في مرحلة معينة من الحياة، كلنا دون استثناء نصبح عقابًا في حياة شخصٍ ما. ليس لأننا أشرار بالفطرة، بل لأن وجودنا، بكل ما نحمله من صدق أو قسوة أو شغف أو غياب، يصبح درسًا مؤلمًا يُجبر الآخر على مواجهة نفسه.
من جهة، نحن عقاب لمن أحبنا أكثر مما استحقينا. حبّهم الكبير يصطدم بحدودنا، ببرودنا أحيانًا، بترددنا، بأنانيتنا غير المقصودة. يظنون أننا الملاذ، فنصبح الجرح. يعلّقون أحلامهم علينا، فنصبح السبب في تحطمها. نرحل، أو نبقى بجسدٍ غائب، أو نعطي نصف قلب، فيتعلمون من خلالنا أن الحب وحده لا يكفي، وأن التمسك بالوهم أخطر من الفقدان.
احياناً نكون مرآةً قاسية تعكس ضعفهم، جبنهم، كذبهم على أنفسهم. نأتي بحبٍّ صريح، بمطالب واضحة، بشغفٍ لا يقبل النصف، فيضطرون إلى النظر في عجزهم عن المقابلة. نكون الشخص الذي كان يمكن أن يغير حياتهم، لكنهم لم يملكوا الشجاعة ليغيروا أنفسهم من أجله. فنصبح الندم الذي يزورهم في الليالي الهادئة، الذكرى التي تُذكّرهم بما كان يمكن أن يكون.
ونحن أيضًا عقاب لمن عبرنا طريقهم عرضًا. صديقٌ تركناه في أزمة، كلمةٌ قاسية قلناها دون تفكير، فرصةٌ لم نمنحها، ابتسامةٌ بخلنا بها. نصبح لحظةً صغيرة تترك أثرًا كبيرًا، درسًا في هشاشة الثقة، أو في قسوة العالم، أو في أن الناس ليسوا دائمًا ما يبدون.
لكن الأمر لا يتوقف عند كوننا عقابًا للآخرين؛ نحن أيضًا نُعاقَب من خلالهم. كل من أحبنا ثم رحل، كل من خذلنا، كل من جرحنا، كان عقابنا هو أيضًا. يعلمنا أن نرى حدودنا، أن نخرج من أوهامنا، أن ننمو أو نتحطم.
نحن نُعاقب ونُعاقَب، نُعلّم ونُتعلّم، نجرح ونُجرح. لسنا أشرارًا ولا ضحايا دائمين، بل مجرد بشَر يمرون في حياة بعضهم، يتركون آثارًا لا تُمحى، يدفعون بعضهم نحو النضج أو الانهيار. والأجمل في الأمر أن ندرك هذا في الوقت المناسب أن نكون عقابًا واعيًا، لطيفًا قدر الإمكان، ممتنًا لمن كانوا عقابنا، مدركين أن الألم الذي نُسببه أو نتلقاه هو الطريق الوحيد لنصبح أكثر إنسانية.
قال محمود سامي البارودي رحمة الله عليه:
يا قلبُ صبرًا جميلًا إنه قدرٌ
يجرِي على المرءِ مِن أسرٍ وإطلاقِ
لا بدّ للضِّيقِ بعد اليأسِ مِن فرجٍ
وكلُّ داجِيةٍ يومًا لِإشراقِ