إعلان توظيف* … *للأمهات* فقط
رأيتُ الإعلان متأخرًا جدًا .
ليس في صحيفة .
ولا على موقع توظيف .
*بل رأيته بعد أن كبرت ...*
كان مكتوبًا بخطٍ غير مرئي ، و معلّقًا على باب كل بيت ...
*مطلوب موظفة للعمل فورًا ...*
يشترط أن تجيد السهر دون مقابل .
و أن تتحمل ضغط العمل أربعًا وعشرين ساعة يوميًا .
و أن تعمل أيام الجمع و الأعياد
و الإجازات الرسمية .
و يُفضَّل أن تمتلك قدرةً استثنائية على سماع بكاء طفلٍ من خلف ثلاثة جدران وهي نائمة .
ولا يشترط وجود راتب .
ولا علاوات .
ولا مكافأة نهاية خدمة .
ولا حتى استراحة قهوة .
*ومن تتقدم إلى الوظيفة*
تتنازل تلقائيًا عن حقها في أن تمرض في الوقت المناسب .
*أدركت …*
أن أول من وقّع عقد التوظيف *كانت أمي* .
ولا أذكر أنها قرأت الشروط .
ولا أذكر أنها سألت عن الراتب .
ولا حتى سألت متى ينتهي الدوام .
*كانت فقط تبتسم …*
ثم تبدأ العمل .
كنت أظن أن أمي تحب إعداد الإفطار .
ثم اكتشفت أنها كانت تحب رؤيتنا نأكل .
و كنت أظن أنها تحب غسل الملابس .
ثم فهمت أنها كانت تغسل تعبنا معها .
و كنت أظن أنها ترتب الأسرة .
ثم عرفت أنها كانت ترتب الفوضى التي تحدثها الحياة في أرواحنا .
*الغريب أن أحدًا لم يكن يناديها باسمها …*
كل واحدٍ منا كان يمنحها وظيفة جديدة .
أبي يقول :
“ *أين أمكم*”
و أختي تقول :
“ *أمي …*”
و أخي يقول :
“ *يمّه …*”
*و أما هي …*
*فربما نسيت* منذ سنوات أن لها اسمًا مكتوبًا في الهوية .
كانت تُستدعى دائمًا حسب حاجة الآخرين .
و لم تُستدعَ يومًا لتسألها الحياة :
“ و أنتِ … ماذا تريدين …”
أتذكر أنها كانت إذا مرضت ، تخفض صوت سعالها .
ليس لأن الألم خفيف …
بل لأنها كانت تخشى أن نقلق .
كانت تخفي الحمى كما يخفي الأطفال نتائج الامتحانات السيئة .
ثم تنهض لتعد الغداء .
و كأن الجسد موظفٌ عند القلب .
و أن القلب لا يسمح بالإجازات .
*مرت السنوات ...*
تخرجنا .
كبرنا .
غادر بعضنا البيت .
و أصبحت غرفنا مرتبة على نحوٍ غريب .
و لأول مرة …
لم تعد هناك حقائب مدرسية فوق الأرائك .
ولا أحذية مبعثرة عند الباب .
ولا أكواب شاي باردة على الطاولة .
و مع ذلك …
كانت أمي كل صباح تمشي في البيت بالطريقة نفسها .
تفتح الأبواب .
تطوي الأغطية .
و تسأل بصوتٍ اعتاد المناداة :
“ من يريد الفطور …”
ثم تتذكر …
أن البيت أصبح هادئًا أكثر مما ينبغي .
في ذلك الصباح …
أدركت أن بعض الأمهات لا يربين أبناءهن فقط .
بل يربين الضجيج أيضًا .
و حين يرحل الأبناء …
يبقى الصمت يتيمًا .
*اليوم* كلما رأيت امرأةً تحمل أكياسًا بيد ، و طفلًا باليد الأخرى ، و هاتفًا يرن في حقيبتها ، و ابتسامةً على وجهها …
*أبتسم ...*
لأنني أعرف أنها لا تدير منزلًا
إنها تدير كونًا كاملًا لا ينهار ، فقط لأنها لم تسمح له أن ينهار .
*و أعتقد أن أعجب ما في الأمهات أنهن لا يطلبن شكرًا* .
ليس لأنهن لا يحتجنه …
بل لأنهن انشغلن طوال العمر بإعطاء الحب ، حتى لم يعد لديهن وقتٌ للمطالبة بثمنه .
وحين سألني أحدهم يومًا :
“ *متى تتقاعد الأم* ”
ابتسمت ...
و قلت :
*الأم لا تتقاعد …*
هي فقط، في نهاية العمر ، تجلس قليلًا قرب النافذة ، و تنتظر أن يعود إليها أولئك الذين قضت عمرها كله توصلهم إلى أبواب الحياة …
حفظ الله من كانوا على قيد الحياة و رحم الله من رحلوا عنا
و اسكنهم فسيح جناته "