في ظل غياب شبه كامل لحوار وطني حقيقي ومؤثر، وتشتت أصوات السوريين بين مُقدِّس ومُشَيطِن، بينما تراقب غالبية صامتة المشهد بأمل وألم وترقب وخوف، ينتابنا شعور عميق بالمسؤولية تجاه حلمنا. فالثورة التي خرجنا من أجلها، وآمالنا في بناء دولة لكل السوريين، تواجه اليوم تحديات وجودية.
أشارك الجميع في حمل هذه المسؤولية كأحد أبناء ثورة 2011، كان له شرف المشاركة في أعظم ثورة في التاريخ الحديث منذ يومها الأول ويسعى للحفاظ على كل مكتسباتها، وكحمصي يتوق للعودة إلى مدينته وإعادة بنائها وإرجاع أهلها إليها، و كسوري مازال يحلم بسورية التي ثرنا وقاتلنا وكافحنا من أجلها، وفاء لدماء الشهداء الذين سبقونا، ولشركاء الدرب، ولتضحيات أجيال من السوريين
في لحظة تاريخية نادرة وأمام فرصة قد لا تعود لأجيال مقبلة، تقتضي المسؤولية توضيح الحقائق قبل فوات الأوان، وخوض الكفاح من أجل مصلحة شعبنا التي ينبغي أن تسمو فوق كل اعتبار. لا مكان للمزايدات أو الاتهامات التي طالما وُجِّهت إلينا، ولا للإرهاب الفكري الذي مورس ضدنا مرارًا باسم الدين والوطن والثورة، وقد أثبت الزمن أنها مجرد دعاوى زائفة أطلقتها أطراف انتهازية وكاذبة؛ فغايتنا تبقى سورية حرّة، واحدة، عظيمة، تحتضننا جميعًا.
#سورية_الجديدة
#الثورة_مستمرة
#سورية
#Syria
الصندوق السيادي: ثقب أسود في منظومة السلطة
اطلعتُ منذ أيام على موقع الصندوق السيادي السوري، الذي أُطلق بعد مرور سنة على تأسيسه، وكان من الأفضل ألّا يُطلق بهذا الشكل والمضمون.
لا يتضمّن الموقع اسمًا واحدًا لأي مسؤول في الصندوق السيادي، ولا يقدّم تعريفًا واضحًا بالجهة الرقابية أو آليات الرقابة، ولا يفصح بأرقام واضحة ودقيقة عن حجم رأس المال أو الأصول المُدارة أو الاستثمارات، كما تغيب عنه أي تقارير مالية، سواء عن الأرباح أو الخسائر. كل هذه المعلومات يجب أن تكون مُعلنة ومعروفة للمواطنين بعد مضي سنة على إنطلاق عمل الصندوق.
ويدّعي الموقع انسجامه مع مبادئ "سانتياغو"، وهي مبادئ وُضعت لحوكمة صناديق الثروة السيادية، لكنه عمليًا ينسفها تقريبًا برمّتها، بدءًا من الشفافية، ووصولًا إلى الرقابة، مرورًا بمبادئ أولية أساسية لأي صندوق ثروة سيادي.
لو كان موقع الصندوق السيادي السوري لمتجر إلكتروني، لما اشتريتُ منه شيئًا، نظرًا لما يثيره من ريبة، ولضعف الثقة الذي يولّده.
موقع الصندوق السيادي السوري مثال آخر على الاستخفاف بعقول السوريين، وللأسف نرى ذلك في مناحٍ كثيرة من عمل السلطة، عبر إغراق الناس بالمصطلحات التقنية والشعارات الرنّانة الفارغة، كما حدث في بيان وزارة العدل منذ أيام، من دون أن يكون لذلك أي أثر فعلي أو فائدة ملموسة للسوريين.
كل ما فعله إطلاق هذا الموقع هو تعزيز انطباع المواطنين بأن الصندوق ثقب أسود؛ فلا نعرف ما الذي يدخل فيه، ولا كيف يُدار، ولا من يستفيد منه فعليًا. الصندوق السيادي السوري ملك للدولة، وليس لجماعة أو لشخص، والدولة ملك للسوريين، ومن حقهم، لا تكرّمًا ولا منّة، معرفة التفاصيل الكاملة لما يجري في الصندوق السيادي. سورية تحتاج هذا المشروع ولكن بشفافية ورقابة واضحة تجعله بحق ملكا لجميع السوريين ولأجيال قادمة باذن الله.
أما مقولة البعض: "لا تستعجلوا التفاصيل، وانتظروا، سترون النتائج بعد سنوات"، فأنا متأكد أن هؤلاء أنفسهم ما كانوا ليقبلوا أن يستثمروا في مشروع لا يعرفون عنه شيئًا لسنوات؛ فمن باب أولى ألّا يطلبوا ذلك من الشعب.
رابط الموقع: https://t.co/PprpAFuFh0
#سورية_الجديدة
#الثورة_مستمرة
#سورية
#Syria
مجزرة سجن تدمر: هل وصل يوم الحساب؟
البارحة كانت الذكرى السنوية الثانية والأربعين لمجزرة تدمر الشنيعة. وللجيل الجديد من السوريين، الذي قد يجهل هذه المجزرة، فهي مثال صارخ
على وحشية النظام وجبنه وخسّته ووضاعته، وعلى تجريده السوريين من إنسانيتهم في حقبته البائدة.
فبعد محاولة فاشلة لاغتيال المجرم حافظ الأسد في 26 تموز/يوليو 1980، قام شقيقه الهالك رفعت، في اليوم التالي، بإرسال مئة عنصر من سرايا الدفاع على متن مروحيات من دمشق إلى سجن تدمر، حيث هاجم هؤلاء الجبناء، بالأسلحة الرشاشة والقنابل اليدوية، السجناء العزّل، وقتلوا قرابة 1200 سجين على الأقل، دُفنوا في مقبرة جماعية قريبة من السجن نفسه.
ورغم وحشية هذا التنفيذ، تمكّن أحد السجناء من انتزاع سلاح أحد العناصر وقتله به قبل استشهاده.
وللمهتمين من الشباب السوري بمعرفة تاريخ سجن تدمر المشؤوم، أنصح بقراءة كتابي "شاهد ومشهود" و "خمس دقائق فحسب"، ورواية "القوقعة"، والاطلاع على شهادات كثير من الناجين، وكذلك شهادات عناصر النظام الذين قُبض عليهم في الأردن لاحقًا.
هذه الذكرى المؤلمة يجب أن تعيد إلى الأذهان، من جديد، أهمية العدالة الانتقالية؛ فالإجرام الذي ارتُكب بحق الشعب السوري لم يكن عشوائيًا، بل كان منهجيًا، ولم يُرتكب من قبل أفراد فقط، بل من قبل منظومة سياسية وعسكرية، ونعم: عقائدية أيضًا. وقد استهدف، في أغلبيته الساحقة، شريحة واسعة ومحددة من الشعب السوري، وارتُكب أيضًا من قبل فئة واضحة. وهذا الإجرام نفسه، بالعقلية ذاتها والأدوات ذاتها، استمر حتى يوم سقوط النظام.
الطريقة الوحيدة كي يشعر الناجون من سجن تدمر وصيدنايا وغيرهما من السجون بالحد الأدنى من الإنصاف، هي أن تُحاكَم المنظومة المجرمة، لا شخصيات محددة وهامشية منها؛ وأن يروا بأم أعينهم تفكيك هذه المنظومة إلى غير رجعة؛ وأن تتضمّن الذاكرة الوطنية تفاصيل معاناتهم والجريمة التي تعرّضوا لها.
كما يجب أن تفضح هذه الذاكرة، بكل وضوح، المنظومة المسؤولة عن تلك الجريمة، والدوافع الحقيقية وراءها، وبُعدها الطائفي، وأن ننقل إلى الأجيال القادمة الحقيقة كما هي، من دون تسييس أو تجميل.
فما السبب الفعلي وراء تلكؤ السلطة في تطبيق العدالة الانتقالية؟
#سورية_الجديدة
#الثورة_مستمرة
#سورية
#Syria
وزارة الخارجية: بيت من زجاج قد يتصدّع
بعد تعديلات وزارية لم تعكس أي تغيير حقيقي في توجه السلطة نحو الانفتاح، بل العكس تمامًا، جاءت تعيينات وزارة الخارجية لتؤكد عدة أمور:
- استمرار "لعبة الكراسي"، وإعادة تدوير الشخصيات نفسها في مناصب جديدة، حتى بين مؤسسات الدولة لا داخل المؤسسة الواحدة فحسب، بغضّ النظر عن المؤهلات الحقيقية لهذه الشخصيات.
- ضعف الجدية في استثمار الكوادر الدبلوماسية المنشقة عن النظام البائد.
- تحوّل الوزارة إلى مقبرة للكفاءات الحقيقية، وسط ثقافة عمل محبطة ومنفّرة.
- هيمنة المركزية المطلقة على جميع مناحي عمل الوزارة، دون استثناء، وبصورة غير منطقية ومضرّة.
لقد أصبح التهميش أحيانًا، أو الإبعاد إلى بعثات في دول غير حيوية للمصالح السورية أحيانًا أخرى، السمة العامة في التعامل مع الكوادر الصادقة والمتميزة في عملها، بدلًا من ترقيتها ومساعدتها على بناء مسيرة مهنية تجني ثمارها الدولة نفسها. ومن جهة أخرى، وبعد مرور عام ونصف تقريبًا على انطلاق عمل الوزارة، ما زلنا نرى تعيينات ضعيفة جدًا في السفارات السورية، وغيابًا لسياسة واضحة في التعامل مع موظفي الوزارة من حقبة نظام الأسد، وسط إصرار وزارة الخارجية على تعيين سفراء لا يستوفون الشروط المطلوبة، لا ضمن السلك الدبلوماسي ولا من قبل الدول المستضيفة، لتولي هذه المناصب.
ويحدث ذلك كله في ظل "احتواء" الكوادر المنشقة بدل تفعيلها بشكل صحيح والاستفادة من خبراتها في صناعة السياسات والقرار، وحصرها في العمل البيروقراطي التنفيذي. وبالمناسبة، هذه سياسة متّبعة مع غالبية الكوادر الثورية في مختلف المؤسسات، التي تُعطى مناصب غير مؤثرة فعليًا في صناعة القرارات الاستراتيجية للدولة.
واقع الأمر أن سفارات سورية في الدول الحساسة والمهمة لا تقبع فعليًا في عواصم تلك الدول، بل في دمشق، بسبب مركزية مفرطة، وإهدار للكوادر، وسط ضعف حقيقي في بناء حضور دبلوماسي متعدد الأبعاد في تلك الدول، واختزال العلاقة بين سورية وهذه الدول بالعلاقة مع شخصيات محددة في دمشق فقط.
المركزية المفرطة ليست سياسية فحسب، بل إدارية أيضًا. وهي تقوم على فلسفة تعتمد البناء من الصفر بدلًا من استثمار ما هو موجود، حتى من ناحية البنية التحتية الإلكترونية التي تسبب سوء إدارتها في التسريبات الأخيرة، وهذا ليس أول اختراق سيبراني لمؤسسات الدولة. وقد تسبب الهوس بالمركزية أيضًا في تغييرات مستمرة وغير منطقية في الهيكلية الإدارية، لا يمكن فهمها إلا من زاوية السعي الحثيث والمستمر نحو مركزية مطلقة، هي في حقيقتها تعطيل مطلق.
لسان حال الوزارة اليوم: وزير قوي ووزارة ضعيفة، وهو ما يتنافى كليًا مع فكرة البناء الحقيقي لمؤسسات دولة مستدامة، ويبدو أقرب إلى بناء "كانتونات" داخل الدولة.
إن هذا التوجه العام الحالي، ونمط الإدارة القائم، ستكون لهما عواقب قد لا نرى آثارها اليوم أو بوضوح، لكنها ستؤدي قطعًا إلى الفشل التراكمي.
إن تفعيل الكوادر المنشقة بطريقة فعالة وجادة تليق بهم وبتاريخهم يمثّل خطوة أولى في الاتجاه الصحيح؛ فهؤلاء يمتلكون خبرات نفتقر إليها، وقد أثبتوا ولاءهم لسورية وشعبها، وهو ولاء أهم من الولاء للجماعة. كما أن الوضع الحالي يستدعي التخلي عن المركزية السياسية والإدارية المفرطة؛ فالوزارة لا خوف عليها من انقلاب داخلي أو تغيير. فالمركزية السياسية تُحجّم النشاط الدبلوماسي المحلي وبناء العلاقات في الدول المستضيفة، ولا سيما المؤثرة منها، والمركزية الإدارية تحوّل الوزارة إلى جسم متحجر وبطيء، وتقتل تدريجيًا المواهب والكفاءات الموجودة أو الصاعدة، في حين تحتاج سورية إلى أداء خارجي سريع ومرن، وإلى كل أبنائها المخلصين من أصحاب المهارات والخبرات.
#سورية_الجديدة
#الثورة_مستمرة
#سورية
#Syria
النيل من هيبة المواطن
ارتفعت في الأشهر والأسابيع الأخيرة أعداد القضايا المتعلقة باعتقال مواطنين أو ناشطين بسبب معارضتهم أو نقدهم لقرارات السلطة وسياساتها، تحت بند "النيل من هيبة الدولة"، وأحياناً "النيل من هيبة الرئاسة" أو الإساءة إلى المسؤولين. وقد جرى التعامل معهم وفق منظومة قانونية فاسدة ترتكز على قوانين نظام الأسد، ومن قبل مؤسسات، ولا سيما القضائية منها، أبعد ما تكون عن الإصلاح وإعادة التأهيل. كل ذلك وسط تغييب مصير المعتقلين والموقوفين في كثير من الأحيان، ما لم تتحول قضيتهم إلى "ترند"، وجهلهم وذويهم بتفاصيل التهمة الموجهة إليهم وبحقوقهم كمواطنين. ومما يلفت النظر قيام بعض المسؤولين برفع دعاوى ضد ناشطين لم يثبت عليهم التهجم على المسؤولين أو القدح في أشخاصهم، بل انتقاد قراراتهم وأدائهم.
تمت معظم هذه الاعتقالات عبر تفعيل وتوظيف سريع وحاسم لـ"وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية"، وتكييف معظم التهم ضد المواطنين والناشطين بوصفها "جرائم إلكترونية"، وهو أمر سيفرض الكثير من التقييد على حرية الرأي والتعبير في المنصات الإلكترونية، حيث تتم صناعة جزء كبير من الرأي العام.
خلفيات الاعتقال متباينة ومختلفة، ولكن مبرراته تنبعث من العقلية والتوجه نفسيهما، وإن اختلفت التسميات: رفض السلطة للنقد، والسعي إلى تكميم تدريجي للأفواه تحت ذريعة حماية الاستقرار وتطبيق قوانين بائدة. فبعد إصدار "بلاغ" تنظيم المظاهرات غير القانوني وشبه التعجيزي، تتوجه السلطة الآن بخطى حثيثة إلى إعادة تعريف حرية الرأي والتعبير، وهوامش نقد السلطة، وفق معايير تتلاءم مع الرؤية الحقيقية للسلطة في هذا السياق، والتي تجلت بوضوح في "تجربة إدلب"، التي اعتُقل خلالها معارضون لسياسات السلطة آنذاك بناءً على كتابات لهم على وسائل التواصل الاجتماعي.
"من تصدّر لخدمة العامة، فلا بد من أن يتصدق ببعض من عرضه على الناس، لأنه لا محالة مشتوم، حتى وإن واصل الليل بالنهار". هي مقولة منسوبة لابن حزم الأندلسي، وربما على مسؤولي السلطة تعليق هذه المقولة في أماكن عملهم، وأن يعوا أنهم سيتعرضون للنقد والتشكيك في عملهم مهما ظنوا الخير في أنفسهم.
قطعاً، لسنا مع شتم المسؤولين أو استهدافهم في أشخاصهم أو عائلاتهم أو حياتهم الخاصة، فنحن نريد بناء حريات تنسجم مع منظومتنا القيمية والأخلاقية المحافظة، ولكن:
إذا وعدت السلطة وأخلّت بالوعد، فستوصف بالكذب والتلاعب.
إذا فشلت السلطة في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، فستُتهم بالفشل.
إذا مارست السلطة ازدواجية المعايير في التعامل مع المواطنين، وسمحت بالمحسوبيات، فستُنعت بالفساد.
إذا ظهرت على المسؤولين مظاهر الترف والبذخ، بينما يعاني الشعب للوصول إلى لقمة عيشه، فسيُتهمون بالتبذير.
إذا أضرت سياسات السلطة وقراراتها بمصالح المواطنين، فسيهاجمونها، ولا سيما إذا تعلق الأمر بالأرزاق والكرامة.
إذا تلكأت السلطة في محاسبة المجرمين والاقتصاص منهم، فستُتهم بخيانة دماء الشهداء.
والقائمة تطول...
هذه بديهيات الحياة السياسية في أي بلد حقق الحد الأدنى من النضوج السياسي. هذه ضريبة الحكم الذي يُفترض أن يكون مغرماً لمن تصدّر له، فكيف إذا كان مؤقتا وفي مرحلة انتقالية.
ردود فعل المواطنين هذه ليست نيلاً من "هيبة الدولة"، بل إن قيام السلطة ومسؤوليها بأفعال كالمذكورة سابقاً هو "نيل من هيبة المواطن". ولا يوجد نيل من هيبة الدولة أكبر من صورة السلطة المهزوزة التي لا يتحمل مسؤولوها وقياداتها نقد المواطنين، وهم يواجهون ظروفاً معيشية قاسية، وقد أعطوا السلطة حتى الآن هامشاً كبيراً من الثقة، أُهدر جزء كبير منه للأسف. النيل من هيبة الدولة يكون عندما تُبنى السياسات والقرارات على "الترندات" ويتم التجاوب مع مطالب الشعب وحقوقه بالقدر الذي تفرضه هذه "الترندات".
رسائل قيادة السلطة حول الحريات ونقد الحكومة ومستقبل الحياة السياسية في سورية كانت دائماً مبهمة وحمّالة أوجه في أفضل الحالات، لكن الممارسات والسياسات في الفترة الأخيرة لا تبشر بالخير.
حرية الرأي والتعبير، وحرية التظاهر، وحرية نقد السلطة، وغيرها من الحريات التي اكتسبناها في الثورة، يجب أن تكون خطوطاً حمراء؛ لأننا دفعنا ثمنها بالدماء والدموع. والتساهل مع هذا القضم البطيء، ولكنه حثيث ومستمر، لهذه الحريات تحت تبريرات مرفوضة تذكرنا بحقبة الأسد، وسط غياب أدوات مجتمعية مدنية وخطاب سياسي مسؤول يرفض هذه الممارسات، قد ندفع ثمنه كسوريين في المستقبل القريب، لا قدر الله.
الحكومات يجب أن تخاف من مواطنيها، وليس العكس. والهيبة التي لا يجب أن يُنال منها هي هيبة المواطن، ولا سيما بعد أعظم ثورة شعبية في التاريخ الحديث.
#سورية_الجديدة
#الثورة_مستمرة
#سورية
#Syria
"اعترافات" أمجد اليوسف: سقطة لا يجب أن تتكرر
بينما ننتظر أن تُطرح العدالة الانتقالية بطريقة متكاملة وواضحة، من حيث الرؤية والمسارات والآليات والإطار القانوني الناظم لها، بدأت اليوم محاكمة المجرم عاطف نجيب بحضور ثلة كريمة من أولياء الدم، من أهل حوران الحبيبة.
هذه المحاكمات يجب أن يُحضَّر لها، من حيث المضمون والإخراج، بطريقة تليق بعظمة الحدث، وتُخلِّد للتاريخ لحظات أيقونية تكون جزءًا من الذاكرة الوطنية السورية. هناك هامش كبير للتحسين في هذا السياق.
سبق بدء المحاكمات نشرُ اعترافات للقاتل أمجد اليوسف، اختزل فيها مجزرة حي التضامن بعمل فردي قام به، بمساعدة محدودة جدًا، ومن دون علم رؤسائه، بحسب ادعائه.
نشر هكذا "اعترافات" بهذه الطريقة المستعجلة، ومن دون استكمال التحقيقات، لم يكن له داعٍ، بل كان سقطة كبيرة؛ لأن هذه الرواية تُرسِّخ سردية مفادها أن المجزرة المروعة كانت عملًا يكاد يكون فرديًا، وبمعزل عن تسلسل القيادة ضمن المنظومة الأمنية والعسكرية لنظام الأسد.
في التجارب الناجحة نسبيا للعدالة الانتقالية في دول أخرى، رُكِّزت جهود كبيرة على تعريف "أنماط الجريمة"، بدلًا من التركيز حصرًا على اليد التي نفّذت الجريمة. وهذا يعني: تعريف نماذج كاملة لكيفية تنفيذ المجازر والجرائم بحق المدنيين، من حيث نوع الجريمة، وأماكن وقوعها، والشريحة المستهدفة، وكيفية اختيار الضحايا، ومستويات القيادة التي تأمر أو تسمح بهكذا جرائم، والرواية الرسمية المعتمدة لتبرير الجريمة وآليات إخفائها، وغيرها من التفاصيل التي تسمح برسم صورة تفصيلية واضحة تكشف القواسم المشتركة لهذه الجرائم من الناحية العملية، وتُعرِّف، في الوقت نفسه، نطاق المسؤولية. وهذه من أهم أهداف العدالة الانتقالية: تحديد المسؤولين عن الجرائم بحق المدنيين، وملاحقتهم بكل الوسائل الممكنة.
هذا النمط من التعاطي مع جرائم النظام هو ما نحتاجه في سورية، ولا سيما مع شُحّ الاعتقالات التي طالت "الأوزان الثقيلة" في نظام الأسد؛ لأن الجميع يعلم أن النظام كان يتحرك وفق أنماط إجرامية معروفة منذ الثمانينيات، أعاد تفعيلها أثناء الثورة. ومن المستحيل أن يقوم عناصر وضباط من رتب دنيا بتنفيذ مجازر كمجزرة حي التضامن من دون أوامر مباشرة وواضحة.
صحيح أنه، قانونيًا، لا يمكن إدانة أفراد بشكل مباشر بناءً على "أنماط ونماذج جريمة" فقط، حتى لو كانت واضحة وتضعهم في موقع المسؤولية المباشرة. لكن هذه الأنماط تسمح بإثبات أن الجرائم ارتُكبت بطريقة منهجية، وأنها جزء من سياسة النظام المدروسة، كما تساعد في تعريف نوع الدوافع وخلفيات الضحايا، وتعطي السلطات القضائية مدخلًا لملاحقة شخصيات مسؤولة في النظام البائد قد لا تتوافر أدلة مباشرة ضدها، لكن منصبها وموقعها ضمن "أنماط ونماذج الجريمة" يجعلان ملاحقتها أمرًا مبررًا.
العدالة الانتقالية يجب أن تسعى إلى توسيع دائرة الاتهام ضد مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب السوري، لا إلى تضييقها. ويجب أن توجه سهامها إلى العقول المدبرة والمنظِّرة للجريمة، سواء كانوا في متناول اليد أم لا، لا إلى البنادق المأجورة أو المتطوعة فقط.
الظروف الدولية والإقليمية ستتغير، ومن نحسبهم اليوم من مجرمي النظام البائد بعيدين عن المنال وخارج قبضة العدالة الانتقالية قد تتغير ظروفهم غدًا. لذلك، علينا أن نبني عدالتنا الانتقالية على أسس صحيحة، من دون تقييدها بإطار زمني محدد أو بظروف سياسية راهنة، وأن نركز على المكتسبات الاستراتيجية بدلًا من الانفعالات اللحظية، وأن نعلم أن هذه العدالة ستكون مسؤولية أجيال، لا جيل واحد.
#سورية_الجديدة
#الثورة_مستمرة
#سورية
#Syria
#العدالة_الانتقالية
#مجزرة_التضامن
#أمجد_يوسف
ما بعد "أمجد اليوسف"
إنّ اعتقال المجرم الطائفي أمجد اليوسف، أحد المسؤولين عن مجزرة التضامن، وليس المسؤول الوحيد عنها، خبرٌ أثلج صدور السوريين الشرفاء، ولا شكّ أنه أيقظ في قلوب كثيرين من ذوي ضحايا المجزرة نفسها، ومن ضحايا نظام الأسد عمومًا، شجونًا وآلامًا يصعب وصفها، بل ويصعب الإحاطة بها.
واعتقال هذا المجرم على أيدي قوات الأمن من أبناء الثورة، والذي نرجو أن يكون بدايةً لمئات، بل لآلاف الاعتقالات المشابهة، يجب ألّا ينسينا حقائق بالغة الأهمية:
- لم يكن المجرم أمجد اليوسف ليختفي عن الأنظار قرابة عام ونصف داخل سوريا لولا وجود شرائح مجتمعية عريضة ما تزال متأثرة أو يُهمن عليها من قبل مناصري النظام البائد حتى اللحظة، والتستر على المجرم جريمة.
- إن اختزال مجزرة التضامن، أو أي مجزرة أخرى، في شخص واحد هو تقزيم لحجم الجريمة، وتبرئة غير مباشرة لعشرات، وربما مئات المجرمين؛ بعضهم ما يزال بيننا، وربما على رأس عمله، وبعضهم تُبيَّض صفحته لأسباب يصعب فهمها.
- لم يُكشف حتى اليوم عن جميع الفيديوهات المتعلقة بمجزرة التضامن، وهي فيديوهات تعكس، بما لا يدع مجالًا للبس، الطابع الطائفي الواضح للجريمة، واستهداف أهل السنّة تحديدًا. إن نشر هذه المشاهد والوثائق المرتبطة بها مسؤولية أخلاقية، بل ومهنية.
وهذه النقاط لا تنطبق على مجزرة التضامن وحدها، بل على الغالبية الساحقة من مجازر النظام الأسدي.
لذلك، وحتى نتهيأ لما هو آتٍ في مسار محاكمة مجرمي النظام البائد، يجب التركيز على ما يلي:
- العدالة الانتقالية الحقيقية، لا الانتقائية ولا التصالحية ولا التسويات الرخوة، هي الطريق الوحيد إلى السلم الأهلي الحقيقي، مهما طال هذا المسار ومهما بلغت كلفته.
- يجب التحرر من الحساسية المفرطة تجاه إبراز الهوية الطائفية لغالبية جرائم النظام، لسببين جوهريين: الأول أنها حقيقة تاريخية، والثاني أن علاج المرض يبدأ بتشخيصه.
- إن تحقيق السلم الأهلي يتطلب معالجة الثقافة الطائفية التي زرعها نظام الأسد في شرائح واسعة من المجتمع السوري، والتي ما تزال، حتى اليوم، تبرر جرائمه، وتدعو إلى حماية مرتكبيها، بل وتنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض على المجتمع السوري من جديد.
- لا ينبغي لمشاهد المحاكمات في الأيام والأشهر القادمة أن تستنزفنا عاطفيًا؛ فهناك عشرات، بل مئات من "مجازر التضامن" في كل حيّ، وكل قرية، وكل مدينة في سوريا، ومن حق ضحاياها وذويهم أن ننصفهم، وأن نعطي كل جريمة حقها الكامل.
لذلك، يجب علينا، كمجتمع سوري بمختلف توجهاته وخلفياته، ومن منطلق الحرص على العبور بسوريا إلى برّ الأمان، وإلى سلم أهلي حقيقي ومستدام، أن نتحلى بعقل بارد ونفس طويل وإرادة ثابتة في متابعة مسار العدالة الانتقالية وتشعباته، بعيدًا عن التهييج العاطفي والانفعال اللحظي، وألا تكون "الترندات" هي بوصلة العمل، فالحقيقة أعمق وأبعد بكثير من ذلك.
لا يجوز القبول بالتخيير بين العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، فمن يضع السوريين أمام هذا الخيار الكاذب، إنما يهيئ الطريق لضياع الاثنين معًا.
#سورية_الجديدة
#الثورة_مستمرة
#سورية
#Syria
#العدالة_الانتقالية
#مجزرة_التضامن
#أمجد_يوسف
المشروب، والوزيرة، والنقد المباح والمحرّم
علّقت السيدة هند قبوات، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، على قرار السلطة بالسماح ببيع المشروبات الكحولية في أحياء محددة في دمشق، وهي الأحياء المسيحية حصرًا، وانتقدته لما رأت فيه من قولبة للمسيحيين في سورية، وحصرهم في صورة نمطية لا تليق بتاريخهم العطر في سورية.
- السيدة الوزيرة محقّة في كلامها، وإن كانت قد تحدثت بوصفها مواطنة سورية مسيحية لا بوصفها وزيرة، وهذه إشكالية. فالإخراج العام لقضية تنظيم بيع المشروبات الكحولية من قبل السلطة غير موفق. فإن كان الهدف هو إعطاء المسيحيين الحق في بيع وشراء المشروبات الكحولية، فإن حصر ذلك في أحياء محددة، وفي محافظة واحدة فقط، لا يقدّم حلًا عمليًا.
- أنا دائمًا مع أي قانون يراعي القيم العامة المحافظة للمجتمع السوري، ومع إصدار قوانين واستثناءات تراعي خصوصيات حقيقية للأقليات. وفي حالتنا هذه، فمن حق المسيحيين بيع وشراء المشروبات الكحولية، ومن حقهم أيضًا انتقاد صياغة القانون وطريقة الإخراج إذا شعروا أنها كانت مسيئة.
- من الخطأ تحديد حقوق الأقليات، وحتى الأغلبية، دون التحاور معهم وإشراكهم في صياغة القوانين التي تخصهم ومضمونها. وهذا ما حصل في مرسوم حقوق الأقلية الكردية الذي صدر دون التشاور معهم، وكذلك في قانون تنظيم بيع المشروبات الكحولية في أحياء المسيحيين في دمشق، الذي صدر دون التشاور معهم. فالحقوق والحريات تُعرَّف من القاعدة إلى الأعلى، لا العكس. لقد مضى زمن: "الحكومة بتعرف مصلحتك أكثر منك!!!"
- يعكس القرار، من جديد، غياب رؤية منسجمة وواضحة لشكل المجتمع السوري المنشود، ولموقع الأقليات فيه، بعيدًا عن الخطابات والشعارات العاطفية، كما يكشف اعتماد السلطة على قرارات ومراسيم ارتجالية غير مدروسة لتنظيم العلاقة بين مكونات المجتمع وحقوق الأقليات.
هناك أزمة هوية حادة وواضحة لدى السلطة لم تُحسم بعد، إما لعجز، أو لقرار ذاتي. فهي تتأرجح بين إرضاء الغالبية السنية من جهة، والتقرب من الأقليات من جهة أخرى، ولكن في كلتا الحالتين عبر إجراءات آنية وتهييج عاطفي بدأ يفقد تأثيره، بدلًا من بناء رؤية حقيقية للمجتمع السوري، والقيام بحوار وطني فعلي يرسخ المعالم الأساسية للهوية السورية.
- من الخطأ تقنين الحقوق والحريات الخاصة بكل مكوّن من مكونات الشعب السوري عبر قوانين ومراسيم منفصلة، تصدر في مراحل زمنية متقطعة، قبل تعريف الحقوق والحريات لكامل الشعب السوري، مع مراعاة أي خصوصيات واقعية.
- أخيرًا، يُهاجَم الذين ينتقدون السلطة علنًا، حتى لو كان نقدهم بنّاءً، بأنهم يتعمدون التخريب وتهديم ما يجري بناؤه، وأن هناك قنوات خاصة للنصح بعيدًا عن الإعلام، ينبغي أن تكون هي الوسيلة المعتمدة للنقد، أما المديح فيُفضَّل أن يكون على العلن. وأعتقد أن السيدة الوزيرة تمتلك القدرة على الوصول إلى رأس الهرم إن شاءت، أو هكذا يُفترض، لكنها انتقدت في العلن. فهل هي أيضًا مخربة ومتآمرة ضد السلطة؟
السوريون يلجؤون إلى النقد في الفضاء العام بعد أن أعياهم وأحبطهم النصح بالسر ومن خلال القنوات الخاصة، ويرفعون صوتهم لأنهم مخلصون لسورية، وليس العكس.
#سورية_الجديدة
#الثورة_مستمرة
#سورية
#Syria
لو أنّ هذه المشاهد (التحام الشعب مع الجيش والأمن) وقعت في عام 2011، لما استُشهد قرابة نصف مليون سوري، ولما دُمّرت 60% من سورية، ولما هُجّر أكثر من نصف سكانها.
إن ترسيخ عقيدة ولاء الجيش السوري وقوى الأمن للشعب السوري أولًا هو ركيزة أساسية لحماية مستقبل سورية، وهو درس باهظ الكلفة علّمتنا إياه الثورة المباركة.
وكما سنّت درعا سُنّة الثورة، فقد سنّت اليوم سُنّة جميلة من خلال فكرة محاكاة أول مظاهرة ضد نظام الأسد. وهي فعالية تتجاوز طابعها التذكاري والعاطفي، لتكون من أكثر الوسائل فاعلية في نقل الإرث والتاريخ إلى الأجيال القادمة. كما أنها عادة متّبعة في دول كثيرة لتخليد أهم الأيام في تاريخها، عبر محاكاة المعارك أو المسيرات وما شابه ذلك.
#سورية_الجديدة
#الثورة_مستمرة
#سورية
#syria
#الثورة_السورية
https://t.co/PjZ7xPxKEJ
في ذكرى أعظم ثورة: التحديات والآمال
سيظلّ الثامن عشر من آذار 2011، وما سبقه من إرهاصات، حاضرًا في وجدان ثوار سورية وأهلها المخلصين، وفي الذاكرة الوطنية لبلدنا، بوصفه يوم ولادة جديدة لنا كسوريين؛ اليوم الذي تحررنا فيه من مخاوف الماضي، ومن الأساطير والقيود التي فُرضت علينا بالدم والحديد، فلم يكن من سبيل إلى تحطيمها إلا بالدم والحديد. لقد كان ذلك اليوم بداية تصحيح تاريخ سورية، وعودته إلى مساره الطبيعي.
كانت الثورة معجزة بكل معنى الكلمة. تحدّت المنطق، وخرقت الأعراف السياسية والتفاهمات الدولية والإقليمية تجاه سورية، وأثبتت للسوريين يومها، وللأجيال التي ستأتي من بعدهم، أنه لا مستحيل إذا تحررت العقول، وتوفرت الإرادة، وأُحسن التدبير، وكنا مستعدين لدفع الثمن.
تأتي ذكرى الثورة اليوم، والسوريون يعيشون مزيجًا من الألم والقلق والخوف، ولكن أيضًا من الأمل.
نشعر بالألم لأننا نرى ابتعادًا واضحًا في كثير من سياسات السلطة عن مبادئ الثورة وأهدافها. فالثورة ليست مجرد إسقاط نظام، بل هي مشروع لتحرير الإنسان والمجتمع، وبناء دولة منسجمة مع مبادئها. ولذلك، فإن الثورة لم تنتهِ بعد. ومع ذلك، نرى اليوم محاولات لطمس قيم الثورة، وتهميش أبنائها، وإبعادهم عن دوائر الاستشارة والقرار الحقيقية، في مقابل إعادة تعويم شخصيات محسوبة على نظام الأسد، بعضها متورط في دم السوريين، وسط شكوك متزايدة حول حقيقة العدالة الانتقالية التي يُرفع شعارها.
ونشعر بالقلق لأن المؤشرات تتزايد على أن الدولة الجديدة لا تُبنى على الأسس الصحيحة. فالفساد، والمحسوبيات، والفشل الإداري، والعجز عن تقديم رؤية واضحة لمستقبل البلاد، كلها علامات على عودة ثقافة سياسية وإدارية دفع السوريون دماءهم للتخلص منها. وهي أعراض واضحة تثير شكوك السوريين حول امتلاك السلطة للكفاءات الحقيقية اللازمة لإدارة المرحلة الانتقالية، وحول رغبتها الصادقة في تقويم المسار.
ونشعر بالخوف على بلدنا لأن الاحتقان الشعبي يزداد، والصعوبات المعيشية تتفاقم، والحلول الحقيقية ما تزال غائبة. ومع ازدياد تعقيد المشهد الإقليمي، يصبح الخوف مشروعًا من أن يقود الفشل الإداري المتراكم والتسويف إلى انفجار لن تنفع معه المزيد من الوعود، وسيكون من السهل على أطراف معادية للثورة والبلد أن تستثمره.
لكننا، رغم كل ذلك، نشعر بالأمل.
الأمل بالله أولًا، الذي رعى هذه الثورة اليتيمة بعدما تخلى عنها القريب والبعيد. والأمل بالثوار الصادقين، وباستشعارهم المسؤولية والأمانة في كل موقع هم فيه. والأمل بالغيورين من أبناء الشعب السوري الذين حملوا هذه الثورة في قلوبهم لسنوات، وهم يرزخون تحت نير نظام الأسد.
والأمل كذلك بجيل جديد، عليه أن يدرك أن ما بين يديه اليوم هو نتاج كفاح وتضحيات يصعب وصفها، بل حتى الإحاطة بها. تضحيات بدأت منذ السادس من آذار 1963 المشؤوم، وأن نعمة الثورة ومكتسباتها التي أكرم الله بها بلدنا هي اليوم أمانة في أعناقهم. فهذه اللحظة التاريخية قد لا تتكرر، وهم فرسان معركة بناء الدولة الجديدة على أسس سليمة تلبي تطلعات السوريين وطموحاتهم. وما تزال هذه الفرصة قائمة، لكنها ليست مفتوحة إلى الأبد.
والأمل أيضًا بالمخلصين داخل السلطة نفسها، ممن يؤلمهم بعض ما يجري، ويسعون بكل ما أوتوا إلى فعل الخير للبلد وأهله. فوجودهم في مؤسسات الدولة من مكاسب الثورة التي لا ينبغي التفريط بها، ويجب دعمهم وإسداء النصح لهم.
ما الذي نحتاجه اليوم؟
في ذكرى الثورة، المطلوب من السوريين، ومن الثوار على وجه الخصوص، هو العودة إلى الأبجديات الأولى للثورة؛ فهي انطلقت من صميم الشعب لتحريره، وبناء دولة تنبثق منه، وتعمل لخدمته، وتحميه.
ولذلك، فإن ما نحتاجه اليوم هو دعم بناء الدولة ونجاح المرحلة الانتقالية من خلال:
- التمسك بحرية التعبير، والدفاع عنها بوصفها إحدى أهم مكتسبات الثورة، وتسخيرها لخدمة بناء الدولة من خلال النقاش الهادف والنقد البنّاء في الفضاء العام.
- نشر الوعي الشعبي بالقضايا الأساسية التي تمس حياة السوريين ومستقبلهم.
- تفعيل المجتمع المدني، وبناء مؤسسات أهلية حقيقية تعبّر عن الناس وتحمل صوتهم.
- حماية الذاكرة الوطنية السورية من التزوير، ونقلها بصدق إلى الأجيال القادمة.
- ترسيخ ثقافة المراقبة والمساءلة، باعتبارها الأساس الطبيعي للعلاقة بين الشعب والسلطة.
وما الذي نطلبه من السلطة؟
لا نطلب كثيرًا:
- الشفافية الحقيقية.
- تجنب الثقافة السياسية والإدارية للعهد البائد.
- التعامل مع سورية بوصفها أمانة، لا غنيمة.
تجارب الثورات واضحة
في كثير من تجارب الثورات، كما في الثورة الفرنسية والروسية وغيرهما، ابتعدت القوى التي وصلت إلى السلطة عن مبادئ الثورة الحقيقية؛ أحيانًا بفعل تحديات بناء الدولة والضغوط الداخلية والخارجية، وأحيانًا أخرى بفعل التسلط والمصالح والانقسامات والفساد وهيمنة أصحاب رؤوس الأموال. وعندما يحدث ذلك، يظهر حراك جديد يسعى إلى تقويم المسار واستعادة روح الثورة.
لكن هذا ليس قدرًا محتومًا. فمستقبل سورية لا تحدده قوانين جامدة، بل تحدده قرارات السوريين وأفعالهم، كما تحدده شجاعة أصحاب القرار -داخل وخارج السلطة- في اختيار الطريق الصحيح، ولو كان الأصعب. فما تزال أمام السلطة فرصة لإعادة تقييم سياساتها منذ سقوط نظام الأسد، والإصغاء إلى صوت الشعب، وفهم هواجسه وتطلعاته الحقيقية، وتقديم مصلحة البلد على أي اعتبارات أخرى.
وإلى ثوار 2011: دوركم لم ينتهِ. فتضحيات من سبقونا تناديكم، والمسؤولية ما تزال عظيمة، والأمانة ما تزال ثقيلة، وكفاحنا مستمر حتى تتحقق أهداف الثورة كاملة، أو نسلّمها بأفضل صورة ممكنة إلى من بعدنا.
#سورية_الجديدة
#الثورة_مستمرة
#سورية
#Syria
تبعات الحرب ضد إيران على سورية بعد أسبوعين من انطلاقها وأهم التوصيات
تناولتُ منذ حوالي عشرة أيام الحربَ على إيران من منظور سوري في المنشور التالي:
https://t.co/v0w9nvUwQr
وللأسف، وبعد مرور حوالي أسبوعين على بدء الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران، يمكن القول إن معظم ما ذكرناه قد تحقق أو يتحقق فعليًا. وأقول: للأسف، لأن الديناميكية العامة للحرب حتى الآن ليست في صالح المحور العربي-السني، مع أضرار "جانبية" محدودة على سورية حتى الآن، لكنها قد تتطور إلى ما هو أكثر من ذلك، لا قدر الله، مع أن إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه هو تطور إيجابي للمنطقة ولسورية، لكنه سيكون بتكلفة عالية على المنطقة.
ما يجب التأكيد عليه—بالإضافة إلى النقاط المذكورة في المنشور السابق—هو أن:
احتمالات سقوط النظام الإيراني أو تغييره أصبحت ضئيلة على المدى المنظور وفق المعطيات الحالية، للأسف. أهداف الإدارة الأمريكية حتى الآن ليست واضحة أو متجانسة، ولكن ليس هناك أي مؤشر إلى استعمال قوة برية، وهذا شرط أساسي لإسقاط النظام الإيراني.
إيران مستمرة في استراتيجيتها القائمة على توسيع نطاق الحرب لتشمل المنطقة بأسرها، وجعل تكلفتها على حلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي عالية جدًا، بما يدفعهم إلى الضغط على ترامب لوقف الحرب. وما زالت إيران تعوّل على زعزعة الاقتصاد العالمي عن طريق إغلاق مضيق هرمز أو تقييد الملاحة البحرية فيه، وأثر ذلك على سوق الطاقة ومواد خام أخرى حيوية لعدة قطاعات صناعية وغذائية.
من الواضح أن النظام الإيراني لم يعد أمامه سوى التفاوض من منطلق الضعف أو المواجهة حتى النهاية، أو على الأقل إعطاء هذا الانطباع، وقد اختار ذلك، معولًا على قِصر نفس الإدارة الأمريكية وخلق الظروف الداخلية والدولية الضاغطة عليها لإنهاء الحرب. ومن الواضح أيضًا أن النظام واثق من قدرته على ضبط البلاد، وقد يكون فعليًا قادرًا على ذلك.
اختيار مرتضى خامنئي خلفًا لوالده رسالة واضحة تؤكد المسار التصادمي والتصعيدي للنظام الإيراني، فهو شخصية تجمع أكثر من شرعية: الشرعية العقدية، وإرث والده وخلفية مجتبى الدينية؛ والشرعية العسكرية، من خلال علاقته الممتدة لسنوات مع الحرس الثوري ومشاركته في الحرب العراقية-الإيرانية؛ وشرعية "الثأر"، بثأره لوالده و"آل بيته" الذين قُتلوا في الأيام الأولى للحرب، وهي شرعية ذات وزن كبير عند الشيعة.
بدأت إيران بخوض حرب "غير متكافئة" ضد إسرائيل والولايات المتحدة، حيث لجأ النظام الإيراني إلى "التقنية المنخفضة" (Low-Tech) لمواجهة "التقنية العالية" (Hi-Tech) للتحالف الإسرائيلي-الأمريكي، بما سمح لإيران باستثمار ثغرات قليلة ولكنها مؤثرة في منظومات الدفاع لدول الخليج وإسرائيل، وجعل تكلفة التصدي لمسيّراتها عالية جدًا وغير مستدامة. (مثال: مسيّرة إيرانية قيمة تصنيعها بضع عشرات آلاف الدولارات، يتم إسقاطها بصواريخ تصل قيمة الواحد منها إلى بضعة ملايين من الدولارات. أو استعمال صواريخ تحمل قنابل عنقودية تجعل من التصدي لها صعبًا جدًا حتى لو تم إصابة الصاروخ نفسه).
وعليه، يجب توقع الآتي في الأيام التالية:
ارتفاع كلفة الحرب على دول الخليج، وإلحاق أضرار باقتصاداتها ستتطلب وقتًا طويلًا لتعويضها وعودة عجلة الاقتصاد إلى ما كانت عليه.
تمسّك دول الخليج العربي بحقها في الدفاع عن نفسها ورفضها الدخول في أي عمل هجومي ضد إيران، وهو القرار الصحيح على المدى البعيد وفق الظروف الحالية، لكنه قرار يجب إعادة تقييمه إذا تغيرت الشروط الحالية.
بروز رابح جديد في هذه الحرب، وهو روسيا، ليس فقط بسبب ارتفاع أسعار النفط، بل لأن الولايات المتحدة قد تُضطر إلى رفع بعض العقوبات (أكثر من مجرد استثناءات محدودة) عن النفط الروسي لتعويض النقص العالمي، كما أنها ستحاول أن تلعب دورًا عسكريًا وسياسيًا يُكسبها أوراق قوة في حربها ضد أوكرانيا. وروسيا، حتى الآن—وحسب ما رشح من عدة أطراف—تلعب دورًا مزدوجًا في هذه الحرب.
اضطراب أكبر في أسواق الطاقة، رغم كل الجهود الدولية—الفاشلة حتى الآن—لتطويقه، وما يرافقه من ارتفاع في التكلفة المعيشية في عدة دول تعتمد على منطقة الخليج العربي مصدرًا للطاقة.
توسع رقعة الحرب لتصبح حربًا إقليمية حقيقية، وسنرى دورًا أكثر وضوحًا وتأثيرًا لروسيا والصين (التي بدأت تتأثر بأزمة الطاقة).
ستبحث الولايات المتحدة عن أوراق ضغط على إيران لمنع إغلاق مضيق هرمز، وستحاول إشراك أطراف غربية في عملية حمايته.
من المنظور السوري، يجب التنبه إلى النقاط التالية:
الاستعداد لارتفاع أسعار الطاقة: أزمة الطاقة العالمية سوف تؤثر على سورية، وقد بدأت بذلك نوعًا ما، وبالتالي على السلطات اتخاذ الخطوات الاستباقية الممكنة للاستعداد لأزمة طويلة الأمد ومحاولة تخفيف وقعها على السوريين بقدر الإمكان.
عدم التعويل على الاستثمارات الخارجية بشكل كلي (وهذه قاعدة عامة): أي مساعدات أو وعود استثمارية من قبل دول الخليج العربي لسورية قد تتعرض للتأجيل أو الإلغاء، فبعض دول الخليج قد تضطر قريبًا إلى مراجعة محافظ صناديق الثروة السيادية واستثماراتها في الخارج، وسورية لن تكون أولوية. لذلك، على السلطة التجهز لمثل هذا السيناريو المحتمل جدًا.
تجنب فخ لبنان: هناك محاولات مباشرة وغير مباشرة لزج سورية في هذه الحرب من خلال إقحامها في مواجهة مباشرة ضد "حزب الله" على الأراضي اللبنانية. ومع أن "الحكمة التقليدية" توحي بأن السلطة الحالية لن تتدخل ما لم يكن ذلك بطلب مباشر من قوى إقليمية أو دولية، وربما بضمانات دعم معينة، إلا أننا ما زلنا نرى أن الجبهة الداخلية في سورية ما زالت هشة، والجيش السوري ما زال في مراحل بنائه الأولى وغير متجانس، فضلًا عن أن هذه المواجهة ستكون مكلفة بالأرواح مهما كان الحزب ضعيفًا.
التركيز على بناء وتقوية الجبهة الداخلية: والتسريع في بناء الدولة الجديدة على أسس صحيحة وتفعيل مؤسساتها، فسيناريوهات المستقبل ازدادت تعقيدًا وتشعبًا بعد بداية الحرب الراهنة، والضامن الأكبر لمستقبل سورية هو وجود جبهة داخلية متماسكة يمكن الاعتماد عليها في مواجهة أي تحديات قادمة. وتتضمن هذه الخطوات: تفعيل مجلس الشعب، وإطلاق العدالة الانتقالية، والإسراع في بناء الجيش والأمن على أسس صحيحة، وتحسين النظم الإدارية في مؤسسات الدولة، وتعزيز الشفافية، وغيرها.
أخيرًا: هناك معادلة دقيقة جدًا للصراع الحالي؛ فعلى الولايات المتحدة أن تحقق نصرًا كبيرًا حتى لا تخسر، بينما على النظام الإيراني ألّا يخسر فحسب حتى ينتصر. وهذا قد يدفع الولايات المتحدة—التي استخفت بقدرات النظام الإيراني رغم الضربات القاسية التي ألحقتها به—إلى اتخاذ قرار بالإصرار على إسقاط النظام مهما كلف الأمر ومهما طال الأمد، وهو سيناريو كارثي على المنطقة، وإن كانت المؤشرات الحالية تدل على أن جميع الأطراف تسعى إلى مخرج "مشرّف" من الأزمة.
#سورية_الجديدة
#الثورة_مستمرة
#سورية
#Syria
#إيران
"شام كاش": مثال عن إرث لا يُراد تصحيحه
تحسس البعض في الأسبوع الماضي من التذكير بـ"نموذج إدلب"، وكيف أن السلطة الحالية تعيد إنتاجه بطريقة شبه حرفية وتكرر الأخطاء نفسها التي تتضاعف آثارها مقارنة بإدلب، بسبب ارتفاع مستوى التعقيد واتساع نطاق التطبيق بشكل هائل عندما نتحدث عن سورية بأكملها.
في الأيام الأخيرة تم اختراق بعض حسابات السلطة السورية على وسائل التواصل الاجتماعي، واليوم تم "إيقاف" أو "توقف" تطبيق "شام كاش" الذي تستعمله السلطة لدفع رواتب الموظفين.
عملتُ أكثر من عشرين عامًا في قطاع هندسة الاتصالات والبرمجيات في أمريكا وأوروبا والشرق الأوسط، وبناءً على معاينة خبراء مستقلين في الأمن السيبراني، فإن اختراق حسابات السلطة على وسائل التواصل الاجتماعي هو، على الأغلب، إما نتيجة مركزية مفرطة في إدارة الحسابات جعلت اختراق جهة واحدة (حسابًا إداريًا أو جهازًا) كافيًا للوصول إلى عدد لا بأس به من الحسابات، أو نتيجة تجاهل أبجديات الأمن السيبراني من قبل المسؤولين عن هذه الحسابات، بطريقة تكشف—وبسهولة شديدة—لأي "هاكر" مداخل سهلة إلى عدد كبير من الحسابات الحكومية.
هذا يعني أننا أمام إدارة للبنية التحتية الإلكترونية شبيهة جدًا بحقبة الفصائل، عندما كانت حسابات التواصل الاجتماعي بيد شخص أو شخصين، وكان الأمن السيبراني محدودًا جدًا.
ونظرًا للغياب الاعتيادي للشفافية، لا نعلم بعد النتائج الحقيقية للاختراق وبانتظار تحقيق جنائي رقمي يكشف خطوات الاختراق ومداه. ولكن يُستبعد أن يكون اختراقًا كاملًا للبنية التحتية الإلكترونية للسلطة، ومن المرجح أن يكون التصحيح ممكنًا من خلال مراجعة الإجراءات المتبعة حاليًا في إدارة الحسابات الرسمية، وتصميم وفرض حوكمة وضوابط سلوكية صارمة، وتقييم البنية التحتية الإلكترونية الكاملة المستعملة من قبل السلطة.
على الهامش: تتعرض المواقع الرسمية في أكثر دول العالم تطورًا للاختراق، ولكن ليس لأسباب طفولية، في الغالب.
أما "توقف" خدمات "شام كاش" فهي مصيبة كان يُتوقع حصولها، رغم تحذيرات ونصائح أطلقها خبراء في الأمن السيبراني وهندسة البرمجيات والسياسات المالية منذ فترة طويلة، لكن تم تجاهلها كما يتم تجاهل غيرها من النصائح الصادقة والحريصة.
أسئلة كثيرة دون إجابات واضحة—أو دون أي إجابات كليا:
لمن تتبع ملكية "شام كاش"؟
أين تُستضاف مخدمات التطبيق التي تحتوي على بيانات حساسة جدًا للمواطنين السوريين، بما فيهم موظفو الدولة؟
هل هناك سياسات واضحة وموثقة وموثوقة لكيفية الاحتفاظ ببيانات المستعملين والتعامل معها؟
ما هو مستوى الأمن السيبراني المطبق من قبل هذه الشركة؟
هل هناك أي تقارير تدقيق مستقلة (Audit) لتقييم وضع الأمن السيبراني والتزام الشركة بسرية وخصوصية البيانات؟
للأسف، معظم هذه الأسئلة الجوهرية لا يوجد جواب معروف لها، أو أن ما نعرفه يعطينا جوابًا سلبيًا. ويمكن القول إن "شام كاش" شركة غامضة إلى درجة كبيرة، وتطبيقها ليس موجودًا في أي من متاجر التطبيقات المعروفة، وليس هناك أي تقييم تقني أو حتى قانوني مستقل لها. بعض هذا الغموض ربما متعلق بحقبة العقوبات، ولكن الواقع تغير.
وهنا يجب التأكيد على أن كيفية تعامل التطبيق مع بيانات المستعملين نقطة شديدة الحساسية، لأن التطبيق يُلزم المستعمل بالموافقة على منح الإذن لاستعمال الكاميرا، ويقوم بحفظ المعلومات البيومترية للمستعمل، ولديه قدرة على معرفة التطبيقات المُستعملة على الهاتف، وغيرها من أذونات الوصول التي تفوق الأذونات الاعتيادية في تطبيقات مشابهة.
إذًا، لماذا اختيرت هذه الشركة بالذات لتقوم بهذه الخدمات الحساسة؟ وما هي الأفضليات والميزات التي تقدمها للموظفين وللسلطة مقارنة بشركات مماثلة؟
سيقول البعض إن العقوبات التي كانت سائدة على سورية عند سقوط نظام الأسد دفعت السلطة المؤقتة الجديدة لاستعمال هذا التطبيق الذي كانت تستعمله في إدلب. لكن يبقى السؤال: هل تم النظر في خيارات أخرى متاحة في حينها؟ وعندما رُفعت العقوبات منذ حوالي تسعة أشهر، ألم يكن من المفروض أن تكون إحدى أولويات السلطة—في هذا المجال—تقييم التطبيق الذي يتم من خلاله دفع رواتب السوريين وتخزين بياناتهم؟ ألم تكن هناك فرصة -وسط مهرجانات توقيع عقود الاستثمار- للبحث عن شركة أكثر مصداقية وكفاءة لتولي مهمة دفع رواتب الموظفين السوريين؟
الجواب بسيط جدًا في الواقع، وقد لا يُعجب البعض: السلطة تكرر النموذج الذي لا تعرف سواه، سواء في الإدارة أو في التعاقد مع شركات (Outsourcing) للحصول على خدمات محددة أو فرض شركات محددة دون مسوغات منطقية أو قانونية حتى، ناهيك عن استمرار الغياب الكامل للشفافية. وهذه نقطة لو تعلم السلطة ضررها لتجنبتها أكثر من أي شيء آخر، ولا سيما في هذه المرحلة.
بالمختصر: السلطة تطلب من المواطنين رفع معلوماتهم الخاصة والحساسة على تطبيق غير موثوق لا تقنيا ولا قانونيا لأسباب غير معروفة أو غير مقنعة.
مرة أخرى يتم تفضيل مصلحة البعض على المصلحة العامة، وفي هذه الحالة يدفع الثمن موظفو السلطة أنفسهم، وربما شريحة أوسع من السوريين الذين يستعملون هذا التطبيق الذي أصرت السلطة على فرضه على السوريين حتى بعد رفع العقوبات. أرزاق السوريين يجب أن تكون أولوية عند السلطة.
#سورية_الجديدة
#الثورة_مستمرة
#سورية
#Syria
الحرب ضد إيران من منظور سوري
الهدف من هذه المقالة المختصرة ليس تقديم تحليل تفصيلي لاحتمالات الحرب الحالية، فهذا موضوع متشعب جدًا، بل تقديم رؤية خاصة بنا كسوريين.
لا شك أن إضعاف النظام الإيراني، وحتى سقوطه، هو تطور إيجابي بالنسبة لسورية وللمنطقة، فالنظام الإيراني أحد الأطراف الإقليمية القادرة على العبث بالداخل السوري في مرحلة ما تزال فيها أسس الدولة الجديدة هشة، وكان مصدر فوضى مدمرة في أكثر من دولة إقليمية وما يزال.
ولكن سقوط النظام الإيراني—حسب كيفية هذا السقوط إن تحقق الأمر— أو حتى إضعافه سيكون له تداعيات على المدى القصير والمتوسط تتطلب التجهز والمبادرة من الطرف السوري والإقليم. والسوريون يعلمون أكثر من غيرهم أن تكلفة الإطاحة بنظام كالإيراني تتعدى حدود الدولة نفسها لتطال الإقليم وربما أبعد من ذلك. ولكن هذا ليس مدعاة لعدم دعم فكرة سقوط النظام الإيراني -كما يحلو للبعض- بل هو حافز للاستعداد، وفق المتاح، لما قد يأتي.
بعض النقاط الأساسية حول الهجوم الإسرائيلي-الأمريكي على إيران:
- هو هجوم "إسرائيلي-أمريكي" وليس العكس، وهذه نقطة بالغة الأهمية، ويبدو أن نتنياهو تمكن من فرض رؤيته على ترامب في نهاية المطاف، وإن رُوّج لعكس ذلك.
- التبريرات "الرسمية" لشن الهجوم في هذا التوقيت متنوعة وبعضها متناقض: إيران تهديد وشيك، هناك فرصة سانحة الآن وإن لم يكن هناك تهديد وشيك، ضربة استباقية، الرد على محاولات مزعومة لاغتيال ترامب، فشل المفاوضات، وغيرها. وهذا يدل ربما على أن السبب الحقيقي لم يتم ذكره.
- هناك تباين بين الولايات المتحدة وإسرائيل في الأهداف المعلنة: الطرف الأمريكي تحدث عن تغيير النظام ثم تراجع عن الفكرة ليتحدث عن إضعافه، بينما الطرف الإسرائيلي كان أكثر وضوحًا ونفى أي نية لتغيير النظام الإيراني، ولكنه لم يستبعد سقوطه كنتيجة للعملية العسكرية.
- ما لم يتم ذكره هو أن كلاً من نتنياهو وترامب يواجهان تحديات داخلية صعبة جدًا. نتنياهو يواجه تحديًا مصيريًا بما يخص مستقبله السياسي، ومنذ عملية السابع من أكتوبر 2023 وهو يخوض حروبًا متواصلة، بعضها مفتعل، أملًا في تحقيق نصر "أسطوري" ينقذه في انتخابات أكتوبر القادمة أو يبرئ ساحته من فشل السابع من أكتوبر. وهو، في حال نجاح هذه الحملة العسكرية، بإمكانه إعلان انتخابات مبكرة لاستثمار الحدث على المستوى السياسي الداخلي.
- أما ترامب فهو يواجه أسوأ نسب تأييد له في رئاسته الثانية (حوالي 41٪) لأسباب كثيرة هو عاجز فعليًا عن تقديم حلول سريعة لها: عجز نصف الأمريكيين تقريبًا عن مواجهة تكاليف الحياة، ملفات "إبستين" التي لم تتجلَّ أبعادها الكاملة بعد، وبدء ظهور انقسامات داخل حزبه وقاعدته الشعبية الأكثر إخلاصًا "ماغا" حول سياسات داخلية وخارجية له.
- منذ وصوله إلى الرئاسة للمرة الثانية في 2024، نفذ ترامب سياسات خارجية خاطفة ومدوية في الوقت نفسه: فرض الرسوم الجمركية بطريقة غير مفهومة، طرح فكرة ضم كندا إلى الولايات المتحدة، المطالبة بغرينلاند، انتهاج سياسات سلبية تجاه الناتو والتراجع الفعلي عن دعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا، خطف الرئيس الفنزويلي السابق "مادورو"، وغيرها من السياسات والقرارات التي يُشك في مردودها السياسي والاقتصادي على الولايات المتحدة، لكنها نجحت في توجيه انتباه الداخل الأمريكي إلى الخارج.
فبينما المنطق التقليدي يوحي أن ما يحدث هو جزء من استراتيجية واسعة ومدروسة لإعادة رسم خريطة المنطقة الجيوسياسية—ومستوى التعزيز العسكري الأمريكي في المنطقة قد يوحي بذلك—إلا أن المعطيات الداخلية لكل من إسرائيل والولايات المتحدة، وعدم انسجام خطاب الأخيرة حول أهداف الهجوم على إيران، وغياب معايير واضحة للنجاح، توحي بأن المحرك الحقيقي للحملة العسكرية قد يكون داخليًا، وقد لا نرى الزخم الكافي والاستدامة المطلوبة لإحداث هذه التغيرات المتوقعة.
سبب ذكر هذه المعطيات هو أهمية فهم الدوافع الحقيقية لانطلاق العملية في هذا التوقيت، لأنها ستحدد إلى أي مدى ستستمر الأطراف التي بدأت الحرب، وإلى أي مدى هناك خطة حقيقية وواقعية لـ"اليوم التالي". ولكن هذا لا يعني أننا لن نرى شرق أوسط جديدًا في جميع الحالات، لأن هذه الحرب—بغض النظر عن دوافعها الحقيقية—ستتسبب في خلق فراغ أمني وسياسي ملائم لإعادة تعريف محاور الإقليم وتحالفاته بناء على تصور جديد وعملي ينقلب على ثوابت الماضي في حال بادرت أطراف إقليمية وامتلكت الجرأة لاستثمار الفرصة.
أكرر: ما سبق ذكره لا ينفى وجود خطة استراتيجية أمريكية وفق رؤية ترتكز على مصالح اقتصادية (النفط والغاز والمعادن النادرة والموقع الاستراتيجي لإيران) وسياسية (التخلص من نظام معادي)، ولكن الظروف الداخلية للولايات المتحدة واسرائيل ربما عجلت بتنفيذ هذه الرؤية، وهذا الاستعجال ربما له تبعات.
بالنسبة للطرف الإيراني:
- النظام الإيراني نظام فريد من حيث الهيكلية ونمط القيادة، صُمم انطلاقًا من دولة عميقة للبقاء على قيد الحياة وتجاوز المحن والتوسع خارج إيران، بتوزيع مدروس ومتعمد للسلطات والصلاحيات بين القيادة الدينية، والعسكرية المتمثلة بوزارة الدفاع من جهة والحرس الثوري من جهة أخرى، ومن ثم الرئاسة والبرلمان كواجهات سياسية-مدنية.
- لا يُذكر في التاريخ المعاصر أنه تم إسقاط أو تغيير نظام بالقصف الجوي دون استعمال قوات برية (والولايات المتحدة لن تفعل ذلك). طبيعة النظام الإيراني وقدرته على إعادة إنتاج قيادته وتجذّر الدولة العميقة في المجتمع ومؤسساته تجعل من سيناريو تغيير النظام الإيراني أمرًا مستبعدًا ما لم يحصل انهيار داخلي أو خيانة بتنسيق مع الخارج.
- المعارضة الإيرانية بالعموم، ولا سيما الخارجية منها، ضعيفة ومنقسمة، والنظام الإيراني نجح بقمع أي معارضة داخلية ضده على مدى العقدين الأخيرين بوحشية، ولكن بنجاح، فضلًا عن أن الشعب الإيراني بالعموم عنده حساسية قوية من التدخل الأجنبي ولا سيما الغرب في شؤونه، نظرًا للتاريخ السلبي لهذه التدخلات (الاتحاد السوفييتي، بريطانيا، الولايات المتحدة).
- رغم تصفية جزء كبير من القيادة الإيرانية في الضربات الأخيرة وضربات حزيران الماضي، بما في ذلك المرشد الأعلى، ورغم تدمير حوالي نصف منصات إطلاق الصواريخ البالستية الإيرانية، إلا أن النظام الإيراني يسير وفق استراتيجية واضحة للبقاء على قيد الحياة وعدم التفاوض من منطلق الضعف.
- استراتيجية إيران تقوم على إطالة أمد المواجهة وتوسيعها بالقدر المطلوب لتهديد اقتصاد دول الخليج، لتمارس هذه الدول الضغوط الكافية على الولايات المتحدة لإيقاف الحرب، وفي الوقت نفسه أن تبدأ الحرب بالتأثير بشكل مباشر على المواطن الأمريكي والغربي من خلال ارتفاع تكلفة الوقود (ليس من المتوقع أن يحدث هذا سريعًا كما حدث في الحرب الأوكرانية، ولكنها مسألة وقت لا أكثر)، مما سيشكل ضغطًا قويًا على ترامب لإنهاء الحرب بصيغة ما، ولا سيما أن الهجمات الأخيرة تتضارب كليًا مع شعار ترامب "أمريكا أولًا" و"إنهاء الحروب الخارجية"، وهو ما شكل انقسامًا في القواعد المؤيدة له.
- إيران تعتبر أن الهجوم على دول الخليج لن يزيد من المخاطر عليها لأن الأذى الأكبر قادم من الطرف الأمريكي والإسرائيلي، وهذا مُحقق دائمًا.
- دول مجلس التعاون الخليجي اتبعت حتى الآن سياسة التمسك بحق الدفاع وممارسته ورفض الانخراط في أي عمل هجومي، وهذا التوجه هو الصحيح حاليًا.
- النظام الإيراني بدأ بتحريك حزب الله وأذرعه في العراق، ومن المتوقع أن يحرك أذرعًا أخرى وفق احتياجات المعركة، مع أنها كلها ضعفت كثيرًا وبعضها اختفى كليًا (كما حصل في سورية). ولكن هذه التحركات تؤكد نية النظام الإيراني بتوسيع رقعة المعركة رغم النتائج الكارثية على الدول التي تتواجد فيها هذه الأذرع.
- لا شك أن هناك اختراقًا استخباراتيًا إسرائيليًا عميقًا عُمل عليه لسنوات طويلة، ظهرت ملامحه يوم اغتيال إسماعيل هنية في طهران، ومن ثم خلال ضربات حزيران 2025 وفي الحملة الحالية. ومن الواضح أيضًا أن القيادة الإيرانية فشلت في التعاطي معه، وربما هذا أكبر خطر فعلي على النظام الإيراني.
- دور الصين وروسيا ليس ظاهرًا بعد، ولكن من المنطقي التفكير بأنهما تفضلان صمود النظام الإيراني وربما تقومان بدعمه، ولا سيما أن الصين متضررة من إغلاق وتضييق حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز.
- معيار النجاح للنظام الإيراني هو أن يبقى واقفًا على قدميه عندما تنتهي الحرب بغض النظر عن باقي الظروف، وقدرة إيران على تحقيق هذا الهدف ستبدأ بالتوضح بعد أسبوع إلى عشرة أيام من بدء الحرب.
بالنسبة لسورية:
النظام الإيراني عدو للشعب السوري، ومن حقنا أن نسعد لقصفه ومقتل قياداته المسؤولة بشكل مباشر عن مقتل مئات آلاف السوريين، وهذا موقف كل سوري شارك في ثورتنا العظيمة، وكل سوري مخلص لسورية وحريص عليها. ولكن الحرب الحالية وما قد ينتج عنها من إضعاف للنظام الإيراني أو إسقاط له أو حتى تقسيم إيران ستضع الدولة السورية أمام تحديات ومخاطر وفرص، أهمها:
- يجب على سورية تجنب الانخراط في أي دور في هذه الحرب، سواء في لبنان أو العراق، فالوضع الداخلي لا يسمح بذلك. الأحداث الحالية تضع مستقبل لبنان والعراق على المحك، والسنة في البلدين ولا سيما العراق أمام تحديات مصيرية.
- بانتظار معرفة سيناريو نهاية هذه الحرب، قد تلجأ بعض الدول لدعم جماعات عرقية انفصالية في إيران، أو ربما قد تنشط هذه الجماعات بحكم تضعضع النظام الإيراني، ومن بينها جماعات كردية. وقد يؤدي هذا إلى الدفع بملف "قسد" إلى الواجهة من جديد (على الهامش: ملف "قسد" لم يعد واضحًا بالنسبة للسوريين أنفسهم نظرًا للتضارب بين المُعلن والمُطبق).
- سورية ما زالت على رادار إسرائيل بغض النظر عن أي اتفاقيات أمنية أو وعود تطبيع. وفي حال خرجت إسرائيل منتصرة ولو بمعايير قصيرة الأمد، واستمرت حكومة نتنياهو نفسها أو سياساتها، قد يتجه الطرف الإسرائيلي إلى المزيد من التغول في الملف السوري، ويجب الاستعداد لهذا الأمر بالعمل على الجبهة الداخلية والتنسيق مع حلفاء إقليميين حقيقيين.
- سياسة إرضاء الجميع على مستوى العلاقات الدولية المتبعة حتى الآن من قبل السلطة لها تاريخ انتهاء صلاحية، ومن الأفضل أن تحدد السلطة بنفسها هذا التاريخ وتضع رؤية تكون فيها سورية مع المحور الأقرب لمصالحها على المدى البعيد.
- الدول العربية السنية وتركيا أمام تحدٍ وجودي حقيقي سواء سقط النظام الإيراني أم لم يسقط، وقد صرّح نتنياهو بذلك يوم عرّف "المحور السني" كعدو قادم. ولذلك على هذه الدول أن تقرر: إما أن تكون تبعًا أو نداً لإسرائيل. لا شك أن هذه الدول تملك القوة والموارد لاتخاذ المسار الصحيح في حال كانت هناك الإرادة والقرار السياسي اللازم. وسورية يجب أن تكون جزءًا من المحور الذي يخدم مصالحنا وثوابتنا على المدى البعيد.
- كل ما سبق يجعل من تعزيز الحوار الداخلي في سورية بأساليب صحيحة وحقيقية مطلبا أساسيا، وكذلك توسيع دائرة التشاور والقرار وتصحيح نمط الإدارة والقيادة الحالي للسلطة، فما ينتظر سورية والمنطقة أعقد بكثير من إدراك جماعة واحدة أو طرف واحد كائنا كان. الجبهة الداخلية هي الأساس.
#سورية_الجديدة
#الثورة_مستمرة
#سورية
#Syria
#إيران
من لا يعرف تاريخه محكوم عليه بإعادته — "نموذج إدلب"
يُنسب للفيلسوف والروائي الإسباني خورخي سانتايانا قولٌ مفاده: "من لا يعرف تاريخه محكوم عليه بإعادته."
بعد سقوط الأسد، ساد نوعٌ من الالتزام—أحيانًا غير المُعلن وأحيانًا المُعلن—لدى مختلف الأطراف التي شاركت في الثورة والمعركة الأخيرة التي أسقطت آخر ورقة توت كان يتستر بها النظام (وهم الهيمنة العسكرية والأمنية): فتح صفحة جديدة والتركيز على مستقبلٍ أفضل لسورية وشعبها.
ولكن الصفحة الجديدة التي تُفتح على حساب محو الذاكرة ليست صفحة جديدة؛ بل وصفة مؤكدة للفشل وبداية لتجربة ستُكلف صاحبها الكثير، ولا سيما حين يترافق هذا النسيان القسري مع تشويه الماضي وتزويره.
"نموذج إدلب" لم يكن نموذجًا ناجحًا. قد يكون—قياسًا إلى نماذج أخرى فاشلة حينها—أقلَّها سوءًا، لكنه قطعًا لم يكن نموذجًا يُحتذى به وصالحًا ليُطبَّق على سورية بأكملها، رغم بعض الإيجابيات الواضحة، وعلى رأسها تحقيق قدر من الاستقرار والأمن. لكن لا يجوز أن ننسى أنّ هذا النموذج تضمن أيضًا: فسادًا ومحسوبياتٍ صارخة، وهيمنةً على موارد المحرر، واقتصادًا قائمًا على شراكات بين رجال أعمال ومسؤولين، وإقصاءً سياسيًا واضحًا، واعتماد نموذج إداري قريب من نموذج النظام السابق، ولا سيما عبر تعيين واجهاتٍ إدارية وسياسية ضعيفة الصلاحيات، بينما القرار الفعلي بيد شخصيات أخرى. كما شهد تجاوزات خطيرة في التضييق على حرية التعبير، واعتقالات سياسية، وقمعًا ناعمًا وأحيانًا خشنًا للرأي المعارض، في ظل غياب شبه كامل للشفافية وتركيز السلطة بيد رأس الهرم.
السؤال الذي يفرض نفسه أمام كل السوريين: هل الواقع اليوم مختلفٌ بالعموم عن الماضي القريب؟
على الهامش: هذه السلبيات الآنف ذكرها كانت مصحوبة كذلك بتجاوزات أمنية وتعذيب في السجون أودى بحياة معتقلين، وانتهت إلى مظاهرات شعبية استمرت أشهرًا طالبت بإسقاط هيئة تحرير الشام في عام 2024، أي قبيل سقوط نظام الأسد. وقد تسببت تلك الأحداث حينها بانقسام داخل الهيئة نفسها، وارتفاع مطالب بتغيير القيادة فيها.
لماذا نستحضر هذه الحيثيات الآن؟ لأن "نموذج إدلب" طُبّق عمليًا على كامل سورية رغم تحذيرات كثيرين من كارثية النتائج. وكان الأولى بنا ألّا نتوقع سيناريو مختلفًا. وبدل الغرق في التفاؤل—المتفهم بعد سقوط النظام—والتهييج العاطفي والانشغال بانجازات وهمية، كان ينبغي النظر إلى "أنماط" التفكير والسياسات التي انتهجتها السلطة الحالية في إدلب حتى أيام قليلة قبل سقوط نظام الأسد.
هذه "الأنماط" (Patterns) لا تتغير بين ليلة وضحاها، لا سيما حين لا يعرف من يطبقها سواها، أو يرى مصلحته فيها، وإن كانت على حساب المصلحة العليا. وفي هذه الحالة لا بد من تدافع سياسي ومجتمعي بنّاء يضغط باتجاه التصحيح وبناء أنماط جديدة.
ففي كل دول العالم، حين يصل طرف سياسي إلى الحكم، يُدرَس تاريخه لفهم رؤيته وفلسفته في إدارة الدولة والسياسات المتوقعة، بما يمنح الشعب والنخب صورة أوضح عمّا هو قادم. لكن في الحالة السورية جرى القفز كليًا على هذه النقطة، وتم التعامل مع السلطة الجديدة وكأن لا تاريخ لها. واليوم يصدم البعض مما يراه، رغم أنه يكاد يكون مطابقًا لما مضى.
وحتى نستفيد من فهم "نموذج إدلب"، فقد تم التعامل يومها مع المعارضين بمزيج من المواجهة الأمنية والالتفاف على المطالب واختراق الطرف الآخر وإطلاق الوعود التي لم تتحقق يومًا. لا توجد اليوم معارضة بالمعنى التقليدي، لكن توجد شرائح واسعة من الشعب السوري تتزايد باستمرار: شرائح ناقدة وغاضبة وغير راضية عن الأداء والنتائج المخيبة على المستويات المعيشية والسياسية والإدارية. والأهم من ذلك أن كثيرين بدأوا يشعرون بغربة متزايدة بينهم وبين السلطة، ويرون في سياساتها ما يذكّرهم بحقبة نحاول جميعًا دفنها، بعد تراجع ثقتهم بصدق ومصداقية السلطة الحالية.
ومن هنا، من المنطقي أن نتوقع الأسلوب نفسه من قبل السلطة في مواجهة موجة الاحتقان: إجراءات لتنفيس الغضب دون حلول جذرية حقيقية، والالتفاف على المطالب دون تراجع فعلي عن السياسات السلبية المتبعة حتى الآن أو تغيير حقيقي، والتشكيك في نوايا المنتقدين واستهدافهم إعلاميًا، ومزيد من الوعود والتهييج العاطفي—الذي بدأ يفقد مفعوله—لامتصاص السخط الشعبي، وقد نرى حتى تغييرًا في النظام السياسي الحالي نفسه ولو شكليًا. لذلك، الإصلاحات الحقيقية ستحتاج إلى ضغط شعبي وتدافع سياسي إيجابي.
دروس الماضي القريب واضحة. والعلاقة بين الشعب والسلطة لا تقوم على إحسان الظن وحسن النية؛ فهي ليست علاقة صداقة أو قرابة (رغم كثرة القرابات والصداقات داخل السلطة)، بل هي علاقة مراقبة ومساءلة ومحاسبة وعقد اجتماعي. وهذا—للأسف—غير متحقق اليوم بالشكل المطلوب، وربما يجدر بنا أن نتذكر ما يُنسب للكاتب الأمريكي مارك توين: "قد يعيد التاريخ نفسه، لكن كلفته تتضاعف في كل مرة." والشعب السوري لم يعد يملك هامشًا لمزيد من الفواتير. لذلك يجب التعمق في فهم "نموذج إدلب" و"أنماط" سياسة وتفكير السلطة الحالية بالعودة إلى تاريخها الحقيقي حتى لا نقع بنفس أخطاء الماضي.
الأمور تتجه نحو انفجار لا تُحمد عقباه، وهذا يجب منعه بكل وسيلة ممكنة. والمسؤولية الأكبر تقع على عاتق السلطة: تصحيح المسار والبدء بسياسات تفضي إلى حلول مستدامة للتحديات الرئيسية.
#سورية_الجديدة
#الثورة_مستمرة
#سورية
#Syria
#العدالة_الانتقالية
https://t.co/X3iZjwN1r0
من المؤسف أن يكون فهم بعض المسؤولين عن مسار السلم الأهلي والعدالة الانتقالية في السلطة لتجربة ألمانيا ما بعد النازية بهذه السطحية، ومن المقلق أن يكون الأمر تشويهًا للتاريخ بهدف تمرير "عدالة انتقائية" تصالحية شكلية تُنذر بظلم عظيم لضحايا نظام الأسد وذويهم ومجتمعاتهم، وبعواقب جسيمة على مستقبل سورية.
#سورية_الجديدة
#الثورة_مستمرة
#سورية
#Syria
#العدالة_الانتقالية