الاتفاق الذي أعلن نهاية مرحلة: هل انتصرت إيران أم تراجعت دول الخليج؟
كتب: د. جواد عبد الوهاب:
في السياسة لا تُقاس الانتصارات دائماً بما يُقال في البيانات الرسمية، بل بما يتغير في الواقع. ومن هذه الزاوية، قد يكون الاتفاق الأخير واحداً من أهم التحولات الاستراتيجية التي شهدتها المنطقة منذ عقود، لأنه لا يعكس فقط تهدئة مؤقتة، بل يكشف عن حقيقة أكبر: نهاية مشروع إقليمي كامل قام على فكرة احتواء إيران وتقليص نفوذها.
لسنوات طويلة، قيل لشعوب المنطقة إن النفوذ الإيراني يمثل الخطر الأكبر على الأمن العربي، وإن مواجهته أولوية استراتيجية لا تحتمل التهاون. أُنفقت مليارات الدولارات، وشُكلت التحالفات، واشتعلت الأزمات، وارتفعت سقوف الخطاب السياسي إلى مستويات غير مسبوقة.
لكن ماذا كانت النتيجة النهائية؟
إيران ما زالت موجودة. نفوذها ما زال حاضراً. حضورها السياسي والعسكري لم يختفِ. والأهم من ذلك أن القوى الإقليمية والدولية باتت تتعامل معها باعتبارها رقماً ثابتاً في أي معادلة تخص الشرق الأوسط.
إذاً، ماذا تحقق من مشروع الاحتواء؟
هذا السؤال هو أكثر ما يزعج المدافعين عن المرحلة السابقة.
فالواقع يقول إن المنطقة انتقلت من محاولة إقصاء إيران إلى التفاوض معها، ومن سياسة المواجهة إلى سياسة التعايش، ومن خطاب تغيير سلوكها إلى خطاب إدارة الخلاف معها. وهذا ليس تفصيلاً سياسياً صغيراً، بل انقلاب كامل في الفلسفة التي حكمت السياسات الإقليمية طوال سنوات.
قد يقول البعض إن هذا التحول يعكس نضجاً سياسياً وواقعية جديدة. لكن الواقعية نفسها تفرض تسمية الأشياء بأسمائها. فعندما تبدأ معركة بهدف تقليص نفوذ خصمك وتنتهي بالاعتراف به شريكاً لا يمكن تجاوزه، فمن الصعب وصف ذلك بأنه نجاح كامل.
في الحقيقة، ما نشهده اليوم أقرب إلى اعتراف متأخر بحقائق كانت واضحة منذ البداية: إيران ليست دولة هامشية يمكن عزلها أو تجاهلها، بل قوة إقليمية تمتلك من عناصر التأثير ما يجعل استبعادها من ترتيبات المنطقة أمراً شبه مستحيل.
لهذا السبب، فإن الاتفاق لا يكرّس قوة إيران فقط، بل يكرّس فشل الرهان على إضعافها.
وهنا تظهر المفارقة التاريخية.
الدول التي رفعت لعقود شعار مواجهة النفوذ الإيراني أصبحت اليوم تبحث عن التفاهم معها. والدول التي تحدثت عن ضرورة تغيير سلوك طهران أصبحت أكثر اهتماماً بتجنب الصدام معها. أما المشاريع الاقتصادية العملاقة التي تُبنى في الخليج، فقد دفعت صناع القرار إلى إعطاء الاستقرار أولوية تتقدم على الصراع، خاصة بعد فشل الحرب في تحقيق اهدافها.
لا يمكن لوم هذه الدول على البحث عن مصالحها. فالتنمية أكثر أهمية من الحروب، والاستثمار أكثر فائدة من الأزمات. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة يقتضي أيضاً الاعتراف بحقيقة أخرى: المنطقة لم تصل إلى هذه المرحلة بعد انتصار مشروع المواجهة، بل بعد التخلي عنه، بعد فشله.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إيران قد انتصرت. فمفهوم الانتصار في السياسة معقد ومتعدد الأوجه. السؤال الأهم هو: من الذي غيّر أهدافه؟ من الذي تخلى وتنازل عن مشروعه؟
إيران ما زالت تتحدث عن مشروعها ودورها الإقليمي ومصالحها الاستراتيجية. أما الخطاب الخليجي فقد انتقل من إعادة تشكيل التوازنات إلى التكيف معها. ومن يسعى إلى التكيف مع الواقع، بعد سنوات من محاولة تغييره، يكون قد قدّم التنازل الأكبر مهما كانت المبررات.
ربما يكون هذا التنازل ضرورياً. وربما يكون الطريق الوحيد نحو الاستقرار. لكن ذلك لا يغير حقيقة أساسية: الاتفاق الحالي لا يمثل انتصاراً للنهج الذي حكم المنطقة خلال العقدين الماضيين، بل يمثل إعلاناً هادئاً عن نهايته، إذا لم نقل هزيمته.
الرئيس الذي قال لدول الخليج يوماً: “لولاي لكنتم اليوم تتحدثون الفارسية”، شاءت الأقدار أن يكون هو نفسه من يوقع مذكرة تفاهم مكتوبة باللغة الفارسية.
التاريخ لا يخلو من المفارقات، لكنه أحياناً يسخر ممن يظنون أنهم يكتبونه وحدهم.
نتنياهو يكمن في التفاصيل:
كيف يحارب هذا الخبيث الاتفاقات التي لا يستطيع منعها
كتب: د. جواد عبّد الوهاب:
ليس صحيحاً أن بنيامين نتنياهو ينتصر دائماً بالحروب. وليس صحيحاً أنه ينجح دائماً في فرض رؤيته على حلفائه. لكن ما أثبته خلال عقود من العمل السياسي هو قدرته الاستثنائية على العمل في المنطقة الرمادية: بين الإعلان والتنفيذ، بين الاتفاق وتطبيقه، وبين النص والتفاصيل.
لهذا السبب، فإن السؤال الحقيقي بشأن أي اتفاق أمريكي ـ إيراني ليس ما إذا كان نتنياهو قادراً على إسقاطه من البداية، بل ما إذا كان قادراً على تخريبه من الداخل. والتجربة تقول إن الرجل الذي فشل أحياناً في منع القرارات الكبرى، نجح مراراً في إفساد ظروف نجاحها.
نتنياهو يدرك أن الولايات المتحدة، عندما تتخذ قراراً استراتيجياً، لا تستطيع إسرائيل منعه بسهولة. لكنه يعرف أيضاً أن الاتفاقات لا تعيش على التواقيع وحدها. إنها تعيش على الثقة، وعلى الاستقرار السياسي، وعلى البيئة الأمنية المحيطة بها. وهنا بالتحديد يبدأ دوره.
أولى أوراق هذا الملعون هي الاستخبارات. فكل معلومة عن نشاط إيراني سري، وكل تسريب عن منشأة غير معلنة، يمكن أن يحولها إلى أداة سياسية لتقويض الثقة بالاتفاق. لا يحتاج نتنياهو إلى إثبات انهيار الاتفاق، يكفيه زرع الشكوك حوله.
الورقة الثانية هي واشنطن نفسها. فالرجل بنى خلال سنوات طويلة شبكة نفوذ وعلاقات داخل الكونغرس الأمريكي ومراكز القرار والإعلام. ومن خلال هذه الشبكة يستطيع تحويل أي اتفاق إلى معركة سياسية داخلية أمريكية، بحيث يصبح الدفاع عنه أكثر كلفة من مهاجمته.
أما الورقة الثالثة فهي التصعيد الأمني. فعملية عسكرية محدودة هنا، أو ضربة محسوبة هناك، قد لا تكون كافية لتغيير موازين القوى، لكنها قد تكون كافية لإعادة أجواء التوتر والشك، وهي البيئة التي تزدهر فيها المعارضة للاتفاقات.
لكن ما يغفل عنه نتنياهو أحياناً هو أن العالم تغير. فإسرائيل لم تعد اللاعب الوحيد القادر على تعريف المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. وإذا كانت واشنطن مقتنعة بأن الاتفاق مع إيران يخدم أولوياتها الاستراتيجية، فإن قدرة نتنياهو على التعطيل تصبح محدودة. يستطيع أن يبطئ المسار، لكنه لا يستطيع بالضرورة إيقافه.
من هنا تكمن المفارقة. فنتنياهو لا يعيش في لحظة الحسم، بل في لحظة التفاصيل. لا يراهن على إسقاط الاتفاقات بضربة واحدة، بل على إنهاكها بألف جرح صغير. إنه سياسي يعرف أن التاريخ لا يتغير فقط بالقرارات الكبرى، بل أيضاً بما يختبئ بين السطور.
ولهذا، فإن الخطر الذي يمثله نتنياهو على أي اتفاق أمريكي ـ إيراني لا يكمن في قدرته على منع توقيعه، بل في قدرته على تحويله إلى اتفاق هش، مثقل بالشكوك، ومهدد بالانهيار منذ يومه الأول.
فمع نتنياهو، لا يكمن الشيطان في التفاصيل فحسب؛ بل يكمن نتنياهو نفسه فيها.
لا ترسلوهم.. فهذا وطنهم
كتب: د. جواد عبد الوهاب:
ثمة فرق بين أن تكتب مقالاً سياسياً، وأن تكتب لائحة فرز للمواطنين.
في الدول الطبيعية، يختلف الناس حول السياسات والبرامج والمواقف. أما حين يصبح النقاش حول من يستحق البقاء في وطنه ومن يجب أن يُرسل إلى الخارج، فنحن لا نكون أمام رأي سياسي بقدر ما نكون أمام مشروع إقصاء.
الخطر الحقيقي على البحرين ليس مواطناً يحمل رأياً مختلفاً، بل عقلية ترى نفسها مخولة بتوزيع شهادات الوطنية وسحبها، ومنح حق الانتماء لهذا المواطن وحرمان ذاك منه.
من السهل جداً أن تكتب عن طرد الناس. ومن السهل أن تتحدث عن إسقاط الجنسيات وعن إبعاد المواطنين وعن استحالة التعايش معهم. الكلمات لا تكلف أصحابها شيئاً. لكن الشعوب هي التي تدفع الثمن عندما تتحول هذه اللغة إلى ثقافة عامة.
أي وطن هذا الذي يصبح فيه الانتماء مشروطاً بالتطابق الفكري؟ وأي دولة يمكن أن تستقر إذا أصبح معيار المواطنة هو الولاء الذي يتخيله الكاتب في عقول الناس لا الأفعال التي تثبتها المحاكم؟
إن أخطر ما في هذا النوع من الخطاب أنه لا يكتفي بمهاجمة خصومه، بل يهاجم فكرة المواطنة نفسها. فالمواطنة ليست مكافأة سياسية، وليست هبة من كاتب أو مسؤول أو تيار. المواطنة حق أصيل لا يسقط لأن شخصاً يختلف معنا، ولا لأننا لا نحب أفكاره، ولا لأننا نشك في نواياه.
لقد تعلم البحرينيون عبر عقود طويلة أن البلاد تتسع للجميع. وأن الاستقرار لا يتحقق بإلغاء فئة من المجتمع، بل بإشراك الجميع في حماية الوطن. أما تحويل جزء من المواطنين إلى متهمين جماعياً، فليس سياسة أمنية، بل وصفة دائمة للانقسام.
والأغرب أن بعض الأصوات تتحدث باسم البحرين وكأن البحرين ملكية فكرية خاصة بها. تتحدث باسم الشعب كله. وتحكم على مئات الآلاف دفعة واحدة. وتقرر من الوطني ومن الخائن. ومن يستحق الوطن ومن يجب أن يُنفى منه.
لكن البحرين أكبر من ذلك.
البحرين ليست مقالاً غاضباً في صحيفة. وليست منصة لتصفية الحسابات الأيديولوجية. وليست مشروعاً لإعادة هندسة المجتمع وفق هوى هذا الكاتب أو ذاك.
البحرين وطن، والوطن لا يُبنى بإخراج أبنائه منه.
حين يصل الخطاب العام إلى مرحلة المطالبة بإبعاد المواطنين وتجريدهم من حقهم الطبيعي في وطنهم، فإن السؤال لم يعد عن الفئة المستهدفة بهذا الخطاب، بل عن الخطاب نفسه: كيف أصبح الإقصاء فضيلة؟ وكيف أصبحت الكراهية تُقدَّم بوصفها دفاعاً عن الوطن؟
التاريخ يعلمنا درساً واحداً لا يتغير: الأوطان التي تبدأ بفرز أبنائها لا تنتهي أكثر أمناً، بل أكثر انقساماً.
والوطن الذي يتسع للجميع أقوى من الوطن الذي يبحث كل يوم عن مواطن جديد ليطرده.
عاشوراء البحرين.. من الحصار الأمني إلى الوصاية على الدين والمجتمع
كتب: د. جواد عبد الوهاب:
لم تعد المواجهة الرسمية مع الشعائر الحسينية في البحرين تُدار بالأدوات الأمنية التقليدية وحدها كما كان الحال في مراحل سابقة، بل انتقلت إلى مستوى أكثر عمقاً وتعقيداً يستهدف البنية الدينية والاجتماعية التي تحتضن هذه الشعائر. فبعد سنوات من التضييق المباشر والملاحقات والاستدعاءات والقيود المفروضة على المظاهر الدينية، يبدو أن السلطة تتجه نحو مشروع جديد لا يكتفي بالرقابة والمنع، وإنما يسعى إلى إخضاع المجال الديني برمّته لمنظومة دائمة من الوصاية وإعادة التشكيل.
هذا التحول يعكس تغيراً في طبيعة المقاربة الرسمية تجاه عاشوراء. فبدلاً من النظر إلى الشعائر باعتبارها ممارسة دينية أصيلة وجزءاً من الهوية الثقافية والاجتماعية لشريحة واسعة من المواطنين، يجري التعامل معها بوصفها ملفاً أمنياً يتطلب المراقبة والتوجيه والتدخل المستمر. ومن هنا لم تعد الإجراءات تقتصر على القيود الأمنية الموسمية، بل امتدت إلى محاولة فرض أنماط جديدة من الإدارة والإشراف على المؤسسات الدينية، بما يجعل استقلالها أكثر خضوعا للقرار الرسمي.
إن ما يجري يتجاوز فكرة التضييق على الشعائر إلى مشروع وصاية متكامل على المؤسسات الدينية نفسها. فالسلطة التي أخفقت خلال السنوات الماضية في إضعاف الحضور الديني للمؤسسات الشيعية عبر الضغوط المباشرة، تبدو اليوم أكثر ميلاً إلى اختراق هذه المؤسسات والتأثير في آليات عملها وقراراتها الداخلية. والهدف لم يعد فقط تقليص مساحة التأثير الديني المستقل، بل إعادة إنتاج هذا التأثير ضمن أطر خاضعة للرقابة السياسية ومتناغمة مع الرؤية الرسمية.
وفي قلب هذا المشروع تبرز محاولات واضحة لإعادة صياغة مضمون الشعائر الحسينية وتجريدها من أبعادها الفكرية والاجتماعية. فإحياء ذكرى عاشوراء لم يكن عبر التاريخ مجرد ممارسة طقسية أو مناسبة عاطفية، بل شكّل فضاءً لإنتاج الوعي الديني والاجتماعي وترسيخ قيم العدالة والكرامة ورفض الظلم. غير أن السياسات الحالية تسعى إلى حصر هذه المناسبة في إطارها الشكلي والاحتفالي، بما يؤدي إلى تفريغها تدريجياً من مضامينها الرسالية وتحويلها إلى نشاط ديني منزوع التأثير العام.
ويترافق ذلك مع جهود متصاعدة لإعادة هندسة القيادة الدينية داخل المجتمع الشيعي. فمن خلال دعم شخصيات ووجوه أكثر قرباً من السلطة وإفساح المجال أمامها لتصدر المشهد، يجري العمل على خلق مراكز نفوذ بديلة يمكن الاعتماد عليها في تمرير السياسات الرسمية داخل المؤسسات الدينية والمجتمعية. وفي المقابل، تتعرض المرجعيات والعلماء والشخصيات المستقلة التي تتمتع بثقة مجتمعية واسعة إلى التهميش أو التضييق أو الإقصاء، في محاولة لإعادة رسم خريطة التأثير الديني والاجتماعي بما يخدم متطلبات الضبط السياسي.
ولا يمكن فصل هذه السياسات عن مشروع أوسع لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالمطلوب ليس فقط تنظيم الشأن الديني، بل إخضاعه وإعادة تعريف حدوده ووظائفه بما ينسجم مع الرؤية الأمنية للدولة. ومن هنا تصبح الوصاية على المؤسسات الدينية جزءاً من سياسة أشمل تستهدف الحد من استقلال الفضاءات المجتمعية كافة، وتحويلها إلى مؤسسات تعمل تحت سقف الرقابة والتوجيه الرسميين.
لكن التجارب التاريخية تثبت أن السيطرة الإدارية لا تضمن بالضرورة السيطرة على الوعي والهوية.
فالمؤسسات الدينية التي استمدت حضورها وتأثيرها من ارتباطها بالمجتمع ومن استقلاليتها النسبية لا يمكن اختزال دورها في الأطر التي ترسمها السلطة أو حصر رسالتها في الوظائف التي ترغب بها الدولة. كما أن الشعائر الحسينية ظلت تاريخيا قادرة على المحافظة على جوهرها ومعانيها رغم محاولات الاحتواء والتقييد.
وعليه فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه المجتمع الديني في البحرين اليوم لا يتمثل فقط في مواجهة أشكال التضييق المباشر، بل في التعامل مع مرحلة أكثر تعقيداً تقوم على الاحتواء وإعادة التشكيل والوصاية الناعمة. إنها معركة تتعلق باستقلال المؤسسات الدينية، وبحق المجتمع في إدارة شؤونه الدينية والاجتماعية بعيداً عن الهيمنة السياسية، كما تتعلق بالحفاظ على عاشوراء بوصفها مساحة للهوية والوعي والذاكرة الجماعية، لا مجرد مناسبة تخضع للرقابة والإدارة الرسمية.
إن الانتقال من الحصار الأمني إلى الوصاية على الدين والمجتمع يمثل أخطر التحولات التي شهدها المشهد الديني في البحرين خلال السنوات الأخيرة لأنه لا يستهدف المظاهر وحدها، بل يسعى إلى إعادة تشكيل البنية التي تنتج المعنى والقيادة والهوية. ولذلك فإن مستقبل العلاقة بين الدولة والمؤسسات الدينية لن يتحدد فقط بمدى قدرة السلطة على فرض سياساتها، بل أيضاً بمدى قدرة المجتمع على حماية استقلال فضائه الديني وصون دوره التاريخي من محاولة الاحتواء والإخضاع.
ترامب وإيران: رئيس يتخبط أمام خصم لم يفهمه بعد
كتب: د. جواد عبد الوهاب:
منذ عودته إلى البيت الأبيض، يتصرف دونالد ترامب وكأنه ما زال أسير القناعة نفسها التي حكمت سياسته تجاه إيران خلال ولايته الأولى: أن الضغوط القصوى والتهديدات العسكرية كفيلة بإجبار طهران على التراجع والقبول بالشروط الأمريكية. لكن ما يحدث اليوم يكشف مرة أخرى أن الرجل لم يفهم إيران، ولم يفهم طبيعة النظام الإسلامي الذي يواجهه، ولا الطريقة التي يتعامل بها مع الأزمات والصراعات.
ترامب، الذي يبحث عن إنجاز سياسي كبير يعزز موقعه قبل الانتخابات النصفية، بدا مقتنعاً بأن توجيه ضربات عسكرية لإيران سيمنحه صورة القائد الحازم الذي يفرض إرادته على خصوم الولايات المتحدة. إلا أن النتائج جاءت معاكسة تماماً لما كان يأمله.
فبدلاً من تحقيق نصر سياسي سريع، وجد نفسه أمام أزمة إقليمية أكثر تعقيداً. وبدلاً من فرض معادلة ردع جديدة، واجه رداً إيرانياً قلب حساباته رأساً على عقب. والأخطر من ذلك أن التصعيد لم يؤد إلى استقرار المنطقة أو تأمين طرق الملاحة، بل دفع الأمور نحو مزيد من التوتر والمخاطر الاقتصادية، حيث ردت عليه ايران بإغلاق مضيق هرمز.
تكمن المشكلة الأساسية في أن ترامب يتعامل مع إيران بعقلية رجل الأعمال الذي يعتقد أن كل طرف يمكن إخضاعه عبر رفع كلفة المواجهة عليه. لكن إيران ليست شركة تبحث عن تقليل الخسائر، وليست دولة اعتادت التراجع تحت الضغط. على مدى عقود أثبتت أنها مستعدة لتحمل أثمان باهظة مقابل الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية وهيبتها الإقليمية.
لقد أخطأ ترامب عندما افترض أن طهران ستكتفي بإصدار بيانات التنديد أو القيام بردود رمزية تحفظ ماء الوجه. فالإيرانيون يدركون أن أي تراجع غير محسوب سيُفسَّر داخلياً وخارجياً على أنه هزيمة، ولذلك اختاروا الرد بطريقة تضع واشنطن أمام معضلة جديدة بدلاً من أن تخرجها من المأزق.
التخبط الذي يطبع قرارات ترامب اليوم ليس ناتجاً فقط عن تعقيدات المشهد العسكري، بل أيضاً عن التناقض بين أهدافه السياسية ونتائج سياساته الفعلية. فهو يريد أن يظهر بمظهر القائد القوي، لكنه يجد نفسه مضطراً إلى التعامل مع تداعيات قرارات لم تحقق الحسم الذي وعد به. ويريد تجنب حرب واسعة، لكنه يتخذ خطوات تدفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد. ويريد طمأنة الأسواق، بينما تؤدي سياساته إلى زيادة القلق بشأن أمن الطاقة والتجارة العالمية.
المفارقة أن ترامب يقدم نفسه دائماً باعتباره الرجل الذي يفهم الخصوم أكثر من غيره، لكن التجربة مع إيران تشير إلى العكس. فبعد سنوات من العقوبات والتهديدات والعمليات العسكرية، ما زالت طهران قادرة على فرض وقائع جديدة وإرباك الحسابات الأمريكية كلما اعتقدت واشنطن أنها أمسكت بزمام المبادرة.
لقد أثبتت الأزمة الحالية أن المشكلة ليست في قوة الولايات المتحدة أو ضعفها، بل في سوء تقدير القيادة السياسية لطبيعة الخصم الذي تواجهه. فالدول لا تُدار بالشعارات الانتخابية، والأزمات الدولية لا تُحل بمنطق الاستعراض السياسي. وما لم يدرك ترامب أن إيران تفكر بعقلية مختلفة تماماً عن تلك التي يتخيلها، فإن مسلسل القرارات المرتبكة والنتائج العكسية مرشح للاستمرار.
ختاما، أن ما نشهده اليوم ليس دليلاً على نجاح استراتيجية ترامب تجاه إيران، بل على حدود هذه الاستراتيجية وفشلها في فهم الخصم الذي تحاول إخضاعه. فكل خطوة كان يفترض أن تقربه من تحقيق انتصار سياسي تبدو وكأنها تدفعه نحو أزمة أعمق، وتؤكد مرة أخرى أن القوة وحدها لا تكفي عندما يكون الفهم غائبا.
مفارقة سياسية واستراتيجية عميقة:
الكويت تشتري السلاح لتدافع عن البائع
كتب: د. جواد عبد الوهاب:
في خبرٍ يكاد يلخص مسارًا استراتيجيًا كاملًا، أُعلن عن صفقة جديدة بقيمة ملياري دولار لتزويد الكويت بأنظمة دفاع جوي أمريكية. ولعل السؤال الذي يتبادر إلى الذهن ليس ما الذي اشترته الكويت، بل من الذي ستحميه هذه المنظومات في نهاية المطاف؟
لعقود طويلة، قيل لشعوب الخليج إن وجود القواعد العسكرية الأمريكية هو الضمانة الكبرى للأمن والاستقرار. وجرى تبرير الإنفاق الهائل على الشراكات العسكرية مع واشنطن باعتباره ثمنًا لحماية توفرها القوة العظمى الأولى في العالم. لكن بعد عشرات السنين ومئات المليارات من الدولارات، يبدو أن الصورة انقلبت رأسًا على عقب: فالدول الخليجية لا تدفع فقط ثمن الحماية، بل تدفع أيضًا ثمن حماية الحامي نفسه.
إن القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة ليست جمعيات خيرية، بل أصول استراتيجية تخدم المصالح الأمريكية أولًا. ومع ذلك، تجد الدول المضيفة نفسها مطالبة بتمويل أنظمة دفاعية باهظة الثمن لحماية تلك المنشآت والقوات الأجنبية الموجودة على أراضيها. وهنا يبرز السؤال المحرج: من يحمي من؟
لقد تحولت العلاقة، تدريجيًا، من معادلة تقول إن واشنطن توفر الأمن مقابل النفوذ والتسهيلات، إلى معادلة أكثر غرابة: واشنطن تبيع السلاح، وتحصل على القواعد، وتحافظ على النفوذ، بينما تتحمل الدول الخليجية القسم الأكبر من الفاتورة.
المشكلة لا تكمن في شراء السلاح بحد ذاته. فلكل دولة الحق في تعزيز قدراتها الدفاعية. المشكلة تكمن في الفلسفة التي حكمت هذه السياسة لعقود. فبعد كل هذه المشتريات الضخمة، أين هي الصناعة العسكرية المحلية القادرة على إنتاج أنظمة مماثلة أو تطويرها؟ وأين الاكتفاء الذاتي النسبي الذي كان يفترض أن يكون ثمرة عقود من الإنفاق العسكري؟ وأين التحول من مستهلك دائم للسلاح إلى منتج وشريك تقني حقيقي؟
لقد أصبحت المنطقة واحدة من أكبر أسواق السلاح في العالم، لكنها لم تصبح واحدة من أكبر مراكز إنتاج التكنولوجيا العسكرية. دفعت الأموال، ووُقعت العقود، وتراكمت الترسانات، لكن الاعتماد الاستراتيجي على الخارج بقي كما هو، وربما ازداد عمقًا.
والأخطر من ذلك أن هذه الاستراتيجية خلقت وهمًا مريحًا مفاده أن الأمن يمكن شراؤه بالشيكات. لكن التاريخ يعلمنا أن الأمن الحقيقي لا يُستورد جاهزًا من الخارج، بل يُبنى عبر مؤسسات وطنية قوية، واقتصاد متنوع، وقاعدة علمية وتقنية متقدمة، وقدرة ذاتية على الردع والإنتاج.
اليوم، ومع كل صفقة جديدة، يعود السؤال ذاته بإلحاح أكبر: ماذا جنت دول الخليج من مئات المليارات التي أُنفقت خلال العقود الماضية؟ وإذا كانت النتيجة النهائية هي أن تشتري الدولة أنظمة دفاعية بمليارات الدولارات لحماية قواعد الدولة التي باعتها هذه الأنظمة أصلًا، فربما حان الوقت لإعادة النظر في الفرضيات التي قامت عليها الاستراتيجية كلها.
إن خبر الصفقة الجديدة ليس مجرد عقد تسليح آخر. إنه مرآة تعكس مفارقة سياسية واستراتيجية عميقة: الكويت تشتري لتدافع عن البائع.
الضربة الإيرانية: حين انتصرت المصداقية على حسابات التردد
كتب: د. جواد عبد الوهاب:
لم تكن الضربة الإيرانية الأخيرة مجرد رد عسكري على اعتداء إسرائيلي، بل كانت حدثاً سياسياً واستراتيجياً حمل رسائل عميقة إلى المنطقة والعالم. فبعيداً عن حجم الضربة أو نتائجها المباشرة، تكمن أهميتها في أنها أثبتت أن إيران التزمت بما أعلنته مسبقاً، ونفذت تهديداتها رغم الضغوط الهائلة التي كانت تدفع نحو التراجع أو الاكتفاء بالإدانات السياسية.
على مدى سنوات، سادت في بعض الأوساط السياسية والإعلامية فرضية مفادها أن إيران تستخدم حلفاءها وأوراق نفوذها الإقليمية كأدوات تفاوضية يمكن التخلي عنها عند أول اختبار جدي. لكن التطورات الأخيرة وجهت ضربة قوية لهذه الفرضية. فحين تعرضت الضاحية الجنوبية للاعتداء، كان بإمكان طهران أن تتذرع بحساسية المفاوضات الدولية أو بالأوضاع الاقتصادية الصعبة أو بالمخاطر الأمنية الناتجة عن أي تصعيد. إلا أنها اختارت مساراً مختلفاً، مؤكدة أن التزاماتها السياسية والاستراتيجية ليست مجرد شعارات للاستهلاك الإعلامي.
في الكيان الاسرائيلي، بدا أن التقدير السائد كان يقوم على أن إيران لن تذهب إلى رد مباشر خوفاً من التداعيات المحتملة. وقد ولّد هذا الاعتقاد شعوراً بالاطمئنان لدى صناع القرار هناك بأن بإمكانهم رفع مستوى الضغط من دون دفع ثمن ملموس. إلا أن الرد الإيراني جاء ليكسر هذه المعادلة، وليؤكد أن حسابات الردع لا تُبنى على النوايا المفترضة، بل على الأفعال الفعلية.
أما في واشنطن، فقد وجدت الإدارة الأمريكية نفسها أمام واقع جديد. فمن جهة، هي معنية باستمرار المسارات الدبلوماسية وتجنب الانفجار الإقليمي، ومن جهة أخرى لا ترغب في الانجرار إلى مواجهة مباشرة واسعة النطاق. ولذلك بدت الولايات المتحدة حريصة على احتواء الموقف ومنع تحوله إلى حرب مفتوحة، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لتعقيدات المشهد الإقليمي وحدود القدرة على التحكم بمساراته.
وفي عواصم المنطقة، عاد شبح الحرب الإقليمية إلى الواجهة. غير أن الرسالة الأبرز لم تكن الخوف من التصعيد بحد ذاته، بل إدراك أن قواعد الاشتباك لم تعد كما كانت. فإيران أظهرت استعداداً لتحمل أثمان سياسية واقتصادية وأمنية من أجل تثبيت معادلات تعتبرها أساسية لأمنها ومكانتها الإقليمية.
إن ما حدث لا يمكن اختزاله في كونه مجرد رد عسكري عابر، بل يمثل دليلاً على أن القيادة الإيرانية قرأت موازين القوى وردود الفعل الدولية والإقليمية بطريقة منحتها الثقة لاتخاذ قرار شديد الحساسية. وقد يختلف المراقبون حول النتائج النهائية لهذه السياسة، لكن من الصعب إنكار أن طهران نجحت في إثبات عنصر بالغ الأهمية في العلاقات الدولية: المصداقية.
فالدول لا تُقاس فقط بما تملكه من قدرات، بل أيضاً بمدى استعدادها لاستخدام تلك القدرات عندما تتعرض مصالحها أو حلفاؤها للاعتداء. ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن القول إن الضربة الإيرانية لم تكن مجرد رسالة إلى إسرائيل، بل كانت رسالة إلى المنطقة بأسرها مفادها أن طهران لا تزال ترى نفسها لاعباً قادراً على المبادرة وفرض معادلاته، لا مجرد طرف يكتفي بردود الفعل أو ينتظر ما يقرره الآخرون. وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، تبقى المصداقية السياسية والقدرة على ترجمة المواقف إلى أفعال من أهم عناصر النفوذ والتأثير، وهو ما سعت إيران إلى تأكيده من خلال هذه العملية التي أرادت لها أن تكون إعلاناً واضحاً بأن حساباتها الاستراتيجية لا تُدار بمنطق التردد، بل بمنطق تثبيت الردع وحماية الحلفاء وصون مكانتها الإقليمية.
الطائفة الشيعية: الوحيدة التي امتلكت السلاح ولم تجعل اللبنانيين هدفًا له
كتب: د. جواد عبد الوهاب:
قبل الحديث عن احتمالات الفتنة أو الحرب الطائفية في لبنان، لا بد من التوقف عند مجموعة من الحقائق التي تجعل هذا السيناريو مستبعدًا أكثر مما يروّج له البعض. فلبنان، رغم أزماته المتعددة وتعقيداته السياسية والطائفية، يمتلك اليوم عوامل ردع داخلية تجعل الانزلاق إلى مواجهة أهلية شاملة أمرًا بالغ الصعوبة.
أول هذه العوامل أن الطائفة الشيعية، التي تُعد اليوم في صلب الاستهداف السياسي والإعلامي، هي الطائفة الوحيدة التي عندما امتلكت السلاح جعلت وجهته الأساسية نحو العدو الخارجي الذي اعتدى على لبنان واحتل أجزاء من أرضه، ولم تجعل هذا السلاح أداةً للهيمنة على الداخل أو لخوض مشروع حرب أهلية. وقد تشكل هذا الخيار على مدى عقود باعتباره جزءًا من معادلة الدفاع عن لبنان وحماية سيادته، وهو ما يفسر تمسك جمهور واسع بهذا النهج رغم كل الضغوط والتحديات.
أما العامل الثاني، فيتمثل في أن الجهات التي تسعى إلى إشعال الفتنة الطائفية لا تملك القدرة الفعلية على فرضها على الأرض. وفي المقابل، فإن القوى القادرة على منع الانزلاق إلى الفوضى والحرب لا تجد مصلحة في ذلك ولا ترغب به. وهذه المعادلة تخلق نوعًا من التوازن الذي يجعل الدعوات إلى الصدام مجرد شعارات أو رهانات غير قابلة للتحقق عمليًا، لأن شروط الحرب الأهلية لا تتوافر بمجرد وجود خطاب تحريضي، بل تحتاج إلى إرادة وقدرة لدى الأطراف الأساسية، وهو ما يبدو غائبًا اليوم.
أما العامل الثالث والأهم، فهو أن الطرف الأقوى في المعادلة اللبنانية أعلن منذ البداية أن هدفه الأساسي هو مواجهة العدو وحماية لبنان، وليس الدخول في صراعات داخلية. وقد كرر هذا الموقف في مختلف المحطات الحساسة التي مر بها البلد، مؤكدًا أن الأولوية تبقى للدفاع عن لبنان واستقراره ومنع تحويل الخلافات السياسية إلى نزاعات أهلية تهدد الجميع دون استثناء.
انطلاقًا من هذه المعطيات، فإن الحديث المتكرر عن حرب طائفية وشيكة في لبنان يبدو أقرب إلى التهويل السياسي منه إلى القراءة الواقعية للأحداث. فالتحديات التي تواجه اللبنانيين اليوم هي اقتصادية واجتماعية وسيادية بالدرجة الأولى، وتتطلب تعزيز الوحدة الوطنية والحوار بين مختلف المكونات، لا الانجرار وراء خطابات التخويف والتحريض. إن الحفاظ على السلم الأهلي يبقى مسؤولية جماعية، لكنه يستند أيضًا إلى وقائع ميدانية وسياسية تجعل احتمالات الفتنة أقل بكثير مما يتصوره أو يتمناه البعض.
بين "أرضة" قريش و "محلقات" المقاومة
كتب: د. جواد عبد الوهاب:
في الذاكرة الإسلامية تحضر قصة صحيفة المقاطعة التي علقتها قريش في الكعبة خلال حصار المسلمين في شعب أبي طالب. كانت الصحيفة تمثل مشروعًا متكاملًا للعزل والخنق والإقصاء، وقد بدا في حينه أن قريش أحكمت إغلاق جميع المنافذ أمام خصومها. لكن الرواية التاريخية تخبرنا أن الأرضة أكلت الصحيفة، فتحول كائن صغير لا يُلتفت إليه إلى رمز لانهيار مشروع كبير.
هذه القصة لا تُستحضر اليوم بوصفها مقارنة حرفية بين الماضي والحاضر، وإنما بوصفها استعارة سياسية عميقة: فكم من مشروع ضخم امتلك المال والسلاح والنفوذ، لكنه اصطدم في النهاية بعامل صغير لم يكن في الحسبان.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل يمكن أن تتحول التقنيات التي طورتها المقاومة الإسلامية في لبنان، ومنها الوسائل المحلقات التي تعتمد على الألياف الضوئية أو الأنظمة التي تقلل من فاعلية المراقبة والاستهداف، إلى “أرضة العصر” التي تربك الحسابات الإسرائيلية؟
تاريخ الحروب مليء بالأمثلة التي تثبت أن التفوق العسكري لا يكفي وحده لتحقيق النصر. فالجيوش تبني خططها على افتراضات معينة، وحين ينجح الخصم في كسر هذه الافتراضات تظهر مشكلة حقيقية. ليس المطلوب أن يمتلك الطرف الأضعف قوة مساوية، بل أن يجد الثغرة التي تجعل تفوق خصمه أقل فاعلية. وهذا بالضبط ما تفعله المقاومة الإسلامية في لبنان اليوم.
فإذا كانت إسرائيل تعتمد بصورة كبيرة على التفوق الاستخباري والتكنولوجي، فإن أي وسيلة تحد من هذا التفوق تكتسب أهمية تتجاوز حجمها الحقيقي. وفي هذه الحالة لا يصبح السؤال متعلقًا بحجم السلاح نفسه، بل بقدرته على إرباك المنظومة التي بُنيت عليها الخطط والاستراتيجيات.
لذلك فإن الحديث عن “أرضة العصر” قد يعني احتمال ظهور عنصر غير متوقع يفرض قواعد جديدة للصراع تماما كما فعلت ذلك "ارضة" قريش حينما تسببت في انهيار مشروع ضخم لقو كبيرة.
وربما تكون القيمة الحقيقية للاستعارة هنا أن الأرضة لم تكن أقوى من قريش، لكنها أصابت الوثيقة التي قامت عليها سياسة الحصار. وكذلك في الحروب الحديثة، قد لا يكون العامل الحاسم هو الأكثر ضجيجًا أو الأكثر تدميرًا، بل ذلك العنصر الصغير الذي يضرب الفكرة المركزية التي بُني عليها المشروع كله. وهذا بالضبط ما تفعله اليوم ارضة العصر (المحلقات).
لذلك يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستثبت التطورات الميدانية أن بعض التقنيات التي تبدو اليوم محدودة التأثير ليست سوى بداية تحول أعمق في موازين الصراع؟ وهل تكون هذه الوسائل هي “أرضة العصر” التي تنخر أسس مشروع كبير من حيث لا يتوقع أصحابه؟ الإجابة لا يملكها التحليل السياسي ولا الخطاب الإعلامي، بل ستكشفها الوقائع على الأرض ومسار الأحداث في القادم من الشهور او السنوات.
يوم الاثنين.. عندما تراجع الجميع أمام معادلة الردع
كتب: د. جواد عبد الوهاب:
ليست القوة دائماً في عدد الطائرات ولا في حجم الترسانات العسكرية. أحياناً تتجلى القوة الحقيقية في قدرة دولة تعرضت للضرب والتهديد والعقوبات والحصار لعقود، ثم تجد نفسها في لحظة مفصلية قادرة على فرض إيقاعها على المنطقة بأسرها.
هذا ما حدث يوم الاثنين الماضي.
في ساعات قليلة، انتقل المشهد من الحديث عن مزيد من الضربات والتصعيد إلى سباق محموم لاحتواء الموقف ومنع انفجار الحرب الكبرى. فجأة تحرك الوسطاء، وارتفعت وتيرة الاتصالات، وانشغلت العواصم المؤثرة بالبحث عن مخارج سياسية، وكأن المنطقة كلها اكتشفت دفعة واحدة أن النار التي أوشكت على الاشتعال لن تقف عند حدود دولة أو جبهة واحدة.
ولهذا السبب لم يكن المشهد الأبرز هو التهديدات المتبادلة، بل حركة الاتصالات والوساطات التي انطلقت من أكثر من عاصمة. فعندما تبدأ الهواتف بالعمل أكثر من الصواريخ، فهذا يعني أن جميع الأطراف باتت تدرك حجم المخاطر المترتبة على أي خطوة غير محسوبة.
ايران حققت في ذلك اليوم أكثر من هدف استراتيجي.
الهدف الأول كان تثبيت معادلة جديدة على الساحة اللبنانية. فبدلاً من أن تبقى بيروت والضاحية هدفاً مفتوحاً للضغط والتصعيد، أصبحت أي مغامرة واسعة تحمل معها احتمالات ردود وتداعيات لا يمكن التنبؤ بنتائجها. وهكذا انتقل النقاش من كيفية توسيع الهجوم إلى كيفية منع توسعه.
أما الهدف الثاني فكان كشف الأوراق التي يخشاها الخصم أكثر من غيرها. فالقضية لم تكن مجرد تصريحات سياسية أو مواقف إعلامية، بل التلويح بأدوات ضغط تمس حسابات الخصوم مباشرة: وقف مسارات التفاوض، احتمال توسيع دائرة المواجهة مع إسرائيل، وطرح سيناريوهات يمكن أن تدفع المنطقة بأكملها إلى مرحلة مختلفة تماماً.
لقد أدركت إيران منذ سنوات أن مواجهة القوى الكبرى لا تكون بمحاولة التفوق عليها في كل شيء، فهذا أمر غير واقعي. لذلك اختارت طريقاً آخر: بناء قدرة ردع تجعل كلفة الحرب أعلى من مكاسبها. وعندما تصل الأمور إلى هذه النقطة، يصبح الطرف الأقوى عسكرياً مضطراً إلى إعادة الحسابات، ليس خوفاً من الهزيمة، بل خوفاً من الثمن.
وهنا تكمن المفارقة.
فالدولة التي قيل مراراً إنها معزولة ومحاصرة ومُنهكة، استطاعت أن تجعل خصومها وحلفاءهم ينشغلون بمنع التصعيد بدلاً من السعي إليه. والدولة التي تعرضت لعقوبات غير مسبوقة نجحت في الاحتفاظ بأوراق كافية تجعل أي قرار بمواجهتها قراراً بالغ الكلفة.
قد يختلف الناس في تأييد إيران أو معارضتها، وقد تختلف القراءات حول ما جرى، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن يوم الاثنين كشف حقيقة استراتيجية مهمة: ليس ضرورياً أن تكون الأقوى في العالم لكي تفرض معادلتك. يكفي أن تمتلك من عناصر الردع ما يجعل خصمك، مهما بلغت قوته، يفكر ملياً قبل أن يخطو الخطوة التالية.
وفي عالم السياسة، عندما يتحول التهديد بالحرب إلى موجة اتصالات ووساطات وتحركات دبلوماسية عاجلة، فذلك يعني أن الرسالة قد وصلت، وأن ميزان الردع نجح في أداء مهمته، ولو مؤقتاً.
لقد كان يوم الاثنين يوماً قالت فيه إيران شيئاً واحداً للجميع: ما زالت لدي أوراق قادرة على تغيير الحسابات.
يوم الاثنين.. عندما تراجع الجميع أمام معادلة الردع
ليست القوة دائماً في عدد الطائرات ولا في حجم الترسانات العسكرية. أحياناً تتجلى القوة الحقيقية في قدرة دولة تعرضت للضرب والتهديد والعقوبات والحصار لعقود، ثم تجد نفسها في لحظة مفصلية قادرة على فرض إيقاعها على المنطقة بأسرها.
هذا ما حدث يوم الاثنين الماضي.
في ساعات قليلة، انتقل المشهد من الحديث عن مزيد من الضربات والتصعيد إلى سباق محموم لاحتواء الموقف ومنع انفجار الحرب الكبرى. فجأة تحرك الوسطاء، وارتفعت وتيرة الاتصالات، وانشغلت العواصم المؤثرة بالبحث عن مخارج سياسية، وكأن المنطقة كلها اكتشفت دفعة واحدة أن النار التي أوشكت على الاشتعال لن تقف عند حدود دولة أو جبهة واحدة.
ولهذا السبب لم يكن المشهد الأبرز هو التهديدات المتبادلة، بل حركة الاتصالات والوساطات التي انطلقت من أكثر من عاصمة. فعندما تبدأ الهواتف بالعمل أكثر من الصواريخ، فهذا يعني أن جميع الأطراف باتت تدرك حجم المخاطر المترتبة على أي خطوة غير محسوبة.
ايران حققت في ذلك اليوم أكثر من هدف استراتيجي.
الهدف الأول كان تثبيت معادلة جديدة على الساحة اللبنانية. فبدلاً من أن تبقى بيروت والضاحية هدفاً مفتوحاً للضغط والتصعيد، أصبحت أي مغامرة واسعة تحمل معها احتمالات ردود وتداعيات لا يمكن التنبؤ بنتائجها. وهكذا انتقل النقاش من كيفية توسيع الهجوم إلى كيفية منع توسعه.
أما الهدف الثاني فكان كشف الأوراق التي يخشاها الخصم أكثر من غيرها. فالقضية لم تكن مجرد تصريحات سياسية أو مواقف إعلامية، بل التلويح بأدوات ضغط تمس حسابات الخصوم مباشرة: وقف مسارات التفاوض، احتمال توسيع دائرة المواجهة مع إسرائيل، وطرح سيناريوهات يمكن أن تدفع المنطقة بأكملها إلى مرحلة مختلفة تماماً.
لقد أدركت إيران منذ سنوات أن مواجهة القوى الكبرى لا تكون بمحاولة التفوق عليها في كل شيء، فهذا أمر غير واقعي. لذلك اختارت طريقاً آخر: بناء قدرة ردع تجعل كلفة الحرب أعلى من مكاسبها. وعندما تصل الأمور إلى هذه النقطة، يصبح الطرف الأقوى عسكرياً مضطراً إلى إعادة الحسابات، ليس خوفاً من الهزيمة، بل خوفاً من الثمن.
وهنا تكمن المفارقة.
فالدولة التي قيل مراراً إنها معزولة ومحاصرة ومُنهكة، استطاعت أن تجعل خصومها وحلفاءهم ينشغلون بمنع التصعيد بدلاً من السعي إليه. والدولة التي تعرضت لعقوبات غير مسبوقة نجحت في الاحتفاظ بأوراق كافية تجعل أي قرار بمواجهتها قراراً بالغ الكلفة.
قد يختلف الناس في تأييد إيران أو معارضتها، وقد تختلف القراءات حول ما جرى، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن يوم الاثنين كشف حقيقة استراتيجية مهمة: ليس ضرورياً أن تكون الأقوى في العالم لكي تفرض معادلتك. يكفي أن تمتلك من عناصر الردع ما يجعل خصمك، مهما بلغت قوته، يفكر ملياً قبل أن يخطو الخطوة التالية.
وفي عالم السياسة، عندما يتحول التهديد بالحرب إلى موجة اتصالات ووساطات وتحركات دبلوماسية عاجلة، فذلك يعني أن الرسالة قد وصلت، وأن ميزان الردع نجح في أداء مهمته، ولو مؤقتاً.
لقد كان يوم الاثنين يوماً قالت فيه إيران شيئاً واحداً للجميع: ما زالت لدي أوراق قادرة على تغيير الحسابات.
الغدير.. شهادة التاريخ لعلي ابن ابي طالب عليه السلام
كتب: جواد عبد الوهاب:
من هو هذا الرجل الذي تتوقف من أجله قوافل العائدون من أعظم رحلة في تاريخ الإسلام؟ من هو الذي يُدعى له عشرات الآلاف من المسلمين في هجير الصحراء، بعد أن اكتمل الحج وأوشك الناس أن يتفرقوا إلى أوطانهم؟ أي إنسان هذا الذي رأى النبي محمد صلى عليه وآله أن الحديث عنه في ذلك المشهد الاستثنائي أمر لا يحتمل التأجيل؟
إنه علي بن أبي طالب.
ليس اسماً عابراً في سجل التاريخ، ولا بطلاً صنعته المبالغات، بل شخصية نمت في قلب الرسالة منذ فجرها الأول. فتح عينيه في بيت الكعبة، وفتح قلبه على الإسلام وهو فتى يافع، فلم يعرف في حياته طريقاً غير طريق الحق الذي آمن به.
كان علي أول من لبّى النداء، وأول من وقف حين تردد الآخرون، وأول من نام في فراش النبي ليلة الهجرة حين كانت السيوف تحاصر الدار وتنتظر لحظة الانقضاض. هناك، في تلك الليلة، لم يكن مجرد شاب شجاع، بل كان صورة نادرة للإيمان الذي يتقدم على الخوف.
وعندما دارت رحى المعارك، كان علي عيه السلام حاضراً حيث تشتد المحنة. في بدر وأحد والخندق وخيبر، لم يكن يبحث عن مجد شخصي، بل كان يحمل روحه على كفيه دفاعاً عن الرسالة. حتى صار اسمه مرادفاً للشجاعة، وصارت بطولاته جزءاً من الذاكرة الإسلامية التي لا يطويها الزمن.
لكن عظمة علي لم تكن في سيفه وحده.
فكم من فارس عبر التاريخ حمل سيفاً، وكم من قائد انتصر في معركة، ثم غاب ذكره مع غبار الأيام. أما علي فبقي لأن قوته كانت مقرونة بالحكمة، وشجاعته ممزوجة بالرحمة، وسلطانه محكوماً بالعدل.
كان إذا تحدث أدهش العقول ببلاغته، وإذا حكم أذهل الناس بإنصافه، وإذا زهد ذكّرهم بأن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يكون.
كان يرى السلطة مسؤولية لا امتيازاً، والناس أمانة لا رعية، والعدل فريضة لا خياراً. لذلك بقيت كلماته حية بعد قرون طويلة، تتردد على الألسن وتُدرَّس في الكتب وتُلهم الباحثين عن الحكمة.
وحين نتأمل حادثة الغدير، فإن السؤال لا يكون فقط: ماذا قيل هناك؟ بل أيضاً: من هو الرجل الذي كان محور ذلك المشهد العظيم؟
إنه رجل اجتمعت فيه خصال قلّ أن تجتمع في إنسان واحد؛ القرب من النبي نسباً وتربية، والسبق إلى الإيمان، والعلم الغزير، والشجاعة النادرة، والزهد العميق، والعدل الذي لم يساوم عليه.
ولهذا لم يكن علي مجرد شخصية تاريخية عاشت في القرن الأول الهجري، بل أصبح رمزاً إنسانياً تتجاوز سيرته حدود الزمان والمكان. كل جيل يقرأ فيه معنى جديداً للشجاعة، وصورة أرقى للوفاء، ودليلاً على أن القوة الحقيقية لا تنفصل عن الأخلاق.
إن الحديث عن علي عليه السلام ليس حديثاً عن رجل من الماضي، بل عن قيمة خالدة. عن إنسان استطاع أن يحوّل الإيمان إلى موقف، والعلم إلى حكمة، والسلطة إلى عدالة، والحياة كلها إلى رسالة.
ولهذا، كلما ذُكر اسمه، لا يُستحضر بطل من التاريخ فحسب، بل تُستحضر مدرسة كاملة في الإنسانية والفضيلة.
ذلك هو علي بن أبي طالب. الرجل الذي ما زال حضوره في الوجدان الإسلامي أكبر من حدود القرون، وأعمق من صفحات الكتب، وأبقى من أن يختصره تاريخ أو تحيط به كلمات.
حين تصنع التهديدات التوازن: كيف أجبرت تهديدات إيران نتنياهو على إعادة الحسابات؟
كتب: د. جواد عبد الوهاب:
في الشرق الأوسط، لا تُصنع القرارات الكبرى دائماً على طاولة المفاوضات، بل كثيراً ما تُفرض تحت ضغط موازين القوة وكلفة المواجهة. وما شهدته المنطقة اليوم الاثنين يكشف أن حكومة بنيامين نتنياهو، التي بدت ماضية في توسيع دائرة الحرب، وجدت نفسها أمام معادلة مختلفة فرضتها التهديدات الإيرانية واحتمالات الانفجار الشامل.
فمع تصاعد التحذيرات الإيرانية من توسيع نطاق المواجهة، والحديث عن إمكان فتح جبهات متعددة تمتد من شمال فلسطين المحتلة إلى الممرات البحرية الحيوية، (هرمز والمندب)، ارتفعت كلفة أي مغامرة عسكرية إسرائيلية إلى مستويات غير مسبوقة. ولم يعد الأمر متعلقاً بضربة هنا أو عملية هناك، بل باحتمال اندلاع مواجهة إقليمية قادرة على إرباك الاقتصاد العالمي وتهديد المصالح الأمريكية نفسها.
في هذا المشهد، برز الدور الأمريكي بصورة أوضح. فواشنطن التي منحت إسرائيل دعماً سياسياً وعسكرياً واسعاً، وجدت نفسها أمام خطر فقدان السيطرة على مسار الأحداث. لذلك لم يكن مستغرباً أن تتكثف الاتصالات والضغوط الرامية إلى منع انفجار شامل قد يجر المنطقة كلها إلى حرب مفتوحة.
اللافت أن ما عجزت عنه سنوات من البيانات الدبلوماسية والنداءات الدولية، بدأت تفرضه معادلة الردع وتوازن المخاطر. فحين تصبح تكلفة التصعيد أعلى من مكاسبه، يبدأ صناع القرار بإعادة النظر في حساباتهم، مهما كانت خطاباتهم متشددة.
لا يعني ذلك أن إسرائيل تخلت عن خياراتها العسكرية أو أن الحرب انتهت، لكن التطورات الأخيرة أظهرت حقيقة يصعب تجاهلها: القوة لا تعمل في اتجاه واحد، والتفوق العسكري لا يمنح بالضرورة حرية مطلقة في اتخاذ القرار. فكل خطوة نحو التصعيد باتت تقابلها مخاطر أكبر، وكل تهديد بتوسيع الحرب يواجه احتمالاً حقيقياً لردود فعل تتجاوز حدود الجبهة المباشرة.
إن الدرس الأبرز من هذه المرحلة هو أن الردع لا يُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ، بل أيضاً بقدرة الأطراف على جعل كلفة الحرب غير محتملة. وعندما تصل الأمور إلى هذه النقطة، يصبح حتى أكثر القادة اندفاعاً مضطراً إلى التوقف وإعادة الحسابات.
ربما لم تتوقف الحرب بعد، وربما لم يتراجع نتنياهو بالكامل، لكن المؤكد أن هامش حركته لم يعد كما كان، وأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها أن التهديد بتوسيع المواجهة أصبح عاملاً مؤثراً في كبح اندفاع التصعيد الصهيوني.
البحرين: إدارة الأوقاف الجعفرية.. حين تتحول الأمانة إلى قرار أغلبية
كتب: د. جواد عبد الوهاب:
يثير التنظيم الجديد لإدارة الأوقاف في البحرين تساؤلات جوهرية تتجاوز التفاصيل الإدارية والهيكلية، لتصل إلى صلب مفهوم الوقف ذاته: من يملك حق إدارة الوقف؟ وهل يجوز أن تخضع أوقاف طائفة دينية لقرار أغلبية من خارج تلك الطائفة؟
الوقف في جوهره ليس مؤسسة حكومية عادية، ولا شركة تجارية تُدار وفق موازين التصويت والأغلبية العددية. إنه أمانة شرعية أنشأها الواقفون لخدمة أهداف محددة وضمن إطار فقهي ومذهبي معروف. ولذلك فإن احترام إرادة الواقف ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو أساس شرعية الوقف واستمراره.
إن الإشكال الرئيس في التنظيم المطروح لا يتعلق بعدد المقاعد التي يحصل عليها أبناء الطائفة الجعفرية داخل مجلس الإدارة، بل بطبيعة السلطة التي يمتلكها المجلس نفسه. فحين تكون الأغلبية العددية والقرار النهائي بيد أعضاء لا يمثلون الطائفة المالكة للأوقاف موضوع الإدارة، فإن الحديث عن مشاركة أو تمثيل يصبح شكلياً أكثر منه حقيقياً. فالقرار في النهاية لا يصنعه الحضور، وإنما تصنعه الأغلبية.
ومن هنا تنبع المخاوف المشروعة لدى شريحة واسعة من أبناء الطائفة الجعفرية. فالقضية ليست قضية ثقة أو عدم ثقة في أشخاص بعينهم، وليست حكماً على كفاءة أو نزاهة أعضاء المجلس، وإنما تتعلق بمبدأ الإدارة والولاية على الوقف. فحتى لو كان القائمون على الإدارة من أصحاب الكفاءة والنزاهة، يبقى السؤال قائماً: ما المبرر لأن تصبح أوقاف طائفة ما خاضعة لقرار أغلبية من خارجها؟
إن منطق الوقف الإسلامي عبر تاريخه الطويل قام على احترام خصوصية الجهة الموقوف عليها، وعلى الحفاظ على شروط الواقفين ومقاصدهم. وعندما تُنتزع سلطة القرار من البيئة الاجتماعية والدينية التي أنشأت الوقف ورعته عبر عقود طويلة، فإن ذلك يخلق شعوراً بأن الوقف فقد جزءاً من استقلاليته التي تشكل أساس وجوده.
ولعل ما يزيد من حساسية الموضوع أن الأوقاف الجعفرية تمثل قطاعاً كبيراً من الأصول الوقفية في البحرين، وتدير شبكة واسعة من المساجد والمآتم والعقارات الوقفية التي تشكل جزءاً من الهوية الدينية والاجتماعية للطائفة. غير أن الاعتراض لا يستند إلى حجم هذه الأوقاف أو قيمتها المالية، لأن المبدأ يبقى ثابتاً حتى لو كانت الأوقاف أقل عدداً أو مورداً. فالمسألة تتعلق بحق الإدارة الذاتية للوقف وفق طبيعته وأهدافه، لا بحجمه الاقتصادي.
كما أن من الصعب تجاهل السؤال الذي يفرض نفسه على هذا النقاش: ماذا لو انعكست الصورة؟ ماذا لو كانت أوقاف الطائفة السنية هي التي ستخضع لقرار أغلبية جعفرية داخل مجلس الإدارة؟ هل كان هذا النموذج سيُستقبل بالقبول ذاته؟
إن الإجابة الصادقة عن هذا السؤال تكشف حجم الإشكال الذي ينطوي عليه التنظيم الجديد، لأن المبادئ العادلة يجب أن تكون قابلة للتطبيق على الجميع دون استثناء.
ولا يعني الدفاع عن استقلالية الأوقاف رفض الرقابة أو الحوكمة أو المساءلة. فالدولة تملك حقاً أصيلاً في الرقابة المالية والإدارية، وفي ضمان الالتزام بالقانون ومنع أي تجاوز أو فساد. لكن الرقابة شيء، ونقل سلطة القرار إلى جهة أخرى شيء مختلف تماماً. فالدولة تستطيع حماية الوقف دون أن تصبح بديلاً عن أهله في إدارته.
إن الاستقرار المجتمعي لايتحقق عبر تهميش الهواجس المشروعة أو التقليل من أهميتها، بل عبر بناء مؤسسات تحظى بثقة أصحاب الشأن أنفسهم. وأي نظام لإدارة الأوقاف لا يحقق هذا الشرط سيظل محل جدل واعتراض مهما كانت المبررات المقدمة له.
لهذا كله، يبدو أن الفصل بين الأوقاف السنية والجعفرية، مع توفير أعلى مستويات الرقابة والشفافية والمحاسبة القانونية، كان الخيار الأكثر اتساقاً مع طبيعة الوقف وأقرب إلى تحقيق العدالة بين الطائفتين. فالأوقاف ليست مجرد عقارات وأموال، بل ذاكرة مجتمع وإرادة واقفين وأمانة متوارثة عبر الأجيال، وأي مساس بهذه الخصوصية يفتح باباً واسعاً من القلق المشروع بشأن مستقبلها واستقلاليتها، ويهدد الثقة التي تشكل الركيزة الأساسية لاستمرار المؤسسة الوقفية ودورها في المجتع.
ترامب: «على إيران إزالة الألغام إن وُجدت .. ونحن دمّرنا بعضها»!
يعني الرجل لا يعرف هل الألغام موجودة أصلًا، لكن متأكد أنه فجّر منها كم لغم 😄 هذا ليس تصريحًا سياسيًا.. هذا سيناريو من مسلسل كوميدي 😜
عندما يهاجم ترامب صوت الاعتدال في الخليج
كتب: د. جواد عبد الوهاب:
في عالمٍ يزداد اضطرابًا واستقطابًا، بقيت سلطنة عُمان واحدة من آخر الأصوات العاقلة في الشرق الأوسط. دولة لم تبنِ نفوذها بالصراخ، ولا بالميليشيات، ولا بالاستعراض الإعلامي، بل بالحكمة والهدوء والدبلوماسية الهادئة التي جنّبت المنطقة أزماتٍ لا تُحصى. ولهذا تحديدًا، جاءت تصريحات دونالد ترامب الأخيرة تجاه عُمان صادمة ومستفزة، لا لأنها تهدد مسقط فحسب، بل لأنها تكشف خللًا عميقًا في فهم بعض الساسة الأمريكيين لطبيعة الحلفاء الحقيقيين في المنطقة.
عُمان ليست دولة مارقة، ولا خصمًا لواشنطن، بل كانت لعقود من أكثر الشركاء موثوقية واتزانًا. عندما أُغلقت قنوات الحوار بين أمريكا وإيران، كانت مسقط تفتح أبوابها للوساطة. وعندما ارتفعت نيران التوتر في الخليج، كانت عُمان تتحرك لإطفائها لا لتأجيجها. بل إن كثيرًا من النجاحات الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة لم تكن لتتحقق لولا القنوات العمانية الهادئة التي عملت بعيدًا عن الضجيج والشعارات.
ومن المفارقات المؤلمة أن تُقابل هذه السياسة المتزنة بلغة تهديد واستعلاء. فبدل أن تُكافأ عُمان على دورها في حماية الاستقرار الإقليمي، يتم التعامل معها وكأنها عبء سياسي يجب الضغط عليه. وهذه ليست إساءة لعُمان بقدر ما هي إساءة لصورة الولايات المتحدة نفسها.
إن الدول لا تُقاس فقط بقوتها العسكرية، بل بقدرتها على التمييز بين الحليف الحقيقي والطرف المهدِّد للاستقرار. وعندما تهاجم واشنطن دولة عُرفت بالحياد والحكمة، فإن الرسالة التي تصل إلى المنطقة ليست رسالة قوة، بل رسالة ارتباك سياسي وفقدان للبوصلة الدبلوماسية.
الأخطر من ذلك أن هذا النوع من التصريحات يضر بالمصالح الأمريكية ذاتها. فالدول الخليجية الصغيرة والمتوسطة تراقب جيدًا كيف تتعامل واشنطن مع شركائها. وعندما ترى أن حتى الحلفاء المعتدلين قد يتعرضون للتهديد أو الإهانة العلنية، فإن ذلك يدفعها تلقائيًا للبحث عن توازنات جديدة وعلاقات أكثر استقلالًا عن المزاج السياسي الأمريكي المتقلب.
أما في ما يتعلق بعلاقة عُمان بإيران وقضية مضيق هرمز، فإن بعض الخطابات الشعبوية في واشنطن تتجاهل حقيقة جغرافية وسياسية بسيطة: عُمان لا تستطيع أن تتعامل مع إيران بمنطق العداء المطلق، لأنها تشاركها الجغرافيا والمضيق والتوازن الأمني الحساس. لكن في الوقت نفسه، لم تكن مسقط يومًا أداة بيد طهران، بل حافظت دائمًا على استقلال قرارها وعلى علاقات متوازنة مع الجميع.
الفرق أن عُمان تؤمن بأن أمن الخليج لا يتحقق بالتهديدات والانفعالات، بل بالحوار ومنع الانفجار الكبير. وهذه الرؤية، مهما اختلف معها البعض في الخليج، أثبتت عبر العقود أنها أكثر نضجًا وواقعية من سياسات التصعيد الدائم.
إن من حق العُمانيين أن يشعروا بالاستياء من هذه التصريحات، لأن بلدهم لم يكن يومًا مصدر تهديد لأحد، بل كان صمام أمان للمنطقة بأكملها. ومن حقهم أيضًا أن يتساءلوا: ماذا تريد واشنطن بالضبط؟ هل تريد حلفاء عقلانيين قادرين على الوساطة وخفض التوتر؟ أم تريد فقط تابعين يرددون ما يُطلب منهم دون اعتبار لمصالحهم الوطنية واستقرار منطقتهم؟
لقد أثبتت عُمان مرارًا أن احترامها يُكسب، لا يُفرض. وأن السياسة الحكيمة قد تكون أهدأ صوتًا، لكنها غالبًا الأكثر تأثيرًا والأطول عمرًا. فالدول التي تبني مكانتها على الاتزان والعقلانية لا تهتز أمام التصريحات العابرة، بينما الخطابات الانفعالية، مهما بدت صاخبة، تترك خلفها مزيدًا من التوتر وفقدان الثقة. وستبقى عُمان، كما كانت دائمًا، دولة تُفضّل إطفاء الحرائق على إشعالها، وبناء الجسور على هدمها، والعمل بصمت من أجل استقرار المنطقة، حتى حين يختار الآخرون لغة التهديد والاستعراض السياسي.
لماذا تصر امريكا على استخدام أراضي الخليجي ضرب ايران؟؟
كتب: د. جواد عبد الوهاب:
في كل مرة يتصاعد فيها التوتر بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة:
إذا كانت واشنطن تمتلك حاملات طائرات وبوارج وقواعد عسكرية عائمة قادرة على ضرب إيران من البحر، فلماذا تُصرّ على تنفيذ عملياتها انطلاقاً من أراضي دول الخليج؟
السؤال يبدو عسكرياً في ظاهره، لكنه في الحقيقة سياسي واستراتيجي بامتياز.
الولايات المتحدة لا تحتاج فعلياً إلى الأراضي الخليجية كي تصل إلى إيران. قوتها البحرية والجوية الهائلة تمنحها القدرة على تنفيذ عمليات واسعة من خارج المنطقة المباشرة. لكن استخدام القواعد الخليجية يحقق لواشنطن أهدافاً أعمق بكثير من مجرد تسهيل الضربات العسكرية.
أول هذه الأهداف هو تثبيت الارتباط الأمني الكامل بين دول الخليج وواشنطن.
حين تصبح القواعد الأمريكية جزءاً أساسياً من أي مواجهة مع إيران، فإن دول الخليج تتحول تلقائياً إلى أطراف داخل المعادلة الأمنية الأمريكية، سواء أرادت ذلك أم لا. بمعنى آخر، تريد واشنطن أن يبقى أمن الخليج مرتبطاً عضوياً بالحضور العسكري الأمريكي، بحيث يصبح من الصعب على أي دولة خليجية أن تتخذ مساراً مستقلاً أو حيادياً في الصراعات الكبرى بالمنطقة.
أما الهدف الثاني فهو توزيع المخاطر العسكرية. فالولايات المتحدة تدرك أن الجمهورية الإسلامية تمتلك قدرات صاروخية ومسيرات قادرة على تهديد القواعد والسفن والمنشآت النفطية. لذلك تعتمد واشنطن على نشر قواتها وقواعدها في عدة دول ومناطق لتقليل الخسائر المحتملة إذا تعرضت إحدى المواقع للاستهداف.
لكن هذه الاستراتيجية الأمريكية تحمل ثمناً باهظاً على دول الخليج نفسها.
فمن وجهة النظر الإيرانية، أي قاعدة تُستخدم ضدها تتحول مباشرة إلى هدف مشروع للرد. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ إذ تنتقل دول الخليج من موقع “الحليف” إلى موقع “ساحة الاشتباك”.
وهذا ما يفسر حالة القلق والرعب التي تظهر في المواقف الخليجية كلما تصاعد التوتر الأمريكي الإيراني، حيث تحاول العديد من الدول الخليجية التأكيد بأنها لا ترغب في أن تكون أراضيها منطلقاً لأي حرب، لأنها تدرك أن الردود الإيرانية لن تفرّق كثيراً بين القاعدة الأمريكية والدولة المضيفة لها. وهي استراتيجية تبنتها الجمهورية الإسلامية بعد ساعة واحدة فقط من من شن امريكا وإسرائيل عدوان رمضان.
الهدف الأمريكي لا يقتصر فقط على ردع إيران، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل التوازنات السياسية في المنطقة.
فكلما ازداد اعتماد الخليج على المظلة الأمريكية، ازدادت قدرة واشنطن على التأثير في القرار السياسي والعسكري والاقتصادي لدول المنطقة. خاصة بعد الأصوات التي بدأت تظهر في بعض الدول الخليجية والداعية إلى اعادة النظر في استراتيجية الحماية.
وفي المقابل، تجد دول الخليج نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف تحافظ على تحالفها الأمني مع واشنطن دون أن تتحول إلى خط مواجهة مباشر مع الجمهورية الإسلامية؟
هذه هي المعضلة التي تكبر مع كل تصعيد جديد، وتجعل المنطقة بأكملها تعيش فوق حافة توتر دائم، حيث قد تتحول أي ضربة عسكرية إلى شرارة تؤسّس لصراع يشمل الجميع.
وهكذا تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة شديدة الحساسية: فهي تحتاج إلى المظلة الأمنية الأمريكية، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران قد تحول أراضيها من مناطق نفوذ واستقرار اقتصادي إلى ساحات اشتباك مباشر.
شمال يحترق.. والردع الإسرائيلي يتآكل بصمت
د. جواد عبد الوهاب
#صحيفة_26سبتمبر
لم تعد المسألة في شمال فلسطين المحتلة مجرد “حوادث أمنية” متفرقة كما تحاول المؤسسة الإسرائيلية تصويرها، بل تحوّلت إلى أزمة وعي عميقة تضرب جوهر الرواية التي بُني عليها الكيان منذ عقود: جيشٌ لا يُقهر، وجبهة داخلية آمنة، ودولة قادرة على حماية مستوطنيها في كل الظروف.
*لقراءة المزيد ادخل👇*
https://t.co/dPojQaFxvF
#صحيفة_26سبتمبر
♦️لمتابعة اهم الأخبار اضغط على الرابط ⬇️
https://t.co/RYw0UxuvXD
🪀وتابعونا على واتساب
https://t.co/JH2lxEPeWd