الذي أُنْفِقَ عليه من مال غير حلال وهو لا يعلم؛ لا ذنب عليه -بطبيعة الحال-، لا يكلّفه الله شيئا، فلا يَردُّ شيئا، ولا يَفعل شيئا، بل يُكثر من الاستغفار له، ولصاحب المال الحرام، ويَنصحه إن قدر على ذلك، وإلّا تَكفّلَ بنفسه، وراقبَ أمورَه، ولا شيء عليه فيما فعل غيره.
لفضيلة الشيخ د. #حمزة_أبوفارس حفظه الله
عضو مجلس البحوث والدراسات الشرعية بدار الإفتاء
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
رقم الفتوى (6555)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
أخو زوجتي -والعياذ بالله- يسب الجلالة، فكيف يكون التعامل معه؟ وما حكم إبقاء زوجتي في عصمتي؛ لأنها أوَّلتْ كلامَه بدعوى أن مراده بـ(الربّ) ربّ البيت؟ وهل مِن حقي منعُها ومنع أبنائي من التواصل مع أخيها ومع أهلها من أجل ذلك؛ لأنهم متساهلون مع ابنهم، ولم ينكروا عليه؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فسبُّ الله عز وجل وسب الرب كفرٌ يخرجُ من الملة، لا يقوله إلا مَن خَلا قلبه من الإيمان، إذْ كيف يسبُّ العبدُ الضعيف ربَّه وخالقَه ورازقَه، قال تعالى: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ) [النحل: 53]، وقد نهى الله تبارك وتعالى المسلمين أن يسبوا آلهة المشركين -وهي مستحقةٌ للسبّ- نهاهم عن ذلك كي لا يسبَّ المشركون اللهَ عز وجل انتقامًا لها، قال تعالى: (وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ) [الأنعام: 108]، فكيف بسبِّ الله العظيم من المسلمين؟!
قال ابن راهويه رحمه الله: "وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ سَبّ اللهَ عز وجل ، أَوْ سَبَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ… وَهْوَ مَعَ ذَلِكَ مُقِرٌّ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، أَنَّهُ كَافِرٌ" [التمهيد: 4/226]، وقال تعالى عن استهزاء المنافقين بالنبي ﷺ وأصحابه: (وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ) [التوبة: 65-66]، وسابُّ الله تعالى أوْلى بهذا الحكم قطعًا، وصار بذلك مرتدًّا، حلالَ الدم والمال، فإنْ تابَ وإلّا قُتل، قال النبي ﷺ: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) [البخاري:3017].
فعلى مَن وقع في هذا الجرم العظيم أنْ يبادرَ بالتوبة والرجوعِ لدين الإسلام، كي لا يموتَ على هذه الحال، وأن يُكثر من الاستغفار والندم على ما فات، عَلّ الله يغفرُ له.
والواجبُ على من يسمع هذا الكفر الإنكارُ على فاعله بما يقدر، كما قال ﷺ: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) [مسلم: 49]، وعليه مفارقته وعدم الجلوس معه حال وقوعه في هذه الجريمة، إن لم ينته عنها، قال تعالى: (وَقَدۡ نَزَّلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أَنۡ إِذَا سَمِعۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكۡفَرُ بِهَا وَيُسۡتَهۡزَأُ بِهَا فَلَا تَقۡعُدُواْ مَعَهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓ إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ) [النساء: 140]، فينكر على القائل ويغلظ عليه في الإنكار، ويَرفع أمره إلى الجهات القضائية والنيابية ليأخذوه ويوقعوا عليه العقاب الشرعي، ولا يتهاون من رآه على تلك الحالة في رفعه إلى القضاء؛ لأن هذه دعوى حسبة، واجب رفعها على كل مسلم وقعت أمامه.
ويُشرع هجرُ ومقاطعة من وقعت منه هذه الجريمة إلى أن يتوب، قال تعالى: (قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ) [الممتحنة: 4].
وتأويل الزوجة لكلام أخيها الظاهرِ في الكفر خطأٌ كبير، لكنه يدلُّ على إيمانها، حيثُ لم ترضَ بظاهره، فلم يكن فعلها ردّةً توجبُ فراقها، والواجبُ على الزوج الصبرُ على نصح زوجته، وبيانُ أن الأمور المتعلقة بذات الله وعظمته وجلاله أمورٌ عظيمة، لا ينبغي التساهلُ فيها، أو الاستهانة بها، أو التماسُ العذر لمقتحمها، ولو كان أقربَ قريب، قال تعالى: (لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ) [المجادلة: 22].
ومن حق الزوج أن يمنع زوجته من زيارة أخيها، وأهلها إن كانوا يتساهلون في إطلاق مثل هذه الألفاظ المخرجة من الملة ويبررونها، وإذا احتاجت إلى زيارتهم فهي التي تدعوهم إلى بيتها بحضور زوجها، رفعا للضرر عنه وعن أهل بيته، وإن عدل أهل الزوجة عن هذا التساهل واستنكروا مثل هذه الموبقات فليس له أن يمنعها من زيارة أهلها، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
مفتي/ عصام بن علي الخمري
مفتي/ عبد الرحمن بن حسين قدوع
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني/ مفتي عام ليبيا
3/ربيع الأول/1448ه
16/ 8/ 2026م
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
رقم الفتوى (6556)
ورد إلى دار الإفتاء اللّيبيّة السّؤال التّالي:
آمل منكم بيان كيفية قَسْم راتب ابني - الذي هو شهيد واجب - بيني وبينَ ابنتِه، فوزارة الداخلية -التي هي الجهة المانحة- قالت: إن دورنا يقتصر على إحالةِ مرتباتِ الشهيد إلى حسابهِ، باعتباره موظفًا لم تنقطع علاقته الوظيفية، وبيانِ أنّ راتبَه مِن حق والدته وابنته بعد أن تزوجتْ زوجتُه، أمّا كيفيةُ قَسْمِ الراتبِ بين والدته وابنته، فليسَ من اختصاصاتنا، وعلى المستفيدين من راتب الشهيد اللجوءُ إلى القضاء في ذلك، فالوزارة ذكرتْ أن تحديد نصيب مرتب الشهيد لكل من الابنة والوالدة مِن اختصاص القضاء، كما في الأوراق المرفقة لديكم، وعندما ذهبتُ إلى المحكمة أعطاني قاضي الإشراف مراسلةً لدار الإفتاء، فيها طلب بيان قسمة الراتب، والمراسلة مرفقة لديكم، فأرجو منكم أن تبينوا لي كيفيةَ قَسْم الراتب؛ لأنَّ الراتب متوقفٌ حتى يتمّ بيان ذلك، وأنا في أشدِّ الحاجةِ إليه؛ فأنا أسكنُ بالإيجار، وكل مؤسسة أذهب إليها تحيلني إلى مؤسسة أخرى.
الجواب:
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمّا بعد:
فإن راتب الشهيد الذي يُصرف له بعد وفاته ليس ميراثًا، وهذا معروفٌ عند وزارة الداخلية، فتحديد نصيب المستفيدين منه ينبغي أن توجدَ له لائحة في الوزارة نفسها، أسوة بالجهات الأخرى في الدولة، التي لها لائحة تُبَيِّن كيفية صرف مرتب المتوفّى للمستفيدين منه، ولا ينبغي أن تكون الجهة المانحة خاليةً من اللوائح التي تُبَيِّن كيفية صرف الراتب للمستفيدين منه.
وإذا كان الواقع في الوزارة المعنية هو عدمَ وجود لائحة خاصة بقسمة مال الشهيد على أسرته، فليس هناك ما يمنع من قسمته حسَب لائحة الضمان الاجتماعي عند وفاة عائل الأسرة، فلقسمة مال الضمان لائحةٌ تُبَيِّن من يَستحِق من الأسرة، ومن لا يَستحِق، ومقدارَ ما يستحقه، فالذهاب إليها والعمل بها أيسر وأسهل من إحالة أسرة الشهيد إلى القضاء، وزيادةِ الإشقاق عليهم، فتتعطّل مصالح الناس بإحالتهم من جهة إلى جهة، وهم في أشدّ الحاجة، والذي يُدخل المشقةَ على الناس يَجزيه الله على ذلك جزاءً وفاقًا يوم القيامة، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (وَمَنْ يُشَاقِقْ، يَشْقُقِ اللهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [البخاري: 7152]، والله أعلم.
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
مفتي/ عصام بن علي الخمري
مفتي/ عبد الرحمن بن حسين قدوع
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني/ مفتي عام ليبيا
3/ ربيع الأول/ 1448ه
16/ 8/ 2026م
إن اغتبتَ إنسانًا، سواءً كان ما قلتَ صدقًا أو كذبًا، فإذا تُبتَ يجبُ عليك أن تستحلَّه، أي تطلبَ منه المسامحة، وهذا قولُ الجمهور، وهناك قولٌ آخر: أن تُكثر من الاستغفار له.
قال النبي ﷺ " مَن كانت عنده مَظلمةٌ لأخيه فليتحلَّلْه منها؛ فإنه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا درهمٌ، من قبل أن يُؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسناتٌ أُخذ من سيئات أخيه فطُرِحت عليه "
لفضيلة الشيخ #سامي_الساعدي / أمين عام دار الإفتاء الليبية.
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم
تعلن دار الإفتاء الليبية أن يوم غد الخميس الموافق: 2026.8.13م، هو المتمم لشهر صفر 1448 هجرية، وأن بعد غد الجمعة 2026.8.14م هو غرة شهر ربيع الأول 1448 هجرية.
نسأل الله تعالى أن يجعله شهرَ خيرٍ وأمن وسلام، على بلادِنا وسائر بلاد المسلمين.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
رقم الفتوى 6550))
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
ما حكم بيع السيارات عن طريق المرابحة في المصارف، من غير تقدم وعد بالشراء من الزبون، وبعد الوعد بالشراء منه؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فحكم الصورة الأولى وهي البيع بدون تقدم وعد بالشراء الجواز؛ لأن هذه هي المعاملة الصحيحة التي تتم بها المرابحة الشرعية، دون أن تحوم حولها شبهة بيع المصرف ما لا يملك، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال لحكيم بن حزام رضي الله عنه : (لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ) [أبو داود: 2187].
فإن اشترى المصرف السيارة ابتداء رغبةً منه في التجارةِ بها دون طلبٍ من العميل، فللمصرف أن يبيعها مرابحة ولا إشكال في ذلك.
وأما حكم الصورة الثانية وهي المرابحة التي يتقدمها وعد بالشراء، فالجوازُ أيضًا، بشرط أن يكون الوعد بالشراء من العميل غير ملزم له، وعلامة عدم الإلزام أن يخير المصرفُ العميل في الشراءِ مِن عدمه، بعد أن يكون المصرف قد اشترى السيارة وتملكها ملكا باتا لا خيار فيه، وتَأكد المدققِ الشرعي من ملكيّة المصرف للسيارة، وإتمام الإجراءات على الوجه المذكور، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
مفتي/ عصام بن علي الخمري
مفتي/ عبد العالي بن امحمد الجمل
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني/ مفتي عام ليبيا
28/ صفر/ 1448هـ
11/ 8/ 2026م
احذر غضب الله!
"تعلم وتتذكر أن الله لا يحب الفساد ولا يحب أهله، فهل ترضى أن تكون مع قومٍ لا يحبهم الله؟ احذر أن تكون منزلتك في الدنيا والآخرة بعيدة عن محبة رب العالمين بسبب اتباع سبيل المفسدين."
لفضيلة الشيخ الدكتور #محمد_أبوعجيلة حفظه الله.
بحمد الله وتوفيقه، اكتملت طباعة كتاب تفسير القرآن الكريم:
«المنتخب من صحيح التفسير».
لفضيلة الشيخ: الصادق بن عبد الرحمن الغرياني، حفظه الله.
نسأل الله أن ينفع به، ويبارك في مؤلفه، وفي كلّ من أعان عليه، ويتقبّل منهم، ويجزيهم خير الجزاء.
الحلقة 401 مِن كتاب (المنتخب من صحيحِ التفسيرِ) للشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.
__________________________________
لقراءة النسخة كاملة بالتخريج والهوامش على الرابط في أول تعليق.
بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم
المنتخب مِن صحيح التفسير
الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
- الحلقة (401)
[سورة الأعراف: 189-190]
(هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِيفٗا فَمَرَّتۡ بِهِ فَلَمَّآ أَثۡقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنۡ ءَاتَيۡتَنَا صَٰلِحٗا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحٗا جَعَلَا لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ)(189-190)
عَودٌ إلى محاجّة المشركين، وكيفَ أنَّ العبد عند الخوف تَهديهِ فطرته إلى التوحيد، فلا يفزَعُ إلّا إلى اللهِ؛ لأنه يعلم أنه لا أحدَ يُنجيه سواه، فإذا ما أَمِن وسلِمَ له ما يريد، نسيَ نعمةَ الله عليه، وعادَ المشركُ إلى شِركه، والعاصي إلى معصيته، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرࣱّ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِیبًا إِلَیۡهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعۡمَةࣰ مِّنۡهُ نَسِیَ مَا كَانَ یَدۡعُوۤا۟ إِلَیۡهِ مِن قَبۡلُ﴾( ).
وقد بدأتِ الآية بالتذكير بأصْل الخلق (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) والنفس الواحدة هي آدم صلى الله عليه وسلم، فهو أصلُ النوع الإنساني، فـ(مِنْ) في قوله (مِّن نَّفْسٍ) ابتدائيةٌ، فبداية خلق الإنسان كان مِن آدم (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) خَلَق من بقية الطينة التي خُلِق منها آدم زوجها وهي امرأته، أو خَلَق من هذه النفس الواحدة آدم من بعض أجزائه زوجها؛ ليسكنَ إليها.
وكونُ حواء خُلقتْ مِن ضلع آدم لا يصحُّ به الحديث، وما جاء في صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ)( ) محمولٌ على التشبيه، ويشهد للتشبيه ما في الرواية الأخرى المتفق عليها بلفظ: (إنَّ المرأةَ كالضّلع)، فكونها خُلقت من آدم ثابت، لكن (مِن ضِلع أعْوج) ليس بثابت، وقد تقدم الكلام على نظير هذه الآية في أول سورة النساء( ).
فـ(مِنْ) في (مِنْهَا) بيانيةٌ، و(يَسْكُنَ إِلَيْهَا) يأنسُ بها، ويرتاحَ إليها؛ لأنها منه، والجنس أميلُ إلى جنسه، فالله تعالى خلق حواء من جنس آدم؛ ليحصل بينهما هذا السكونُ والميل.
والضمير في قوله (لِيَسْكُنَ) مذكَّرٌ، عائد على نفسٍ واحدة، مراعاةً للمعنى وهو آدم، وفيه إشارة إلى أن الذَّكَر هو الذي يميلُ إلى الأنثى، وهي سَكنٌ له.
ثم انتقلَ الكلام إلى عموم نسْل آدم وذريته، فقال (فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا) وهو عامٌّ، يصدُق على كلّ أب من ولد آدم، فقد جعل الله منه بالتغشي والمعاشرة للأنثى نسْلًا وذريّةً، كما قال تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالࣰا كَثِیرࣰا وَنِسَاۤءࣰ﴾( ) فالضمير في (تَغَشَّاهَا) ليس لأحدٍ بعينه، بل يصدُق على كل أحد.
والضمير في (تغشّى) مذكّر، وفيه ما يشير إلى أنّ الرجل هو الطالبُ للتغشّي والوِقاعِ من الأنثى، على ما هو الغالِب، وفعل تغشّى من التغشّي، وهو تفعُّلٌ يدلُّ على الاعتناء والتكلّف، أصله من الغِشاء، وهو الغطاء، كُنِّيَ به عن الجماع والوِقاع، كما قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسࣱ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسࣱ لَّهُنَّ﴾( )، وذلك بما ركّبَ في الرَّجل والمرأة من الشهوة؛ ليُقبِل على الزواج المطيعُ والعاصي، حتى يَعْمُرَ الكونُ بالتناسُل؛ كما أراد الله.
وقوله (حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا) تصويرٌ لما هو مقتضى العادة التي تَعرِضُ للناس، وهو أنّه يَحصُل من المعاشرة الحمل، ويكون أمر الحمل في البداية خفيفًا، لا تكاد المرأة تَشعُر به، وإذا شَعَرت به تَنْسَرُّ وتفرَح، قال مالك رحمه الله: "الحامل في أول حملها بِشرٌ وسرورٌ، وليس بمرض ولا خوف؛ لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه: ﴿فَبَشَّرۡنَٰهَا بِإِسۡحَٰقَ﴾( )"( ).
و(فمَرَّتْ بِهِ) فاجتازتْه دون تعب، ولم تُلقِ له بالًا؛ لخفتِه عليها، والهمزة في (أَثْقَلَتْ) للصيرورة؛ صارت ذاتَ ثقل، كالهمزة في أَتمر وأَلبن، صارَ ذا لبن وتمر، وتصيرُ المرأة كذلك إذا قاربتِ الولادة، وتسمى: مُثقِلا ومُقْرِبا.
وقوله (دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) معناه أنّ الوالدينِ إذا كانا غيرَ مسلمَين أو كانا مِن عُصاة الناس، يكونُ منهما في وقتِ حاجتهما إلى سلامَة الحمل، وأن يكونَ على ما يريدانه ويتمنيانِه، دعاءٌ وتوجهٌ إلى الله تعالى أن يرزقَهما صالحًا، ويريدانِ بصلاحه ما تميلُ إليه النفوس في العادة؛ أن يكون تامَّ الخلقة، ذكرًا سليمًا نجيبًا، نافعًا لهما، وهو ما يستوي في تمنيه المطيعُ والعاصي، لأنّ الناس عادةً يتناصرون بالذكور النّجَباء، فالوالدان في ذلك الوقت، وقت الحاجة، يُقرّان أنه لا يَقدِر على ما يتمنيانه إلّا الله، فيعاهدانِه ويدعوانه في أنفسهما: لئن كان ولدُنا صالحًا، لنكونَنّ من الشاكرينَ، الدائمينَ على الاستقامة والتودّد إلى الله.
(فَلَمَّا ءَاتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَا ءَاتَاهُمَا) فلما جاءَ الولد على ما يُريدان واستُجيب لهما، لم يُوفيا بمَا عاهدَا اللهَ تعالى عليه ونَذرَاه، بل جَعَلا لله -وهو الذي أعطاهُما الولد كما يُحبَّانِ- شريكًا في هذا الولد، إما بتسميتهِ بعبدِ العزى، أو عبد مناة، أو بجعله لخدمة الأصنام والسِّدَانة، كما كان عليه أهلُ الجاهلية.
وإمّا بالتفريطِ في تنشئتهِ تنشئةً صالحةً، تاركًا للصلاةِ، مخالِطًا لأهل السوء والفساد، ناهبًا للأموالِ، متوجهًا للزيغ واتباع الشهواتِ والشبهاتِ والإلحاد، فأخلَفوا العهد، وكفَروا بمَن أعطَى ووَهب.
وهو حالُ العصاة في كلّ زمان، إذا مسّهم الضرّ قالوا: ﴿لَئِنۡ أَنجَیۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِینَ فَلَمَّاۤ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ یَبۡغُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّ﴾( )، فالمشركون يُقرّون أنّ الذي يَقدِر على نفعِهم هو اللهُ وحده، وما يشركونَ به من آلهة أخرى هي عندَهم ليست إلَّا وسائطَ، لا تقدرُ على شيء، قالُوا عنها: ﴿مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِیُقَرِّبُونَاۤ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰۤ﴾( ).
(فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) تَنزه وتَقدّس عن كل شركٍ يشركونه، بدعوةِ غيره معه، أو بغير ذلك مِن أنواع الشرك والإلحاد المعاصر.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
رقم الفتوى (6539)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
ما حكم استعمال الأنغام والمؤثِّرات الصوتيَّة التي تحاكي صوت الإنسان، بواسطة تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث تستخدم خلفيَّةً للمحتوى الإعلاميّ (كالتّقارير والمواد المرئيَّة)؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فما كان من المؤثِّراتِ الصوتيَّة المحاكية لأصوات التَّرنُّم مشابها للحُدَاء - وهو الإنشاد لدفع الإبل إلى الإسراع في السير- فهو جائزٌ؛ لما جاء أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَحْدُو بِالرِّجَالِ، وَكَانَ أَنْجَشَةُ يَحْدُو بِالنِّسَاءِ، وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ، وكانت الإبل تستجيب لإنشاده فتُسرع، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : (يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ) [الأدب المفرد: 1264]، قال ابن عبد البرّ رحمه الله: "ولا بأسَ باستماع الحداءِ، ونشيدِ الأعرابِ، ورفعِ العقيرة بالإنشاد، والترنّم بالشعر، وما أشبه ذلك" [الكافي: 2/ 898]، فما كان من المؤثرات الصوتية على هذا النحو الخالي من النّغم الراقص المحرك للشهوة وكوامن النفس، فهو جائز.
وما كان من المؤثرات الصوتية من النغم الراقص المثير للأحاسيس الشهوانية المحرك لهوى النفس، فهو محرَّم؛ لمشابهته صوت المعازف التي ورد النهي عنها؛ لأن الحكمة من تحريم المعازف ما تُصْدره من أصوات مثيرة محرّمة، فما شابهها من الأصوات يكون مثلَها، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [لقمان: 6]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "نَزَلَتْ فِي الْغِنَاءِ وَأَشْبَاهِهِ" [الأدب المفرد: 786]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ) [البخاري: 5590].
وعليه؛ فالمؤثِّرات الصوتيَّة المرفقةُ بالفتوى، منها ما يتضمن مجرّدَ قرعٍ كأصوات السيوف، فهذا جائز، ومنها ما يتضمّن أنغاما راقصة مثيرة للغرائز المحرّمة، فهذه محرّمة يجب تجنّبها؛ لمحاكاتها لصوت المعازف المذموم المشار إليه، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
مفتي/ عصام بن علي الخمري
مفتي/ عبد الرحمن بن حسين قدوع
يعتـــــــمد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني/ مفتي عام ليبيا
19/ صفر/ 1448هـ
2/ 8/ 2026م د
(عظمة الشريعة الإسلامية وصلاحيتها لكل زمان ومكان)
إن الشريعة الإسلامية العظيمة لم تترك شاردة ولا واردة إلا وتكفلت بها، وقد جعل الله "القياس الصحيح" ميزاناً للأصول وميداناً للعلماء الفحول يُفزع إليه عند فقد النصوص. ولأن نصوص الكتاب والسنة محصورة، بينما وقائع الحياة متجددة ولا تنتهي، جاء باب القياس ليعطي الشريعة سعتها ومرونتها لتكون صالحة لكل زمان ومكان ولتستوعب كل مستجدات العصر.
لفضيلة الشيخ الدكتور #محمد_أبوعجيلة حفظه الله.
فإذا كان قانون المرور الأصلُ من وضعه هو حفظ النظام في الشوارع، وحفظ الأرواح والدماء من القتل بالحوادث، وحفظ الأموال من الإتلاف؛ فهذه مقاصد الشرع، والشرع أول من يسبق إلى وضع قانون للمرور وهو من الشرع الحكيم؛ لأنَّ مِن مقاصد هذا الدين حفظ النفس: حفظها من حيث الوجود، وحفظها أيضاً من حيث العدم؛ وحفظها من حيث العدم يكون بأن نمنع كل ما يؤدي إلى إتلاف هذه النفس أو إيذائها، وقانون المرور يُحقق ذلك.
لـفضيلة الشيخ د. #غيث_الفاخري رحمه الله.
يوم انقطاع الأسباب.. حيث لا ينفع إلا العمل
يوم القيامة هو يوم الحق الذي تنقطع فيه كل الوسائط، وتُسد فيه أبواب الشفاعة الزائفة، فلا فداء يُقبل، ولا عدل يُؤخذ، ولا نصرة تأتي من قريب أو بعيد، هناك يقف العبد وحيداً أمام عمله؛ ليدرك أن النجاة الحقيقية كانت في الدنيا بالتقوى والعمل الصالح.
لفضيلة الشيخ #عبداللطيف_الشويرف رحمه الله.