الابتلاء إذا استحكمت حلقاتُه؛ في لحظة معينة تغيب معه عقول ذوي الألباب؛ وربما وصل الضعف وقتها درجةَ الشك في صحة الطريق والاختيار، والتردد في المضي والاستمرار، وتلك مساحة يُحسنُ الخوضَ فيها مرجفٌ كذاب، وضالٌّ مرتاب.
هذه اللحظات وشدة قسوتها تحتاج منّا أن نربت على أكتاف بعضنا، وأن يرجع من كان عنده فضل زادٍ من صبرٍ ويقين، على مَـنْ نفد عنده وناوشه الضعف، وأن يقطع عن إخوانه أصوات المرجفين، وغارات المثبطين، فيذكرهم على طول الطريق أنَّ الله معنا، ومَن كان الله معه فلن يهزم، وأنّ العسر مهما اشتدْ، فلن يغلب يسيرين جاءا في القول الأسَدّ
﴿وَلا تَهِنوا وَلا تَحزَنوا وَأَنتُمُ الأَعلَونَ إِن كُنتُم مُؤمِنينَ﴾ [آل عمران: 139]
﴿لا تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: 40]
﴿فَإِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا إِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا﴾ [الشرح: 5-6]
فكم من مكلوم في لجج الابتلاء يتلمس مَنْ يثبت قلبه، وقد بلغت القلوب الحناجر، يستعجل الفرج بمـتى ؟؟
والفـرج -مع الصبر القليل الجميل- فوق رأسه قد أتـى.
﴿حَتّى يَقولَ الرَّسولُ وَالَّذينَ آمَنوا مَعَهُ مَتى نَصرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصرَ اللَّهِ قَريبٌ﴾ [البقرة: 214]
نحـن أقرب ما نكون من استحقاق جائزة الصبر في زمن الخذلان، والتولي عن الزحف وقد تعيّن؛ فلم ينهض له إلا أنتم يا خيرة الخيرة؛ وحاشا الله العزيز الحكيم أن يخزي أولياءه.
دعواتكم.
لا يزال أولياء الشيطان على الأثر التعيس؛ لا يتركون عهد إمامهم إبليس؛ كلما حدّث الناسَ العالِمُ العاملُ المرابطُ على ثغور المدافعة والمقارعة بآيات الوعد الأكيد، ونصر الله لأوليائه؛ كلما تقدّم جموع الشياطين عليم لسان، فقيه خذلان؛ فألقى في بيان الحق شبهات التخذيل والبهتان؛ سنة الله فيهم إلا يوم الدين ﴿وَما أَرسَلنا مِن قَبلِكَ مِن رَسولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلّا إِذا تَمَنّى أَلقَى الشَّيطانُ في أُمنِيَّتِهِ﴾ ألقى في قراءته وبيانه ويقينه وثباته، أماني الانكسار، وشبهات البوار، فيدفع الله بالحق شبهات المرجفين، وهمزات الشياطين؛ وما جعل الله ذلك إلا فتنةً للناس؛ حتى صاروا فيما بعد إلى فسطاطين لا ثالث لهما: فسطاط إيمان لا نفاق ولا إرجاف فيه؛ وفسطاط نفاق وكفر وضلال لا إيمان فيه، وهؤلاء في عداوةٍ شديدةٍ لله ورسوله وخلافٍ للحق بعيدٍ عن الصواب ﴿لِيَجعَلَ ما يُلقِي الشَّيطانُ فِتنَةً لِلَّذينَ في قُلوبِهِم مَرَضٌ وَالقاسِيَةِ قُلوبُهُم وَإِنَّ الظّالِمينَ لَفي شِقاقٍ بَعيدٍ﴾ [الحج: 53]
فاستمسك بتلابيب مَن يعينك على الثبات؛ وخلِّ عنك عبارات المرجفين والهرطقات.
فالفتنة إذا أقبلت رتع فيه الأرضيون طلباً للمغنم المهـين؛ وترفع عنها الربانيون طلباً لجنّة ربّ العالمين؛ وليسوا في ميزان الآخرة سواءً.
فاصبر نفسك في ميدان الصبر إمامَ هدى، والزم لواء المدافعة مراغماً العِـدا.
فأنت بذلك على الطريق الصحيح، ومنهاج الأنبياء المليح، ﴿وَكَأَيِّن مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيّونَ كَثيرٌ فَما وَهَنوا لِما أَصابَهُم في سَبيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفوا وَمَا استَكانوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرينَ﴾ [آل عمران: 146]
غداً ترى بعينيك بركة صبرك، وأثر دعوتك، وعظيم خير مدافعتك.
وواللهِ وباللهِ وتاللهِ ليتمنّ الله أمره، ولينصرنّ جنده، ولكنّ المنافقين لا يعلمون.
لن أنشر صور شبان المقاومة وهم مسجَّون بدمائهم وأجسادهم ما بين قتيل ومصاب ومعتَقل بعد حصار وقتالٍ دام لأشهر طويلة،
لكن اعلموا أنهم رجالٌ وسادة الرجال، وأشرف من أنجبت بطون العرب
واعلموا أنهم زجّوا بأرواحهم بين فكّ الموت والجوع كي يدفعوا الموت عن أهلهم، وفرشوا أجسادهم تحت الأرض على مدّ الخط الأصفر كي لا تتقسم غزة ويتم احتلالها
لقد اعتقل الاحتلال عددًا منهم واغتال عددًا آخر من خيرة المقاتلين، وبقي عدد آخر من المقاتلين ما زالوا محاصرين منذ أكثر من 8 شهور،..
هؤلاء حبّات عيوننا، وحائطنا الصلب الذي نحتمي به من هشاشة الاتفاق والقرارات الدولية الجائرة ضد غزة.
لا تتركوا قضيتهم طيّ النسيان، ولا تسمحوا للاحتلال بأن يجعل من قصّتهم عقبة نحو فتح المعابر وإغاثة الناس وإعادة الإعمار.
لو لم يكن لرجال الله في غزة من الفضل، إلا أنهم أعادوا أمامنا مشاهد الأبطال الأسطوريين الذين نقرأ عنهم في الكتب لكفاهم..
كفاهم فخرا وشرفا تقريبهم للناس في هذا العصر، بالصوت والصورة، سيرة النبي وصحابته والتابعين، وموكب الأبطال الميامين الذين سبق زمانهم زمان الصوت والصورة..
إن ما فعله أبطال رفح، لهو غرَّة في جبين الدهر، ونورا في صفحات التاريخ، وتاجا على رأس هذه الأمة!
رحل وتد الشمال وجبلها الراسخ الأشم، بعد 39 عاماً ختمها على أحسن ما تكون عليه الخواتيم، نصر وشهادة !
هنيئاً لك يا أبانا، وأعاننا الله على هذا اليُِتم من بعدك.
أما إسرائيل فليس لها إلا الخوف، من آلاف أبنائك الذين سيأكلون الأرض وهم يطلبون ثأرك..
ها قد سلّمت حماس رهائن الاحتلال، وها هم «ولاد الكلب» – كما وصفهم رئيس السلطة الفلسطينية – قد أعادوا الأسرى، فهل توقّفت الإبادة؟!
وها هي اتفاقية وقف إطلاق النار، بضمانات دولية وعربية، قد وُقّعت... فهل انكفّ المحتل عن القتل والبطش؟! كلا.
فالاحتلال ما زال يقتل، ويدمّر، وينسف البيوت على أهلها كل يوم. استشهد منذ وقف اطلاق النار 342، وأصيب 875.
فهو وإن خفّف الوتيرة قليلًا؛ فالإبادة جارية، والتهجير القسري قائم، والنتيجة هي النتيجة، اختلفت السرعة وبقيت الجريمة نفسها.
فقد تهاوت الذرائع، وسقطت الحجج، وبان أن العدو هو العدو، والإجرام هو الإجرام.
أما آنَ للمغفَّلين، والغافلين، والمتنفعين المتزلفين، ومشايخ السوء، أن يفقهوا أن الاحتلال ماضٍ في مشروعه: اقتلاع أهل فلسطين، وتغيير جغرافيتها، وتحقيق أحلامه تحت الرعاية الأمريكية والدولية؟
سواء وقع طوفان الأقصى أو لم يقع، وسواء صبر الفلسطينيون أو لم يصبروا، سالموا أو لم يسالموا… فالعدو لا يتغيّر، وإجرامه لا يتبدل.
فأين تلك الأصوات التي صمّت الآذان يومًا بالطعن في المقاومة وتحمليها كلّ جرائم الاحتلال؟!
أين اختفت عن فضح بطش الاحتلال، وجرائمه، وتفنّنه في القتل والتدمير؟!
وأين وكالات الأنباء ووسائل الإعلام التي سخّرت شاشاتها للهجوم على حماس والفصائل وتحميلهم مسؤولية الإبادة؟!
لماذا خرست الآن؟!
أما آنَ لعاقل أن يعقل، ولمن يؤمن بالله ورسوله أن يذعن لخبر الله في شدّة عداوة اليهود والكفار للمسلمين؟! ويعلم أن صاحب المشروع الإجرامي منذ عقود، لا يتوقف بعهد ولا يلتزم بضمانة، ولا يعترف بِسِلْم، ولا يعبأ باتفاق دولي أو عربي.
أفيقوا يا مسلمون…
أفيقوا يا دعاة…
فالخنوع للمحتل، باسم المسالمة والموادعة والتطبيع، لا يزيده إلا طغيانًا ووحشية.
ولا يردعه إلا القوة، ولا يوقف مشروعه إلا صمود أصحاب الأرض وثباتهم، وتمسك الأمة بدينها ووحدتها وواجبها، وقيام المسلمين بما أوجب الله عليهم من جهاد وعدّة، وثبات وصمود.
لو أن الدول الإسلامية أمدّت المقاومة بالسلاح، أو كفتهم مؤونة الطعام والدواء، ووقفت صفًا واحدًا في وجه عدوّهم بالمساعي الدبلوماسية لا بالسلاح، لما بقي لهذا الاحتلال قوة يرفع بها رأسه.
رجال بأسلحة محلية بسيطة أرهقوا جيشًا يمتلك أحدث ما أنتجته الجيوش في العالم، وجيوش غربية وسياسات ودعم دولي عام؛ عجز عن كسرهم سنتين كاملتين، حتى اضطرّ العدو صاغرًا للجلوس إلى طاولة المفاوضات واستعادة أسراه بالاتفاق، لا بالقوة، كما وعد بذلك البطل الشهيد أبو عبيدة.
واليوم يحاول المحتل تحقيق ما عجز عنه بالسلاح من خلال الأمم المتحدة والقوة الأممية… لكن هيهات!
فما عجز عنه «النتن الأبيض» لن يقدر عليه «العفن الأشقر».
نسأل الله أن يثبّت المجاهدين، وأن يقوّي عزائمهم، ويشدّ صفوفهم، ويكبت عدوّهم، ويرده ذليلًا مخذولًا.
قال الإمام محمد بن عبدالوهاب في عادات أهل الجاهلية التي جاء الإسلام بمخالفتها:
(الستون: كونهم إذا غُلبوا بالحجة، فزعوا إلى السيف والشكوى إلى الملوك، و دعوى احتقار السلطان، وتحويل الرعية عن دينه.
قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿أَتَذَرُ موسى وَقَومَهُ لِيُفسِدوا فِي الأَرضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾.
فانظر إلى شكوى آل فرعون وقومه إليه، وتحريشهم إياه على مقاتلة موسى عليه السلام وتهييجه، وما ذكر في آخر الآية من احتقار ما كانوا عليه). «مسائل الجاهلية» بتعليق العلامة محمود شكري الألوسي.
قلت:
هذا من خصال الجاهلية وطرائق أهل البدع، أنهم إذا أعيتهم الحجة، وغلبهم الخصم بالدلائل والبينات، لم يجدوا سبيلًا للظهور عليه إلا استعداء السلطان، والتحريش به عند ولاة الأمر، فيرفعون فيه الشكاوى بدعوى أنه يريد أن يبدّل دين السلطان، أو يثير الفتن، ويلصقون به تهمة الخروج أو مقدماته، أو استحقار السلطان، متظاهرين بأن قصدهم حماية المجتمع من أفكاره، وصيانته من ضلالاته؛ وما قصدهم بذلك إلا إسقاطه، وطمس أثره، وإسكات حجته، بعدما خذلتهم الحجج وعجزوا عن مقارعته بالدلائل والبراهين.
وقد كان الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة ينهون عن عن رَفْعِ أمر أهل البدع إلى السلطان، وعن الاستعداء عليهم به، فكيف بأهل السنّة، أو من وقع منهم في زلة.
وقد عقد ابن مفلح فصلا في كتابه «الآداب الشرعية» بعنوان: («فصل في حظر حبس أهل البدع لبدعتهم» قال المروذي: سألت أبا عبد الله عن قوم من أهل البدع يتعرضون ويكفرون؟ قال: لا تتعرضوا لهم. قلت: وأي شيء تكره من أن يُحبسوا؟ قال: لهم والدات وأخوات...
وأظن أنه قال غير مرة كيف حكى أبو بكر بن خلاد؟ فقلت له، قال: كنت عند ابن عيينة قاعدا، فجاء الفضيل، فقال: لا تجالسوه، يعني لابن عيينة: تحبس رجلا في السجن؟! ما يؤمنك أن يقع السجن عليه. قم فأخرجه. فعجب أبو عبد الله وجعل يستحسنه.) ٢٥٧/١
وعقد أبو بكر الخلال باباً في كتاب «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، فقال: (باب ما يُكره أن يَعْرِضَ أحدٌ في الإنكار على السلطان). وروى تحته جملة من الآثار عن الإمام أحمد في هذا، منها:
عن زكريا بن يحيى الناقد، أنَّ أبا طالب حدَّثهم: سُئل أبو عبد الله: إذا أمرتُ بالمعروف فلم ينته. ما أصنع؟ قال: دعه، قد أَمَرتَه، وقد أنكرتَ عليه بلسانك وجوارحك، لا تخرج إلى غيره، ولا ترفعه للسلطان يعتدي عليه...
وعن محمد بن أبي هارون، ومحمد بن جعفر، أن أبا الحارث، حدثهم قال: سألت أبا عبد الله، قلت: الرجل يأمر بالمعروف فلا يُقبل منه، فترى له إذا رأى منكرا وهو يعلم أنه لا يُقبل منه أن يسكت ولا يتكلم؟ قال: إذا رأى المنكر فليغير بما أمكنه. قلت له: فإنْ أَمَرَه ونهاه وتقدم إليه في ذلك فلم يقبل منه، ترى أنه يستعين عليه بالسلطان؟ قال: أما السلطان فما أرى ذلك...
وعن عبد الله بن الطيب قال: كان لي جارٌ يُؤذيني، يضرب الطنابير والعيدان، فأتيتُ أحمد بن حنبل، فقال لي: انهه!! فقلتُ: قد نهيته، فقال لي: انهه!! فقلتُ: قد نهيته فعاد، فقال: هذا ما عليك. فقلتُ: السلطان؟ قال: لا، إنما عليك أنْ تنهاه). ص30
قال ابن القيم:
إن كنتم أنتم فحولا فابرزوا... ودعوا الشكاوى حيلة النسوان
وإذا اشتكيتم فاجعلوا الشكوى إلى الـ... ـبرهان لا القاضي ولا السلطان