أكثر من جريمة.. أقل من عدالة
رأي - محمد محمود هرشو
ليست قضية رانيا العباسي وأطفالها الستة خبراً عادياً، ولا تفصيلاً جديداً في أرشيف طويل من الألم السوري. إخفاء أم مع أطفالها، ثم بقاء مصيرهم مجهولاً لسنوات، قبل أن يخرج الحديث عن قتلهم بهذه الوحشية، هو جريمة مهولة ومرعبة بكل معنى الكلمة. جريمة تكفي وحدها لتذكير السوريين بما أنتجه نظام الأسد من خوف وإذلال وسحق للناس داخل منظومته الأمنية.
لكن السؤال الأخطر اليوم: ماذا نفعل بهذا الألم؟
هل نحوله إلى بداية لمسار عدالة حقيقي، أم نتركه يتحول إلى ترند جديد، يصرخ فيه الجميع أياماً، ثم ينصرفون إلى ضجة أخرى، تاركين الضحايا مرة ثانية في العتمة؟
ما يحدث على وسائل التواصل يثير الخوف بقدر ما يثير الحزن. فبدلاً من أن تكون الجريمة دافعاً للمطالبة بتحقيق شفاف، وحفظ الأدلة، وكشف مصير بقية المفقودين، وبناء ملفات قانونية تطال كل المتورطين، يظهر قطيع من الغاضبين لا يبحث عن العدالة بقدر ما يبحث عن الانتقام. تتصاعد الدعوات للعقاب الجماعي، وللثأر من عائلة المجرم أو بي��ته، وتعود اللغة الطائفية كأنها الحل الوحيد أمام بلد أرهقته الطائفية والسلاح والدم.
وهنا تحديداً يجب أن نتوقف.
العدالة لا تعني أن نقلل من هول الجريمة، ولا أن نطلب من أهل الضحايا الصمت أو الغفران. العدالة تعني أن نمنع تحويل الجريمة إلى ذريعة لجريمة أخرى. أن نقول بوضوح إن أمجد يوسف، وكل من شارك أو أمر أو غطى أو تستر، يجب أن يحاسبوا بأشد ما يسمح به القانون، لكن من دون أن ننزلق إلى منطق الأسد نفسه باعتماد العقاب الجماعي.
هذا هو الفارق بين العدالة والثأر.
لقد ارتكب نظام الأسد جرائم واسعة وموثقة: الاعتقال التعسفي، الإخفاء القسري، التعذيب، الإعدامات، والحصار والقصف. هذه ليست مبالغات ولا شعارات، بل وقائع يعرفها السوريون جيداً وتعرفها منظمات حقوقية دولية. لذلك، من العبث أن يتعامل بعض الجمهور مع كل جريمة جديدة كأنها اكتشاف. المشكلة ليست في الصدمة الإنسانية، ��هي مفهومة ومشروعة، بل في ذاكرة ترندية تمسح ما قبلها مع كل ضجة جديدة.
بالأمس كان الناس يتحدثون عن فيضانات الرقة ودير الزور، وعن غياب الإدارة والاستجابة، وعن خسائر الأهالي ومواسمهم وبيوتهم. وقبلها عن المختطفات و"بيت الأخوات". واليوم اختفى ذلك كله تقريباً تحت موجة جديدة.
ليست المشكلة أن قضية رانيا العباسي طغت على غيرها، فهي تستحق أن تكون قضية رأي عام. المشكلة أن السلطة والسوشال ميديا معاً يجيدان تحويل الألم إلى موجات متقطعة: نغضب هنا، ننسى هناك، ثم نمشي إلى العاصفة التالية.
وفي هذا الفراغ، تضيع الأسئلة الأساسية: أين خطة العدالة الانتقالية؟ أين آلية كشف مصير المفقودين؟ كيف يُدار أرشيف الأجهزة الأمنية؟ من يضمن عدم العبث بالأدلة أو استخدامها انتقائياً؟ ولماذا لا يوجد مسار واضح يطمئن السوريين أن الجرائم كلها، لا الجريمة التي تصبح ترنداً فقط، ستجد طريقها إلى المحاسبة؟
إن جريمة رانيا العباسي وأطفالها يجب أن تكون باباً لا خاتمة. باباً لمحاسبة مجرمي التضامن، ومجرمي الأفرع، ومجرمي السجون، وكل من تورط في قتل السوريين أو إخفائهم أو تعذيبهم. كما يجب أن تكون باباً لمحاسبة أي انتهاكات جديدة، أياً كان مرتكبوها، لأن العدالة التي تبدأ من الضحية وتنتهي عند هوية الجاني ليست عدالة، بل انتقام مؤجل.
سوريا لا تحتاج إلى موجة غضب جديدة فقط. تحتاج إلى ذاكرة لا تنطفئ مع تغيّر الترند، وإلى قانون لا ينتقي ضحاياه، وإلى مسار واضح يمنع تكرار الجريمة بدل إعادة إنتاجها بلغة مختلفة.
أما أن نحول كل وجع إلى وقود للكراهية، فذلك لا ينصف رانيا العباسي ولا أطفالها. بل يدفنهم مرة أخرى، في بلد ما زال يتعلم بصعوبة كيف يخرج من حلقة الدم.
كان عيداً سعيداً ب"أنت مطلوب لفرع الجرائم الالكترونية"..
يؤسفني تكرار نفس العبارات التي اعتادت السلطات السابقة سماعها مني : لن يخافكم من يتأمل كفنه يومياً ويقول ربي كما رزقتني جمال وستر دار الفناء أكملها معي يوم لبس ثوب البقاء.
لن يخافكم طموحاً وكأن الدنيا له، وقنوعاً كأن الآخرة على بابه.
لا أستطيع احترام سلطات سارعت إلى بناء الأجهزة الأمنية قبل المنظومة التعليمية، وصناديق سيادية قبل وضوح الحالة الاق��صادية، وإلى بنية سلطوية قبيل التحفيز على الحالة السياسية الصحية..
ولا أستطيع بالتالي احترام سلطة تخاف نقد مواطنيها وصرخاتهم ورأيهم..
ولا احترم بالتأكيد سلطة بدأت حيث ما انتهى من كان كابوساً للسوريين .
الغرق في زمن "الوصاية"
محمد محمود هرشو
في الرقة ودير الزور، لا يخاف الناس من النهر عادة.
الفرات بالنسبة لأبناء الجزيرة ليس مجرد ماء، بل جزء من الذاكر�� نفسها. هناك من تعلم السباحة فيه، ومن عاش على ضفافه، ومن كان يعرف مواسمه كما يعرف ملامح بيته. حتى غضبه كان مألوفاً، وحتى ارتفاعه كان يحدث ضمن إيقاع يعرفه الناس ويحفظونه جيلاً بعد جيل.
لهذا بدا المشهد صادماً هذه المرة.
الماء لم يأتِ كفيضان طبيعي، ولا كموسم معروف، بل كشيء يشبه الاقتحام المفاجئ. دخل إلى البيوت والأراضي والطرقات كأن أحداً قرر فجأة أن يذكّر السوريين بحقيقة قاسية: حتى النهر الذي عبر بلادهم لآلاف السنين، لم يعد لديهم أي تحكم أو قرار أو توقعات حوله.
كل المؤشرات المتداولة حتى الآن تقول إن ما جرى مرتبط بفتح بوابات السدود التركية من دون تنس��ق حقيقي أو إنذار جدي يسمح بحماية الناس وتقليل الخسائر. وربما لهذا السبب تحديداً بدا الغضب في الشرق السوري مختلفاً هذه المرة. لم يكن غضباً من الطبيعة، بل من شعور أعمق بكثير: شعور الناس بأنهم متروكون تماماً، وأن حياتهم يمكن أن تُغرق بقرار يُتخذ خلف حدود لا يملكون أي تأثير عليها.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بالمياه، بل بطريقة نظر كاملة إلى سوريا.
تركيا لا تعتبر الفرات نهراً دولياً أصلاً، بل "مياهاً عابرة للحدود" ، أي مورداً تتحكم به وفق أولوياتها ومصالحها. وهذه ليست مجرد خلافات قانونية أو تقنية، بل ترجمة سياسية لفكرة أوسع: سوريا الضعيفة، المفككة، المنشغلة بنفسها، والتي لم تعد تُعامل كدولة قادرة على فرض توازن أو حماية حقوقها.
وربما تكمن المأساة الأكبر في أن السوريين أنفسهم باتوا يشعرون بذلك في تفاصيل حياتهم اليومية. فحين تغرق القرى، لا يسمعون خطاب دولة غاضبة تطالب بتفسير ومحاسبة وتعويضات، بل يسمعون صمتاً مرتبكاً، أو لغة خجولة تحاول تجنب أي صدام مع "الشقيقة" التي يُفترض أنها الحليف الأقرب للسلطات الجديدة في دمشق.
لكن العلاقات بين الدول لا تُقاس بالخطب ولا بالشعارات السياسية الفارغة، بل بلحظة الاختبار. وحين يصبح بإمكان دولة أن تفتح سدودها بطريقة تؤدي إلى إغراق قرى وأراضٍ في دولة أخرى من دون خوف من تبعات سياسية حقيقية، فهذه ليست "علاقة استراتيجية" ، بل علاقة مختلة بالكامل بين طرف قوي وطرف يعرف الجميع أنه عاجز عن الفعل .
المؤلم أيضاً أن الكارثة وقعت في أكثر المناطق السورية إنهاكاً وتهميشاً. الرقة ودير الزور لم تخرجا فعلياً من الحرب أصلاً. هناك مدن ما تزال مدمرة، وقرى تعيش عل�� حافة الفقر، ومزارعون ينتظرون الموسم الزراعي كما لو أنه فرصة النجاة الأخيرة. ثم يأتي الماء ليأخذ المحاصيل والبيوت معاً، لا لأن الطبيعة غضبت، بل لأن السياسة فعلت.
وفي مكان طبيعي، كان يفترض أن تبدأ الأسئلة فوراً: من نسّق؟
متى فُتحت السدود؟
هل كان هناك إنذار؟
من يعوض الناس؟
ومن يتحمل ��لمسؤولية؟
لكن سوريا اليوم ليست بلداً طبيعياً.
هي بلد فقد تدريجياً القدرة على حماية
حدوده، اقتصاده، قراره، وحتى نهره.
ولهذا تبدو الكارثة أكبر من مجرد غرق أراضٍ.
إنها لحظة تكشف كيف يمكن لبلد كامل أن يتحول إلى جغرافيا تتلقى النتائج فقط، بينما تُصنع القرارات في أماكن أخرى.
فالبلدان حين تضعف وتتشظى فيما تتنشغل سلطتها بصراعاتها الداخلية وخطابها التعبوي، لا تخسر السياسة وحدها، بل تخسر حتى حقها في أن يكون النهر الذي يمر فيها.. نهراً لها.
"تغيير" بلا تغيير في حكومة "الروتيشن"
رأي - محمد محمود هرشو
لعله ليس من المبالغة القول إن "التغيير الحكومي" الأخير يشبه أكثر ما يشبه، تبديل مقاعد الركاب في حافلة تحترق: الدخان نفسه، السائق نفسه، الطريق نفسه، لكن ال��لطة تصرّ على إقناع الناس بأن "الإصلاح" قد بدأ لأن راكباً انتقل من مقعد قرب الشباك إلى آخر قرب الممر!
كل هذا الضجيج، والتسريبات، وأحاديث "التعديل الكبير"، انتهى إلى تغيير وزيرين وبعض المحافظين، وكأن البلاد تعيش حالة استقرار إداري طبيعي، لا انهياراً اقتصادياً وأمنياً ومعيشياً يلتهم السوريين كل يوم. وكأن المشكلة كانت حقاً في وزير الزراعة، لا في بنية سلطة كاملة تدير الدولة بعقلية الفصيل والغنيمة والولاء.
السلطة التي تركت السوريين يغرقون في العتمة والجوع والبطالة وانهيار الليرة والأمن، قررت أخيراً أن تتحرك.. لتبدّل وزيري الإعلام والزراعة.
يا للعبقرية..
حتى هذا "التغيير" لم يحمل أي معنى سياسي أو إداري حقيقي. لا مراجعة لملفات الطاقة والاقتصاد والاتصالات والمعيشة. لا محاسبة على الفشل الأمني. لا اعتراف بحالة الفوضى والفصائلية داخل مؤسسات الدولة. فقط عملية "روتيشن" تشبه تماماً أساليب البعث التي ظلّ هؤلاء يشتمونها سنوات طويلة قبل أن يعيدوا إنتاجها بحماسة منقطعة النظير.
أما وزير الإعلام الجديد خالد زعرور، فقصته وحدها تكفي لفهم طبيعة المرحلة. الرجل الذي صعد سابقاً بباراشوت السلطة إلى عمادة كلية الإعلام، متجاوزاً القوانين والأعراف الأكاديمية، يُقدَّم اليوم بوصفه رجل المرحلة لإدارة أكثر الوزارات حساسية في بلد محطم ومنقسم ومثقل بالكراهية والتحريض.
والأطرف أن السلطة تتعامل مع الأمر وكأن السوريين لا يعرفون شيئاً عن تاريخ الرجل وخطابه.
فيديوهاته المنتشرة، وحديثه عن "الدياثة" والمثلية واعتباره أن "الإرهاب" ليس بالضرورة مفهوماً سلبياً، ليست مجرد زلات لسان عابرة، بل تعب��ر واضح عن الذهنية التي تريد السلطة تكريسها داخل الإعلام السوري: خطاب تعبوي، ديني، إقصائي، يرى المجتمع ساحة فرز أخلاقي وعقائدي، لا فضاءً وطنياً عاماً.
هكذا، بعد سنوات من إعلام الأسد الأمني الرديء، يُطلب من السوريين الاحتفال بولادة نسخة أخرى أكثر وعظيه وأكثر فصائلية، لكن مع لحية مختلفة و��عارات جديدة.
والأكثر سخرية أن السلطة تحاول تسويق هذه الحركة المحدودة بوصفها "إصلاحاً".
أي إصلاح هذا الذي لا يقترب من الملفات التي تخنق الناس فعلاً؟ أي إصلاح لا يمس منظومة الأمن، ولا الفساد، ولا اقتصاد الحرب، ولا سطوة الفصائل، ولا انهيار الخدمات؟ أي إصلاح يبدأ بتوزيع المناصب على الدائرة الضيقة نفسها ثم يطلب من الناس التصفيق؟
الحقيقة أن ما جرى ليس تعديلاً حكومياً، بل إعادة توضيب داخلية لسلطة تريد تثبيت شبكتها الخاصة داخل الدولة. تبديل طرابيش، وتوسيع حصص، وترتيب مواقع نفوذ، لا أكثر.
المشكلة الأعمق ليست في وزير هنا أو محافظ هناك، بل في العقلية التي تع��قد أن السوريين يمكن خداعهم بهذه المسرحيات الرخيصة. عقلية تتصرف وكأن الشعب مجرد جمهور منهك سيقتنع بأي حركة شكلية، حتى لو كان الجوع كما هو، والخوف كما هو، والانهيار كما هو..
هذا غير ممكن اليوم. لقد خبر السوريون طويلا سياسة "تبديل الطرابيش" التي أتقنها الأسد الهارب من قبل ولم تعد تنطلي عليهم.
في النهاية، لا يمكن لسلطة قامت على منطق الجماعة المغلقة أن تبني ��ولة. ولا لذهنية الفصيل أن تنتج حكومة وطنية.
وما دام معيار التعيين هو الولاء والتشابه العقائدي، لا الكفاءة والرؤية، فإن كل "تغيير" سيبقى مجرد نسخة رديئة من تدوير الأسد القديم.. ليس أكثر، ونتائجه كارثية بلا أدنى شك.
6 أيار.. اغتيال الذاكرة
رأي - محمد محمود هرشو
اليوم.. في السادس من أيار لعام 2026، تستيقظ سوريا على أول عيد للشهداء بعد قرار إلغائه من قائمة العطل الرسمية.
يمرّ اليوم هذه المرة بلا عطلة، بلا مراسم رسمية، بلا خطابات دولة، وكأن السلطة أرادت أن يمر بصمت، أن يتحول من مناسبة وطنية جامعة إلى يوم عادي في روزنامة مزدحمة بالخوف والانقسام والتعب.
لكن بعض الأيام لا تحتاج إلى مرسوم كي تبقى حيّة..
في دمشق وبيروت، لم تكن مشانق السادس من أيار مجرد حادثة إعدام نفذها جمال باشا السفاح بح�� مجموعة من المثقفين والسياسيين السوريين واللبنانيين عام 1916، بل لحظة ولادة معنوية لفكرة كاملة؛ فكرة أن لهذه البلاد شعباً يستحق الحرية، وأن الكلمة قد تكون أخطر من البندقية، وأن الصحافة والثقافة والعمل السياسي يمكن أن تتحول إلى تهمة تستحق الموت.
لهذا لم يكن عيد الشهداء يوماً عادياً في الوعي السوري. كان مناسبة يتذكر فيها السوريون، على اختلاف انقساماتهم، أن البلاد لم تولد من حزب ولا من سلطة ولا من انقلاب، بل من تراكم طويل من الألم والرغبة بالخلاص.
وحين قررت السلطة العام الماضي إلغاء المناسبة من قائمة الأعياد الرسمية، لم يشعر كثيرون أنها حذفت مجرد عطلة، بل أنها تحاول بهدوء إعادة ترتيب الذاكرة الوطنية نفسها؛ من يجب أن يبقى في الصورة، ومن ينبغي دفعه إلى الهامش، وأي تاريخ يصلح لسوريا الجديدة، وأي تاريخ أصبح عبئاً سياسياً ينبغي التخلص منه.
المشكلة في القرار ليست قانونية ولا إدارية. المشكلة أن السلطة تعاملت مع واحدة من أكثر المناسبات حساسية في التاريخ السوري كما لو أنها تفصيل بروتوكولي يمكن شطبه بمرسوم. وكأن الشهداء الذين علقت أجساد��م في ساحة المرجة صاروا فجأة أقل استحقاقاً للذاكرة من مناسبات سياسية مستحدثة مرتبطة بالسلطة الحالية وروايتها الخاصة.
الأكثر قسوة أن هذا الإلغاء جاء في لحظة يعيش فيها السوريون أصلاً أزمة هوية عميقة. بلد محطم، ملايين المهجرين، ذاكرة مثقلة بالمجازر والسجون والانقسامات، ثم تأتي السلطة لتقول عملياً إن حتى الذاكرة المشتركة القديمة لم تعد ضرورية.
لهذا بدا القرار للكثيرين وكأنه محاولة لصناعة وطن جديد بذاكرة منتقاة بعناية، ذاكرة لا تزعج الحساسيات الإقليمية الجديدة، ولا تقترب كثيراً من الإرث العثماني، ولا تحتفظ برموز يصعب تطويعها داخل السردية السياسية الراه��ة.
وربما هنا تكمن المأساة الحقيقية.. فالسلطات الواثقة من نفسها لا تخاف من الذاكرة، ولا تحتاج إلى إعادة هندسة الموتى. أما الأنظمة القلقة، فتبدأ دائماً بمحاولة السيطرة على التاريخ، لأنها تعرف أن من يملك الرواية يملك جزءاً من المستقبل.
لكن ما يبدو أن السلطة لم تدركه أن عيد الشهداء لم يكن ملكاً للحكومات أصلاً. لم يصنعه مرسوم، ولن ينهيه مرسوم. صنعته أمهات انتظرن أبناءهن تحت المشانق، ومدن حفظت أسماء شهدائها، وأجيال كبرت وهي تسمع أن الحرية في هذه البلاد لم تكن هدية، بل كلفة دُفعت بالدم.
اليوم، في أول 6 أيار بعد إلغاء العيد رسمياً، قد تبدو الساحات أكثر صمتاً، وقد تغيب الاحتفالات الرسمية، لكن ذلك لا يغير الحقيقة الأساسية: حين تضطر سلطة إلى محاربة ذكرى عمرها أكثر من قرن، فهذا لا يكشف قوة مشروعها، بل خوفها من ذاكرة لا تستطيع إخضاعها.
صور رسمية في القصر الجمهوري، حديث عن فرص استثمارية وتسهيلات، إشارات إلى اهتمام خارجي، وربما توقيع بالأحرف الأولى، ثم ينتهي كل شيء. لا مشاريع تُطلق، ولا استثمارات تتحول إلى واقع، ولا اقتصاد يلتقط أنفاسه.
في أي مكان آخر، كان يمكن تفسير هذا التباين بأنه تأخير طبيعي في التنفيذ، لكن في الحالة السورية، المشكلة أعمق من ذلك بكثير كما أعتقد. الاستثمار لا يب��أ من "الفرصة"، بل من تقييم المخاطر، وهذه هي النقطة التي تتعثر عندها كل هذه اللقاءات.
لقراءة أكثر اضغط على الرابط👇
https://t.co/rCL4tgG2jA
الدروس المستفادة من تجارب الدول في ظل الحرب وما بعدها:
- الولايات المتحدة: الهيمنة لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بشراكات حقيقية قادرة على الاستمرار.
- إيران: السياسة تحتاج إلى عقل بارد، وقوة ردع محسوبة، وثبات في إدارة الأزمات.
- باكستان: قراءة اللحظة المناسبة قد تكون أحيانًا أهم من امتلاك القوة نفسها.
- الإمارات: الأمن الوطني ليس فقط منظومة أمنية، بل حالة اجتماعية تُبنى بالثقة لا بالخوف.
- السعودية: العلاقة مع القوى الكبرى تُحكم بالمصالح، لا بالعواطف، ولا بضمانات دائمة للشراكة.
- سوريا: في لعبة الأمم، هناك لاعبون حقيقيون وآخرون يدورون في فلكهم؛ ومن لا يدخل اللعبة مبكرًا كفاعل، يصعب عليه تغيير موقعه لاحقًا.
- إسرائيل: توظيف الدين في الصراعات السياسية قد يمنح مكاسب مؤقتة، لكنه يهدد بخسارة المعنى الديني ويعمّق كلفة الصراع.
- الصين: الصمت المدروس أداة قوة؛ يربك الخصم ويدفعه أحيانًا إلى ارتكاب أخطاء إضافية.
- روسيا: الجغرافيا تظل عنصرًا حاسمًا في صياغة الاستراتيجية، خصوصًا ما يتعلق بالوصول إلى البحار الدافئة.
الدروس المستفادة من تجارب الدول في ظل الحرب وما بعدها:
- الولايات المتحدة: الهيمنة لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بشراكات حقيقية قادرة على الاستمرار.
- إيران: السياسة تحتاج إلى عقل بارد، وقوة ردع محسوبة، وثبات في إدارة الأزمات.
- باكستان: قراءة اللحظة المناسبة قد تكون أحيانًا أهم من امتلاك القوة نفسها.
- الإمارات: الأمن الوطني ليس فقط منظومة أمنية، بل حالة اجتماعية تُبنى بالثقة لا بالخوف.
- السعودية: العلاقة مع القوى الكبرى تُحكم بالمصالح، لا بالعواطف، ولا بضمانات دائمة للشراكة.
- سوريا: في لعبة الأمم، هناك لاعبون حقيقيون وآخرون يدورون في فلكهم؛ ومن لا يدخل اللعبة مبكرًا كفاعل، يصعب عليه تغيير موقعه لاحقًا.
- إسرائيل: توظيف الدين في الصراعات السياسية قد يمنح مكاسب مؤقتة، لكنه يهدد بخسارة المعنى الديني ويعمّق كلفة الصراع.
- الصين: الصمت المدروس أداة قوة؛ يربك الخصم ويدفعه أحيانًا إلى ارتكاب أخطاء إضافية.
- روسيا: الجغرافيا تظل عنصرًا حاسمًا في صياغة الاستراتيجية، خصوصًا ما يتعلق بالوصول إلى البحار الدافئة.
الدروس المستفادة من تجارب الدول في ظل الحرب وما بعدها:
- الولايات المتحدة: الهيمنة لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بشراكات حقيقية قادرة على الاستمرار.
- إيران: السياسة تحتاج إلى عقل بارد، وقوة ردع محسوبة، وثبات في إدارة الأزمات.
- باكستان: قراءة اللحظة المناسبة قد تكون أحيانًا أهم من امتلاك القوة نفسها.
- الإمارات: الأمن الوطني ليس فقط منظومة أمنية، بل حالة اجتماعية تُبنى بالثقة لا بالخوف.
- السعودية: العلاقة مع القوى الكبرى تُحكم بالمصالح، لا بالعواطف، ولا بضمانات دائمة للشراكة.
- سوريا: في لعبة الأمم، هناك لاعبون حقيقيون وآخرون يدورون في فلكهم؛ ومن لا يدخل اللعبة مبكرًا كفاعل، يصعب عليه تغيير موقعه لاحقًا.
- إسرائيل: توظيف الدين في الصراعات السياسية قد يمنح مكاسب مؤقتة، لكنه يهدد بخسارة المعنى الديني ويعمّق كلفة الصراع.
- الصين: الصمت المدروس أداة قوة؛ يربك الخصم ويدفعه أحيانًا إلى ارتكاب أخطاء إضافية.
- روسيا: الجغرافيا تظل عنصرًا حاسمًا في صياغة الاستراتيجية، خصوصًا ما يتعلق بالوصول إلى البحار الدافئة.
الدروس المستفادة من تجارب الدول في ظل الحرب وما بعدها:
- #الولايات_المتحدة : الهيمنة لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بشراكات حقيقية قادرة على الاستمرار.
- #إيران: السياسة تحتاج إلى عقل بارد، وقوة ردع محسوبة، وثبات في إدارة الأزمات.
- #ب��كستان: قراءة اللحظة المناسبة قد تكون أحيانًا أهم من امتلاك القوة نفسها.
- #الإمارات: الأمن الوطني ليس فقط منظومة أمنية، بل حالة اجتماعية تُبنى بالثقة لا بالخوف.
- #السعودية: العلاقة مع القوى الكبرى تُحكم بالمصالح، لا بالعواطف، ولا بضمانات دائمة للشراكة.
- #سوريا: في لعبة الأمم، هناك لاعبون حقيقيون وآخرون يدورون في فلكهم؛ ومن لا يدخل اللعبة مبكرًا كفاعل، يصعب عليه تغيير موقعه لاحقًا.
- #إسرائيل: توظيف الدين في الصراعات السياسية قد يمنح مكاسب مؤقتة، لكنه يهدد بخسارة المعنى الديني ويعمّق كلفة الصراع.
- #الصين: الصمت المدروس أداة قوة؛ يربك الخصم ويدفعه أحيان��ا إلى ارتكاب أخطاء إضافية.
- #روسيا: الجغرافيا تظل عنصرًا حاسمًا في صياغة الاستراتيجية، خصوصًا ما يتعلق بالوصول إلى البحار الدافئة.
#Israël #مزاحمت_سے_زنجیریں_ٹوٹیں_گی #الحرب_الإسرائيلية_الإيرانية
الإمارات اللي مفكرينها بداية لطريق القدس ..الانسان فيها من المقدسات
• لا فرق بين عربي وأعجمي أو بين أبيض وأسود
• خطبة الجمعة في مساجدها عن ��لتسامح
• خارجيتها كتبت في بيان الاستنكار الإعتداء الحاصل من قبل"الأشقاء السوريين"
• أقام فيها ملايين #السوريين و بقي كُلٌ في مكانته وحجمه الطبيعي دون زيادة لواسطة أو نقصان لاست��لال (أستاذ جامعي - مفكر - طبيب - رجل أعمال - صاحب مهنة - عامل مجتهد ..)
هذه البلد مثل الصبية الحلوة الفاتنة كل حدا ما قدر يمسك "يدها" يقول عنها "ما بتسوى" بس بالحقيقة أنها ما بتبتسم بوجه أحد تفكيره "ذكوري" وعقله محصور بين رجليه
يا من يُفكر بقيادة دولة:
• الدول لا تُبنى بالفزعات بل بالحماية الاجتماعية
• لا تنبى ب (ما لنا علاقة بذلك) تبنى ب أنا مسؤول
• لا تُبنى بالاستنكارات والبيانات ،بل تُبنى بالسيطرة القائمة على العدالة ووقف التحريض.
• لا تُبنى بالأوهام و التريندات والتصوير و CHAT GPT بل تُبنى بالتخطيط والتنفيذ والمراقبة والواقعية والأهم الأهم بالإرادة.
ال��هم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ..
#الامارات_العربية_المتحدة
#سورية
جهاد" على المنابر.. من يدفع الثمن؟
رأي - محمد محمود هرشو
حاولت مر��ين أن أبتلع غضبي. جمعتان متتاليتان وأنا أخرج من المسجد مثقلاً بما سمعت، محاولًا إقناع نفسي بأن الأمر عابر. لكنه ليس عابرًا.. بل سياسة تُدار أمام أعيننا.
في أحد مساجد دمشق الراقية، وقف الخطيب يهلّل لقرار منع الكحول وكأنه فتح تاريخي، ويتحدث عن "تمكين الله" و"طريقنا إلى القدس"، ويحمّل "الكفرة" من ليبراليين وماركسيين ومواقع إلكترونية مسؤولية تأخير النصر. لم أفهم الربط، لكنني فهمت أننا أمام خطاب يعيش خارج الزمن.
قلت: ربما استثناء. في الأسبوع التالي، ذهبت إلى مسجد عُرف بوسطيته. فإذا بالخطيب يتحدث عن" الجهاد" و"الخنازير"، ويكفّر من لم "يغزُ" في حياته. لحظة واح��ة فقط احتجتها لأدرك أن المشكلة ليست في خطيب.. بل في منظومة.
اقتربت من الخطيب بعد الصلاة، سألته ببساطة: كيف نذهب للجهاد في فلسطين الآن؟ ارتبك. قال: "تجهّز.. لكن لا تذهب" . سألته: لماذا؟ أليست الدعوة قائمة؟ أليست المعركة على الأبواب؟ لم يجب. لأن الحقيقة واضحة: ما يُقال على المنابر ليس مشروعًا، بل تحريض بلا مسؤولية.
المفارقة أن عناصر الحواجز في درعا كانوا أكثر عقلانية. أوقفوا شبانًا متحمسين وسألوهم: "كيف ستحررون فلسطين بالشحاطات؟”. سؤال بسيط، لكنه يفضح كل هذا العبث.
المشكلة ليست في الخطباء فقط.. بل في السلطة التي تتركهم.
لدينا سلطة تضيق على كل شيء:
تراقب الإعلام، تكمّم الأفواه، تفرض وصايتها على تفاصيل الحياة اليومية، من لباس الناس إلى مكياج النساء، من شكل العلاقات الاجتماعية إلى ما يُقال ويُكتب. تتدخل في الحياة الشخصية ل��سوريين كأنهم قُصّر، وتتعامل معهم كقطيع يجب توجيهه وضبطه.
لكن حين يصل الأمر إلى المنابر الدينية؟
تختفي هذه "الهيبة" فجأة.
تُترك المساجد لخطاب متشدد، تحريضي، يعبث بعقول الناس، ويدفع الشباب نحو أوهام الموت، دون أي مساءلة أو ضبط. بل ��كثر من ذلك، نشهد مظاهرات في بعض المدن السورية تُرفع فيها شعارات الجهاد، وكأن البلاد على أبواب حرب، في وقت لم نشف بعد من حرب أكلت الأخضر واليابس على مدى 14 عاما.
هنا يصبح السؤال مشروعًا وضروريًا:
ماذا تريد السلطة من ترك المجال أمام هذا الخطاب؟
هل هو تنفيس للغضب؟
أم محاولة لإعادة إنتاج الشرعية عبر الدين؟
أم استخدام متعمد لهذا التحريض لصرف الناس عن أزماتهم الحقيقية؟
أم أنها ببساطة لا تملك السيطرة، وتخفي عجزها خلف هذه الفوضى؟
في كل الحالات، النتيجة واحدة: مجتمع يُدفع نحو التطرف، بينما يُحرم من أبسط حقوقه.
أنا لا أدعو للتخلي عن فلسطين، ولا أبرر الاحتلال وخاصة في جنوب سوريا. لكنني أرفض هذا النفاق. أرفض أن تُقمع الحريات الشخصية باسم "النظام"، بينما يُترك التحريض باسم "الدين". أرفض أن يُمنع شاب من التعبير عن رأيه، بينما يُسمح لخطاب يدفعه للموت.
قلت لشيخ المسجد: الجهاد يبدأ من هنا.. من بناء الإنسان، من إشباع الجائع، من إصلا�� الداخل.
أما أن نواجه العالم ونحن مفككون، فقراء، ومخدوعون بالشعارات، فهذه ليست معركة.. هذه إدارة للانهيار.
السوريون لا يحتاجون خطباء يبيعونهم أوهام "الفتح"، بل دولة تحترم عقولهم.
والأهم: دولة تتوقف عن اللعب بالنار.. قبل أن تحترق بها.
بعد قرار الكنائس إلغاء احتفالات الأعياد والاقتصار على الصلوات ،أقترح على السلطات السورية دعوة الأخوة المسيحيين للاحتفال بأعيادهم المجيدة في ساحات وحرم المساجد "كلها بيوت الله" فيكون عيدنا واحد ودمنا واحد وعدونا واحد..
عملاً بقول رسولنا الكريم "من آذى ذمياً فقد آذاني"
قبل أيام كنت في جلسة نقاش عن بلادي و أحوالها ��و مراجعة لتاريخها الحديث كنت مستمتعاً لدرجة أنني أردت ألا ينتهي الحوار مع شخص موسوعي وموضوعي …لم أستطع تحديد بوصلته السياسية ومواقفه من السلطة الحالية والسابقة ،لأسأله فضولاً عن اسم مدينته فيجيبني أنه من قرية مسيحية في ريف حماه اسمها "السقيلبية" فأجبته مبتسماً : يا رجل أنت من منطقة أهلها طيبين و دائماً مبتسمين و محبين للحياة ،لماذا لا تبدي اي ابتسامة ؟!
كان جوابه أن طبيعة الحديث السياسي يعطي هذه الصبغة على وجه المتحدث "وابتسم طبعا"
تحية للكبير @SeifanSamir ،وأهلي في #السقيلبية الطيبين ،ولعن الله السياسة و خبثها وجفاؤها ..
#سورية
بين باب توما والعباسيين.. تعميق الانقسام في بلد منهك
لا يمكن قراءة المشهد الذي شهدته دمشق مؤخراً، بين اعتصام باب توما واعتصام ساحة العباسيين، بوصفه مجرد تباين طبيعي في الآراء. ما يظهر اليوم يتجاوز ذلك إلى انقسام يتكرّس داخل المجتمع، تدفعه السلطة وتعيد إنتاجه في لحظة يعيش فيها السوريون واحدة من أقسى أزماتهم.
في باب توما، بدا المشهد أقرب إلى صورة لسوريا التي يحلم بها كثيرون: تجمع هادئ، مطالب واضحة بدولة قانون، ورغبة في فضاء عام يتسع للجميع دون إقصاء. خطاب مدني يعبّر عن مجتمع يريد الخروج من دوامة الصراع نحو شكل من الاستقرار القائم على الحقوق.
في المقابل، عكس اعتصام ساحة العباسيين خطاباً مختلفاً تماماً، أكثر حدّة وانغلاقاً، يقوم على تعريف ضيق للمجتمع، ويقدّم تصورات إقصائية لطبيعة الدولة ودورها. هذا التباين لا يبدو عفوياً، بل نتيجة مسار سياسي يتشكل تدريجياً.
المشكلة لا تكمن فقط في وجود هذا الانقسام، بل في الدور الذي تلعبه السلطة في تغذيته. فبدلاً من أن تكون عامل توازن وضامن لوحدة المجال العام، تظهر بوصفها طرفاً يدفع باتجاه ترسيخ الاستقطاب�� سواء عبر قرارات مثيرة للجدل، أو عبر ترك الساحة لخطاب واحد يتمدد دون ضوابط.
قضية الكحول كانت مثالاً كاشفاً لهذا النمط. قرار يمس شريحة واسعة من المجتمع يُطرح بطريقة تثير التوتر، ثم يُترك ليتفاعل في الشارع، قبل أن تعود السلطة لتتموضع كحكم بين أطراف متقابلة. عملياً، يجري خلق الانقسام ثم إدارته، لا احتواؤه.
بهذا المعنى، لا تبدو السلطة خارج المشهد، بل في قلبه. فهي لا تكتفي بالتعامل مع الانقسام، بل تساهم في إنتاجه، عبر إعادة تشكيل المجال العام على أسس متقابلة يسهل التحكم بها.
خطورة هذا المسار لا تتعلق باللحظة الراهنة فقط، بل بما يمكن أن يقود إليه. فالمجتمع السوري، المثقل أصلاً بالأزمات الاقتصادية والانهيار المعيشي وتآكل المؤسسات، لا يحتمل مزيداً من التفكك. ومع ذلك، يتم الدفع به نحو استقطاب يهدد بتحويل الاختلاف إلى انقسام دائم.
التجارب القريبة تظهر أن مثل هذه المسارات تبدأ بخلافات تبدو محدودة، لكنها سرعان ما تتحول إلى بنية مستقرة يصعب تفكيكها. وحين تتداخل مع الفقر والخوف والبحث عن اليقين، تصبح أكثر رسوخاً وتأثيراً.
بين باب توما والعباسيين، لا تدور المسألة حول موقعين، بل حول اتجاهين لمستقبل سوريا. لكن الأخطر أن هذا الاتجاه لا يتشكل فقط بفعل المجتمع، بل بدفع من سلطة تبدو أقرب إلى إدارة الانقسام من منعِه، في بلد لم يعد يحتمل مزيداً من الانقسام.
لا أخفي انبهاري بتفوق القدرات العسكرية لدولة الإمارات العربية المتحدة في مواجهة الهجمة التي بات مؤكداً أنها عبارة عن تحالف قوى عالمية لكسر شوكة هذه الدولة وإن كان ظاهر الحرب غير ذلك.
هو نفس الانبهار الذي عشته قبل سنوات حين كنت واهماً أننا أمام دولة "ترند" تتفاخر بأيامها الذهبية لكنها قد تواجه يوماً ما وتغرق برمالها ،لأجد حين التحاقي بدبلومات عن العمل الحكومي بجامعة حمدان الذكية أنني بتُّ أمام دولة تتحدى حتى نفسها ،وأ�� الدول لا تُبنى بالوهم ،حينها تعلمت منهم ومن خلال البحث في تجارب عدة علم #إدارة_الأزمات الذي لم يمر عليّ حتى في الدراسات العليا ،وتعلمت استشراف المستقبل واطلعت عن كثب على تجارب عملية عاشتها الإدارات الحكومية كانت تخرج من أزماتها أقوى بعد أن تديرها باحترافية عالية ،في نفس الوقت الذي كانت بلادنا بالإضافة الى كثير من الدول التي تغنّت بحضاراتها تُفاجَئ بأصغر أزمة عابرة وتتحول الى كارثة.
زادت قناعتي حين توسعت أعمالي وزاد الاحتكاك بالدوائر الحكومية والاطلاع على تجربة الحوكمة والتعرف الى بعض الأصدقاء الذين يعملون في القطاع العام ،لأجد أن الكثيرين درسوا مراحل ج��معية ودراسات عليا في أهم الجامعات العالمية منذ أكثر من ثلاثين عام!
لم أنسَ جملة قالها زميل مشارك في أحد الدورات القيادية : (نحن نستثمر بالأمن ،كل ما ندفعه في شراء وتطوير المنظومة الأمنية يعود علينا أضعاف من الاستثمارات بسبب حالة الاستقرار التي حققتها الإمارات) طبعاً ككل موقف يمر بي أتمنى نقل التجربة الى بلادي بعد قناعتي بصوابها.
في صباح اليوم لم يخفِ صديقي خلال اتصاله وهو باحث يعمل في #لندن اندهاشه وهو يحاول التأكد من الخبر المتداول عن الإعلام أن #الإمارات تعرضت خلال الأيام القليلة الماضية الى "ألف استهداف جوي" مؤكداً أن عدد الغارات قادر على مسح أي دولة بهذا الحجم ويدور النقاش حول تفوق هذه الدولة في إدارة الأزمة الحالية وماهية التصدي عسكرياً وإعلامياً واجتماعياً و حتى على صعيد الأمن الغذائي..
لا أحد ينكر أن الدول لا تصمد أو تسقط عسكرياً فقط بل هناك جوانب داعمة قد تتفوق على الجوانب العسكرية في حسم المعارك ،والدول التي تحترم نفسها و شعوبها و المقيمين على أرضها تشاركهم وتكاشفهم تلك الجوانب وهذا ما فعلته دولة الإمارات حرفياً..
دولة الإمارات ليست على طريق الحرب أو جزء هامشي منها ،أكاد أجزم أن الحرب عليها ،كما أجزم وأرى بأم عيني أنها تجاوزتها باحترافية عالية..
لست من مناصري الحكومات ،ولا "مسيحة الجوخ" ولم أتعاطف كما كل المقيمين منذ اليوم الأول ببوستات أدعية أو مح��باة بل راقبت ما يجري عن كثب وأدهشتني احترافية إدارة الأزمة ،حتى تكاد توصف بأنها مدرسة أنصح مُستهدِفيها بالتعلم منها ..
حمى الله #الإمارات دولة وشعباً ومقيمين الذين لم يُعتبروا ولم يُعاملوا يوماً إلا جزءاً من نهضة هذه البلاد "المُبهرة" التي باتت وستبقى منارة للتسامح والتميز
لن يقع التحريض إلا من حجب الحقيقة..
ولن تكون الكراهية سوى من استغباء الناس..
ولا يولد العنف سوى من إنكار الواقع..
"مدونات السلوك" لا تحتاج للكثير من الحبر ،بل كثير من الإرادة والأخلاق
#سوريا#مدونة_السلوك#إعلام_مهني_كلمة_مسؤولة
سوريا كغنيمة".. اقتصاد سلطة لا اقتصاد دولة

لم يكن تصريح حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، حول كفا��ة "100 دولار" لمعيشة عائلة سورية مجرد تقدير اقتصادي خاطئ، بل بدا أقرب إلى بيان سياسي يختصر فلسفة الحكم بعد أربعة عشر شهراً فقط من وصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة.
فحين يتحدث مسؤول نقدي بلغة اجتماعية تبريرية، ويمنّ على السوريين ب "بقاء التعليم والطبابة مجانيين" بغض النظر عن مدى صدقية هذا الادعاء، فإن الرسالة الضمنية لا تتعلق بالواقع المعيشي بقدر ما تكشف عن تصور عميق لدور الدولة: الانسحاب من المجتمع مع الاحتفاظ بالسلطة عليه.
المشكلة أن هذه السلطة لم ترث اقتصاداً مستقراً كي تختبر فيه وصفاتها. هي استلمت بلداً منهكاً بحرب طويلة، بنية تحتية شبه مدمّرة، وسوقاً هشاً يعتمد على تحويلات الخارج واقتصاد ظل واسع. ومع ذلك، جاءت خطواتها الأولى أقرب إلى إعادة إنتاج اقتصاد النخبة عبر تعيينات متكررة لنفس الدوائر الضيقة، وقرارات اقتصادية متقلبة، وخطاب رسمي يختزل الأزمة إلى مسألة "تحرير السوق" ، فيما الواقع يشير إلى احتكار الفرص لا تحريرها.
في أقل من عام ��نصف، ظهرت سلسلة من المؤشرات التي تعكس خللاً بنيوياً في فهم الاقتصاد. تأخر صرف الرواتب في قطاعات أساسية، قرارات فصل وظيفي واسعة من دون بدائل اقتصادية، وملفات استثمارية أُطلقت عبر مذكرات تفاهم غامضة بدل مناقصات شفافة. كل ذلك ترافق مع خطاب اقتصادي يَعِد بسوق حر، لكنه لا يقدم مؤسسات مستقلة ولا إطاراً قانونياً واضحاً لحماية المستثمرين أو العمال، والنتيجة أن السوق بقي مشلولاً، فيما توسعت شبكات النفوذ التي تتحكم بالتراخيص والعقود.
وبينما تحاول السلطة الجديدة تقديم نفسها كقوة إصلاحية تتبنى الليبرالية الاقتصادية، إلا أنها عملياً تختار أكثر نماذجها قسوة وأقلها نجاحاً في بيئة ما بعد النزاعات.
في التجارب المقارنة، لم تنجح سياسات التحرير الاقتصادي حين فُرضت على مجتمعات خارجة من الحروب دون شبكات أمان اجتماعي قوية. بل على العكس، قادت غالباً إلى تعميق الفوارق الاجتماعية وتكريس اقتصاد ريعي - زبائني، حيث تُدار الموارد وفق منطق الولاء السياسي لا الكفاءة الاقتصادية.
الأخطر أن السلطة لا تكتفي بالانسحاب من وظائفها الاجتماعية، بل تحاول إعادة تعريف مفهوم الدولة ذاته.
الحديث المتكرر عن "الشخص المناسب في المكان المناسب" تحوّل إلى شعار إداري فضفاض يخفي وراءه تدوير نفس الأسماء بين مواقع متعددة، في مشهد يعكس احتكاراً للمناصب والرواتب في وقت يزداد فيه الفقر العام. وهنا لا يعود الاقتصاد مجرد أداة تنمية، بل يصبح وسيلة لضبط المجتمع عبر إبقائه في حالة هشاشة دائمة.
وفي حين تُستخدم لغة السوق لتبرير رفع الدعم وتقليص الخدمات، تستمر القيود السياسية والاجتماعية على حالها، بل تتشدد في بعض الملفات. هذه المفارقة تكشف أن ما يُطرح ليس مشروعاً ليبرالياً حقيقياً، بل نموذجاً سلطوياً بواجهة اقتصادية جديدة. فالليبرالية الاقتصادية تاريخياً اقترنت بتوسيع الحريات الفردية وبناء مؤسسات رقابية مستقلة، بينما في الحالة السورية يجري استحضارها فقط حين يتعلق الأمر بتخفيف التزامات الدولة تجاه المواطنين.
المفارقة الأكثر قسوة أن السلطة تتجاهل النماذج الأقرب لاحتياجات سوريا اليوم. فدول ��ثل ألمانيا أو السويد لم تبنِ أسواقها عبر تقليص دور الدولة، بل عبر دولة رفاه قوية أعادت توزيع الموارد وخلقت طبقة وسطى قادرة على الاستهلاك والإنتاج. أما في سوريا، فالتوجه الحالي يدفع المجتمع نحو مزيد من التهميش، ما يعني عملياً تقويض أي إمكانية لنمو اقتصادي مستدام.
ليست المشكلة في أن السلطة لا تتقن الليبرالية الاقتصادية، بل في أنها لا تبدو معنية أصلاً ببناء اقتصاد سوري حقيقي. ذلك أن ما يجري يوحي بأن سوريا تُعامل كفرصة توزيع، لا كدولة تحتاج إلى إعادة إعمار اجتماعي واقتصادي شامل. وفي ظل هذا المسار، يصبح الفقر أداة سياسية بقدر ما هو نتيجة اقتصادية، لأن مجتمعاً ��شغولاً بالبقاء على قيد الحياة، نادراً ما يجد وقتاً للمساءلة.