روى الشيخ علي الطنطاوي - رحمه الله - في ذكرياته زيارتَه الأولى للملك عبد العزيز - رحمه الله - في مكة المكرمة، فقال: كان لقاؤنا بالملك عبد العزيز في بيت السقّاف، هكذا كانوا يسمّون القصر الذي ينزل فيه .. وما هو بالقصر الفخم، ما هو إلاّ بيت واسع مثل بيوت أوساط الناس .. وأنا أخشى مثل هذا اللقاء، وأشعر أن مقابلة مئة ألف من وراء المنبر أهون عليّ من غشيان مجلس لا أعرف أهله معرفة كاملة تزيح الكلفة وتمحو الوحشة. فكيف إذا دخلتُ على الملك؟ .. لقد سَهّل الأمرَ عليّ أني لم أكُن وحدي، وأني كنت أعرف عن الملك الكثير، وكنت أكتب إليه ويتفضّل فيجاوبني .. وكنّا نجعل عنوان الرسالة:«إلى جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود»، ما كنتُ أطلب شيئاً لنفسي، كانت رسائلي كلها في أمور فيها مصلحة للناس ورضا لله، أو وساطة لأصحاب حقّ، وكان يأتيني جوابه الكريم في كلّ مرّة. ��خلنا مجلس الملك فقام لنا�� وكان يقوم للداخل، وذلك قبل أن يثقل عليه ألم رُكبته ويتخذ الكرسي ذا الدواليب الذي أهداه إليه روزفلت. وجعلنا نحضر مجلسه كل يوم فلحظت أن له مقعداً خاصاً به، لا يختلف عن بقية المقاعد لكن لا يقعد عليه غيره .. وكنّا نحضر عنده درساً وقراءات جهرية، يُنصَب كرسي لشيخ يوضع له مصباح إلى جنبه، فيقرأ صفحات من كتاب في التفسير والحاضرون يستمعون، وربما علق الملك نفسه على بعض ما قرأ القارئ. وقد لحظت أنه يحفظ كثيراً من الأحاديث ومن أقوال الأئمة، وقد يشترك بعض الحاضرين فلا يمنعهم، ومنهم من يعارض رأيه فيناقشه الملك ويفرّع أوجه الرد فيقول: أولاً، ثانياً، ثالثاً .. ويقيم أمامه ستاراً من الحُجَج ومن الأدلّة .. وكنّا نكلّم الملك في غير موعد القراءة ونحدّثه، فإذا رأيتُه منطلق الأسارير سُقت إليه الطرائف المناسبة ممّا أحفظ، وقد رويت له من النوادر ما أضحكه مرتين .. رأيت أولاد الملك صفاً عن يمينه، على ترتيب أعمارهم، ورأيتهم إن جاء أمير منهم تنحّى له مَن هو أصغر منه، ولو بأسبوع حتى يأخذ مكانه بحسب عمره .. وكان يدخل عليه من الناس مَن شاء، وكان أهل البادية يدعونه باسمه:"والله يا عبد العزيز كان كذا" ... ولا عجب، فهذه هي سنّة العرب، ما كانوا يقولون "يا فخامة أمير المؤمنين" بل يا عمر، بل كان الأعرابي يدخل مجلس الرسول ﷺ فيسأل: أيّكم محمد؟ ... كانوا يعرضون شكاواهم فيقضي فيها، وربما قال للشاكي: رُح للشرع، أي أنه يأمره بمراجعة القاضي .. ثم يقوم ونقوم معه إلى الطعام، على سماط مبسوط على الأرض .. والطعام الأصلي الرز واللحم، ولكنّ على المائدة ألواناً من الطّبيخ، وليس للمائدة مُصطلَح (أي بروتوكول) .. فمَن شبع قام وقعد غيره مكانه، ولكني وجدت الملك لا يقوم حتى يحسّ أنهم شبعوا جميعاً. وكان من عجيب أمر الملك أنه أوتي بَسطة في الجسم، فهو طويل عريض المنكبَين إن مشى مع الناس ظهر كأنه راكب وهم مُشاة، وكان أكله - مع ذلك - قليلاً جداً، لا أعلم كيف كان يكفيه هذا الأكل القليل!
لقد كان الملك عبد العزيز رجلاً من أفذاذ الرجال: ذكاء فطري يصغر أمامه كبار الأذكياء، وفكر نيّر يطوي أفكار العلماء، وقدرة نادرة على سرعة الفهم والقدرة على الإفهام، يدرك مُرادَك قبل أن تُتمّ كلامك، ويلخّص في جُمَل معدودات ما يحتاج إلى محاضرات، شهد روزفلت أنه فهم منه في مجلس واحد عن قضية فلسطين ما لم يفهمه من كبار الساسة في سنين، تواضُع ولِين حين يَحْسُنُ اللين، وشدّة حين لا ينفع إلاّ الشدّة، خبير بنقد الرجال ومعرفة معادنهم .. رحمه الله فلقد كان أحد عباقرة التاريخ.
🎯 مسابقة الدرر لشهر #ربيع_الآخر 1447هـ على موقع الدرر السنية
👈🏻 20 فائزًا لكل فائز 500 ريال
🌍 المشاركة متاحة للجميع.. ومن أي مكان حول العالم
❓ جميع الأسئلة والإجابات من موقع الدرر السنية
📣 شارك ال��ن.. وبلِّغ من تحب
https://t.co/paEosRp6JD
▪️ المسابقة تطلقها مؤسسة الدرر السنية مطلع كل شهر هجري بالشراكة مع أوقاف الشيخ محمد الراجحي @awqaf_alrajhi
#مسابقة مصابيح الهدى .
رمضان 1446هـ
( السؤال الرابع والعشرون )..
الشروط :
- المسابقة مفتوحة لجميع الفئات العمرية.
- الإجابة على أسئلة الأسبوع كامل .
- متابعة حساب الجمعية .
- إعادة نشر التغريدة .
- الإجابات عبر الرابط
https://t.co/zaTvkU0bQX