.وقضية الحجاج بن يوسف شأنٌ تداولته كتبُ السِّير، وحفظته المصادر التاريخية المعتبرة، واشتهرت أخباره بين الخاصة والعامة، وهي ليست واقعة خفية على كلِّ حال.. ولكن ما يثير العجب سعيُ البعض إلى قلب الصورة رأسًا على عقب، وإخراج الرجل في ثوب المظلوم، بعد اشتهار أخباره وما حفلت به من الوقائع!
ومع ذلك، فإنَّ الإنصاف يقتضي عند الحديث عنه ذكرَ ما له وما عليه.. وليس تحويل المشهور المعلوم إلى وهمٍ عارض، ولا جعل الروايات المستفيضة ضربًا من الخيال.
ويبدو أنَّ أكثر تلك المحاولات كانت أقرب إلى طلب التفرُّد، وإثارة الأنظار، وإظهار سبقٍ موهوم، وكأنَّ صاحب ذلك الرأي قد ظفر بسبقٍ علمي فات الأئمة والمؤرخين، أو كشف حقيقةً غابت عن أجيالٍ تعاقبت على قراءة الأخبار وتمحيص الآثار.
ثُمَّ إنَّ حقيقة التميُّز ليست في مخالفة المشهور، لمجرد المخالفة، ولا في هدم المستقر طلبًا للغرابة، وإنَّما قُوامُها برهانٌ راسخ، وحجةٌ ظاهرة، وشاهدٌ ينهض أمام النقد.
فالإغراق في الذمِّ جور، والإفراط في التمجيد جورٌ آخر، وأهل البصيرة يعرفون أقدار الرجال بميزان الدليل، وليس بسطوة العاطفة، ولا ببريق الطرح الجديد. وكل دعوى يُراد بها زعزعة ما استفاض عند المؤرخين الثقات، وتفتقر إلى بيِّنةٍ تقارب ثقل ذلك التراث، لا تعدو أن تكون لونًا من الجدل يلفت الأبصار ساعةً، ثُمَّ يزول أثره، ويبقى #التاريخ شاهدًا بما استقرَّتْ عليه أصولُ الرواية.
"إن الثقافة الحقيقية يجب أن تختمر في أعماق الشاعر،وعندما تظهر، تظهر لا على شكل استعراض للعضلات الفكرية، ولكن تنساق بعفوية، بحيث تشعر القارئ أن هذا الشاعر وراءه تجربة طويلة وعميقة، ولكن لا تشعره بذلك بطريقة مفتعلة وهذا أحد الفروق بين الشاعر العظيم، وبين الناظم"
#غازي_القصيبي
(سراجًا منيرًا)
ياه يالمعنى الذي فتحه الله علي في آخر يوم من رمضان!
تأملتُ في كتاب الله، فوقفتُ عند قوله جل ثناؤه في وصف نبيه ومصطفاه: {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}، فرأيتُ في هذه الكلمتين من جلال المعنى وجمال المبنى ما يقف دونه البيان، وتخشع له بلاغة البلغاء.
إن القرآن الكريم حين يصف الأشياء، إنما يضع الكلمة في موضعها الذي لا يسد مسده غيرها، فإذا نظرنا في آياته وجدناه يصف الشمس بالسراج، كما في قوله: {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا}، ويصف القمر بالمنير، كما في قوله: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا}.
أما حين جاء الوصف لرسول الله ﷺ، فقد جمع الله له الوصفين معاً: "سراجاً منيراً"، وفي هذا الجمع سرٌ من أسرار البيان الإلهي، ولطيفةٌ من لطائف التكريم الرباني.
فالشمس سراجٌ، نعم، ولكنها سراجٌ وهّاج، فيه حرارةٌ تلفح، وقوةٌ تبهر، وضوءٌ قد يغشى الأبصار من شدته. والقمر منيرٌ، نعم، ولكنه نورٌ مستمد، هادئٌ وديع، لا حرارة فيه ولا وهج.
فلما أراد الله أن يصف نور نبيه ﷺ، لم يجعله كالشمس وحدها، لئلا يُظن أن في رسالته مشقةً وحرارةً تلفح النفوس، ولم يجعله كالقمر وحده، لئلا يُظن أن نوره مستمدٌ أو ضعيفٌ لا يبدد ظلمات الجاهلية العتية. بل جعله "سراجاً منيراً"؛ فأخذ من الشمس قوة إشراقها، وعظمة ضيائها، ونفاذ نورها في الآفاق، وأخذ من القمر هدوء نوره، وجمال طلعته، وبرد هدايته على القلوب.
فهو ﷺ سراجٌ؛ لأن رسالته شمسٌ أشرقت على الدنيا فبددت دياجير الشرك، وأذابت جليد الجاهلية، وأحيت موات القلوب كما تحيي الشمس موات الأرض. وهو منيرٌ؛ لأن أخلاقه ورحمته قمرٌ يسري في ليل الحيارى، فيأنسون بنوره، ويهتدون بهديه، ولا يجدون في اتباعه عنتاً ولا مشقة، بل يجدون برداً وسلاماً.
لقد كان ﷺ شمسَ الحق في قوتها ووضوحها، وقمرَ الرحمة في لطفها وجمالها. اجتمع فيه جلال السراج وجمال المنير، فكان نوراً على نور، يهدي الله لنوره من يشاء.
وما أعجب هذا الوصف القرآني! كأنما يقول لنا: إن هذا النبي قد جمع الله له كمالات الأنوار كلها، فمن أراد قوة الحجة وسطوع البرهان وجدها في "السراج"، ومن أراد لطف المعشر ولين الجانب ورحمة القلب وجدها في "المنير".
فصلوات الله وسلامه على السراج المنير، الذي أضاء للدنيا طريقها، فما زال نوره يشرق في القلوب، وما زال هديه يسري في الأرواح، شمسٌ لا تغيب، وقمرٌ لا يأفل. 🤍
- الصور من تصوير الفنان صالح الهذلول ✨
كتب الله لغازي القصيبي القبول في الأرض، ومحبة الناس، من جميع الفئات والمذاهب والمشارب، وكتب له النجاح والشهرة؛ بوصفه وزيرًا وسفيرًا أحيانًا، وبوصفه أديبًا: شاعرًا وروائيًا وكاتب مقالة: مثقفًا مستنيرًا دائمًا؛ لأنه كان صادقًا. بدأ صادقًا، وظلَّ صادقًا، وانتهى صادقًا مسلِّمًا وراضيًا مرضيًا، وهو في ذروة المجد في جميع الصنائع التي اختارها، أو اختارته، أو أُختير لها. وأظن الصدق من أهم مقومات شخصية غازي القصيبي، التي يمكن أن نجدها، وأثرها في جميع ما كانه، وما صنعه. وبسبب ذلك، أضحى القصيبي سيرة خالدة، لاتزال تستعاد وتروى فصولها. سيرة صنعت له شُهرة ومثابة عظيمة، في نفوس من سمعوا به، ومن قرأوا له، ومن صاحبوه. وفي نفوس من سمعوا عنه، ممَّن قرأ له، أو صاحبه.
فالشهرة التي تصنعها المؤثرات؛ تنطفئ بانطفائها، ولكن الشهرة التي يفرضها صدق الرجل مع نفسه، ومع فكرته، ومع وطنه، هي الأثر الذي يبقى ويدوم بعد أن تخفت كل الأضواء. ويبقى من الرجل أثرُهُ فقط. ولذلك فإن حبَّ الناس للقصيبي، لم يكن ثمرةَ حملةٍ إعلامية، ولا نتيجة ترويجٍ رسمي، وإنما كان صدى لأثرٍ صادقٍ سكن العقول، واستقر في الوجدان، قبل أن يستقر حوله الضجيج والصخب. ورغم كل محاولات خصومه همزه ولمزه، واستثارة الجماهير ضده، واستعداء الناس عليه، إلا أنه ظلَّ صادقًا كما بدأ. لم يَخَفِ الجدال، ولم يهرب من السجال، ولم يتوارَ خلف مناصبه ليحتمي بظل السلطة، بل واجه الجميع بما يملك: صدق الحجة، ونقاء الضمير، واستقامة القصد. وكان منهجه في محاورتهم؛ ينمُّ عن ثقةٍ بالنفس، لم تستمد قوتها من الكرسي، ولا من الجاه، وإنما استمدتها من صفاء الفكرة، واطمئنان القلب. حين كان يَعرض رأيه كما هو، بلا زخرفة تُضلِّل، ولا خطابة تُثير، وكان يقف أمام خصومه؛ موقف المثقف الذي يبحث عن الحقيقة، وليس موقف الخصم الذي يبحث عن غلبة، حين رأوا فيه خصمًا، ونظر إليهم بوصفهم (إخوة) يختلفون عنه بالمنطلقات والأفكار والمقاصد.
وقد يكون هذا هو سرُّ القبول الأعظم: أنَّ الرجل إذا اتسقت سريرته مع علانيته، صار لكلمته وزن، ولمواقفه أثر. فالحب لا يناله المتلوِّن، وإن حاز الإعجاب، ولا يحوزه المتحاذق، وإنما يناله الصادق صاحب المبدأ.
ومن هنا جاء تفرُّد القصيبي: الذي جمع بين منصب الدولة، وقلم الأديب، ولم يسمح لأحدهما أن يلتهم الآخر، فبقي المسؤول فيه إنسانًا، وبقي المثقف فيه مواطنًا، قبل أن يكون منظِّرًا، أو صانع أفكار. ولذلك ظلَّ اسمه بعد رحيله خالدًا دالاً على معنى: معنى أن تكون صادقًا في البدايات، وصادقًا في النهايات، وأن يكون أثرُ حياتك، أصدق من خطاب تأبين، وأرفع من دنية شامت، وأنبل من ذريعة متزلِّف.
سيرة #غازي_القصيبي؛ جديرة بأن تروى وتدرَّس، وأن تُستعاد في كل حين.
الشيخ إبراهيم بن سلمان الدبيسي رحمه الله, يُكنى بـ أبومحمد, نشأ وترعرع ودرس بالمدينة المنورة, كان رحمـه الله مـن مُحـبي العِلـم, مُلازمـًا للعُـلـمـاء والمشايخ وأهل العِلم, ومن المُلازمين للمسجد النبوي الشريف والصلاة فيـه وحضور حلقاتِ العِلم بهِ طوال حياته تقريبًا, كـان رحمه الله رجلاً فاضلاً خيّـرًا مُحِبًا ومحبوبا من الجميع ويشهد له كل من عـرفـه بالخُلُق وأدب التعامل ولا نزكيه على الله, استضاف الشيخ الألباني في منزله رحمهما الله, توفي الشيخ إبراهيـم بن سلمان الدبـيـسي بالمدينة المنورة ودفن في بقيع الغرقد, رحمه الله وأسكنه فسيح جناته (المصدر ابنائه حفظهم الله).
*..وكيف لا نحبُّ المتنبي، وهو الذي رفع لغة الشعر إلى ذروة قدرتها، فجعلها أكثر طواعيةً، وأشد عمقًا، وأثرى دلالةً.. حتى صارت قصيدتُه ميدانًا تتلاقى فيه الفصاحة بالخيال، والحكمة بالجرأة، والعقل بالوجدان..؟..
ففي شعره تتجلَّى اللغةُ كائنًا حيًّا يفيض قوةً وجمالًا، وتُبرز قدرته على احتضان كلِّ المعاني؛ من أرقِّ المشاعر حتى أعنف الصراعات: الصراع مع الذات، ومع الناس، ومع العالم..
*والمتنبي شاعرُ اللغة في كثيرٍ من أسرار بيانها، ومعارض ألوانها، وآفاق معانيها، وشاعرُ الإنسان في جلِّ أحواله وأحلامه وآلامه.. كتب عن المجد كأنّه قدرٌ لا مفرَّ منه، وعن الكبرياء كأنَّها مرآةٌ للروح، وعن الغربة كأنَّها جرحٌ أبدي في قلب كلِّ إنسان..!..
ولأنَّه صادقٌ في كبريائه، عميقٌ في تساؤلاته، متفرّدٌ في رؤيته؛ وجدنا في أبياته شيئًا من ذواتنا، وتراءى لنا في صراعاته مع الذات، ومع الحياة وأحوالها، صدىً لصراعاتنا مع الذات، ومع الحياة وأحوالها وتقلُّباتها..
*إنَّ حبَّ المتنبي، في أحد وجوهه، هو إعجابٌ عميقٌ بالأغراض الشعرية التي تميَّز بها، وتأملٌ في النفس الإنسانية التي تسكن أعماق كثيرٍ منَّا؛ والتي عبَّر عن كثيرٍ من تباريحها وأشواقها. وفي الوقت نفسه، هو احتفاءٌ بلغةٍ شعريّة بلغت على يديه أقصى مجدها، واحتضانٌ لصوتٍ إنسانيٍّ خالد، ما فتىء يذكِّرنا بكلِّ ما فينا من قوة وضعف، وأمل وقلق، وكبرياء وانكسار.