⭕️ زمن الأشرار ⭕️
🍃 محمد البلادي
▪️من الطقوس التي لا يكاد يخلو منها مجلس من مجالسنا؛ التحسُّر على الماضي، والتوجّد على ما نسميه «زمن الطيبين»، وترديد عبارات مثل: كانت الحياة أجمل، والقلوب أنظف، والبيوت أدفأ.. حتى التعليم والصحة والكثير من الخدمات، هناك من يرى أنها انحدرت! حتى أصبح تمجيد الماضي سُنّة متواترة؛ نتناقلها، دون أن ننتبه إلى أننا حين نصف الماضي بـ «زمن الطيبين»، فكأننا نحكم على حاضرنا، بأنه «زمن الأشرار»، أو زمن الرداءة!.
▪️المفارقة اللافتة أن هناك إجماعاً بأن الحياة التي نشتاق إليها كانت قاسية، محدودة الخيارات والرفاهية، وأن أهلها أمضوا أعمارهم يحلمون بأقل القليل مما نملكه الآن! ومع ذلك تجد من يشتاق إلى أدوات وملابس وأطعمة قديمة ولّدها شظف العيش في زمانها.. فهل السبب أننا اعتدناها في طفولتنا، فأصبحت جزءًا من ذائقتنا؟!.
يجيب الباحثان (جوردان ترويسي وشيرا غابرييل) على هذه المفارقة؛ بأن بعض الأطعمة والأدوات القديمة تمنحنا السعادة، لا لأنها أفضل بالضرورة، بل لارتباطها في ذاكرتنا بأشخاص أحببناهم، ولحظات شعرنا فيها بالأمان والانتماء.
▪️ الحنين إلى الماضي شعور إنساني طبيعي وجميل.. لكنه يصبح شعورًا خادعًا وربما خطيراً حين يتحول إلى حكم قطعي بأن الماضي كان أفضل من الحاضر، وهذا حكم قد تصنعه ذاكرة تنتقي ما تحب، وتسقط ما لا تريد تذكره.. والذاكرة البشرية عموماً ليست مؤرخًا أميناً ولا حتى محايدًا؛ فهي قد تتذكر دفء مشاعر البيوت القديمة، وتتجاوز ضيقها وقلة إمكاناتها.. تتغنى ببساطة الحياة وتغفل مشقتها، تتذكر التقارب الإنساني عند المرض وتنسى صعوبة العلاج، وقسوة البعد وصعوبة التواصل.
▪️ المشكلة الأكبر أننا لا نشعر أننا نقارن أجمل ما بقي في ذاكرتنا عن الماضي، بأسوأ ما نعيشه من مشكلات الحاضر.. ولو أُتيح لأحدنا أن يعود إلى زمن بلا هاتف ذكي، ولا خرائط جوجل، ولا خدمات بنكية من منزله، ولا طب بالهاتف، فهل سيختار البقاء هناك؟ أغلب الظن أنه سيعود سريعًا إلى حاضره.. لكنه سيواصل في المجلس التالي، الحديث عن «زمن الطيبين» وجماله!.
▪️ الحياة لا تعود إلى الوراء، ومجتمعاتنا تعيش ولله الحمد أزهى عصور وعيها وازدهارها، والبشرية جمعاء تعيش أرقى عصور تقدمها.. هذا لا يعني أن الماضي لم يكن به بعض ملامح الجمال والأخلاقيات التي افتقدناها.. لكن الماضي كالحاضر، مزيج من الإيجابيات والسلبيات.
▪️ ليست المشكلة أن نلتفت إلى الماضي بمحبة، أو نحاول استعادة ما كان فيه من قيم جميلة.. المشكلة أن نستغرق في تمجيده على حساب ذم واقعنا؛ مما قد يفسد علاقتنا بالحاضر، ويجعلنا نرى كل جديد انحدارًا، وكل تغير تدهوراً.
▪️باختصار.. الماضي يستحق الحنين.. لكنه لا يستحق أن يسرق منا الحاضر.
⭕️ أتعلَّم.. وأجيك ! ⭕️
🍃محمد البلادي
▪️ قبل سنوات، انتشر مقطع لطفل في الصف الأول الابتدائي، يبكي أمام معلِّمه؛ لأنَّه لا يعرف القراءة والكتابة، وأخذ يردِّد بتوسُّل محزن: «أتعلَّم في البيت وأجيك»، في تخلٍّ واضح من المعلِّم عن دوره، وكأنَّ البيت هو مكان التعلُّم وليس المدرسة!. مضت الحادثة، وربما أصبح الطفل اليوم أفضل كتابةً من كثيرين يملأون وسائل التواصل بأخطائهم، لكن عبارته بقيت في الأذهان؛ لأنَّها لخَّصت فلسفة اجتماعيَّة وإداريَّة تتبعها جهات كثيرة للأسف الشديد: (اذهب وتعلَّم وحدك.. ثمَّ تعال إلينا جاهزًا)!.
▪️ كثيرون من حولنا وجدوا أنفسهم بالفعل في أماكن تطلب الشخص الجاهز بدل أنْ تحتضنه؛ وتساعده على التعلّم والنموِّ.. ليست المدرسة وحدها، فكثير من الشركات عندما تعلن عن وظائف للخرِّيجين، تشترط أنْ تكون لديهم خبرات ممتدَّة لسنوات، فيذهل الخريج المسكين، أين يذهب ليأتي بهذه الخبرة؟ فلا أحد مستعد لمنحه الفرصة لاكتسابها، وكأنَّ المطلوب أنْ يكتسبها في بيته، ثمَّ يعود إليهم قائلًا: «تعلََّمت وجيتكم»!.
▪️وتمتد فلسفة «أتعلَّم.. وأجيك» إلى بوابات الجامعات؛ فالطالب الذي يقضي 12 عامًا داخل المنظومة التعليميَّة، تقابله الجامعة وكأنَّه قادم من كوكب آخر، فتصدمه باختبارات إضافيَّة، وكأنَّهم يقولون: «لا نثق في الشهادة التي منحناك إيَّاها»، ويدفعونه إلى (تعلُّم) تلك الاختبارات ، وقد تتحوَّل بضع درجات إلى حكم نهائي على قدرات الطالب ومستقبله، وكثيرًا ما حالت درجات قليلة بين شاب وتخصص يحبه، وربما كان قادرًا على الإبداع فيه.. بينما في أنظمة جامعيَّة كثيرة يُمنح الطالب مساحة أوسع لاختيار مساره، ثم تثبت قدرته داخل التخصص نفسه؛ فإمَّا أنْ ينجح ويستمر، أو يتحمَّل نتيجة خطأ اختياره.. أمَّا عندنا، فقد يُحكم عليه قبل أنْ يدخل التجربة أصلًا، ثمَّ نقضي سنوات نسأله: «لماذا لم تبدع في تخصص لم تختره»؟!.
▪️وحتى في بيوتنا، نمارس نحن الآباء الخطأ نفسه؛ حين نطالب الأبناء أنْ يكونوا واثقين ومسؤولين، ثمّ نسخر منهم حين يتحدَّثون، ولا نسمح لهم باتِّخاذ أبسط القرارات.. فإذا خرجُوا للحياة متردِّدين، اتَّهمنا الجيل كله بأنَّه لا يملك شخصيَّة! وكأنَّ الشخصيَّة تنمو بالأوامر، لا بالممارسة والتجربة.
▪️نحن يا سادة بارعون في المطالبة بالنتائج، لكنَّنا أقل براعة في المساعدة على الوصول إليها.. نريد طلابًا متفوِّقين، ولا نصبر على بطء تعلُّمهم.. ونريد موظفين خبراء، ولا ندرِّبهم.. ونريد أبناءً ناضجين، ولا نسمح لهم بالتجربة.. ونريد مبدعين مبتكرين، ثم نستقبل محاولاتهم الأولى بالغضب والسخرية!.
▪️. تطلق أستاذة القيادة والإدارة بهارفارد (إيمي إدموندسون) على البيئة التي يستطيع فيها الإنسانُ أنْ يسأل، ويجرِّب، ويعترف بأنَّه لا يعرف؛ دون خوف من السخرية أو الإهانة، مصطلح «الأمان النفسي».. وأظهرت دراستها الشَّهيرة ارتباط هذا الأمان بسلوك التعلُّم.. فالذي يخشى أنْ يبدو جاهلًا قد يتظاهر بالمعرفة، أمَّا الذي يأمن السؤال فسيتعلَّم حقًّا.
▪️. البيئة الواعية الداعمة التي تصنع الإنسان لا تقول له: «اذهب وتعلَّم، ثمَّ عُد إلينا جاهزًا».. بل تقول: «مرحبًا بك كما أنت ما دمت راغبًا.. وسنتعلَّم معًا».
إنا لله وإنا إليه راجعون..
إن العين لتدمع و إن القلب ليحزن و إنا لفراقك يا عمي لمحزونون"
اللهم إن عمي في ضيافتك و أنت أكرم الأكرمين و أرحم الراحمين فيارب أكرم ضيافته و أحسن وفادته و جازه بالحسنات إحسانًا و بالسيئات عفوًا و صفحًا و غفرانًا..
اللهم اجعل ما أصابه كفارة و رفعة له..
⭕️ راتبان لكل موظف ! ⭕️
🍃 محمد البلادي
▪️ في كل شهر هناك يوم مشهود في حياة الـموظف هو (يوم الراتب) المجيد .. ينزل المرتب، فتُدفع الفواتير والأقساط، وتُشترى احتياجات المنزل، وتُقضى بعض المتطلبات المؤجلة ، وربما معها عشاء فاخر او سفرة ماتعة احتفالًا بـهذه المناسبة التي لا تحدث إلا مرة واحدة كل شهر .. والأهم هو أن ( النفسية تزين ) و( تخف الضغوط) ولو لأيام معدودة .. لكن سرعان ما ينظر بعدها معظمنا إلى حسابه، ويتساءل نفس السؤال المكرور : أين (طار) الراتب؟! لتبدأ مرحلة (الاقتصاد) الكئيبة ، تليها أيام (التقشف) الأكثر كآبة ، وربما تنتهي الأيام الأخيرة من الشهر بالاستدانة أو استخدام البطاقة الائتمانية ، حتى يصل الراتب الجديد لتعود الكرّة من جديد بنفس الخطوات؛ و الأخطاء وكأننا لم نستفد من درس الشهر الماضي شيئاً !.
▪️ المشكلة في (دورة حياة الراتب) القصيرة هذه ، ليست دائمًا في مقدار الراتب، بل أحيانًا تكون في طريقة وصوله إلينا، فقد اعتدنا على وصول الراتب كاملاً وعلى دفعة واحدة ، مع أن هذه ليست الطريقة الوحيدة لدفع الأجور في العالم.. ففي دول مثل الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبية وآسيوية ؛ هناك جهات تدفع الرواتب مرتين في الشهر، وأنظمة أخرى تدفع الأجر كل أسبوعين ، وهما نظامان مختلفان بالمناسبة .. وجميعها تستحق الدراسة وربما التجربة .. و التجربة لاتعني فرضها غدًا على جميع الموظفين، ولا أن نقتطع من رواتب الناس رغماً عنهم، أو التحكم في أموالهم، وإنما تجربة الفكرة في بعض الجهات بصورة اختيارية ومدروسة ، نصف الراتب في منتصف الشهر، والنصف الآخر في نهايته.
▪️ قد تبدو المسألة مجرد تغيير في موعد الاستلام، لكنها بالنسبة لبعض الناس قد تغير طريقة إدارة الشهر كله.. فعندما يستلم الموظف عشرة آلاف ريال مثلاً؛ دفعة واحدة، يشعر في الأيام الأولى بوفرة مالية قد تؤثر في قراراته الشرائية .. أما عندما يصله نصفها ، وهو يعلم أن الخمسة الأخرى ستأتي بعد أسبوعين، فإن المسافة بين الدخل والإنفاق تصبح أقصر، وقد تصبح إدارة المصروفات أسهل .
▪️ الفكرة بالتأكيد لا تزيد الراتب.. لكنها تعيد توزيع الإحساس بالقدرة على التحكم بالإنفاق، كما أنها قد تقلل مشكلة «آخر الشهر» ، وربما تساعد الأسر على تنظيم التزاماتها ، دفعة للإيجار والأقساط والالتزامات الثابتة، وأخرى للمعيشة والمصروفات المتغيرة، بدل أن تتزاحم كل الأموال وكل القرارات في يوم واحد.. ناهيك عن أثرها الإيجابي في بيئة العمل؛ فالموظف المستقر ماليًا ونفسيًا أقدر على التركيز والإنتاج.
▪️ أدرك أن هذا النظام لن يرحب به البعض، ولن يناسب الجميع، فهناك موظفون منظمون ماليًا؛ يجيدون توزيع رواتبهم ، بل ان بعضهم يدخر ويستثمر ويعرف أين يذهب كل ريال.. وهذا لن يضيف له نظام الدفعتين شيئًا.. لكننا لا نتحدث عن هذا النموذج الملتزم، بل عن الموظف الذي يبدأ الشهر بإنفاق من لا يخشى الفقر ، وينهيه بالاستعاذة منه !.
▪️. لقد تطورت طريقة عملنا، وطريقة تسوقنا، وطريقة دفع مشترياتنا ، وحتى طريقة إنفاقنا للمال.. بينما لايزال الراتب يصلنا بالطريقة نفسها منذ عقود.. وربما حان الوقت ألا نسأل فقط كم ندفع للموظف؟ بل نسأل أيضًا كيف ندفع له؟.
⭕️ الجماعة أولاً.. ولو هلكت الأوطان !⭕️
🍃محمد البلادي
▪️. لم يكن (جهيمان) أول رجل في التاريخ يقنع أتباعه بأنهم الوحيدون على الحق، وأن العالم من حولهم قد ضل الطريق.. ويدفعهم إلى اقتحام المسجد الحرام في العام 1979 في مغامرة (خلاصية) دامية صدمت العالم الإسلامي كله، وأثارت سؤالاً كبيراً: "كيف استطاع رجل لم يتجاوز تعليمه النظامي الصف الرابع الابتدائي أن يقنع جموعاً من الناس، بينهم من يفوقه علماً وتعليماً، بفكرة تصل بهم إلى مصادمة مجتمع كامل والمخاطرة بحياتهم من أجلها ؟
▪️ قبل جهيمان بعام واحد فقط، انتهت جماعة «معبد الشعوب» التي قادها الأمريكي (جيم جونز) بكارثة راح ضحيتها أكثر من 900 شخص، بعد سنوات من العزلة والأدلجة والطاعة لقائد كان في نظر أتباعه مصدرًا وحيداً للحقيقة ! . ثم تكرر المشهد مرة ثالثة مع تنظيم «بوابة السماء»، حين أنهى 39 شخصاً حياتهم عام 1997، إيماناً بفكرة غريبة قادتهم في النهاية إلى الموت الجماعي ! . اللافت في الحالات الثلاث أن المشكلة لم تكن في غرابة أفكار الرؤساء فقط.. بل في توقف أفراد هذه الجماعات عن اختبار هذه الأفكار بعقولهم، ورؤيتها من خلال عقل الجماعة، حتى انتهت بهم الطاعة العمياء إلى مايشبه الإنتحار الجماعي .
▪️ إذا كنت تتساءل الآن كيف يصدق إنسان عاقل شيئاً يناقض ما يراه من حقائق؟ فربما تساعدك تجربة عالم النفس الأمريكي (سولومون آش) على فهم هذا التناقض.. فقد وضع أشخاصاً عاديين أمام مجموعة من الخطوط، وطلب منهم تحديد أيها متساوٍ في الطول؟ كانت الإجابة واضحة، لكنه وضع بين المشاركين أشخاصاً متفقين مسبقاً على إعطاء إجابة خاطئة.. والمفاجأة أن بعض المشاركين تبنوا الإجابة الخاطئة! مما يؤكد على أن الإنسان ليس بحاجة دائماً إلى قائد شديد الذكاء لكي يتنازل عن عقله.. أحياناً تكفيه حواضن اجتماعية يحب الانتماء إليها، ويخشى العزلة خارجها.
▪️ بالطبع .. يصبح الأمر أكثر خطورة حين نكون أمام تنظيمات عقائدية مغلقة، تبني لأفرادها عالماً وهمياً (نحن أهل الحق.. المستهدفون دائماً، وهم المتآمرون دائماً.. قائدنا يرى ما لا يراه الآخرون، والاعتراض عليه خيانة، والتراجع عن الطريق سقوط).. هنا لا يعود الإنسان مجرد فرد، بل تبدأ الجماعة في إعادة تشكيل نظرته للعالم والحياة ، تحدد له من يحب ومن يكره، وتختار له أعداءه، وتقدم له تفسيراً جاهزاً لكل ما يحدث.. ثم تمنحه فوق ذلك شعوراً وهمياً بالقيمة: "أنت جزء من معركة كبرى، ومشروع يتجاوز حياتك الشخصية "
▪️ أخطر صور هذا التعليب الفكري ما تشاهده في منطقتنا اليوم من تنظيمات وفصائل مسلحة، تحولت عقائدها إلى هويات سياسية وعسكرية تتقدم على فكرة الدولة نفسها.. حيث ينشأ أفرادها في شرنقة الثنائية الحادة (الحق والباطل، الولاء والخيانة).. ثم يصبح الانتماء للمشروع العقائدي الضيق وقادته معياراً للحقيقة، حتى إذا تعارضت مصلحة الجماعة المغلقة مع مصلحة المجتمع أو الدولة، تقدمت الجماعة في ذهن أتباعها!.
▪️ هكذا تستطيع هذه الهياكل المؤدلجة أن تدفع شباباً إلى معارك يعرف العقل المجرد أن كلفتها أكبر من مكاسبها، وتدخل مجتمعاً كاملاً في مواجهة لم يخترها، ثم تعيد تعريف أو قل ( تزييف ) نتائجها لأتباعها ، فالخسارة تصبح انتصارًا، والدمار تضحية، والعزلة صموداً، والموت بطولة! والأخطر أن الفرد الغارق داخل هذه القواقع لا يرى نفسه ضحية كما نراه نحن من الخارج.. بل يعتقد أنه أكثر الناس وعياً وإيماناً وشجاعة طبعاً ! .
▪️ النتائج واضحة أمامنا ، مدن مدمرة، واقتصادات منهكة، وأسرًا مفجوعة، وأجيالًا تدفع الثمن.. لكن كلما ازدادت الخسائر والعزلة قيل لهم: العالم يتآمر علينا.. وكلما ارتفعت الكلفة قالوا: لأن قضيتنا عظيمة.. وهكذا تتحول الفكرة إلى دائرة مغلقة يصعب اختبارها او الخروج منها ؛ فحتى الأدلة التي يفترض أن تكشف خطأها يُعاد تفسيرها لتصبح دليلًا جديدًا على صحتها !.
▪️ أخطر ما يمكن أن تفعله جماعة بإنسان ؛ ليس أن تقنعه بفكرة خاطئة.. بل أن تقنعه بأن هويته ووجوده كله مرتبطان بتلك الفكرة.. عندها قد يصبح مستعدًا لأن يخسر مستقبله، ومجتمعه، ووطنه، وربما حياته.. قبل أن يمتلك الشجاعة ليراجع نفسه ويسألها سؤالًا عقلانياً واحدًا: هل نحن فعلاً على حق ؟
⭕️ من أخذ مكاني؟! ⭕️
🍃محمد البلادي
▪️ يقول أحد الأصدقاء: تعودت لسنوات على الصلاة في مكان بعينه داخل مسجد الحي، حيث أضع فيه حامل المصحف ومسبحتي الخاصة ، ولأنني ولله الحمد كنت من المبكرين في الحضور، فقد كان المكان متاحًا لي في معظم الصلوات، حتى إني أصبحت اتجه إليه بطريقة آلية ؛ ودون تفكير ، بعد أن نشأت بيني وبينه ألفة جعلتني أشعر بأنه «مكاني» الذي لا ينازعني فيه أحد من العالمين !.
▪️ ذات يوم تأخرت قليلًا، لأفاجأ برجل كبير في السن يجلس في مكاني بكل طمأنينة .. شعرت بضيق واستفزاز كبيرين وكأن حقاً من حقوقي قد اُغتصب ! .. فكرت لوهلة بالتحدث معه ، لكن سنه ؛ وانهماكه في الدعاء منعاني .. تراجعت بحثاً عن مكان آخر، لكن عيني ظلت تذهب بين حين وآخر نحو الرجل ومكاني ( المغتصب) ، ووجدتني أردد في داخلي بشيء من الامتعاض: «لقد أخذ مكاني!».
▪️ يضيف: صليت مشتت الذهن، ثم خرجت من المسجد، لكن عبارة «أخذ مكاني» مازالت ترن في ذهني . في طريقي للمنزل ، وبعد لحظات من الاستغفار، بدأت موجة الغضب تنحسر، وبدأت أرى الموقف بصورة مختلفة.. فالرجل لم يفعل شيئًا يستحق كل هذه الغضبة!.. لم يدخل بيتي ويجلس في مكاني ، ولم يوقف سيارته في موقفي الخاص، وإنما جاء إلى بيت من بيوت الله، ووجد مكانًا خاليًا فجلس فيه! .. ثم وجدت نفسي أضحك وأقول : «مكاني؟! وكيف أصبح لي مكان خاص في المسجد؟! هل ملكته بوضع اليد ؟! كل ما في الأمر أنني جلست في هذه البقعة سنوات، حتى اعتدت عليها ، وربما اعتاد على رؤيتي فيها جيراني في الحي ، ثم تحول هذا (الاعتياد) في داخلي إلى شيء يشبه الملكية» !. واصلت طريقي للمنزل وأنا أحوقل وأستغفر.
▪️ قاتل الله التعوّد.. كم أوهمنا بالملكية والاستحقاق في كثير من جوانب حياتنا .. فأحيانا ً نعتاد خدمة يقدمها لنا شخص بحكم المحبة أو المروءة، فإذا اعتذر عنها يومًا شعرنا أنه قصّر في حق من حقوقنا !.. أو نعتاد ميزة (استثنائية) يمنحنا إياها مدير في العمل، حتى إذا تغير المدير أو أوقفها ؛ قلنا إن حقوقنا سُلبت! .. وكآباء كثيراً ما نعتاد أن يستشيرنا أبناؤنا في كل صغيرة وكبيرة، فإذا كبروا واستقلوا بقراراتهم حسبنا ذلك جحودًا وعقوقاً !.. أو عندما نعتاد أن يبادرنا شخص بالسؤال والاتصال والمعايدة ، حتى إذا توقف سألنا مستنكرين: لماذا تغيّر؟ دون أن نسأل أنفسنا: وكم مرة بادرناه نحن؟!.
▪️ بالتأكيد هناك حقوق يضمنها الدين والنظام والمواطنة ، وأخرى تصنعها العقود والعِشرة والوفاء، لكن المشكلة تحدث حين نخلط بين «الحق» و«الاعتياد»، وبين «الفرصة» و«الملكية الخاصة ».. ولعل المعيار الأبسط الذي يستحق أن نتوقف عنده هو أن نسأل أنفسنا بأمانة وعقلانية : هل هذا هو حقٌ لي فعلًا، أم أنني فقط اعتدت الحصول عليه؟.
▪️ يختم صديقنا القصة بالقول: دخلت المسجد في اليوم التالي، فوجدت مكاني الأثير خاليًا، لكنني وعلى غير عادتي، وجدت نفسي متجهًا للصلاة في مكان آخر.. لا أعرف لماذا فعلت ذلك، ربما لأقول لنفسي إنني فهمت الدرس؛ فالاعتياد على الأشياء لا يمنحنا ملكيتها، وأن بعض ما نخشى أن يأخذه الآخرون منا ، لم يكن لنا أصلًا.. ربما !
*🌄ومضــة... الفجـــــر 🌄*
💧اعظم ما تقدمه لشخص يتألم أن تكون حاضرًا معه بقلبك قبل لسانك، هذه هي المواساة الحقيقية، لا تُلزم نفسك بإصلاح ما لا يُصلَح، يكفي أن تُشعره بقربك منه، الاحتواء لا يتطلّب كلمات كثيرة، بل قلبًا مفتوحًا؛ فبعض اللحظات يكفيها صديق صادق لا يُنكر الوجع ولايستعجِل تجاوزه،كُن ذلك الشخص الذي يُخفف الألم لا من خلال الحل، بل من خلال الحضور .
📍- الحكمة: ألَّا تتكلَّمَ إلا إذا دعتِ الحاجةُ.
📍- والأدب: ألَّا تُقاطعَ مَن يتكلَّمُ.
📍- والعقل: أن تعيَ كلامَ مَن يتكلَّمُ.
📍- والذكاء: ألَّا تُصدِّقَ كلَّ مَن يتكلَّمُ..
🌹هـــمســـة مـحـب ..
لا تغلق على نفسك أبواب الحياة، ولا تحبس روحك في غرفة مُظلمة، بل افتح نوافذ الأمل، ودع نسائم التفاؤل تتسلّل إلى قلبك.
الحمدلله على فضله وجوده وكرمه أنهينا اليوم الأحد 21/ 5/ 1440 مناقشة رسالة الدكتوراه بتقدير ممتاز من المركز القومي للبحوث جامعة المنصورة نسأل الله أن نكون من الشاكرين