رحمك الله يا أبي ♥︎
الدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله
عندما يعود الأولاد من المدرسة ينحنون نحو اليسار إلى المطبخ بحثاً عن أمهم، ولا ينحنون إلى اليمين حيث مكتبي بحثاً عني، رغم أن مكتبي على بعد خطوات من المطبخ...
لا أتوقف كثيراً حول هذا « التطنيش » ، أحياناً أسمع أمهم تقول لهم :
سلمتوا على أبوكم ؟ .. روحوا سلموا
بين هذا الطلب وتنفيذه يستغرق الأمر من ربع إلى نصف ساعة
ولا أتوقف كثيراً حول هذا « التطنيش » أيضاً
فالدنيا زحمة، والطرق المؤدية من المطبخ إلى غرفتي تشهد ازدحاماً مرورياً كبيراً، وقد يستغرق منهم الوصول إلي وقتاً أطول..
في نهاية المطاف يصلون نحوي فرادی و سلام وتحية باردة !!الاسبوع الماضي، وفور وصول أكبر الأبناء، خرجت بالصدفة من مكتبي فوجدته يقف في المطبخ يهم بمناولة « الست الوالدة » شيئاً ما، وعندما رآني تراجع وأخفاه خلف ظهره، فأكملت طريقي دون انتباه
وعند العودة ضبطته وهو يضع بفمها قالب شوكولاتة فاخراً قد اشتراه لها من مصروفه وعندما رآني خجل مني ولم يعرف كيف يتدارك الموقف !!
ثم بعد ثوان حاول أن يخرج من جيب بنطاله الجينز » قطعة حلوى « كرملة » كانت ملتصقة في قعر الجيب بالكاد أخرجها، وعليها بعض قطع مناديل الورق محاولاً إهدائي إياها فشكرته !!
أنا لا أتوقف كثيراً حول هذا التمييز العنصري ..
صحيح أن الشوكولاتة التي اشتراها لأمه لذيذة جداً, لكنني لا أنزعج من ميلهم كل الميل نحو أمهم، فقد كنا مثلهم وأكثر !!رغم كد الأب وسفر الأب وتعب الأب وحنان الأب، إلا أن الجنوح.. يكون نحو الأم، وهذه طبيعة فطرية لا نتحكم فيها !
الغريب أن الأولاد لا يكتشفون حبهم الجارف لآبائهم إلا متأخراً، إما بعد الرحيل، وإما بعد المرض وفقدان الشهية للحياة !!...
وهذا حب متأخر كثيراً حسب توقيت الأبوة
الآن كلما تهت في قرار، أو ضاقت علي الحياة، أو ترددت في حسم مسألة
تنهدت وقلت : "أين أنت يا أبي"
#أحمد_خالد_توفيق
الرحمة في الزواج
الكون لم يُبنَ على الصراع، بل على الرحمة،
والإنسان لم يُستخلف بالقوة، بل باللطف،
والعلاقات لم تُشرّع للهيمنة، بل للسكن.
ومن هذا المعنى العميق نفهم لماذا قال الله تعالى عن الزواج:
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
أي أن الرحمة ليست مجرد نتيجة مهارة نفسية أو نضج عاطفي،
بل عطية إلهية مودَعة في مقام الزوجية، تُمنح مع العقد، لكنها لا تعمل إلا بالوعي والمسؤولية.
الحب قد يولد من الانجذاب،
وقد يضعف مع الخلاف،
وقد يتبدل مع التغير.
أما الرحمة، فهي أعمق من ذلك كله؛
هي وعيٌ بضعف الآخر،
وصبرٌ على نقصه،
واختيارٌ أخلاقي لاحتضانه لا لمحاكمته.
ولهذا كانت الرحمة أرقى من الحب،
وأثبت من العاطفة،
وأعمق من مجرد التفاهم.
الرحمة مقام أخلاقي
فالزوج الرحيم لا يقول: أنا محق،
بل يقول: العلاقة أولى من حقي.
وهذا انتقال جوهري:
من منطق النفس،
إلى منطق المقام.
العدل يحفظ الحقوق،
لكن الرحمة تحفظ القلوب،
والزواج لا يستقر بالعدل وحده،
بل يحتاج إلى الفضل،
والفضل هو لغة الرحمة.
الرحمة الزوجية لا تتوقف عند حدود الزوجين..
تبدأ رحمة زوجية تحفظ السكن وتمنع التوحش العاطفي،
ثم تتحول إلى رحمة والدية تُنشئ أبناءً آمنين نفسيًا،
ثم تمتد إلى رحمة اجتماعية تُنتج مجتمعًا أقل قسوة وأكثر إنسانية.
فالمجتمع ليس إلا انعكاسًا مكبّرًا لما يجري داخل البيوت.
القرآن لم يحصر الرحمة في استمرار العلاقة فقط،
بل وسّع معناها لتشمل جميع مراحلها:
﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾
أي إمساك بغير إذلال،
وصبر بغير منّة،
وستر بغير تشهير.
﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾
حتى الفراق – إن وقع – لا يُنزَع عنه خُلُق الرحمة.
فالرحمة قيمة أعلى من الغضب،
وأسمى من الانتقام،
وأبقى من الجراح.
لماذا تفشل الرحمة أحيانًا؟
القرآن يقرر حقيقة دقيقة:
الرحمة تُمنح، لكنها لا تعمل تلقائيًا.
هي كالبذرة:
الله يزرعها،
لكن الإنسان مسؤول عن سقيها أو إهمالها.
ولهذا فشل كثير من الزيجات
ليس لأن الرحمة غابت،
بل لأن الزوجين لم يدخلا مقامها،
وبقيا أسرى السلوك، والأنانية، والمحاسبة.
من رحم زوجه فقد أطاع الله في بيته،
ومن قسا عليه فقد خالف مقصد الرحمة،
ولو تزيّنت القسوة بالتبرير.
فالرحمة في البيت عبادة صامتة،
والقسوة فيه معصية خفية.
ارحم تُرحم… وابدأ بأهل بيتك.
ومن وعى الرحمة في جوهرها،
أدرك حتى أن للألم وظيفة رحيمة وإن خفي وجهها.
من بلغ فهم الرحمة،
لم يعد يرى الألم نقيضًا لها،
بل أحد وجوهها الخفية في التزكية والنضج.
هنيئًا لمن دخل الزواج لا ليأخذ، بل ليَرحم ويُرحم.
هنيئًا لمن فهم أن الرحمة ليست ضعفًا، بل نضجًا.
وأن أعظم نجاح في الزواج
ليس الاستمرار فقط،
بل الارتقاء في مقام الرحمة.
فالبيت الذي تُفتح فيه أبواب الرحمة،
تُفتح لصاحبه أبواب التوفيق من الله.