وما الحياة ذاتها إلا ما نراه
علي حسين
في العاشرة من عمره قرأ أكثر من مئة صفحة من محاورة "الدفاع" لأفلاطون، سحرته شخصية سقراط وقوة حجته. كان كتاب أفلاطون قد اشتراه والده التاجر في أثناء إحدى سفرياته إلى أثينا. زينون بن أمناسياس ولد في مدينة كتيوم بجزيرة قبرص عام 335 ق.م، أراد والده أن يعلمه التجارة، لكنه رأى أنها غير صالحة، ولا تلبي طموحاته، قرر الذهاب إلى أثينا ليتعرف على المكان الذي كان سقراط يتفلسف فيه مع الناس، قال لوالده، وهو ينوي السفر إلى أثينا: "هناك طريقة وحيدة لقول لا، وهي أن أحاور سقراط". عندما وصل أثينا كان في العشرين من عمره، وكان أول ما فعله أنه مضى إلى باعة الكتب يسألهم: أين يجد أشخاصاً مثل سقراط، فأشار إليه أحد باعة الكتب بأن يبحث عن أقريطس الكلبي فقد كان أشبه الناس بسقراط.
كان سقراط قد عاش حياة غريبة واستثنائية، كما أنه مات ميتة غريبة. حُوكم بتهمة إفساده شباب أثينا، وكان بإمكانه أن يستعطف القضاة، ويخرج من المحاكمة سالماً، لكنه رفض، قال إنَّ مبادئه لن تسمح له بمخالفة القانون، حمل تلامذته من بعده أفكاره، وتنوعت المدارس الفلسفية، لكنها ظلت تدين بالولاء للرجل الذي قال: "اعرف نفسك". قبل سقراط كانت الفلسفة تهتم بتفسير ظواهر العالم، فجاء سقراط لينبه الجميع أن دور الفلسفة هو البحث عن الحالة الإنسانية، وكما عبّر الخطيب الروماني شيشرون، كان سقراط أول من أنزل الفلسفة ليضعها بين يدي البشر. يكتب ثيوكاريس كيسيديس: "الفلسفة التي سبقت سقراط تبدأ باكتشاف الطبيعة، فلسفة سقراط تبدأ باكتشاف الإنسان" – سقراط مسألة الجدل، ترجمة طلال السهيل –. يقدم لنا جون غرايش في كتابه "العيش بالتفلسف" صورة سقراط الذي يجعل منه "طبيباً للروح"، ويعزو إليه ابتكار مذهب طمأنينة النفس التي ترى أن: "السعادة هي الرغبة القصوى لكل البشر بوصفها النهاية القصوى لأفعالهم العقلانية" – العيش بالتفلسف، ترجمة محمد شوقي الزين –، وما يبدو غريباً بالنسبة إلى سقراط أنه لم يكن يملك عملاً يعتاش منه، بل كان فقيراً، وعلى الرغم من ذلك، كان يرفض، طوال حياته، أن يتقاضى أجراً مقابل ما يفعله. وقد اعترض على وصفه بالمعلم، فهو يرى أنه مجرد إنسان يساعد الآخرين على أن يعرفوا بأنفسهم، ما هو حقيقي، وصالح، وخير، وسعادة. وقد واصل سقراط مهمته بإخلاص وصدق، يسأل الناس عن أكثر الأمور أهمية، مثل: الشجاعة، الحب، المهابة، الاعتدال، وعن حال نفوسهم بشكل عام.
يصبح تلميذاً عند "أقريطيس"، وقد تأثر زينون كثيراً بأستاذه حتى إنه كتب كتاباً بعنوان "مذكرات أقريطيس" شرح فيه كيف أن أستاذه كان من المعجبين بأخلاق سقراط وحكمته. بعد سنوات ينتقل للدراسة عند "استلفون"، ثم يرتبط بالأفلاطوني "بوليمونييس"، وهكذا أمضى زينون في الدراسة والتأمل عشرين عاماً قبل أن يقرر إنشاء مدرسته الفلسفية الخاصة التي تجمع بين النظرية وأسلوب الحياة مثلما فعل سقراط، والتي سُميت بالرواقية؛ حيث كان يقدم دروسه في الرواق الموجود في الساحة العامة في أثينا، هناك كان تلامذته يجتمعون ويتباحثون في ثلاثة أمور: المنطق والطبيعة والأخلاق.
في الخامسة والثلاثين من عمره يؤسس مدرسته الفلسفية.. تصف لنا كتب الفلسفة "زينون" بأنه طويل القامة، نحيف، شديد السواد، وكان مثل سقراط يرتدي الملابس البسيطة، ويقنع بالقليل من الطعام، لكنه عكس سقراط كان يؤثر الصمت على الكلام، ويقول لطلبته: "إن لنا لساناً واحداً وأذنين لنعلم أننا ينبغي أن ننصت أكثر مما نتكلم". في كتابه "مشاهير قدماء الفلاسفة" يقدم ديوجين اللايرتي صورة لزينون الفيلسوف الذي يملك: "قوة الإرادة وطول الصبر وضبط النفس والعفة والسيطرة على الهوى مبلغاً أدهش معاصريه، فكان الأثينيون يضربون به المثل قائلين: أضبط لنفسه من زينون".
عاش زينون ما يقارب القرن من الزمن، ولما مات رثاه أهل أثينا مطالبين بتخليد ذكراه كونه حثَّ الشباب على الفضيلة والحكمة، وصدر قرار بأن يُمنح تاجاً من الذهب وأن يُشيَّد له قبر كبير، وجاء في نص القرار: "حيث إن زينون بن أمناسياس، أقام بمدينتنا هذه عدة سنوات لتعليم الفلسفة، حيث اتضح أنه من أهل الاستقامة في جميع الأمور، وأنه سار في حياته على مقتضى الأصول التي كان يعلمها ويدعو إليها، وأنه دأب على حث تلاميذه على لزوم الفضيلة، فقد رأى الشعب أن يمدحه على رؤوس الأشهاد، وأن يمنحه تاجاً من الذهب، وأن يُشيَّد له قبر من بيت المال". ورأى الشعب أن يختار خمسة من الأثينيين لمباشرة عمل التاج والقبر، وأن يُنقش هذا القرار على عمودين: أحدهما بالمدرسة الأفلاطونية، والثاني بالمدرسة الأرسطاطاليسية، حتى يعلم الناس جميعاً أن أهالي أثينا يُشرِّفون أرباب الفضل أحياءً وأمواتاً" - مشاهير قدماء الفلاسفة ترجمة إمام عبد الفتاح إمام -. كتب "زينون" العديد من المؤلفات أكثرها فُقدت ولم يبقَ منها سوى عناوينها، وقد ذكر ديوجينس بعض هذه العناوين منها: "الحياة وفقاً للطبيعة" و"رسالة الانفعالات" و"مسائل فيثاغورية" و"رسالة التربية". وقد ذكر الشهرستاني في كتابه الملل والنحل الكثير من الحِكَم التي تُنسب إلى زينون، منها قيل لزينون يوماً: "أي الملوك أفضل، ملك اليونانيين أم ملك الفرس؟ فقال: من مَلَكَ شهوته وغضبه"، وقيل له يوماً إن الملك يُبغضك فأجاب ساخراً: "وكيف يحب الملك من هو أغنى منه؟"، يُشبِّه زينون الفلسفة بالكائن الحي، العظام والأعصاب هي المنطق، اللحم هو الأخلاق، والنفس هي الطبيعة أو الفيزياء، ويشبه الفلسفة أيضاً بالبيضة؛ القشرة هي المنطق، البياض هو الأخلاق، والصفار في المركز هو الفيزياء أو الطبيعة. يكتب أبكتيتوس: "كل شيء فيزياء، كل شيء منطق، لكن في الأخير كل شيء أخلاق". كان زينون يرى أن لا أحد في مأمن من الانصراف عن الحقيقة، أو السقوط في الخطأ. فالتسرع والجهل عبارة عن عيوب، وإن الفضيلة وحدها من تصحح هذه العيوب. رفعت الفلسفة الرواقية شعار "من أنت؟"، ونجد أبكتيتوس يصر على أن هذا السؤال هو الوصول إلى حقيقة النفس البشرية: "تحقق من أنت. إنسانٌ أولاً، بمعنى كائن لا شيء فوق إرادته.. انظر إلى أي الكائنات تتميز عنها بالعقل، إنك تتميز عن البهائم المتوحشة، علاوة على ذلك أنك مواطن وجزء من العالم، ليس جزءاً خادماً، بل أنت جزء سائد". هذه الفكرة من أن المواطن ليس جزءاً خادماً هي التي دفعت إمبراطور روما إلى طرد أبكتيتوس من روما، ونجد سنيكا يشجع على أن يكون الإنسان أكثر اطمئناناً نفسياً: "إن الرجل السعيد ليس ذاك الذي يحسبه العامة سعيداً، لأن خزائنه تكتظ بالأموال، لكنه هذا الذي فاضت نفسه ثراءً". وهذا القول يذكرنا بتعاليم سقراط الذي كان يرى سعادة الروح ورخاءها أهم ما في الحياة قاطبة، والسعادة الروحية كما يراها سقراط ويؤكد عليها زينون ومن بعده معظم فلاسفة الرواقية، هي التي تعني السعادة الأخلاقية، فالفضيلة هي الشيء الوحيد الذي يزكي النفس، والخطيئة هي الشيء الوحيد الذي يُلحق بها الأذى.
كان زينون يرى في محاورات أفلاطون نوعاً من التدريب على العيش باطمئنان.. يكتب الفيلسوف البريطاني ألفريد وايتهيد أن الفلسفة "لا تعدو أن تكون سلسلة هوامش على محاورات أفلاطون". يدين زينون بكثير من علمه إلى أفلاطون، حيث أعجب بفكرة أفلاطون وقصته عن كيفية الخلق التي ذكرها في محاورة "طيماوس" -ترجمها إلى العربية شوقي داود- والتي تحكي أن العالم قد تكوَّن بفعل عبقرية خيرة. وقد وجد زينون في هذه القصة ما يخفف من مصاعب الحياة ومتاعبها، حيث جعلت من الممكن احتمال مشاق الحياة ما دام كل شيء مصمماً ليسير العالم للأفضل. ويرى زينون أن أحد أهم أسباب السعادة يكمن في تعلم كيفية العيش في ظل الظروف المختلفة والتكيف معها، ما دامت الحياة في ظلها أمراً لا مفر منه..
تُركز فلسفة زينون الرواقية على التأكيد أن الفلسفة غايتها الأساسية هي في خدمة العيش الحسن.. وكما يقول "أبكتيتوس" إن الفلسفة هي الاستعداد لمواجهة الأشياء التي تُفرض علينا -أبكتيتوس، كتاب المختصر، ترجمة عادل مصطفى- لهذا يطالبنا فلاسفة الرواقية أن نجرب العيش كأناس صالحين، وسنرى كيف نجد أنفسنا نعيش عيشة القانع بنصيبه من هذه الدنيا، والذي يستمد رضاه من رشاد سلوكه ونقاء سريرته، ومهمة الإنسان هي أن يتعلم قبول كل ما يحدث بفرح: "مهما كان الشيء الذي يصيبك، ينبغي أن تتحمله كما لو أنك أردت أن يصيبك" -سينيكا، محاورات السعادة والشقاء، ترجمة حمادة أحمد علي- إن الإنسان الفاضل أو الخيِّر هو ذاك الذي يتقبل نصيبه مهما كان.
يصرُّ "زينون" على أنَّ الفضيلة هي الحياة، ويؤمن أنَّ العقل والقانون هما من يقودان الكون. وقد أراد أن يكون التفلسف فعلاً مستمراً ودائماً ومتوحداً مع الحياة نفسها التي يجب أن تتجدد في كل لحظة، ولهذا ينصحنا "زينون" بالعيش في الحاضر، وأن نتجنب أن ينغصنا الماضي، وألا يقلقنا المستقبل. فالحاضر كافٍ للسعادة، لأنه الواقع الوحيد الذي ننتمي إليه. يكتب سينيكا أنَّ علينا أن نكون سعداء هنا والآن، فالمستقبل غير متيقن: "بينما نحن ننتظر أن نحيا تنقضي الحياة وتضيع" – سينيكا، رسائل من المنفى، ترجمة الطيب الحصني. كان الانتباه في الرواقية إلى الأسلوب السقراطي في الحياة، ورأت هذه الفلسفة أن تعيد الحياة إلى الحوار السقراطي الذي يدفع المحاور أن يسائل نفسه، وأن يعتني بنفسه، وأن يجعل من روحه جميلة وحكيمة قدر ما يستطيع.
يقول الفيلسوف ميشيل أونفري إنَّ الرواقية ساعدته في مواجهة المصاعب: "في كل لحظة صعبة من حياتي، كانت الرواقية مفيدة بالنسبة لي. منذ الخدمة العسكرية، كان ماركوس أوريليوس في متناول يدي، لكن أيضاً خلال السنوات الثلاث عشرة لسرطان شريكتي، خلال لحظاتها الأخيرة، أو أثناء السنوات اللاحقة، دون الحديث عن موت أبي وإقامةٍ في المستشفى على إثر سكتة دماغية والعديد من المناسبات الأخرى الأقل خطورة، فقد أسدى الرواقيون لي خدمة جليلة. أنا لا أتصور الفلسفة إلا كفن للعيش، والرواقية هي بمثابة مُنعش أوقات الأحزان الكبرى" – حوار، ترجمة يوسف أسحيردة.
لمن يريد تحليلاً نفسياً، رابطة الفضاء الفرويدي الدولي لديها الوحدة العيادية من أطباء نفسيين محللين وأخصائيين نفسيين محللين ومحللين ليسوا أخصائيين نفسيين ولا أطباء نفسيين.
[هنا تجدون محللي الرابطة جميعهم]
https://t.co/05gXTkO8mK
للاستفسار عن الخدمة:
[email protected]
تنويه:
لا يوجد محلل نفسي يمارس خارج إطار رابطة تحليلية.
الرابطة هي من تحفظ حقوقكم كمتحللين، وهي من تضمن الممارسة الأخلاقية والمهنية للمحلل.
تأكدوا دائماً من انتماء المحلل لرابطة معترف بها قبل بدء أي تحليل نفسي.
الأمراض تبدأ قبل الجسد في مواضع متعددة
والنفس إذا فسدت طويلاً
بدأ الفساد يظهر في مراتب أخرى
وليس بالضرورة كمرض عضوي
ولكن كاختلال في الحياة
فتصبح الإرادة ضعيفة
والخيال مشوشاً
والحكم مضطرباً
والعلاقات متوترة
والإنسان يعيش في دائرة مُغلقة تُعيد إنتاج الانفعال والغضب ..
يعلن الفضاء الفرويدي الدولي، رابطة عيون الكلام-ALYP عن فتح باب التسجيل للالتحاق ببرنامج التكوين المستمر للتحليل النفسي للعام 2026-2027.
ندعوكم للاطلاع على البرنامج في الصور في الأسفل ويمكن الحصول على ملف PDF من خلال التواصل على ايميل [email protected]
استمارة التسجيل: https://t.co/9jyOEyVZsV
قراءة جاك لاكان بحد ذاته تحمل اثر
عملية تحليلية تُحدث مايُسمى بالفرنسية
La lecture de lacan peut produire une rectification subjective dans le rapport du sujet au Réel
لايُمكن قراءة لاكان عن طريق فيلسوف يحمل هذا الفكر
التحليل لايُعطي حرية تماهي بإغتراب مقصود
قبل أن يكون جيجك منظر بالتحليل النفسي، نال درجة الدكتوراه في الفلسفة من ليوبليانا، ثم درس لاكان في جامعة باريس الثامنة على يد جاك ألان ميلر الذي صار محلله الشخصي لكنه لم يكمل تحليله، وأنجز تحت إشرافه دكتوراه ثانية في التحليل النفسي قبل صدور الموضوع السامي للأيديولوجيا… لذلك، لا يوجد منظر بالتحليل دون تكوين نظري على يد محلل نفسي وكل ما سواه مجرد مدعي.
لايمكنك أن تواجه عالما بأفراد لا يقرؤون ولا يجيدون فن النظر في النصوص ولا يصبرون على طقطقة الكلمات يقول أمين معلوف "اذا قرأت قراءة فعلية أربعين كتابا حقيقيا خلال عشرين عاما ، فبوسعك مواجهة العالم"
اللغة تصنع الطريقة التي نتموضع بها داخل العالم ✨
الناس يغلطون علينا >الدال هنا يوحي ولو بصوره
غير واعيه ان الاخر هو الذي يحدد موقعها
اختيار الدال هو البُنية التي تُحدد موقع الذات داخل الواقع فإذا اعتادت الذات صياغة تجربتها بدوال تجعلها اسيرة لأفعال الآخرين ستعيش داخل هذا الواقع
@0_1Mind مافي شيء إسمه اذا غلط علينا شخص !!! سلوك الأشخاص يعود إليهم '
يجب ان لايُساق ويُقاد عالمنا وقانوننا الأخلاقي الداخلي بالعالم الخارجي واجبنا هو وضح الحدود فقط '
@0_1Mind مافي شيء إسمه اذا غلط علينا شخص !!! سلوك الأشخاص يعود إليهم '
يجب ان لايُساق ويُقاد عالمنا وقانوننا الأخلاقي الداخلي بالعالم الخارجي واجبنا هو وضح الحدود فقط '
قل لهم أن يقرؤوها أربع مرات
علي حسين
(الناس تشكو من روايتك هذه، يقولون إنهم لا يفهمون منها شيئاً حتى بعد أن يقرؤوها مرتين أو ثلاث مرات.
قل لهم أن يقرؤوها أربع مرات ).
ويليام فوكنر في ردّه على ناشر روايته الصخب والعنف
دائماً ما أجد البعض يشكو من بعض الروايات وهم يقولون: هل حقاً قرأت "البحث عن الزمن المفقود"؟.. ماذا عن "يوليسيس"؟، من لديه القدرة والصبر على الاستمرار مع "السيدة دالاواي"، وربما يسخر منك البعض ويقول لك: يا رجل تبدو في قمة البطر، وأنت تتأبط رواية موزيل "رجل بلا صفات".. أتذكر أنني قرأت مرة أن الروائي الإنجليزي مالكوم لوري طُلب منه أن يصف روايته "تحت البركان" للقراء فقال: يمكنهم أن يقرؤوها على أنها قصة، ويمكن تجاوز الأمر واعتبارها قصة مفيدة نوعاً ما، ويمكن اعتبارها سيمفونية، أو أوبرا، قصيدة، أغنية، رسالة مشفرة، وفي النهاية قال: يمكن اعتبارها آلة.. عليك أن تقرأها لتكتشف كيف تعمل.
على مدى سنواتي في القراءة لم تفارقني روايات فوكنر منذ أن وقعت بيدي روايته "سارتوس"، ولم يكن فوكنر يهمني آنذاك وإنما اسم مترجمها ميخائيل رومان وهو كاتب مسرحي مصري، يُعد واحداً من رواد المسرح الطليعي في مصر. بعدها أصبحت مولعاً بفوكنر .
في كتابه "لماذا نقرأ"، كتب هارولد بلوم: "إنني لست باحثاً متبحراً في فوكنر، ولكنني مجرد قارئ متحمس، فأنا أفترض أن قراءتك لواحدة من روايات فوكنر بكل ما لديك من حدة وعقل يقظ سوف يكون نوعاً من التدريب في عملية الإدراك، أظن أن ذلك يمثل طريقة جديدة لإيقاظ تلك الشعلة الداخلية، لانبثاق النور في أعماقك، أو لخلق تلك الرئة التي تتنفس وتجعل أنفاسك تتسارع أكثر، ليس بالضرورة قراءة فوكنر ستجعل منك شخصاً أفضل، ولكن من المؤكد أنها ستثير بداخلك أسئلة جديدة، إن فوكنر يشير لنا كيف يجب أن نفتح عقولنا بالتساؤلات والدهشة".
عاش ويليام فوكنر ومات وهو شخصية غريبة الطباع، كان سكان المنطقة الصغيرة يحتارون في وصف جارهم الصامت.. فهو أحياناً يبدو لطيف المعشر، يومئ برأسه عندما يصادف أحد المعارف في الطريق، وأحياناً يبدو متزمتاً، وفي أحيان كثيرة يبدو بارد المشاعر، تارة يكون متواضعاً، ومرات يجدونه متعجرفاً، يبدو عطوفاً مع أفراد عائلته، يرتدي ملابس بسيطة، وكانت له هيئة مقامر، لم يكن يتكلم كثيراً، وغالباً ما كان شارد الذهن، وكان يُشاهد وهو واضع الغليون في فمه يسير دون أن يرى أحداً، وقد قال مرة لأحد الصحفيين: "لو أني سأعيش ثانية لاخترت أن أكون المخلوق الذي لا يكره أحداً ولا يحسده أحد، ولا يريده أحد، ولا يحتاج إليه أحد، لا يقع في ضيق، ولا تحاصره المخاطر، ويستطيع أن يأكل أي شيء". كان يُشاهد دائماً وبيده كتاب، كان يقرأ باستمرار، دون كيخوته ومدام بوفاري وموبي ديك وشكسبير ودوستويفسكي وبلزاك وجويس : "قرأت هذه الكتب عدة مرات، ولذلك أنا لا أبدأ بالصفحة الأولى وأقرأ الكتاب حتى النهاية، بل أقرأ مشهداً واحداً فقط أو ما يتعلق بشخصية واحدة، تماماً كما يودّ المرء أن يلتقي بصديق ليتحدث معه بضع دقائق". عندما سُئل عن الصيغة التي يمكن للكاتب اتباعها ليصبح روائياً جيداً، أجاب: "تسع وتسعون بالمئة موهبة، وتسعة وتسعون تنظيم، وتسعة وتسعون عمل".
يكره الحديث عن الأدب ويقول لمن يسأله عن رواياته: "لست أديباً بل مزارعاً متقاعداً". يتحدث بلهجة قروية، ويشرب كثيراً كأنه إنسان حطمه اليأس. اشتغل في عدة أعمال، كتب الشعر في بداية حياته، ثم تركه ليعمل نقاشاً ثم نجاراً وموظفاً في دائرة بريد وكاتب سيناريو في هوليوود. تزوج من امرأة سبق أن تزوجت وكان معها طفلان، عاش حياة بسيطة، كان ينظر بغرابة لكل من يسأله عن حياته الشخصية، وذات يوم قال لصديقه القاص المشهور شيروود أندرسون: «وأنا أسير في شوارع مسيسيبي أشعر كأن الجميع يراقبني، ويريد أن يفهم كيف يمكن لرجل يجلس في الظل أن يكسب الاف الدولارات مرة واحدة - كان هذا بعد ان تسلم جائزة نوبل عام 1949- لمجرد أنه كتب بعض كلمات على ورق، في مسيسيبي الرجال يفهمون أنه لكي يحصلوا على دولار عليهم أن يخرجوا أولاً في الشمس ويعرقوا، وهذا ما يحيرهم في أمري" .
ذات يوم جازفت وطلبت من الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا أن يسمح لي بإجراء حوار معه- نشر الحوار آنذاك في صحيفة الجهورية - والغريب أنه وافق.. وهنا بدأت المشكلة.
ما هي الموضوعات التي سأتحدث بها؟ فأنا أمام روائي وناقد ومترجم وشاعر ومسرحي وتشكيلي، قلت مع نفسي لأبدأ بسؤال تقليدي ربما أستطيع من خلاله أن أمسك بناصية الحوار، فسألت ببساطة:
• لماذا تكتب؟
أجاب مبتسماً: منذ سنتين لم أكتب، انشغلت بالترجمة.
• على ذكر الترجمة.. لماذا اخترت "الصخب والعنف" بالذات لتقدمها للقارئ العربي؟
كان هذا السؤال أشبه بالمشكلة التي يلقيها الواحد منا ثم ينتظر كيف تُحل. ساد الصمت لحظات.. بعدها تكلم جبرا وكان عليَّ أن ألاحقه، فهو حين يتكلم.. يتدفق، فتراه مثل ممثلي المسرح يندمج في الحديث، إنه لا يمنحك حديثاً، وإنما يقدم محاضرة في شتى أنواع المعارف.
خلال خمسة أعوام أعاد فوكنر كتابة "الصخب والعنف" عدة مرات؛ لأن ناشر كتبه كان يرفض أن يطبع هذه الدفاتر الصغيرة المكتوب على الغلاف الأول منها بخط ناعم عنوان "الصخب والعنف". كان في الثانية والثلاثين من عمره، الأوساط الأدبية بدأت بالتعرف إليه مع نشر رواياته الأولى: "رواتب الجنود"، "بعوض"، و"سارتورس" -الرواية التي وضع فيها فوكنر كل آماله، وكان يتوقع أنه سيدخل تاريخ الأدب من خلالها، وحين أخبره الناشر أنها رواية طويلة ومملة، اختصرها للنصف.
حين ظهرت "الصخب والعنف" عام 1929 لم يكن فوكنر يتوقع أنها ستضعه على قائمة الكتّاب الأكثر مكانة في تاريخ الأدب العالمي، فهي عمل تجريبي رغم أنها تروي سيرة حياة أسرة من جنوب أميركا "أسرة آل كمبسُن"، من خلال استذكار ثلاثة إخوة للماضي، فضلاً عن القسم الأخير الذي يرويه المؤلف، لذلك هي أشبه بسيمفونية تتكرر فيها الإشارة إلى الحوادث نفسها، كأن كل حادثة هي عبارة عن مقطوعة موسيقية واحدة لكنها تُعزف في كل مرة من خلال آلة مختلفة. (بنجي) الذي يروي الحكاية في 7 نيسان 1928 معتوه، يسمع ولكن لا ينطق ولا يستطيع إلا الصراخ والعويل، وهو حين يروي الحوادث لا يستطيع أن يرتبها زمنياً، وما حدث قبل عشرين سنة وما حدث اليوم كلاهما متساوي الأهمية عنده، إنها مثل الحكاية التي أخبرنا عنها شكسبير في مكبث: "إنها حكاية يحكيها معتوه، ملؤها الصخب والعنف ولا تعني أي شيء"، و(كونتن) الذي يسرد حكايته في 2 حزيران 1910 طالب في هارفارد مفرط الحساسية؛ شديد التعلق بشرف الأسرة، و(جاسن) الذي يروي الحكاية بتاريخ 6 نيسان 1928 فظّ، شرس، ساديّ، أناني، يبغي من الحياة النجاح وتجميع الثروة عن أي طريق.
أقول لجبرا إبراهيم جبرا: لو تفحصنا تاريخ الأدب والفن، لوجدنا نوعين من الأعمال والمؤلفين، ففي بعضها مثلاً تكون حياة الكاتب أهم من أعماله، إن حياة جان جاك روسو واعترافاته يمكن أن تكون مثالاً لذلك، حيث إن حياته نفسها أصبحت أهم وأبقى من أعماله، فيما نجد أعمالاً أخرى يختفي فيها المؤلف بينما تبقى أعماله.. فوكنر مثلاً نحن لا نعرف كيف كان يعيش، ولهذا أريد أن أسألك: أنت مغرم بفوكنر لكننا كقراء نجد شخصية جبرا في معظم أعماله.
لحظات صمت ثم يرد جبرا: في الواقع أنا كنت حريصاً في الدرجة الأولى على الاستفادة من تقنيات فوكنر الفنية في كتابة الرواية، أما طريقته في الحياة فأنا أبعد ما أكون عنها، فوكنر انعزالي، وأنا أحب التجمعات سواء كانت اجتماعية أو ثقافية. أنا أجد نفسي جزءاً من حراك ثقافي وفني متواصل منذ الأربعينيات، وفوكنر كان يرى أن مهمته الأساسية البحث عن أسلوب جديد للأدب.
قلت: هل معرفة الحياة الشخصية للكاتب أو الفنان تساعد على فهم أعماله؟ - أنا شخصياً عندما أقرأ للآخرين فإنني أحاول أن أركز دائماً على العمل الفني ذاته، ولم يحدث في قراءاتي جميعها أن قرأت حياة كاتب قبل أن أقرأ أعماله. يكتب جبرا في تقديمه للصخب والعنف: "(الصخب والعنف) كتاب فوكنر الخامس، وقد شغل به ثلاث سنوات، وكان عمره عندما نشره اثنين وثلاثين سنة، وفي الحال التفت النقاد إليه، ورأوا في كتابه رواية رائعة الأسلوب والبناء، سماها البعض (رواية الروائيين)، غير أن القارئ يحتاج في تذوقها وتخطي صعوبتها، إلى حساسية فنية مرهفة، وأناة شديدة".
في الخطاب الذي ألقاه عند تسلمه جائزة نوبل يقول: "إلى أن يتعلم الكاتب أن يكتب عن القلب لا عن الغدد.. فإنه سوف يظل وحيداً يرقب نهاية الإنسان. إنني أرفض قبول الفكرة القائلة بفناء الإنسان. فمن السهل أن يقال بكل بساطة: إن الإنسان خالد لأنه سوف يتحمل المصاعب، ويوم ينفخ في الصور ويشحب آخر شعاع للغروب النهائي فوق صخرة مهملة مفتتة، فإن صوتاً شاحباً سيظل هناك، صوت الإنسان الأبدي القوي يتكلم.. إنني أرفض هذا أيضاً، أنا لا أعتقد أن الإنسان سوف يتحمل فقط، بل أعتقد أنه سوف ينتصر".
عندما سُئل هل على الكاتب التزامات نحو القراء؟، أجاب: "إن التزام الكاتب هو أن ينجز عمله على أفضل وجه ممكن، أما ما قد يفيض بعد ذلك من التزامات، ففي وسعه أن يتصرف بها على هواه، أما بالنسبة لي أنا شخصياً، فليس لدي من الوقت ما يسمح لي أن أهتم بمعرفة من يقرأ مؤلفاتي، لا يعنيني رأي فلان أو فلان، أو ما يكتب غيري" .