كان في اقتحام لي موقع من المواقع و التقى بالعدو وجهاً لوجه من مسافه اقل من ٣ امتار.. خطاب اصاب واحد و الثاني اصاب خطاب بطلقة في صدره استشهد بعدها مباشرة و تم دفنه التاسعة صباحاً في مقابر الذخيرة.
بعدها وفقنا الله في تحرير الموقع الذي استشهد فيه و ابادة كل قوة العدو الموجودة.
من الأشياء التي اذكرها في تلك الفترة بعد يوم من استشهاد خطاب كنا جلوس انا و مهند ليلاً في بيت النيمه نتحدث عن الشهيد خطاب و كان مهند يحب خطاب جداً و كان نائبه المباشر. فذكر لي ان عدم حضوره لدفن الشهيد قد حز في نفسه جداً ( المعركة حالت بينه و بين الدفن ) صمت قليلاً و قال لي:( لكن يا مولانا ان شاء الله نلحقو اصلو قعاد مافي ).
زجرته بعدها مباشرة و قلت له ان وجوده وسط القوة مهم و قيمته و هو حي في حد ذاته انتصار عام و شهادته انتصار خاص فلا تتهور. ضحك و لم يقل شئ بعدها.
بعد تحرير الخرطوم قلت له ممازحاً اها الخرطوم و اتحررت نشوف ليك عروس يا زول.
ضحك و قال العرس هناك ان شاء الله
و صراحة كنت لا احب ثقته في أمر الشهادة هذا
كنت انزعج جداً عندما يتحدث عن رؤى تروي شهادته سواء ان رآها هو او غيره.
لكن هي كانت تمهيداً للخبر اليقين و لم ابخل عليه بخدمة ولا كلمة طيبة ولا بمزاح ولا بشئ يذكرني به، فصنعنا ما يكفي من الملاحم و الذكريات التي حفرت في ذاكرتي و لن انساها ما حييت.
نعلم ان الدنيا دار فناء و لقاؤنا الابدي في دار الخلود.
احسب انهما انتقلا على حسن الخاتمه
تحابا في الله و تفارقا عليه.
اسأل الله ان يرحمهم و يدخلنا الجنة سوياً حيث لا تعب ولا نصب ولا اشتياق و لا فقد.
خطاب و مهند مدارس متفرده في البذل و العطاء و نكران الذات
كتب الابن المقاتل سراج عبدالله وهم فخرنا وهم الذين نؤتمنهم لحفظ الوطن هذا الجيل الصاعد الذي خرج من بين الشباب الضايع المخموم باسم الثوره. خرج هاؤلا الابطال الذين سيخلد ويسطر لهم التاريخ عن البطولات التي قاموا بها في حرب الكرامه وانا اقول حرب وليس معركه . كتب في صفحته عن الابن الشهيد عبدالله ادم يوسف
في يوم 28/11/2023 كان أول لقاءٍ جمعني بالأخ الحبيب عبدالله آدم يوسف "الصيني" في مركز الإدخال -معسكر سِركاب- ومن هناك بدأت حكايتنا مع معركة الكرامة، حكايةٌ كتبتها البنادقُ بمدادِ الإيمان، وسقتها الأيامُ بالعرق والدموع، انتقلنا بعدها إلى مدينة عطبرة -معسكر البسلي- في دورةٍ تدريبية عن حرب المدن، وهناك عشنا أجملَ أيامٍ رغم قسوتها، نحملُ على أكتافنا همَّ الوطن والعِرض والشرف، ونتقاسم الخبز والحلم، واليقين بأن السودان يستحق التضحية.
ثم تحركنا إلى منطقة المدرعات – الشجرة بتاريخ 17/4/2024، وهناك فرّقت بيننا المواقع؛ كان عبدالله في موقع (02)، وأنا في موقع الكورنيت، موقعه تابع لإدارة المجاهدين، وموقعي تابع للجيش، ورغم البعد والمسؤوليات، كان عبدالله لا يقطع الزيارة، يأتي إلى موقعي بابتسامته التي تُطفئ تعب الميدان، نحكي لبعضنا ما جرى، نضحك رغم وجع الحرب، ونتواسى بأمل النصر القريب.
لكنّ الأيام حملت ما حملت، فلم أزره فترةً لانشغالي بأوامر القيادة، فشعر عبدالله بشيءٍ في نفسه وسألني بعفويته الصادقة:
> "يا السراج، مالك ما بتزورني؟ دي صلة رحم.. ونحن إخوان." 🥹❤️
كانت كلماته كالسهم في صدري، فذهبت لقائدي وطلبت الإذن لزيارته، وحين أُذن لي، عدت إلى صديقي وعدت إلى نفسي. ومنذ تلك اللحظة تعلّقتُ به أكثر، وصارت صحبتُه من أثمن ما أملك.
طلب عبدالله من قائده أن أُنقل معه إلى موقع (02)، فاستجاب الله لنا، واجتمعنا في خندقٍ واحد، هناك عرفت عبدالله حق المعرفة؛ عرفت فيه خُلقًا رفيعًا، وثباتًا يُدهش القلوب، ورجولةً تفوق عمره بسنين.
قاتلتُ إلى جانبه في معارك كثيرة، فما رأيتُه يومًا يتراجع أو يتردد، بل كان دائمًا أمامي، يُبشّر بالنصر، ويزرع فينا الثبات. كان عبدالله رفيق دربي وصاحبي في السلاح، صامدًا كالجبال، رقيقًا كالنسيم، صادقًا كالنور.
وحين تمّ تحرير الخرطوم بالكامل، لم يتوقف همُّه عند حدودها، بل كان يحمل في صدره الوطن كلّه، وقال لي وهو ينظر إلى جهة ما، بعيدة، رغم أنه لا شئ كان أمامنا، لكني رأيت أن عينيه كانتا ملأى بالعزم والحنين:
> "مسيرتنا الجاية دارفور.. كل أجزائها لينا وطن." 🥹🤍
وفي 23/7/2025 انضممنا إلى متحرك مسك الختام، وسارت بنا الخطى نحو كردفان، حيث خضنا معارك ضارية؛ منها معركة أب قعود ومعركة العيّارة.
وفي 14/9/2025 أصيب عبدالله إصابةً غائرةً في بطنه، وسقى بدمائه الطاهرة تراب كردفان، فكان دمه زادًا للأرض التي أحبها.
أُسعف إلى المستشفى، وأُجريت له عمليةٌ مستعجلة لإنقاذ حياته، لكنه كان ينزف كثيرًا، فكان الإخوة يتبرعون له بالدم واحدًا تلو الآخر، وحين علم بذلك، نادى الطبيبه بصوتٍ واهنٍ لكنه مفعمٌ بالعزة، وقال لها:
> "أختي، ما تنقلي لي دم من إخواني.. دم إخواني الوطن محتاج ليهو. خليني ألقى الله، دا كل أمانيّ."
ثم نُقل إلى مستشفى السلاح الطبي بأم درمان في 20/10/2025، وبدأ يستعيد شيئًا من عافيته، زرته هناك، فاستقبلني بابتسامته المعهودة وقال لي:
> "تعالوا لي طوالي، مشتاق ليكم."
لكن الظروف حالت دون زيارتي التالية، وبقي بيننا الدعاء، وبقيت أدعو له في كل سجدةٍ أن يعود كما كان.
إلى أن جاء يوم الخميس 30/10/2025 عند الساعة 3:30 عصرًا، رنّ الهاتف، وكان المتصل يوسف، شقيق عبدالله، بصوته المتهدج قال:
> "يا السراج، لا نقول إلا ما يرضي الله... إنا لله وإنا إليه راجعون، عبدالله اتوفى." 😭💔
تجمدت الدنيا من حولي، وضاقت بي الأرض بما رحبت، لم أصدق أن عبدالله رحل.. لم أصدق أن الصوت الذي كان يملأ أيامي صمتَ إلى الأبد. لكنه ما مات، بل انتقل من ساحات القتال إلى ساحة الخلود، ونال ما عاش لأجله- الشهادة في سبيل الله-.
يا الصيني، ما كنتُ أتخيل أني سأكتب عنك وأنت غائب، لكن عزائي أنك غائبٌ بالجسد فقط، حاضرٌ في الروح، في الذاكرة، في كل لحظةٍ من هذا الطريق الذي بدأناه معًا وسنكمله حتى نلقاك.
نسأل الله العلي العظيم، رب العرش العظيم، أن يتقبلك قبولًا حسنًا، وأن يجعل جهادك في ميزان حسناتك، وأن يحشرك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقًا.
اللهم اجعل شبابَه في الجنة، وضحكته في الفردوس، وذكراه نبراسًا لكل من أحب الوطن كما أحبه.
والله إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي الله...
إنا لله وإنا إليه راجعون.
إلى مغرّدي السودان:
شعب الإمارات إخوة لنا في الإيمان، وأشقاؤنا في العروبة على مرّ الزمان، وفيهم المحسن والمسيئ كسائر الشعوب، فلا تحملنكم إساءة بعضهم على اكتساب الذنوب، قال تعالى (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم).
وفقكم الله.