جوهر الإيمان الحقيقي لا يقتصر على المظاهر الطقسية أو التوجه لجهة معينة، بل يتجلى في التصديق القلبي بالغيبيات وترجمته إلى سلوك عملي. يظهر ذلك في الإحسان للخلق كبذل المال وصلة الأرحام وإغاثة المحتاجين وفك الأسرى، والالتزام بحقوق الله من صلاة وزكاة ووفاء بالعهود وصبر عند الشدائد. من جمع بين صدق العقيدة وإخلاص العمل فهو الصادق المتقي حقاً.
جمعة مباركة
تحديث معطيات اغلاق جلسة الاربعاء 16 سبتمبر :
أغلق #تاسي شبه مستقر عند 10,779.69 نقطة، منخفضًا 0.02%.
نجح المؤشر في تقليص خسائره بعدما لامس 10,751 نقطة،
لكن السيولة الضعيفة وعدم الثبات فوق 10,800 يعنيان أن الجلسة تمثل توقفًا مؤقتًا للبيع، لا انعكاسًا صاعدًا مؤكدًا.
"حرك مخك"
بعد 14 عاما من رحيل والدي فهد بن سعود الدغيثر في يوليو 2012، ما زالت عبارته حاضرة في داخلي بنبرته نفسها، كأن السنوات لم تمسها.
لم أكن أعلم، وهو يكررها، أنه يزرع في داخلي أمرا سيواصل العمل بعد رحيله.
فكلما واجهت في عملي أو حياتي سؤالا، أو مشكلة، أو فكرة، أتاني صوته قبل أن أتصرف:
"حرك مخك"
فتنتفض خلايا ذهني، كأن الأمر صدر منه لتوه.
حين أعود إليه بسؤال، كان يقدر المسافة التي يستطيع عقلي قطعها وحده.
فإن رأى أنني أستطيع الوصول، قال:
"حرك مخك"
وإن رأى أن زاويتي ضيقة، أشار إلى ما غاب عني، حتى أرى الموضوع كاملا.
كان يقضي معظم يومه قارئا؛ يفكك ما يقرأ، ويربط بين أجزائه، ثم يعيد تقديمه بتحليل يبهر من قصده أو عمل معه.
لم يكن أحد يغادر مجلسه كما دخله؛ فلا بد أن يخرج بمعلومة، أو فائدة، أو أداة للتفكير.
لذلك ازداد رواد مجلسه بعد مغادرته المنصب؛ فقد كان في مجلسه ما هو باقٍ وثمين: عقل يقصد لذاته.
ولم أدرك يومها أن منزلنا كان جامعة، وأن والدي أستاذها ومكتبتها ومرشدها.
وعندما كبرت، اكتشفت أن منهجه في التفكير كان حاضرا في عمله بمعهد الإدارة العامة. وكانت على مكتبه لوحة تستقبل الداخل عليه بكلمة واحدة:
"فكر"
وكان يسأل حين يرى تسرعا أو قرارا لم يمر بالوعي كاملا:
"هل استخدمت عقلك؟"
كان يريد أن نضيء المسافة بين الدافع والتصرف، حتى لا تختطف القرار دوافع خفية:
خوف نخفيه، أو مصلحة نبررها، أو إثبات للذات، أو كبرياء.
كان سؤاله يعيد القرار إلى وعي صاحبه؛ ليرى ما يحركه، ثم يختار ويتحمل اختياره.
ومع السنوات، أدركت أن "حرك مخك" و"فكر" و"هل استخدمت عقلك؟" لم تكن عبارات متفرقة؛ كانت منهجا واحدا في الحياة والعمل:
يوقظ العقل، ويوسع رؤيته، ويكشف دوافعه، ثم يمنحه حرية القرار ويحمله مسؤوليته.
وفي عمله، تحول هذا المنهج من كلمات إلى ممارسة؛ أدوات توسع القدرة، وقيادات تحسن الاختيار. فكان مبكرا في الأخذ بتقنيات عصره، مثل ادخال البطاقات المثقبة إلى العمل الإحصائي، والمايكروفيش إلى مكتبة معهد الإدارة العامة.
وحين انتقلت الدولة في السبعينيات من ندرة الموارد إلى وفرة مالية واسعة، انتقل التحدي من تدبير القليل إلى حسن توجيه الكثير؛ فأسهم في جعل معهد الإدارة بيئة تبني قيادات تفكر، وترتب الأولويات، وتتخذ القرار باستقلال
فكلما اتسعت الإمكانات، ازدادت الحاجة إلى عقل يحسن الاختيار.
أما قصتي معه، فأستعيد منها ثلاث محطات تربوية تكشف كيف كان يحول المواقف إلى أثر باق.
"هدية من المستقبل"
في عام 1980، وقد اتسعت خيارات الرفاه، اختار والدي لي هدية غير مألوفة:
جهاز Apple II، يوم كان الحاسب غريبا على البيوت والتعليم.
وضعه أمامي بلا شرح، كأنه يقول:
"حرك مخك بهذا"
فتركني أجرب وأخطئ، وكل جواب يفتح سؤالا جديدا.
ومن ذلك الجهاز بدأت مسيرتي بالبرامج المالية ثم التعليم الإلكتروني إلى الذكاء الاصطناعي.
ظننته هدية، فإذا به باب إلى المستقبل تركني أفتحه بنفسي.
"عقل منفتح له جذور"
وكما أراد لعقلي أن يتحرك، أراد له ألا يتحرك بعقل مستعار.
بنى فينا العقل والشخصية معا، ورسخ الهوية والانتماء للوطن؛ لأنه كان يرى أن من عرف نفسه، اتسع فكره واستقل قراره. درس في بيروت والقاهرة، وابتعث أبناءه إلى جامعات الغرب، فكان منفتحا على العالم، ثابت الجذور.
وكان مجلسه عامرا بتاريخ البلاد ورجالها. ولا أنسى عمق تأثره وهو يروي أهوال سقوط الدرعية، كأنه عاشها.
ظهرت قيمة ذلك حين درست في الولايات المتحدة في الثمانينيات، وسط فورة الاستقطابات.
تعلمنا من العالم، من غير أن نعير عقولنا لتطرف يغلقها أو انحلال يفقدها ميزانها.
"مقياس بقي معي"
حين أخبرته أنني قررت دخول مجال التعليم الإلكتروني، لم يهنئني مباشرة.
استقبل قراري بأسئلة أقرب إلى التحقيق: لماذا التعليم؟ ما دافعك؟ وهل تدرك تبعاته؟
حتى اطمأن إلى أنه ليس حماسة عابرة.
ثم قال:
"انتبه... التعليم مثل الطب، لا يقبل التنازلات"
ووضع في يدي مقياسا أراجع به نفسي:
"إذا انطفأت فيك الحرقة على التعليم، فاخرج منه"
ومنذ ذلك اليوم، صار بقائي في مجال تقنية التعليم معلقا بسؤال واحد:
هل ما زالت الحرقة موجودة؟
واليوم نعيش وفرة من نوع جديد؛ وفرة المعلومات والإجابات والذكاء الاصطناعي.
ما كان يحتاج إلى أيام من البحث يصل اليوم في ثوان، ومع سهولة الوصول تزداد مسؤولية الاختيار والحكم.
وكلما جلست أمام الذكاء وتدفقت الإجابات وكثرت الخيارات، عاد صوته:
"حرك مخك"
ومن كانت توجيهات والده تنهض في داخله عند المواقف الحرجة، فليعلم أن شيئا من أبيه ما زال حيا فيه:
صوت يرده إذا اندفع، ويثبته إذا تردد، ويضيء له الطريق إذا التبس عليه.
فبعض الآباء يغيبون عن دنيانا، ويواصلون تربيتنا من داخلنا.
رحم الله أبي، فهد بن سعود الدغيثر.
https://t.co/xCm763m99n