لا يزال بعض مديري المدارس يتعاملون مع تقييم أداء المعلم بعقلية التعالي، وكأن التقييم مساحة لإثبات السلطة، لا وسيلة للإنصاف والتطوير.
والأكثر إيلامًا أن ترى معلمًا يُنتقص من تقييمه بحجة أنه «لم يبادر»!
أي مبادرة تلك التي يبحثون عنها؟
هل المبادرة أن يصنع المعلم شيئًا يُكتب في تقرير، ويُعرض في اجتماع، وتُلتقط له الصور؟ أم أن المبادرة الحقيقية هي أن يدخل المعلم فصله كل صباح وهو يحمل معه جهازه، و«البروجكتر»، وأقلام السبورة، والوسائل التعليمية، وأحيانًا مواد الطباعة والتصوير، ويدفع من ماله الخاص حتى لا يقف عجز الإمكانات عائقًا أمام طلابه؟
أليست هذه مبادرة؟
المعلم الذي يشتري جهازًا من ماله ليشرح درسًا بصورة أفضل، ويحضر وسيلة تعليمية، ويطبع أوراقًا لطلابه، ويبحث عن نشاط، ويصمم شرحًا، ويصور ويعد ويجرب، ثم يقف أمام طلابه ساعات طويلة… هذا لا يحتاج أن نبحث له عن «مبادرة» إضافية كي نثبت أنه مجتهد.
هو أصلًا يمارس المبادرة كل يوم.
بل إن بعض المعلمين تجاوزوا حدود المطلوب منهم، وأصبحوا ينشرون تجارب��م وأعمالهم عبر حساباتهم وقنواتهم التعليمية، ويقدمون محتوى نافعًا للمعلمين والطلاب، من غير أن يطلبوا مقابلًا لذلك.
ثم يأتي من يقول: «لم يبادر»!
أي ظلم أكبر من أن تُرى كل هذه الجهود ولا تُرى إلا المبادرة التي تناسب النموذج الموجود في ذهن المقيم؟
المشكلة ليست في المبادرة، بل في اختزال المعلم في «مبادرة» تُضاف إلى ملفه.
المعلم ليس موظف علاقات عامة، ومهمته ليست أن يبحث كل يوم عن نشاط جديد ليُثبت أنه يعمل.
التقييم العادل لا يسأل فقط: ماذا أضاف المعلم خارج عمله؟
بل يسأل أولًا: كيف يؤدي عمله الأساسي؟ كيف يشرح؟ كيف يتعامل مع طلابه؟ كيف يعالج الفاقد؟ كيف يراعي الفروق الفردية؟ كيف يقيس تعلم طلابه؟ وكيف يطور نفسه وممارساته؟
أما أن يصبح «لم يبادر» جملة جاهزة تُستخدم لتبرير خفض التقييم، فهذه ليست ثقافة تطوير، وإنما ظلم مهني.
والأشد غرابة أن يتحول بعض أصحاب الأقلام إلى مطاردين للمبادرات، وكأن المعلم إن لم يقدم شيئًا استثنائيًا كل عام، فقد قصّر!
خففوا عن المعلم.
فأحيانًا أعظم مبادرة يمكن أن يقدمها المعلم هي أن يؤدي عمله بإخلاص، ويحافظ على وقته وطاقته، ويعطي طلابه أفضل ما يستطيع، دون أن يطلب من أحد أن يصفق له.
فالمدرسة التي لا ترى مبادرات المعلم اليومية، لن تنصفه ولو كتب لها مئة مبادرة على الورق.
والتقييم الذي لا يرى الإنسان خلف المعلم، قد يتحول من أداة تطوير إلى أداة إحباط.
أنصفوا المعلم أولًا… ثم تحدثوا عن المبادرة.