مبادرة تعمل على رصد وتحليل الخطاب الطائفي في الفضاء السياسي والإعلامي العراقي، بهدف تفكيك أدوات التحريض، وكشف مغالطات الخطاب وبيان آثاره على السلم الاجتماعي.
يتعامل نمط من الخطاب العراقي، مثل تدوينة الغانم، مع الأحداث السياسية الأخيرة، بمنطق هوياتي يحاول ربط الفساد بـ «مكون» دون آخر من جهة، وبالخصوم السياسيين من جهة أخرى.
فلا يكون الفساد، بهذه الحالة، نتاجًا لبنية مؤسساتية أو منظومة حكم تشاركت في إنتاجه قوى متعددة، بل يتم تأويله داخل ثنائية هوياتية تفصل بين «مكون فاسد» و«مكون بريء»، أو بين جماعة مسؤولة وأخرى متضررة.
(أنا ضد الطائفية، ولكن لنتحدث بواقعية...). هذه واحدة من أكثر العبارات شيوعًا في الخطاب العراقي. إذ تبدأ بنفي الطائفية، ومن ثم الحديث عن «خسارات شيعية». كما في هذا الخطاب. وبما أنه حدد هوية «الخاسر»، فثّمة هوية لـ «الرابح»، وهذا منطق يكرّس الاستقطاب.
هذا النموذج من الخطاب، هو آلية تُتيح لصاحبها أن يُنكر الطائفية من الباب ويُدخلها من النافذة، بل ويمنحها شرعية إضافية حين يُلبسها لباس «الواقعية» و«الصراحة».
غير أن هذا يتقاطع مع ممارسات لغوية يستخدمها، تتسم بالابتذال والإهانة، ما يفتح سؤالًا حول العلاقة بين المضمون القيمي المعلن وأدوات التعبير المستخدمة. حيث إن هذا التقاطع لا يبدو -بسبب تكراره- عرضيًا، بل بدا جزءًا من بنية خطابية تُوظّف اللغة البذيئة كأداة تعبئة.
أصبحت البذاءة الخطابية وكأنها سمة تميّز الخطاب العراقي، وتبرز تحديدًا عند التيار الذي يُصنّف نفسه مواليًا لإيران، إذ غالبًا ما يُقدّم خطابه في صورة دفاع عن الحق والفضيلة والمقاو مـ ـة، مستندًا إلى سرديات دينية أو أخلاقية تمنحه شرعية رمزية عالية.
وتُستخدم المفردات الصادمة لتبسيط الواقع السياسي المعقّد إلى ثنائيات أخلاقية حادة، بما يسمح بحشد الجمهور دون الحاجة إلى بناء حجج عقلانية متماسكة. الأمر الذي يحوّل اللغة من وسيط للفهم إلى أداة للاستقطاب، والتنافر بين المجتمع الواحد.
يحاول تيارٌ يُصنّف نفسه مواليًا لإيران صراحةً إقناع العراقيين بأن «الوطنية» هي حياد أو أنها تواطؤ مع العدو، بل يذهب أبعد من ذلك بالقول إن الموقف «الولائي» هو الذي يحدد الإنسان «الشريف» من غيره، كما ورد في تدوينة لوزير التعليم السابق نعيم العبودي.
تتكرر هذه السياقات في خطاب يُقدّم المواطن الذي يراعي مصالح العراق العليا على أنه «خائن»، أو يُساء إليه عبر مصطلح «الوطنجية»، وهو مصطلح يُتداول لوصف من يختلف بالرأي مع تيار يعلن أنه «جندي ومحارب» ومدافع عن نظام أجنبي.