بعث يزيد بن معاوية كتاباً إلى عبيد الله بن زياد يأمره فيه بحمل رأس الحسين؏، ورؤوس من استُشهد معه، مع الأسارى من نسائه وعياله إلى الشام، فاستدعى ابن زياد مُحفّر بن ثعلبة العائذي فسلّم إليه الأسرى والنساء(١).
لكنّه أمر بأن تبقى في الكوفة نساء الذين قُتلوا مع الحسين؏ من أهل الكوفة، مثل زوجة حبيب بن مظاهر الأسدي وغيرها من النساء، ولكنّ عيال الحسين؏ ومن كنّ من المدينة والحجاز، هؤلاء أرسلهم مع مُحَفِّر بن ثعلبة وشمر بن ذي الجوشن مشدودين على أقتاب الجمال، موثّقين بالحبال، ومعهم السجّاد علي بن الحسين؏ مغلولة يداه إلى عنقه في حالة مزرية ووضع مشين، فانطلقوا بهم حتّى لحقوا بالقوم الذين معهم الرأس(٢).
وأمر ابن زياد أن يشهروا بالنساء والأسارى في كلّ بلد يمرّون به، وأن يضيّقوا عليهم ولا يرحموهم.
كان بين الكوفة والشام ثلاثة طرق:
١. الطريق الأقرب، وهو الذي يمرّ على حوران، وبصرى، ومن ثمّ إلى دمشق الشام.
٢. وطريق آخر يمرّ على منطقة صفين وحلب، ومن ثمّ إلى بلاد الشام.
٣. وطريق ثالث يمرّ على الموصل والحديثة وعين الوردة ودعوات، ثمّ حلب ثمّ الشام.
وأمرهم بأن يسلكوا بالأسرى الطريق الذي يمرّ على صفين وحلب ثمّ إلى دمشق، وهو الطريق الأبعد ويمرّ على قرابة أربعين منزلاً، من القرى والأرياف التي يسكنها البشر.
وكان يريد بذلك استعراض القوّة، بالإضافة إلى التنكيل بأهل البيت تشفّياً لأحقاده الدفينة.
—————————————————
١ - اللهوف على قتلى الطفوف، ص ۱۷۱ .
٢ - الإرشاد، ج۲، ص۱۱۹ - تاريخ الطبري، ج٥ ، ص٤٦٠ - اللهوف علی قتلی الطفوف، ص۱۷۱.
هذا الدعاء عظيم جداً
اللهم أنت المُيسِّر وأنت المُسهَّل سَهِّل أمري وحقق مطلبي اللهم لا تبتليني بمن أحب بُعدًا ولا فَقدًا ولا حزنًا ، اللهم إني أعوذ بك من عينٍ تصيب القلب فتُحزنة والرزق فتُنقصه، والبال فتتعبه والنجاح فتُفشله اللهم أَخرجني من أشد الضيق إلى أوسع الفرج"
«إن بكائه يؤذيني» كلمة قالها رسول الله حينما سمع الحسين؏ يبكي في بيت فاطمة؏.
تُرى، ماذا كان يقول النبي لو رأي الشمر جالساً على صدره وهو يرفسه برجله ويقطع أوداجه، ثم يرفع رأسه على رمح طويل؟!
أسدل اللّيل أستاره، وحلّ الظّلام على تلك الصّحراء، واستبشر معسکر یزيد بعد أن أنهى مهمّته بنجاح، وأخفى كلّ أثر يمكن أن يبقى من جريمته البشعة…
ولكن هل حقّاً نجح في ذلك؟! لقد مرّت ليلة الحادي عشر من المحرّم على آل رسول الله كأصعب ليلة على الإطلاق، فقد أطلّت عليهم ومعهم العليل السجاد عليه صلوات الله والأطفال، ورجالهم صرعى وأطفالهم مذبوحون، وقد نهبوا الأموال والأزر والمقانع، وسوّدوا ظهور النساء بالسياط وكعاب الرماح.
واستولت على العائلة، خاصّة الأطفال منهم، حالة من الإعياء من كثرة البُكاء، وكانت أنفاسهم تخرج متقطّعة، ولم يكن لهم غطاء ولا فراش ولا ضياء ولا أثاث، فتجمعن يكفكفن دموعهن، ويجمعن عيالهن استعداداً للغد المجهول.
أما عبد الله وصاحبه عبد الرحمن فلم تنم لهما عين، وإنّما كانا يبكيان بالسرّ ويسجّلان كلّ ما شاهداه بأدقّ التفاصيل في ذلك اليوم العصيب.
فجأة لمح عبد الله شبح امرأة تتحرّك في الظلام فقال لصاحبه: أنظر ماذا تريد هذه المرأة؟
فتظاهر الرجلان بالنّوم وهما يراقبان الشّبح الذي كان يمشي أحياناً، ويتعثّر أحياناً، وهو يتّجه نحو ساحة المعركة، ومع أن المسافة لم تكن طويلة، إلّا أنّ صاحبة الشبح لم تكن قادرة على أن تقطعها مرّة واحدة، فكانت أحياناً تستريح ثم تقوم…
تخطّت الجُثث بصعوبة، واصطبغت أطراف عباءتها بدماء الشهداء، وسالت من قدميها الدماء بسبب الحسك وبقايا الرماح المكسّرة ورؤوس السهام المتساقطة، واستمرّت في مسيرها المضني تبحث بين الجثث عن جثة محدّدة، حتّى إذا وجدتها جلست عندها.
كانت الجثّة بلا رأس، لكن يبدو أنّها اهتدت إلى محبوبهــا مــن بقايا السيوف والرماح والأحجار حول مكان سقوطه، فجلست إلى جانبه، وصور ظهر عاشوراء لا تفارقها.
كانت صاحبة الشبح زينب؏، وكانت الجثَّة جثَّة الحسين؏، الذي قتلوه بكلّ ما يملكون من وسائل، حتى تكوّمت على جثّته بقايا سيوفهم ورماحهم وأحجارهم، وبذلك اهتدت زينب؏ إليه.
كان الرجلان يراقبانها، فوجدا أنّها وضعت يديها تحت الجسد المُقطّع، وحاولت أن ترفعه فلم تستطع، فقالت بصوت خافض مليء بالإيمان والثبات والعزيمة:
«إِلَهِي تَقَبَّلْ مِنَّا هَذَا الْقُرْبَانِ».
فقال عبد الرحمن: ما أعظم هذه السيّدة وأصبرها، ترى كيف تستطيع أن تفعل كلّ ذلك؟
فأجابه عبد الله: إنّه الإيمان بالله الذي يصنع المعجزات، ولا تنسى يا صاحبي إنّها من أهل بيت رسول الله.
قاطعه عبد الرحمن مشيراً إلى أرض المعركة وهو يقول: انظر إنها تصلّي وهي جالسة!
فقال عبد الله: أظنّ أنّها تصلّي صلاة الليل.
فردّ عليه عبد الرحمن: ربّما!
وبقيا ينظران إليها وهما في دهشة عظيمة إلى أن أكملت صلاتها بهدوء، ثم قامت وعادت باتّجاه المخيّمات المحروقة.
التفت عبد الله إلى صاحبه قائلاً: فلنكتب كلّ ذلك قبل أن ننساه.
وحينما انتهى عبد الرحمن من الكتابة قال لصاحبه: أتراها بداية، أم تراها نهاية؟
قال: لا شكّ أنّ لهذا اليوم ما بعده، فما وقع فيه شيء مهول لا سابقة له، ولا شكّ أنّ التاريخ سيغيّر مساره منذ هذه الليلة.
فقال عبد الرحمن: نحن إذن في بداية قضيّة كبرى، أهذا الذي تريد قوله؟
قال: نعم، إنّها حتماً إحدى المعارك الحاسمة في تاريخ هذه الأمة، ولكن إلى أين تسير الأحداث، وكيف تكون؟ لا أدري.
وعلى كل حال الكارثة وقعت على أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله.
فقال عبد الرحمن: اذكر لي شيئاً عن حياة هذه السيّدة التي أظهرت جَلَداً غريباً لا مثيل له خلال هذه الفترة القصيرة الّتي رأيناها فيها، هي أخت الحسين؏ الكبرى، أليس كذلك؟
قال عبد الله: نعم.
فقال عبد الرحمن: ما الذي ستقوم به الآن؟
قال: أرى أنّها ستقوم بأداء مسؤليّاتها تجاه ربّها، رغبة في كسب رضاه، حيث شاهدناها للتّو كيف قدّمت جسد أخيها قرباناً من أهل البيت لله، إضافة إلى حماية السّبايا من جهة، وبالخصوص الحفاظ على حياة علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام ومنع القتل عنه وعن ولده الذي تكلّمنا معه وهو محمّد الباقر؏، وإظهار التصبّر والتجلّد، حتى لا يؤثّر ذلك على نفسيّة الأسارى، ومنع العدوّ من الإعتداء على أحد منهم، وجعل عاشوراء شعلة لا تنطفي.
قال عبد الرحمن: أظنّ أنّها بما أطلقت من كلمات قصيرة هذا اليوم أمام الأعداء، تريد أن تزرع الندامة والحسرة في نفوس القوم، خاصة رؤساء هذا الجيش اللّجب الذي ارتكب هذه الجريمة، وأن تجعل التكفير عن خطيئتهم ميراثاً رهيباً مقدّساً، وأن تجعل من قضيّة الحسين؏ قضيّة لا تنتهي.
قال عبد الله: أتدري أنّ من كلمات رسول الله المأثورة في حقّ الحسين؏ قوله:
«إنّ لِقَتْلِ الْحُسَيْنِ حَرَارَة فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ لَا تَبرُدُ أَبَداً».
سيكون الحسين؏ كبيراً، وتأثيره سيكون واسعاً، وأظنّ أنّ زينب؏ سيكون لها دور عظيم فيما بعد هذه المعركة الحاسمة الّتي انتهت بمقتل الرجال من أهل بيت النبي…
عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:
كُلُّ قَولٍ لَيسَ للَّهِ فيهِ ذِكرٌ فلَغوٌ، وكلُّ صَمتٍ لَيسَ فيهِ فِكرٌ فسَهوٌ، وكلُّ نَظَرٍ لَيسَ فيهِ اعتِبارٌ فلَهوٌ.
- ميزان الحكمة
عن رسول الله صلى الله عليه وآله:
يقول الله عز وجل: إذا كان الغالب على العبد الإشتغال بي جعلت بغيته ولذته في ذكري، فإذا جعلت بغيته ولذته في ذكري عشقني وعشقته، فإذا عشقني وعشقته رفعت الحجاب فيما بيني وبينه، وصيرت ذلك تغالبا عليه، لا يسهو إذا سها الناس.
- ميزان الحكمة
عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:
فَيا لَها حَسرَةً على كُلِّ ذِي غَفلَةٍ أن يكونَ عُمُرُهُ علَيهِ حُجَّةً، وأن تُؤَدِّيَهُ أيّامُهُ إلى الشِّقوَةِ!
- ميزان الحكمة
عن الإمام زين العابدين عليه السلام:
الذُّنوبُ التي تَحبِسُ غَيثَ السماءِ: جَورُ الحُكّامِ في القَضاءِ، وشَهادَةُ الزُّورِ، وكِتمانُ الشهادَةِ.
- ميزان الحكمة