" فخذ من كلّ ما يقرع سمعك ويروق فهمك صافيه، ودع عليّ كدره واغفر لي خطئي في هذا الكتاب لصوابه، ولا تنكر حسني فيه لقبيحي منه، واعلم أن من طلب عيباً وجده" - التوحيدي.
أحببتها، ولم أشعر بالملل البتة أثناء قراءة هذه الرواية التي ناهزت السبعمئة صفحة تقريباً، بل أحببت كل تلك الشخصيات، وتعاطفت معها، وحزنت لحزنها.
أتشوق لقراءة المزيد.
لطالما رددت سراً، وأنا أمرّ على رفوف المكتبة، وأشاهد الروايات الضخمة لباموق: "ألا يستطيع هذا الرجل كتابة رواية صغيرة؟ أم هو محب للثرثرة فقط؟" قلته جهلاً لا تصوراً، والحكم على الشيء فرع عن تصوره، وهذا ماكان ينقصني حينها.
تأتي هذه الرواية لتؤرخ زهاء أربعين عاماً من تاريخ التطور في مدينة اسطنبول، من خلال قصّة ذلك الشاب، وانتقال الناس جيلاً بعد جيل، من بيوتهم الواسعة، وحدائقهم الوارفة، إلى كتل اسمنتية، وطوابق شاهقة، ومبانٍ لا يعرف فيها أحدٌ أحداً.
قال مَعبدُ بنُ عَلقمَة :
فقل لزهيرٍ: إن شتمت سَراتنَا
فلسنا بشتَّامين للمُتَشتِّمِ
ولكننا نأبى الظُّلامَ ونعتصي
بِكُلِّ رقيق الشَّفرتينِ مُصمِّمِ
وتجهلُ أيدينا، ويحلُمُ رأيُنا
ونشتمُ بالأفعالِ لا بالتَّكلُّمِ
وإن التمادي في الذي كان بيننا
بكَفَّيكَ، فاستأخِر لهُ أو تَقدَّمِ
فالمؤلف ابتداءً حاول تفكيك مفهوم الدين، ثم أعاد قراءة التاريخ للحروب الدينية، وبيّن أن المقدس لم ينتهِ، بل انتقل من الكنيسة للدولة، والتي أصبحت الوحيدة التي تملك الحق بالعنف، وعنفها منطقي، وعنف ( الآخر غير الغربي) بربري!
وهو بذلك لا يدافع عن الدين، بل يكشف عن هذا التضليل فقط.
- "إنَّ الخطر الكامن في تأطير البحث في استكشاف العنف الديني هو أن القارئ الغربي سيقع في حيلة تجاهل العدوان الغربي، والتركيز بدلاً من ذلك على ردود الفعل غير العقلانية، كما يُزعم، للآخر غير الغربي."
يبين كافانو أن الغربيّ الذي يقول بهذه المقولة، يقع في فخٍ معرفي، يقوده لتجاهل كل عنف يقع على الآخر (غير الغربي طبعاً) ويرى مشروعية العنف تجاهه، لأنه ليس هو، ولا يملك مايملكه.