سيكولوجيا الاستشهاد: لماذا بقي السيّد حسن نصر الله في الضاحية رغم علمه بأنه سيُقتل؟
السلام عليكم إخواني،
اليوم سأجيب عن سؤال ظلّ يتردّد في داخلي منذ اليوم الذي أعلنت فيه المقاومة استشهاد السيّد حسن نصر الله في سبتمبر عام 2024. لم أسأل كيف مات، بل لماذا استشهد بهذه الطريقة. لماذا بقي في الضاحية الجنوبية؟ لماذا لم يغادر إلى موقع سري أو جبل أو نفق أو مكان محمي؟ لماذا أصرّ أن يبقى في النقطة التي يعرف أنها ستكون الأولى على قائمة أهداف إسرائيل؟ هل كان قراره استشهاديًا صرفًا؟ هل كان قرارًا رمزيًا؟ سيكولوجيًا؟ سياسيًا؟ أم شيئًا أبعد من كل ذلك؟
علم النفس الحديث، وتحديدًا علم النفس الوجودي كما في أعمال فيكتور فرانكل، يقدّم مدخلًا هامًا لفهم هذه المواقف. في كتابه «الإنسان يبحث عن معنى»، يذكر فرانكل أن الإنسان يستطيع أن يتحمل أقسى ظروف الحياة أو الموت إذا شعر أن حياته تخدم هدفً�� يتجاوز ذاته. السيد نصر الله لم يبقَ في الضاحية لأن الظروف أجبرته، بل لأنه اختار البقاء رغم معرفته ��لمسبقة بالمخاطر. هذا قرار لا يمكن عزله عن السياق النفسي الداخلي لفكرة الاستشهاد، التي لا تعني فقط السقوط في المعركة، بل تعني مواجهة الموت كجزء من الهوية، من المعنى، من القيادة ذاتها.
هذا النمط من القرار ليس معزولًا في التاريخ. في الثورة الروسية، كانت إينيسا أرماند، من أبرز قيادات البلاشفة، قد أصيبت بالكوليرا في منطقة قوقازية موبوءة لأنها رفضت مغادرة السكان المرضى، وقالت إن القائد لا ينفصل عن جماعته في المحنة. روزا لوكسمبورغ بقيت في برلين وهي تعلم أن فصائل القمع ستغتالها، لأنها رأت أن الثورة لا تُدار من بعيد. ليون تروتسكي، في «حياتي»، يذكر أن الثورة تأخذ م�� المرء كل شيء، بما في ذلك حياته، حين يتحوّل القائد إلى صورة للفكرة لا لشخصه.
في الحالة الشيعية، الاستشهاد ليس حدثًا عرضيًا بل هو بنية رمزية مرتبطة بال��يادة الأخلاقية. الحسين بن علي، في كربلاء، خرج وهو يعلم أنه لن ينتصر عسكريًا، لكنه رأى أن الانسحاب موت معنوي، وأن الشهادة وحدها تحفظ المعنى. هذا النموذج الفكري والأخلاقي يتكرّر في تجربة السيد حسن نصر الله: أن تكون في الموقع المستهدف، وتبقى فيه، وأنت تعرف يقينًا أنك الهدف، يعني أنك لا تعيش فقط باسم القضية، بل أنك تموت لتؤكّد أن القضية ليست خطابة، بل دم.
في علم النفس الجماعي، تبرز نظرية “الانصهار الهوياتي” التي تحدّث عنها وليام سوينسون، والتي تقول إن بعض الأفراد يندمجون مع مجموعتهم أو قضيتهم لدرجة يصبح فيها أي تهديد لها تهديدًا لذاتهم، ويصبح الفناء جزءًا من الحفاظ على الذات المتماهية مع المعنى الأعلى. هذا ما فعله نصر الله: لم يبقَ فقط في الضاحية بوصفه القائد، بل بوصفه الذات الرمزية لتلك الأرض، لذلك الناس، لذلك الخط.
في كتاب «الخوف من الحرية» لإريش فروم، يُطرح سؤال جوهري: هل ��ستطيع الإنسان أن يتحرّر من ذاته دون أن يفقد هويته؟ الشهيد، في هذا السياق، هو من يجيب بنعم، لأنه لم يعد يرى نفسه كجسد يجب حمايته، بل كقيمة يجب إثباتها ولو بالزوال الجسدي.
الأمثلة ليست قليلة. أميلكار كابرال، قائد الثورة في غينيا بيساو، رفض الحراسة لأنه قال: “إذا اختبأ القائد، تختبئ الفكرة.”، وقُتل. باتريس لومومبا رفض التفاوض على حياته، وقُتل. حتى خارج الإطار السياسي، في الأدب والمسرح، نجد في مسرحية «أنتيغونا» لسوفوكليس، أن الشخصية الرئيسية تذهب للموت بوعي لأنها ترى أن البقاء يعني الانفصال عن المبدأ.
قرار البقاء في مكان الخطر، رغم امتلاك القدرة على الانسح��ب، ليس غريزيًا. الغريزة تدفع الإنسان للهروب. أما الوعي، حين يصعد إلى مستوى المعنى، فقد يدفعه للبقاء. هذا هو جوهر القرار الذي اتخذه السيّد حسن نصر الله، سواء شعر به الناس أم لم يشعروا: لقد اختار أن يُقتل، لا لأن الموت يُغريه، بل لأن المعنى كان يستدعي أن يبقى. أن لا يغادر. أن يتحمّل حتى النهاية ما طلبه من رجاله أن يتحمّلوه.
جنازته لم تكن جنازة قائد سياسي. كانت لحظة تثبيت جماعي لحقيقة رمزية: أن القيادة ليست بقاءً في المنصب، بل استعداد دائم للزوال من أجل إثبات الفكرة. ولهذا بقي في الضاحية. ولهذا قُتل فيها. ولهذا صار استشهاده لحظة وعي أعمق من كل خطاب، أبلغ من كل ظهور تلفزيوني، وأشد وقعًا من كل معركة خاضها في حياته.
ذلك هو الشهيد، حين يُولد المعنى من جسده، لا من شعاراته.
لا شكّ أنّ الاعتداء على القوات الدولية مرفوض ومُدان من أيِّ طرفٍ أتى، لكنّ هذه الحادثة التي يجب محاسبة مرتكبيها، يُفترض أن لا تحرف الأنظار عن الحقيقة الواضحة بأنّه يُراد أن تبقى منازل اللبنانيين التي دمّرها العدو الإسرائيلي من دون إعمار. يُراد للحرب الإسرائيلية أن تُستكمل بحصارٍ خانق يمنع إعادة الإعمار وإيواء الناس. هذه الحرب موجَهة ضد أهل المقاومة تحديداً.. ضد فئة محددة من اللبنانيين.. يمارسها الأمريكي والإسرائيلي وتُساعده فيها أدواتٌ من الداخل.
تضحيات كبيرة لكن لا ذرة ذل أو إنكسار بل بطولة كاملة في موقف صحيح وصائب سياسيا وأخلاقيا. أما الضبا�� الشامتة فلا تنال إلا مذلة الجبن ودناءة الاستقواء وبقايا الفتات.
لا يوجد عمل خالٍ من العقبات. عندما يواجه بعض الأشخاص عقبة ما، يكون خيارهم الأول هو التراجع، ولكن هذا النهج غير صائب. حاولوا تجاوز العقبة، ولا تخافوا منها.
هذا تاريخ يُصنع أمامنا، مباشرة على الهواء، ليل ١٣-١٤ / نيسان ٢٠٢٤.
ثَبْتٌ أوليّ لوقائع الليلة الطويلة، قبل النوم:
⁃لأول مرة تُضرب "إسرائيل" من داخل الأراضي الإيرانية، وإنْ كان هذا الهجوم رداً على تدمير مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق. وبما أن الهجوم ردٌ على عدوان إسرائيلي، كانت لدى إيران مشروعية داخلية وخارجية للقيام بهذه الخطوة غير المسبوقة من قبلها.
⁃كانت "إسرائيل" تتجهّز للضربة الإيرانية، ومعها الغرب الجماعي بطائراته ودفاعاته الجوية في الميدان. رغم ذلك، أغرقت إيران الأجواء الإسرائيلية بالمسيّرات والصواريخ، من كريات شمونه شمالاً إلى أم الرشراش ("إيلات") جنوباً. على مدى أيام، انشغل الصهاينة والغربيون برفع سقف التوقعات بشأن الرد الإيراني، لجعله يبدو ضعيفاً بعد تنفيذه، فإذ بصافرات الانذار تشتعل ٧٢٠ مرة في فلسطين المحتلة، لتضيف سبباً جديداً إلى أسباب تراجع ثقة المجتمع الإسرائيلي بأمنه في فلسطين.
⁃هذا الإغراق هدفه من جهة إظهار القدرة، ومن جهة ثانية السماح للصواريخ الإيرانية بالوصول إلى هدفين محددين مسبقاً (قاعدتين عسكريتين، إحداها القاعدة الجوية التي استخدمها جيش الاحتلال للاعتداء على القنصلية الإيرانية في دمشق).
⁃رغم الاستنفار الغربي والإسرائيلي والأردني، ومبادرة هذه الدول وغيرها إلى التصدي للهجوم الإيراني دفاعاً عن "إسرائيل"، أصابت صواريخ إيرانية قاعدتين على الأقل لجيش الاحتلال الإسرائيلي. الحرس الثوري الإيراني أعلن أن صواريخه أصابت قاعدة جوية إسرائيلية على الأقل، قبل أن يعترف جيش الاحتلال بذلك. هذه الإصابات تحققت رغم أن إيران لم تكن في مواجهة كيان الاحتلال ��حده، بل في مواجهة الغرب مجتمعاً والأنظمة التابعة له. كل أجهزة الاستخبارات ومنظومات الرصد والإنذار والتصدي التي بناها الغرب على مدى عقود وُضعت في الميدان في هذه الليلة، دفاعاً عن "إسرائيل".
⁃لم تستخدم إيران أفضل ما لديها من المسيّرات، بل ربما تكون هذه الجولة قد اقتصرت على أبطأ المسيّرات الإيرانية. كأن إيران تقول "هذا ما يمكنني فعله بأقل من مئتي مسيّرة من هذا النوع، وأنا مستعدة لاستخدام الأكثر تطوراً في حال تم الاعتداء على الأراضي الإيرانية، فلا تتمادوا".
⁃الردع الإسرائيلي في أسوأ حالاته. ولن يرممه رد عسكري إسرائيلي على إيران، داخل الحدود الإيرانية. فأي ��د إسرائيلي قاسٍ على الداخل الإيراني سيستدعي رداً إيرانياً أقسى من الذي شهدته فلسطين المحتلة اليوم، كماً ونوعاً. ثمة ما انكسر ولا يمكن جبره سوى بهزيمة تامة لأعداء "إسرائيل"، وهو ما ليس بمتناول يد محور الإبادة.
⁃بعد السابع من أكتوبر، قالت "إسرائيل" إنها متجهة إلى تغيير "الشرق الأوسط". العدوان على القنصلية الإيرانية في دمشق كان في هذا السياق، نقلة نوعية تتجاوز كل الخطوط الحمراء. لكن الرد الإيراني على الداخل المحتل أحبط الهدف الإسرائيلي. صارت "إسرائيل" مضطرة إلى التراجع عما حاولت فرضه بقصف القنصلية.
⁃أظهرت وقائع الليلة الماضية، كما طوفان الأقصى، هشاشة الواقع الإسرائيلي، وحاجة الكيان الحيوية للحماية الغربية، ولو للتصدي لأقل من ٤٠٠ مسيرة وصاروخ، رغم التباهي الإسرائيلي والأميركي بطبقات الدفاع الجوي في كيان الاحتلال. في مواجهة محدودة كالتي وقعت الليلة الماضية، كانت "إسرائيل" بحاجة إلى جيوش الغرب وعرب التطبيع، للدفاع عن نفسها، رغم أن كل طائرات سلاح الجو الإسرائيلي كانت في الأ��واء للتصدي للصواريخ الإيرانية، كما لحمايتها من الضرر الذي قد يلحق بالقواعد الجوية في كيان الاحتلال.
⁃بعد الرد الإيراني، ابتلع بنيامين نتنياهو الموسى. الرجل بنى مسيرته السياسية كاملة على قاعدة مواجهة الخطر الإيراني. وعندما أتت إيران لتوجه ضربة تاريخية للكيان (وصْف "تاريخية" صدر من "إسرائيل" نفسها)، كان يجب عليه أن يرد بقسوة على إيران، داخل حدودها، بلا تردّد. لكنه و��د نفسه أمام معضلة أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" تدركان تماماً أن أي استهداف للأراضي الإيرانية سيُقابَل برد أقسى مما شاهدناه الليلة الماضية. وبالتالي، بات من الصعب توقّع القرار الأميركي الذي سيصدر في الساعات المقبلة بشأن السماح لـ"إسرائيل" بالاعتداء على الأراضي الإيرانية او عدمه، علماً بأن ما تسرّب في الساعات الأخيرة يوحي بأن بايدن لا يحبّذ رداً إسرائيلياً، خشية ردود إيرانية وجولة من الردود المتبادلة التي قد تشعل كامل الإقليم. (الرد على القنصلية جعل إيران ترد بهذه الطريقة، فكيف سيكون الرد على أي هجوم على الداخل الإيراني؟)
⁃مسألة أخيرة: الرد الإيراني سيساهم في تدعيم موقف المقاومة الفلسطينية في غزة في المفاوضات التي تخوضها لتحقيق وقف لإطلاق النار. فالهجوم الإيراني يفاقم من التوتر الإقليمي الذي تسعى واشنطن إلى ضبطه منذ السابع من أكتوبر الماضي.
تصبحون على خير ونصر.
لِنبي الإسلام (ص)، الشمس الساطعة في عالم الوجود، حقّ في أعناق أفراد البشر كلهم. إن أفراد البشرية كافة مدينون لذلك الجليل (ص) بكل ما للكلمة من معنى. لقد قدّم النبي الأعظم (ص) إلى البشرية وصفة علاج لآلامها الأساسية كافة.