أحيانًا أترفع عن الجدال، ليس عجزًا عن الرد، ولكن لأن بعض النقاشات لا تضيف شيئًا. حين تشعر أن طريقة التفكير أمامك لا تتسع للحوار، يكون الصمت أرقى من أن تهدر عقلك في إثبات ما لا يحتاج إلى إثبات.
كتَبَ ابنُ العلقمي سِرًّا إلى هولاكو ملك التتار يُبدِي له استعداده أنْ يُسَلّمه بغداد إذا حضَرَ بجيوشه إليها، وكان التتارُ قد هُزِموا في عهد الخليفة المستنصر، وقُتِلَ منهم خَلْقٌ كثير، وكان هدفُ ابنِ العلقمي محوَ أهلِ السُّنّة وإقامةِ خليفة "فاطمي"، فأجابه هولاكو بكتابٍ قال فيه:(إنّ عساكِرَ بغداد كثيرة، فإنْ كنتُ صادقًا فيما قلتَ لنا وداخلًا تحت طاعتنا، ففَرِّقِ العَسْكر، فإذا عملتَ ذلك حضرنا) .. فلمّا وصل كتابُ هولاكو إلى الوزير ابن العلقمي دخل إلى المستعصم وزيّنَ له أنْ يُسَرِّحَ خمسةَ عشر ألف فارسٍ مِن عَسْكِره، لأنّ التتارَ قد رجعوا إلى بلادهم، ولا حاجةَ لتحميلِ الدولة كُلفة هؤلاء العساكر .. فاستجاب الخليفةُ لرأيه، وأصدرَ أمرًا بتَسْريحِ خمسة عشر ألفًا، فخرَجَ ابنُ العلقمي ومعه الأمر، واستعرض الجيش، واختار تسريح أفضلهم، وأمرهم بمغادرةِ بغداد وكلّ ملحقاتها الإدارية، فتفرّقوا في البلاد .. وبعد عِدّة أشهر زيّنَ للخليفةِ المستعصم أنْ يُسَرِّح أيضًا مِن جيشه عشرين ألفًا، فاستجاب له، وأصدر أمْرًا بذلك .. ففَعَل ابنُ العلقمي مثلما فعلَ في المرة الأولى، وانتقى أفضل الفرسان فسرّحهم .. وكان هؤلاء الفرسان الذين انتقاهم وسَرّحهم مِن جيش الخليفة بقوّة مئتي ألفِ فارس .. ولمّا أتَمّ مَكِيدتَه كتبَ إلى هولاكو بما فعَل، فرَكِبَ هولاكو وقَدِمَ بجيشه إلى بغداد، وأحسّ أهلُ بغداد بمداهمة جيش التتار لهم، فاجتمعوا وتحالفوا، وخرجوا إلى ظاهر المدينة، وقاتلوا ببسالةٍ وصَبْرٍ حتى حَلّتِ الهزيمة بجيش التار، وتبعهم المسلمون وأسرّوا منهم، وعادوا مُؤَيّدين منصورين ومعهم الأسرى ورؤوس القتلى ونزلوا في خيامهم مطمئنين .. فأرسل الوزيرُ ابنُ العلقمي جماعةً مِن أصحابه المنافقين الخونة ليلًا، فحبسوا مياه دجلة، ففاض الماء على عساكر بغداد وهم نائمون في خيامهم، وصارت معسكراتهم مغمورة ومحاطة بالوحل، وغرقت خيولُهم وأمتعتُهم وعتادهم بالوحل، والنّاجي منهم مَن أدركَ فرَسًا فرَكِبَه وخرج مِن معسكر الوحل .. وكان ابن العلقمي قد أرسل إلى هولاكو يُخبره بمَكِيدته، ويدعوه أنْ يرجع بجيوشه، فقد هيّأ له الأمر بما يُحقّق له ولجيوشه الظّفر، فعاد بجيوشه، وعَسْكَر حول بغداد، ولمّا أصبحَ الصباح دخلَ جيشُ التتار بغداد، ووضعوا السيف في أهلها، وجعلوا يقتلون الناس كبارًا وصِغارًا، شيوخًا وأطفالًا، ودخلوا إلى الخليفة فاحتملوه هو وولده، وجعلوهما في عِدْلَيْن، وأحضروهما إلى ملك التتار هولاكوه. فأخرجهما هولاكو إلى ظاهر بغداد، ووضعهما في خيمة صغيرة، وفي المساء وضعهما في عِدْليْن، وأمَرَ عساكِرَه بقَتْلِهما ضَرْبًا بالأرجُل .. ودخل التتارُ دار الخلافة فسَلَبُوا كلّ ما فيها، وانْبَثُّوا يقتلون كلَّ مَن يُشاهدون مِن أهلِ مدينة بغداد، حتى زادَ القَتْلى كما ذكَرَوا على مليون قتيل (ألف ألف).
= كتاب: ظاهرة النفاق وخبائث المنافقين في التاريخ.
أشكو إليك أمورا أنت تعلمها
مالي على حملها صبرٌ ولا جلدُ
وقد مددت يدي بالذل مبتهلًا
إليك يا خير من مُدت إليه يدُ
فلا تردّنها يا رب خائبةً
فبحر جودك يروي كل من يردُ