التربيــة
أكثر الآباء يريدون أن يكون أبناءهم مثل ما يريدون، فيجتهد الأب في تربية ابنه لكي يُكوّنه مثل ما يريد. لكن الأغلب لا يكون وفق إرادة الأب. بل من الآباء من يهمل تربية أولاده، لكنهم ينشئون بصورة جيدة، فما السر في ذلك؟ المسألة بسيطة؛ فكما أن لهذا الولد أب كذلك له ربٌّ. فالأفضل أن يشرك الأب الرب تعالى في تربية الابن، لأنه ليس مُلكُ الأب كما يتوهم.
#سماحة_الشيخ_منتظر_الخفاجي
وقفة
إنَّ المتحكّم الرئيس في صعود ونزول الأُمم هو المستوى الفكري لتلك الأُمّة، فكلّما تصاعد وتعمّق الجانب الفكري للأُمّة صعدت وتَسامَت على بقيّة الأُمم، وكلّما نزل المستوى الفكري أصبحت الأُمّة في آخر مراتب الأُمم، وتُمسي إمّا تابعةً للأُمّة الأعلى، أو خاضعةً لها بالقهر والاستعباد، وهذا ما يَشهد به تاريخ الأُمم البشرية.
والرُّقيّ بفكر الأُمّة يتطلّب أن تلتفت قيادة تلك الأُمّة لأهمية الجانب الفكري، فتعمل على توسيع مدارك العقل الجمعي وتعميق نظره من خلال سياساتٍ وبرامج توضع لهذا الشأن، والذي يبدأ منذ مراحل الطفولة الأولى لأفراد تلك الأُمّة ويستمرّ إلى أعلى المراتب، ثم يُغذّى العقل بعد نضوجه بالعلوم والثقافة المناسبة له.
وكلّما ارتقَت الأُمّة فكرياً كانت أُمّةً مُنتجةً على جميع الأصعدة.
فالمُحرّك الأعظم لكلّ الأُمم هو الفكر. ومن المعلوم أنَّ عقل الإنسان لكي يبقى فعّالاً يحتاج إلى العمل المستمرّ والتطوير المُتتابع، وإلّا فإنْ توقّفَ العقل عن العمل فسوف يَضعُف، وبالتالي يموت؛ أي ينتقل إلى السُّبات الفكري فيتراجع، وهذا ما قد تراه الآن في أغلب الأُمم، فحينما أوقفَت قيادتُها التغذية الفكرية، نزل المستوى العقلي لدى أفرادها، وأصبح أفراد الأُمّة يستصعبون فهم أمورٍ كانت سهلةً على الأجيال الماضية.
#سماحة_الشيخ_منتظر_الخفاجي
الصِّدقُ
كان ظلامًا، وكانت الأرض وعرة، والغاية ليست قريبة. أراد الابن أن يُقصّر الطريق، وخير ما يقصّر الطريق الحديث، فقال لأبيه:
— من هو الشجاع عندك؟
قال الأب:
— من لا يخشى الصدق.
قال الابن:
— وهل الصدق أشد من الموت؟!
قال الأب:
— بلى، فإن مانع الموت واحد، وهو الخوف، أما موانع الصدق فكثيرة. فقد يخجل الإنسان أو يتحرّج من قول الصدق في موطنٍ ما، وربما يكون حرصه على الحفاظ على جاهه وسمعته حائلًا دون قول الصدق، كذلك خشيته من هجر حبيب أو فقد صديق.
كثيرٌ هم الشجعان الذين لا يهابون الموت، لكن كم هم الصادقون؟ إنهم الأقل عددًا.
يا بني، لقد رأيت أبطالًا لا يهابون الموت، خاضوا معارك كثيرة، وجابهوا أشد الدول قوة، وقاوموا المحتلين ببسالة منقطعة النظير، وحينما اختبرتهم بالصدق، جبنوا، وخافوا الصدق أكثر من خوف الأعداء.
حينما أخبروكم أن النجاة في الصدق، ليس المقصود مطلق النجاة؛ فلربما أهلك الصادقَ صدقُه. فكثيرٌ من الناس أُوذي وسُجن بسبب صدقه، وقد يُقطع عنق الصادق جراء صدقه، لكن النجاة تتحقق في أمرين عظيمين:
الأول: النجاة من نفسك، والخروج عن سلطانها وسطوتها حين الصدق؛ فالكاذب أسير تزيينات نفسه، ومن نجا من نفسه فقد نجا من هلاك عظيم.
الثاني: النجاة عند الله تعالى، والنجاة مما يرتّبه الله للكاذبين في الدنيا والآخرة. قال عز وجل:
﴿قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾
وقال عزّ من قائل:
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾
وهنا بيّن لنا ربنا أهمية الصدق وما يترتب عليه من نتائج، وأنه سبحانه يختبر عباده لإظهار صدقهم أو كذبهم.
لذلك، يا بني، فإن أقلّ فضيلة موجودة في الناس هي الصدق. فتجد الكثير من أهل السخاء، والكثير من الشجعان، والكثير من أهل التواضع والغفران، لكن ما أقل الصادقين وما أكثر الكاذبين!
كنت في صباي أتردد على مجلس أحد العلماء، وقد توفي قبل سنين قليلة، رحمه الله تعالى. أتذكر أنه قال كلمة، وكانت حكمة مؤثرة:
«أنا أنصح الكاذب، إذا قرأ القرآن ووصل إلى آية تلعن الكاذبين، ألّا يقرأها؛ لئلا يلعن نفسه».
يا بني، في اليوم الواحد نتعرض لعشرات المواقف التي تتطلب منا الصدق، وهي مواقف متنوعة؛ بعضها بسيط وبعضها شديد. فالشجاع من صدق في تلك المواطن وحافظ على صدقه، فقد يواجه مثل هذا الإنسان من الشدائد والآلام ما لم يواجهه المقاتل في ساحة الموت.
لا أقول لك: كن صادقًا كالأنبياء، لكني أقول لك: حاول أن تكون صادقًا ما استطعت إلى ذلك سبيلًا؛ فإنك إن استسغت الصدق رأيت بشاعة الكذب.
قال الابن:
— أوليست تلك غايتنا يا أبي؟
قال:
— نعم، لقد أحسنت السؤال.
#سماحة_الشيخ_منتظر_الخفاجي