هل تظن يا صندل أنك أحرص مني على قضيتي؟ هل تظن يا حبّة رمل أنني جاهل لا أميّز الهبل من الحقيقة وقاعد بستنى منك تحكيلي شو بنفع أحب وشو مش لازم أشجع؟
إذا كان جهلك ما علّمك توصل للحقيقة بأبسط الطرائق الممكنة وبخليك تآمن أنه الخزعبلات هي حقائق، فهذا جهل بخصّك لحالك، لا توزّعه علينا.
بما إنه الجهل في طرح الآراء وصل إلى هذا الحد، أودّ أن أتدخّل وأقول 80 كلمة أو أكثر قليلًا.
غريب هذا الكمّ الهائل من الفجاجة والادعاء بامتلاك الحقيقة الكاملة!
إن كان ميسي "صهيوني" كما تدّعي.. أنا كفلسطيني ليش بدي أشجّعه مثلًا؟ ليش بتفكر حالك سيّد المعرفة والباقي في ضلال وغيبوبة؟
سأعمل من الحبّة قبّة وأقول: إن مثل هذه الآراء لربما تكون السبب الأوّل لانتشار الخراب في العالم، من خلال دسّ الوهم في الوعي الجمعي للشعوب.. وقس على ذلك كلّ شيء.
يرسل الليل أولاده الصغار بدلًا عنه؛ لا يمكن لرجل كبير شهد بداية العالم منذ أول دقيقة، أن يتصرف معنا على هذا النحو من القلق، وأن يرمي الحجارة كل لحظة على زجاجنا الهشّ.
في الليل، أضع رأسي على الوسادة، وأحاول عاجزًا اصطياد النوم بالبكاء، أو بالموسيقا. إلا أن الطفلتين داخل اللوحة تصرخان في وجهي: توقّف، وإلا ألقيناك في زجاجة الماء. ثم سرعان ما أتوقف، لأنني لم أختر شيئًا طوال حياتي، وعندما اخترت الهرب، دخلت زنزانة أخرى.
لم أختر شيئًا طوال حياتي، وعندما وضعوا أمامي خيارين، اخترت الهرب؛ لأنني لم أستطع استيعاب الظلام أكثر من ذلك. أردت الهرب إلى النوافذ التي تخبئ خلفها أخشابًا وأصواتًا غير متْعَبة، وكل ما فعلته هو أنني دخلت زنزانة أخرى: واسعة، فيها زجاجة ماء ووسادة، وطفلة تحمل أختها داخل لوحة.
كنت أتجنب النظر في المرآة،لا أريد أن تلتصق صورة هذا الشكل في ذهني. لحية عفنة؛ يضع النمل فيها ما تبقى من أغراضه التي يسرقها من الفقراء، وشعر رأس أشبه برقعة شطرنج خاسرة، أما ملامح الوجه فتخبرني ألا أخرج إلى الشارع،يبدو واضحًا أنني لست من هنا، وهذه المدينة تعامل الأغراب بعدم رؤيتهم.
أحتاج إلى أسنان طازجة أخمشُ بها قلقي وتلعثمي، وأجرح بها وجه التردّد وخاصرة الطريق.
فمنذ زمن بعيد تخلّيتُ عن فكرة النار لأولئك الذين لم يروا في الجدران سوى ظلالها.
أمّا أنا، فقد رأيت فيها ملحها، وذكراتها، وفزعها، وشياطينها، ونعاسها، وتعرّفت إلى أنين كلّ قطعة زجاج فيها، وتكهّنتُ بمواعيد صدئها وسقوطها
عرفتُ كلّ هذا ولم أمدّ يدي إلى لقب "عرّاف الأمكنة"،
فقد تخلّيتُ عنه لأولئك الذين لم يروا في الجدران سوى ظلالها.
"بقليل من الحطب، بقليل من الدخان؛ أُحْيي الآن ذكرى الشجر، ذكرى غابات كثيرة نبتت في ذاك الماضي في رأسي، وكنتُ طيورها، وحطَّابها، والمشتعلين في مواقدها" (وديع سعادة).
خائف من ألا يكون وجهي واضحًا عند النهاية، وجه مجعّد بلا ابتسامة حقيقيّة.
خائف من ألا يعرفني صاحب الدفتر الطينيّ، ويقيّمني بناء على تصرّفي مع الأشياء، وليس على تصرّف الأشياء معي، ثمّ يضعني مع الذين تزلّجوا على جبال الراحة وأنا طوال هذا الوقت لم أقوى على لفظ المفردة أصلًا.
خائف من أن أستيقظ دون رغبة أو قوّة؛ نملٌ يجرّني إلى حجرته، وكسل يسيّرني معه.
لست طازجًا، صدئ من التجارب، راكض على الدوام، ولا أصل، أصل ولا أقف.
بارع في فكرة الحبّ، وفاشل في إعطائه، أقاتل على ناصية واحدة، أكثر من ناصية تقاتلني.
خائف من ألا أكون كافيًا لنفسي، للعائلة، للمرأة التي تبكي وحدها.
بارد إن رأيتني، طافحٌ بالدفء إن مددت يدك لي.
لا هيئة معيّنة تُعرّفني، أنا إنعكاس لما يحدث داخلي، أُضحِكُك، وأضحك معك، أخبرك أنني ذاهب للهو، وملذّاتي هي مخاوفي.