“Demand not that events should happen as you wish; but wish them to happen as they do happen, and you will go on well.” Epictetus, Enchiridion aka The Manual, 8
Beliefs:
Action comes first motivation is the result.
Good conversations come from genuine curiosity.
Always consistency in any shape and form not productivity.
Thoughtful gestures without asking for it speaks the language of heard and seen.
I just discovered a category in art called Art Brut which means raw art and it was a movement created outside academic art structure and all. I love it.
النَّفْسُ: مَنْ يَقُودُ مَنْ؟ أَنْتَ أَمْ نَفْسُكَ؟
حين يتأمل العبد قول الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، يدرك أنه أمام حقيقةٍ لا تقبل التبسيط: أنت لا تعيش مع نفسك فحسب، بل تعيش في صراعٍ معها. ليست النفس كيانًا محايدًا، ولا طاقةً خاملة، بل قوةٌ داخلك، لها اتجاهان، وتملك قدرةً على الجذب والدفع، حتى ليبدو أحيانًا أنك تُقاد بها، لا أنك تقودها.
فالقرآن لا يصوّر النفس تصويرًا واحدًا، بل يكشف عن وجوهها المتعددة: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾، وهذا وصفٌ لطبيعتها إذا تُركت، تميل إلى ما يوافق الهوى، ويقرب من العاجل، ولو كان فيه هلاكها. وفي موضعٍ آخر: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، وهي التي تعاتب صاحبها وتراجعه، فلا تستقر على المعصية دون مقاومة. ثم يرتقي الخطاب إلى مقامٍ أعلى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، حيث تستقر النفس على الطاعة، وتسكن إلى أمر الله، فلا تعود ساحة صراع، بل موطن سكون.
هذا التعدد ليس تناقضًا، بل مراحل؛ فالنفس واحدة، لكنها تتحول بحسب ما يغلب عليها: فإن غلب عليها الهوى صارت أمّارة، وإن غلب عليها الوعي صارت لوّامة، وإن استقر فيها الإيمان صارت مطمئنة. وهنا يظهر السؤال الحقيقي: من الذي يحدد هذا التحول؟ هل النفس تفرض عليك مسارها، أم أنك تملك توجيهها؟
يأتي الجواب في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، فالفعل نُسب إليك: زكّاها، أي أنك تملك العمل عليها، تربيةً وتهذيبًا وتوجيها. لكن في موضعٍ آخر يقول سبحانه: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾، فدلّ على أن التزكية لا تتم بقوتك وحدك، بل بتوفيق الله. فاجتمع الأمران: أنت تعمل على نفسك، والله هو الذي يزكّيها. فمن اعتمد على نفسه ضلّ، ومن ترك العمل بحجة أن التزكية من الله ضيّع، ومن جمع بينهما فقد أصاب الطريق.
وتأتي السنة لتكشف عمق هذا الصراع الداخلي، ففي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» (رواه مسلم)، فدلّ على أن ما تميل إليه النفس بطبعها قد يقودها إلى الهلاك، وأن ما تثقل به قد يكون طريق نجاتها. وقال ﷺ: «الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ» (رواه الترمذي وصححه)، فسمّى مقاومة النفس جهادًا، بل جعله معيارًا حقيقيًا للقوة، لا مجرد غلبة الآخرين.
وفي دعائه ﷺ: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا» (رواه مسلم)، اعترافٌ صريح بأن النفس لا تستقيم بذاتها، وأن صاحبها مهما اجتهد يبقى محتاجًا إلى إعانة الله في إصلاحها. فهذا الدعاء يجمع بين العمل والافتقار: تعمل على نفسك، وتعلم أن صلاحها ليس بيدك وحدك.
فإذا جمعت هذه النصوص، تبيّن لك أن النفس ليست قائدًا مطلقًا، ولا تابعًا عاجزًا، بل هي قوة قابلة للتوجيه؛ إن تركتها قادتك، وإن قمت عليها قُدتها. لكنها لا تُقاد بالقهر المجرد، بل بالعلم، والمجاهدة، والتدرّج، والاستعانة بالله. فليست المسألة أن “تكسر” نفسك مرة واحدة، بل أن تعيد تشكيلها حتى تميل إلى ما كانت تنفر منه، وتستثقل ما كانت تميل إليه.
وهنا يقع الخطأ الشائع: أن يظن الإنسان أنه إذا شعر بميلٍ إلى المعصية فقد فسد، أو إذا ثقل عليه الطاعة فقد فشل. وهذا فهمٌ قاصر؛ لأن وجود الصراع هو الأصل، وغيابه الكامل ليس من طبيعة البشر في بداية الطريق. بل إن علامة الحياة القلبية أن تشعر بالمخالفة، وأن تحاسب نفسك، وأن تقوم بعد السقوط. فالمشكلة ليست أن تميل النفس، بل أن تُسلَّم لها القيادة.
وعلى هذا، فإن السؤال: “من يقود من؟” لا يُجاب عنه بإطلاق، بل بحسب حالك:
إن تركت نفسك لهواها، فهي التي تقودك، وتسوقك حيث تشاء.
وإن قمت عليها بالتزكية والمجاهدة، فأنت الذي تقودها، لكنها لا تستقيم لك إلا بإعانة الله.
فأنت في الحقيقة تعيش بين قوتين: نفسٍ تميل، وربٍّ يهدي، وبينهما يقع اختيارك، ويتحدد مسارك.
فإن أردت أن تعرف موقعك الحقيقي، فانظر: حين تُدعى إلى طاعة، من الذي ينتصر؟ وحين تُعرض عليك معصية، من الذي يقود القرار؟ هناك تُعرف الإجابة، لا في التنظير، بل في الموقف.
د. غازي حمّاد العبّاد