُبقي إلا صفوَه، ولا تدعُ إلا خبثَه. فكلَّما تعاقبت عليه الليالي، ازداد نفاذًا إلى حقائقِ النفوس، وعلم أنَّ الشدائدَ مِحكُّ الطبائع، وأنَّ السرائرَ لا تُعرَفُ في ساعاتِ الرخاء، وإنما تنكشفُ عند تصاريفِ الزمان ونوائبِ الدهر.
فلمَّا أحكمتْه التجارب، خفَّ عن قلبه وِقرُ الأسى، واستغنى بالحكمة عمَّا انقضى، وأيقن أنَّ الكريمَ لا يأسى على فائتٍ أبرمه القضاء، ولا يُخاصمُ الأقدارَ فيما مضى، بل يتخذُ من كلِّ محنةٍ عِبرةً، ومن كلِّ عثرةٍ سبيلًا إلى الرشاد. ثم مضى وقورًا، قد ألبسه الزمانُ هيبةً، وصقلته الحوادثُ رزانةً، حتى غدا أثرُه أبلغَ من قوله، وسيرتُه أنطقَ من اسمه.
لا يضير المرءَ ما يُقال عنه في غيبته، إذا كان حضوره يُلزم الألسنة حدودها، ويُقيم في القلوب من الهيبة ما يمنعها من الجهر بما تُسرُّ به. فإنَّ من اعتاد الطعن من وراء الظهور لا يملك من الشجاعة إلا ظلَّها، أما صاحبُ النفسِ الكريمة، فيزنُ كلمتَه بميزانِ المروءة، فلا يُنزِلُها إلى موضعٍ تبتذلُ فيه الأخلاق. فلا تُشغل قلبك بأحاديث الخفاء، فإنَّ قيمة الإنسان تُعرف بما يراه الناس عند لقائه، لا بما يهمسون به بعد انصرافه.
ما أروع هذا البيان، وما أمتن بنيانه. لقد رددتم القِوامة إلى موضعها الذي أنزلها الله فيه؛ عهدًا من التكليف، لا ذريعةً إلى التسلُّط، وأمانةً تُؤدَّى، لا منزلةً تُستباح. فما قامت القِوامة إلا على البذل، ولا استقامت إلا بقيام الرجل بما افترض الله عليه من نفقةٍ ورعايةٍ وصيانة.
وقد أحسن قلمكم إذ جمع بين قوة البرهان وجزالة اللسان، فجاءت العبارة مؤيَّدةً بالدليل، مزدانةً بالحكمة، لا تُغالبها عاطفة، ولا يُضعفها تكلُّف. وهكذا يكون البيان إذا صدر عن فقهٍ راسخ، وفكرٍ بصير؛ يُقيم الحجة في ثوبٍ من الأدب، ويُعيد للمفاهيم وجهها الصحيح.
بورك في قلمٍ إذا كتب أنصف، وإذا استدلَّ أحكم، وإذا بيَّن أقام للحقِّ لسانًا ناطقًا، وللمعاني الشريفة مقامًا لا تناله الشبهات.
الأستاذ الأديب نايف مهدي، ما هذه إلا كلمةٌ خرجت من مِشكاةِ الحكمة، فاستبان بها ما يخفى على كثيرٍ من الأبصار. فكم من رجلٍ أحرق أناملَه ليستبقي لغيره الضياء، فلما انقشعت الظلمة، لم يُجزَ على صنيعه إلا بأن عُدَّ سوادُ كفَّيه عيبًا، وغاب عنهم أن النور لا يُستخرج إلا من معاناةٍ، وأن الأثر الشريف لا يخلو من آثار التضحية.
وهذه شنشنةُ قلمكم التي عهدناها؛ يكسو الحكمة ثوبًا من البيان، ويُلبس الحقيقة صورةً تأخذ بمجامع القلوب، حتى تغدو الجملة اليسيرة فصلًا من الأدب، والسطر الوجيز تاريخًا من التجارب. فلا عجب أن يطول مكثُ كلماتكم في النفوس؛ فإنها تُكتب بمداد البصيرة قبل أن تُكتب بمداد القلم.
إنَّ الكريمَ لا ينقضُ عُروةَ المودَّةِ لعارضِ جفاء، ولا يهدمُ بنيانًا شيَّدتْه الأعوامُ بنزوةِ غضب؛ فإنَّ العهودَ إنما تُختبرُ عند تقلُّبِ الأحوال، والوفاءُ لا يثبتُ إلا في نفوسٍ عرفتْ للمودَّةِ حرمتَها، أمَّا من استبدلَ الودَّ بالتقلُّب، فما عرفَ للعهدِ ذمَّةً، ولا للوفاءِ مقامًا.
ما أصدق تواضعكم، وما أبعده عن التصنّع. غير أنّ الفضل لا يخفى، والنور لا يحتاج إلى من يُعرِّفه؛ فما شهدنا لقلمكم إلا بما دلّ عليه أثره، ولا نطقنا إلا بما أوجبه حسنُ بيانكم ورجاحةُ فكركم.
ولقد علمنا أن الكلمة لا تبلغ منزلتها حتى تقع في يد كاتبٍ يُحسن اختيارها، ويُقيمها في موضعها، ويكسوها من روحه ما يجعلها حيّةً في قلوب قرّائها. وذلك ما ألفناه في كتاباتكم؛ إذ لا تكتبون لتملؤوا السطور، بل لتُوقظوا المعاني، وتفتحوا للقارئ أبوابًا من التأمل لا تُغلق.
فلا تزدكم هذه الشهادات إلا يقينًا بأن للبيان رجالًا يُعرفون بأثرهم، لا بضجيجهم، وأن القلم إذا صدق صاحبه أغناه عن كل تزكية.
زادكم الله رفعةً في الأدب، وبارك في قلمكم، وأدام عليكم حسن البيان، فما تزال الكلمة في صحبتكم أبهى، والمعنى أسمى، والأدب أنقى.
ما أكثرَ ما نطلبُ من الحياةِ حلولًا، وما أقلَّ ما نطلبُ منها سكينةً. والحقيقةُ أنَّ النفسَ إذا ضاقتْ بضجيجِ الأيام، لم تُجدِها كثرةُ الوجوه، وإنما يُجديها هدوءٌ يلمُّ شتاتَها، ومساحةٌ تُعيدُ إليها اتزانَها. فبعضُ النجاةِ لا يكونُ في الرحيلِ عن الأماكن، بل في الاقترابِ من النفس.
صدقتَ وأحسنتَ البيان. فما من عملٍ يسبق صلاحُ النية فيه صدقَ التوكل إلا باركه الله، وربَّ عبدٍ لم يُدرك بعمله ما أدركه بإخلاص قلبه. فالنوايا الصالحة تجارةٌ مع الله لا تبور، وقد يُؤتي صاحبَها من فضله ما لم يخطر له على بال.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم سلامةَ السريرة، وحسنَ القصد، وأن يجعل لنا من كل نيةٍ صادقةٍ خيرًا، ومن كل خيرٍ بركةً ومغفرة.
النوايا الطيبة من أثمن ما يملكه الإنسان، فهي الزاد الذي يُصلح السريرة قبل أن يُجمّل الظاهر، ويورث صاحبها سكينةً لا تزعزعها تقلّبات الأيام. فصاحب القلب النقي قد تضيق عليه الدنيا حينًا، لكنه لا يضيق بنفسه، ولا يحمل في صدره إلا الخير للناس. وما كانت الطيبة يومًا ضعفًا، بل هي قوةٌ تُهذّب الخلق، وتُبارك السعي، وتترك في القلوب أثرًا لا تصنعه المصالح. ولذلك كان أوفر الناس توفيقًا من صفا قلبه، وحسنت نيته، وجعل الإحسان مبدأً لا ينتظر عليه جزاءً من أحد.
إذا استكملَ المرءُ نُضجَه، استغنى بنفسِه عمَّا سواها؛ فلا يستخفُّه رجاءٌ، ولا يستوقفُه عتابٌ، ولا يلتفتُ إلى ما لا يليقُ بقدرِه. فمن عظُمَت نفسُه في عينِه، صغُرَ كلُّ ما عداها.
ما رُفِعَتِ الرؤوسُ بكثرةِ ما نالت، ولكن بعِزَّةِ ما أبت. فإنَّ النفسَ الكريمةَ تعرفُ قدرَها، فلا تُقيمُها على أبوابِ من استصغرها، ولا تستبقي وُدًّا ذهبت مروءتُه، ولا تُساومُ على كرامتِها لتربحَ قلبًا خسرَ نفسَه. وإنَّ من هانَت عليه نفسُه، هانَ عليه الناسُ جميعًا، ومن عظُمَت نفسُه في عينِه، استعصى على كلِّ ما يُذلُّه.
وإنَّ الشريفَ قد يطولُ صبرُه، ويشتدُّ وجعُه، ويعظمُ فقدُه، غيرَ أنَّه لا يمدُّ يدًا يُذلُّها السؤال، ولا يطرقُ بابًا أُغلِق في وجهِه، ولا يعودُ إلى موضعٍ خرجَ منه مرفوعَ الرأس. لأنَّه يعلمُ أنَّ ما يُنالُ بانكسارِ الكرامةِ، لا يستحقُّ أن يُنال.
فدعِ الناسَ يرحلون إن شاؤوا، ويُعرضوا إن أرادوا، فإنَّ من عرفَ قيمةَ نفسِه، لم يُخاصمْ على مكانٍ ضاقَ به، ولم يُزاحمْ على قلبٍ لم يُكتب له. وما كانت عِزَّةُ النفسِ حرمانًا، بل كانت أعظمَ أبوابِ الغنى؛ إذ يستغني بها المرءُ عمَّن لا يعرفُ قدرَه، ويعيشُ كريمًا، وإن قلَّ ما في يدِه، فإنَّ الكرامةَ إذا سكنتِ القلبَ، أغنته عن الدنيا وما فيها.
إنَّ من شِيَمِ الكرامِ أن يترفَّعوا عن منازعةِ اللِّئام؛ فإنَّ اللئيمَ يقتاتُ على الخصومة، ويستكثرُ من الذِّكرِ إذا ذُكر، ويحسبُ مهاترةَ الفضلاءِ رفعةً له. فدَعْهُ وما اختار، فإنَّ الإعراضَ عنه أوجعُ له من الجواب، والصمتَ عنه أمضى من العتاب. وما ازدادَ الكريمُ شرفًا بمخاصمةِ لئيم، وإنَّما يسمو كلَّما صانَ لسانَه أن يُبتذلَ في غيرِ موضعِه.
ليس أشدَّ فقرًا من نفسٍ لا تجد قيمتَها إلا في مراقبة الآخرين، ولا أعظمَ خيبةً من قلبٍ يقتات على الأوهام، فيستعير الوجوه، ويصطنع الحكايات، ويلبس أثوابًا ليست له، رجاءَ عاطفةٍ لم يحسن يومًا أن يستحقها بصدقٍ أو خُلُق.
أولئك لا يطيقون رؤية النور في غيرهم؛ فيجعلون من نجاح الناس همًّا، ومن تتبُّع أحوالهم عادةً، ومن الانتقاص منهم غايةً، لأنهم عجزوا عن أن يتركوا في الحياة أثرًا يُذكر، أو يصنعوا لأنفسهم مجدًا يُحمد. وما ارتفع امرؤٌ بهدم غيره، ولا خُلِّد اسمٌ بالتلصص على نجاحات الناس، وإنما يبقى الذكر الحسن لمن شغل عمره بالبناء لا بالهدم، وبإصلاح نفسه قبل الانشغال بعيوب الآخرين.
لا تطلبْ حقَّك حتى تؤدِّي حقوقَ غيرِك؛ فإنَّ من استعجلَ لنفسِه، أبطأ عنه مرادُه، ومن قدَّمَ العدلَ على الهوى، سخَّر اللهُ له من يُقيمُ حقَّه. وما رأينا الإنصافَ خذلَ صاحبَه، ولا الأنانيةَ رفعتْ قدرَ أهلِها؛ فالحقُّ يُؤتى ولا يُغتصَب، ويعلو بصاحبِه إذا علا هو بالعدل، ومن جعلَ المروءةَ حارسًا لحقوقِ الناس، جعلَ اللهُ الحقوقَ حارسًا لكرامتِه.