بوصلة
عثمان العمير..
صديقُ المُلوك (!)
#علي_مكي
ليست كل الشخصيات التي تقترب من دوائر الحكم تتحول إلى جزء من الذاكرة العامة، كما أن ليس كل إعلامي قد يطول به العمر المهنيّ ليصبح شاهداً على عصر كامل. غير أن عثمان العمير ينتمي إلى فئة (خاصة) اجتمعت لها التجربتان معاً، فقد عاش في قلب التحولات الكبرى التي شهدها العالم العربي خلال العقود الأخيرة، وعبر مسيرته الطويلة نسج علاقات واسعة مع قادة وملوك ورؤساء، حتى أصبح اسمه مقترناً بوصف ظل يلازمه طويلاً: "صديق الملوك".
قد يقول قائل أو يسأل سائل: هل هذا الوصف يستمد معناه من الوجاهة الاجتماعية أو من كثرة اللقاءات الرسمية؟!، وأقول أو أجيب: إنها قدرته الاستثنائية على بناء الثقة. فالعلاقات التي تدوم لعقود لا تقوم على المصادفة، ولا تصنعها المجاملات العابرة، وإنما تنشأ من شخصية تعرف كيف تستمع، وكيف تفهم دوافع الآخرين، وكيف تحافظ على مسافة متوازنة بين القرب والاستقلالية.
بدأ عثمان العمير رحلته من بيئة سعودية محافظة، في زمن كانت فيه الصحافة العربية تعيش تحولات متسارعة. ومنذ سنواته الأولى في العمل الإعلامي بدا واضحاً أنه لا ينظر إلى الصحافة بوصفها وظيفة يومية، لأنه يراها نافذة واسعة لفهم العالم. كان يؤمن أن الخبر ليس مجرد حدث يُنقل إلى القارئ، فقد يكون مدخلاً لفهم المجتمع والسياسة والثقافة والعلاقات الإنسانية.
ومع مرور السنوات، اتسعت تجربته واتسعت معها شبكة معارفه. تنقل بين مواقع إعلامية متعددة، وشارك في مشاريع صحفية مؤثرة، وأسهم في بناء منصات أصبحت جزءاً من الذاكرة الإعلامية العربية. ولم يكن نجاحه مرتبطاً فقط بالإدارة أو التحرير وحسب، بل بقدرته على استشراف ما يحتاجه القارئ العربي في كل مرحلة.
في زمن كانت الصحافة الورقية هي اللاعب الأكبر في تشكيل الرأي العام، كان العمير حاضراً في قلب المشهد. عرف كيف يدير المؤسسات الإعلامية، وكيف يجمع حولها كتاباً ومفكرين من اتجاهات مختلفة. وكانت لديه قناعة راسخة بأن قوة الصحافة لا تكمن في صوت واحد، بقدر ما تكمن في تعدد الأصوات واتساع مساحة الحوار.
لكن ما منح تجربته خصوصيتها هو ذلك التداخل الفريد بين الإعلام والعلاقات الدولية. فقد أتاح له عمله أن يلتقي عدداً كبيراً من القادة والشخصيات المؤثرة في العالم. وكان ينظر إلى هذه اللقاءات باعتبارها فرصة لفهم طريقة تفكير صناع القرار، أكثر من كونها مناسبة لإضافة أسماء جديدة إلى دفتر العلاقات.
ولهذا السبب لم يكن حضوره في تلك الدوائر حضور الزائر العابر. لقد عرفه كثير من الملوك والرؤساء بوصفه محاوراً يمتلك رؤية، وصحفياً قادراً على قراءة المشهد من زوايا متعددة. وكان يدرك أن الوصول إلى أصحاب القرار ليس غاية في ذاته، لكنه وسيلة لفهم الأحداث من مصادرها الأصلية.
ومن هنا اكتسب لقب "صديق الملوك" دلالة أعمق من معناه الظاهر. فهو لا يشير إلى رجل يقترب من السلطة، كونه شخصاً استطاع أن يحافظ على شبكة واسعة من العلاقات في بيئات مختلفة وثقافات متعددة، دون أن يفقد هويته المهنية أو استقلاله الفكري. وهذه معادلة نادرة في عالم الإعلام.
لقد شهد العمير مراحل سياسية متقلبة، من حقبة الحرب الباردة إلى التحولات التي أعقبتها، ومن الصراعات الإقليمية إلى موجات التغيير الكبرى التي مرت بالمنطقة العربية. وكان حاضراً في كثير من تلك اللحظات، إما بصفته صحفياً يتابع الأحداث، أو محاوراً يلتقي بصناعها، أو شاهداً يسجل تفاصيلها للأجيال اللاحقة.
كما ارتبط اسمه بمدينة لندن التي شكّلت محطة مهمة في حياته المهنية. ففي تلك المدينة التي كانت لعقود مركزاً للإعلام العربي الدولي، استطاع أن يوسع دائرة تأثيره وأن يثبت حضوره في فضاء إعلامي يتجاوز الحدود الوطنية. وهناك بنى علاقات واسعة مع شخصيات سياسية وفكرية وإعلامية من مختلف أنحاء العالم.
ومع أن الأضواء كانت حاضرة في كثير من مراحل حياته، فإن ما يلفت الانتباه في سيرته هو اهتمامه المستمر بالإنسان قبل المنصب. فالشهادات التي يرويها أصدقاؤه ومعارفه غالباً ما تتحدث عن قدرته على الاحتفاظ بالعلاقات القديمة، وعن وفائه لمن رافقوه في محطات مختلفة من حياته. وهذه الصفة ربما كانت أحد الأسباب التي جعلت صداقاته تتجاوز الحسابات المهنية الضيقة.
ولم يكن العمير أسيراً لفكرة واحدة أو مدرسة فكرية مغلقة. فقد ظل منفتحاً على النقاشات الجديدة، ومهتماً بالتحولات الثقافية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة. وكان يدرك أن الإعلام الذي يتوقف عن طرح الأسئلة يفقد دوره الحقيقي، وأن الصحافة مشاركة في صناعة الوعي العام، أكثر من كونها مجرد نقل للوقائع.
كامل المقال على الرابط التالي
https://t.co/JiYfYowlOW
رحل عن الدنيا، لكنه خلّف وراءه قلوبًا مثقلة بما لحقها من ظلمه. وعندما قيل للمظلومين: سامحوه، فقد مات، كان رد بعضهم:
“اللهم حاسبه بعدلك لا برحمتك"
فالموت يُنهي الأعمار، لكنه لا يُسقط حقوق العباد. لذلك كان أعظم ما يحرص عليه العاقل أن يلقى الله بقلبٍ سليم، وقد ردّ المظالم إلى أهلها، أو استحلّهم منها قبل أن يأتي يومٌ لا دينار فيه ولا درهم، وإنما الحسنات والسيئات.