مقال مترجم
~
هل تريد أن تعرف حقيقة شخصية إنسان ما؟
لا تُصغِ كثيرًا إلى ما يقوله عن نفسه،
وإن كنت قد خُدِعت من قبل، فتوقّف هنا واقرأ بتركيز.
كنتُ في وقت ما أتعامل مع الناس بحسن نية كاملة. ..إذا قال لي شخص إنه طيب، صدقته، وإذا أكد أنه يقدر الصدق، افترضت أنه صادق فعلًا .. وإذا أخبرني بأنه وفي رحبت به في حياتي من دون حذر أو تساؤل.
ثم جاءت الحياة، وعلمتني درسًا لم أكن أود تعلمه، لكنه كان ضروريًا:
الكلمات أسهل ما يقدمه البشر، وأرخص ما يمكن أن يُقال.
أي إنسان يستطيع أن يتكلم وأي إنسان يستطيع أن يصنع لنفسه صورة جميلة بالكلام ..
نحن نعيش في زمن يعرف فيه الناس كيف يقدمون أنفسهم كما لو كانوا على خشبة مسرح.
يتدربون على القيم كما يتدرب الممثل على دوره،
يحفظون العبارات التي تبدو نبيلة، ويعرفون ما الذي يجعلهم محبوبين، لكنهم غالبًا لم يختبروا هذه القيم في حياتهم الحقيقية.
لهذا، توقفت عن تصديق ما يقوله الناس عن أنفسهم.
وبدأت أراقب أشياء أخرى، أصدق وأوضح.
صرت أنظر إلى ثلاث نوافذ في الأشخاص لا تخطئ كثيرًا:
ما الذي يتباهون به،
ما الذي يشتكون منه،
وما الذي يضحكون عليه.
هذه الأشياء الثلاثة كشفت لي عن الناس أكثر مما فعلت آلاف الكلمات.
أولًا: ما يتباهى به الإنسان:
ما يتباهى به الإنسان يقول الكثير عما يراه مهمًا في الحياة.
قبل سنوات، التقيتُ شخصًا في مناسبة عمل.
كان يبدو لافتًا للانتباه، أنيقًا، واثقًا، ويحظى بإعجاب من حوله.
خلال حديث قصير لا يتجاوز عشرين دقيقة، ذكر سيارته أكثر من مرة، وتحدث عن شقته، ثم عاد ليتفاخر بالمنتجع الفاخر الذي قضى فيه عطلته، وكأن هذه الأمور بطاقة تعريفه الأساسية.
لم يكن يتحدث بعفوية، بل كان يستعرض نفسه.
يرى عالم النفس ألفرد أدلر أن التفاخر غالبًا ما يكون غطاءً لشعور داخلي بالنقص.
فالإنسان يرفع صوته أكثر عند الأمور التي يخشى فقدانها.
ذلك الرجل لم يكن فخورًا بما يملك، بل كان خائفًا من أن يبدو شخصًا عاديًا.
كان التفاخر بالنسبة له وسيلة دفاع، لا تعبيرًا عن رضا.
الأهم من ذلك:
هذا النوع من التفاخر يكشف أن صاحبه يقيس قيمة الناس بما يملكونه.
وبالتالي، لو توقفت يومًا عن أن أبدو ناجحًا أو مميزًا في نظره، فسأفقد قيمتي عنده.
هذه ليست علاقة إنسانية، بل علاقة قائمة على التقييم والفرز.
انتبه لما يتباهى به الناس:
هناك من يتباهى بالمال،
ومن يتباهى بمعارفه وعلاقاته.
ما يتباهى به الإنسان هو ما يمنحه معنى وقيمة.
وما يمنحه هذه القيمة، سيستخدمه لاحقًا ليحاكمك ويصنفك.
ثانيًا: ما يشتكي منه الإنسان:
الشكوى ليست مجرد تذمر عابر، بل مرآة لما يعتقد الإنسان أنه يستحقه.
لدي قريبة لا تتوقف عن الشكوى من العاملين في بيتها: الخادمة بطيئة، الطباخة لا تطبخ كما يجب،
السائق لا يختار الطريق الصحيح.
كل لقاء معها يتحوّل إلى حديث طويل عن انزعاجها اليومي.
اللافت أنها لا تشتكي أبدًا من ظلم، ولا من معاناة الآخرين، ولا من قسوة العالم. شكاواها كلّها تدور حول راحتها الشخصية فقط.
هذا وحده يكشف الكثير.
الفيلسوف إبكتيتوس ميّز بين ما نملك السيطرة عليه وما لا نملكه. ورأى أن الحكمة في أن نقبل ما لا نستطيع تغييره.
أما من يشتكون باستمرار من كل تفصيلة خارجية، فهم غالبًا يعتقدون أن الحياة يجب أن تسير كما يريدون، وأن العالم مدين لهم بالراحة والسهولة.
الشكوى إعلان غير مباشر عن الشعور بالاستحقاق.
بعض الناس يشتكون لأنهم يشعرون بالإهانة، وقد يكون هذا نابعًا من تقديرهم للكرامة. لكن بعضهم يشتكون فقط لأنهم لم يحصلوا على معاملة خاصة.
صرتُ ألاحظ:
هل يشكو الإنسان من ظلم حقيقي؟
أم من إزعاج بسيط يمس راحته؟
هذه المقارنة وحدها تكشف اتجاه بوصلته الأخلاقية.
ثالثًا: ما يضحك عليه الإنسان:
وهنا، تظهر الحقيقة بلا أقنعة.
يمكن للإنسان أن يتصنع اللطف، وأن يتقن كلمات التعاطف، لكن الضحك لا يُمثل بسهولة. إنه رد فعل تلقائي، يخرج قبل أن يفكر صاحبه.
كنت ذات مرة في تجمع عُرض فيه مقطع لشخص يسقط ويتأذّى.
لم يكن مشهدًا تمثيليًا، بل حادثًا حقيقيًا. أغلب الحاضرين شعروا بالانزعاج. رجل واحد ضحك بصوت عالٍ، ثم حاول سريعًا أن يُخفي ضحكته ويبدو متعاطفًا. لكن اللحظة كانت كافية.
تلك الضحكة كشفت لي عن شخصيته أكثر من أي حديث لبق.
يرى الفيلسوف هنري برغسون أن الضحك يتطلّب تعطيلًا مؤقتًا للتعاطف. وحين يضحك الإنسان على ألم غيره، فهذا يعني أن قلبه انسحب للحظة.
وإذا انسحب بهذه السهولة، فربما لم يكن حاضرًا بما يكفي من البداية.
من يضحك على ارتباك الآخرين، أو فشلهم، أو ألمهم فهذا يكشف الكثير.
الخلاصة:
لم أعد أصدق ما يقوله الناس عن أنفسهم.
بل أنظر إلى ما يتباهون به،
وما يشتكون منه،
وما يضحكون عليه.
هذه الأشياء لا يمكن تزييفها طويلًا.
~كتابة سادفي فارساي
~ترجمة محمد عصمت