تعريف:
أبحث في الاقتصاد السياسي والشؤون الدولية، خصوصاً صراعات القوى العظمى وتأثيراتها، ولاسيما على الشرق الأوسط السعيد. أجد الاقتصاد والسياسة والشؤون الدفاعية متداخلة للغايةـ وتؤثر في بعضها البعض.
أكتب عن الأسهم والأسواق أحياناً، خصوصاً لتوضيح التداخل بين السياسة والاقتصاد والدفاع. ولكن ما أكتبه ليس نصيحة استثمارية لأحد.
أدعوكم للمتابعة أن كانت هذه المواضيع تهمكم، ويمكنكم أيضاً، على هذه التغريدة، اقتراح مواضيع لمناقشتها.
أولاً، خبر التسويات المالية لا يزال غير رسمي. لا يوجد أي رقم رسمي يمكن الاستناد إليه. وفي كل الأحوال، مثل هذه التسويات هي تدفقات مالية لمرة واحدة. وبالتالي لا يمكن إدخالها للموازنة وإنفاقها في عام واحد. فماذا عن موازنات الأعوام التالية. وفي كل الأحوال يفترض أن هذه التسويات بدأت بالظهور منذ العام الماضي، فأين تأثيراتها على الموازنة في 2025؟
ثانياً، التحويلات المالية للمغتربين تذهب لأهاليهم في سورية. فكيف تدخل الخزينة العامة؟ لا يمكن أن تدخل سوى عن طريق الرسوم والضرائب وما يحصل منذ سقوط النظام هو تخفيض واسع للرسوم والضرائب.
هل يمكن أن تصل موازنة سورية في 2026 إلى 10.5 مليار دولار؟
حصل كثيراً في سورية - ويحصل وسيحصل – أن يخرج تصريح موجز ومفرط الوردية حول الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، بدون أن يكون هناك أرقام سابقة تدعم مصداقية ذلك التصريح، أو حتى تمهد له. إلا أن تفكيك هذا التصريح الموجز وإثبات خطئه بشكل مقنع، غالباً ما يستغرق صفحات عدة، وربما عشرات الصفحات، ورغم ذلك سيستمر الجدل حول مصداقيته، فالجمهور سيحبذ أن يصدق الوعود الوردية. التصريح المقصود اليوم هو التصريح القائل إن موازنة سورية في 2026 ستزداد إلى 10.5 مليار دولار أميركي. لماذا يبدو هذا التصريح غير واقعي؟ لنرى:
أولاً، لا يوضح التصريح ما إذا كان المقصود هو زيادة الإنفاق المقرر في 2026 إلى 10.5 مليار دولار، أم ما إذا كانت الإيرادات نفسها ستزداد إلى 10.5 مليار دولار. والأمران مختلفان. فعادة ما يكون المقصود بالموازنة هو الإنفاق المقرر، وذلك بغض النظر عما إذا كان ذلك الإنفاق يفوق الإيرادات، وبالتالي يخلق عجزاً، أم يقل عن الإيرادات، وبالتالي يحقق فائضاً. سبب الغموض في حالة سورية هو تأكيدات وزير المالية، محمد يسر برنية، أن الموازنة العامة في سورية حققت فائضاً في 2025. وكذلك تكرار المسؤولون التأكيد أنه لن يكون هناك اقتراض خارجي، ولن يكون هناك اقتراض من المصرف المركزي لتمويل عجز الموازنة. هذه الأقوال تدفع باتجاه افتراض أن يكون رقم 10.5 مليار دولار هو قيمة الموازنة بدون عجز (أو بعجز ضئيل)، بمعنى أن الإيرادات مقاربة للنفقات. إلا أن هذا الافتراض يزيد الغموض كما سنرى.
ثانياً، من أين ستتوفر إيرادات بقيمة 10.5 مليارات دولار تقريباً؟ أخر موازنة أقرت رسمياً كانت موازنة العام 2025 وأقرت في أكتوبر/تشرين الأول 2024 وتوقعت أن تبلغ النفقات 52.6 تريليون ليرة فيما توقعت أن تبلغ الإيرادات 41.6 تريليون ليرة (عجز 11 تريليون ليرة). اعتمدت تلك الموازنة سعر 13,500 ليرة للدولار الواحد، وبالتالي كانت النفقات المتوقعة 3.896 مليار دولار مقابل إيرادات متوقعة 3.081 مليار دولار. أهم مصادر الإيرادات آنذاك: ضرائب ورسوم باهظة مختلفة، ورسوم جمركية عالية، وبدل الخدمة العسكرية (الذي كان أيضاً أهم مصادر النقد الأجنبي بالمناسبة)، ورسوم الحصول على جوازات السفر السورية وغيرها من الأوراق الثبوتية (في أكتوبر/تشرين الأول 2015، وصفت إيرادات جوازات السفر بأنها "نفط الحكومة السورية الجديد" وذلك بعد أن جنت منها 512 مليون دولار خلال ستة أشهر فقط. رابط المنشور في التعليق الأول). ولكن كيف يمكن في 2026 أن تتضاعف الإيرادات من 3.081 مليار إلى 10.5 مليار دولار (زيادة 240%) علماً أن أغلب مصادر الدخل السابقة قد تقلصت. فالرسوم الجمركية قد خفضت بشكل حاد، والكثير من الضرائب والرسوم خفضت – والعمل مستمر على تخفيض الباقي منها – ورسوم جوازات السفر خفضت بحوالي النصف، وبدل الخدمة العسكرية قد ألغي بالكامل. إلغاء مصادر الدخل القديمة يعني أن جمع 3.081 مليار دولار في 2026 هو أمر مستعصي أصلاً، فكيف يمكن رفع الإيرادات إلى 10.5 مليارا؟!!!
ثالثاً، هناك رأي يقول إن الموازنة ستتضاعف لأن موازنة 2026 ستضم المناطق التي كانت تحت سيطرة النظام السابق في 2024 ومنطقة إدلب (التي كانت حكومة الإنقاذ و"هيئة تحرير الشام" تدير موازنة عامة خاصة بها) وكذلك مناطق شمال شرق سورية. هذا الرأي صحيح نسبياً، ولكن المشهد المالي الإجمالي يبقى بعيداً للغاية عما يتداول حالياً. النظام السابق قدر موازنة 2025 بحوالي 3.896 مليار دولار. ونعلم أن الإدارة الذاتية في شمال شرق سورية وضعت، في ديسمبر/كانون الأول 2025، موازنة 2026 بمقدار 1.577 مليار دولار أميركي، ولكن مع إيرادات متوقعة تبلغ 1.364 مليار دولار (75% منها من النفط، و10% من الجمارك، والباقي ضرائب ورسوم). ولايزال من غير الواضح كم من هذه الإيرادات ستنتقل اليوم إلى دمشق. ولكن حتى بافتراض إضافة كامل إيرادات شمال شرق سورية إلى إيرادات دمشق، فهذا يضيف فقط أقل من 1.4 مليار دولار وليس 7.5 مليار دولار. أما حكومة الإنقاذ في إدلب، فكان المصدر الرئيس لدخلها هو من الرسوم الجمركية على التجارة عبر المعابر مع الجهات المختلفة، وعوائد بيع المحروقات والكهرباء والإنترنت للسكان، بعد أن تشترى من تركيا. لا توجد أي أرقام رسمية، ولكن بالقياس مع تجربة شمال شرق سورية، فمن المرجح أن هذه الموازنة كانت بضع مئات ملايين الدولارات كحد أقصى، وربما أقل بكثير من ذلك. وفي كل الأحوال، هذه الإيرادات المحتملة دخلت في موازنة دمشق خلال العام 2025. فكيف تغير وضع موازنة الحكومة المركزية في 2025؟
رابعاً، في يناير/كانون الثاني 2025، أعلن وزير المالية في الحكومة المؤقتة، محمد أبازيد، إلغاء الموازنة التي أقرها النظام السابق بسبب العجز الذي قدره بـ923 مليون دولار، وتبني موازنة اثني عشرية تعتمد موازنة 2024 موزعة على 12 شهراً. ولاحقاً، في يناير/كانون الثاني 2026، أعلن وزير المالية محمد يسر برنية أن الموازنة العامة حققت في الأشهر العشرة الأولى من 2025 فائضاً بقيمة نصف مليار دولار، إلا أنه – وبشكل غير مفاجئ – لم يكشف حجم الإنفاق أو حجم الإيرادات مما يجعل رقم النصف مليار دولار بدون أي سياق. ومنذ أيام، وجه سؤال إلى وزير المالية حول حجم الفائض فقال إن الرقم بحاجة إلى مراجعة ولم يقدم أي تفاصيل. وفي 20 مارس/آذار، صرح وزير المالية أن العام 2025 شهد فائض مالي يبلغ 46 مليون دولار. ما هي التفسيرات المحتملة لتحقيق فائض النصف مليار دولار خلال عشرة أشهر؟ وكيف انخفض هذا الفائض خلال الشهرين الأخيرين من 2025 بحوالي 450 مليون دولار ليتبقى منه 46 مليون دولار فقط؟ تحقيق الفائض في البداية جاء نتيجة التراجع الحاد في حجم الإنفاق العام في 2025 بالمقارنة مع خطط له في أكتوبر/تشرين الأول 2024، وليس نتيجة تحقيق زيادة في الإيرادات المتوقعة. بمعنى أن الإيرادات الحكومية بقيت غالباً بحدود 2.5، إلا أن النفقات انخفضت إلى حوالي 2 مليار دولار بدل أن تكون 3.896 مليار دولار. أين تبخر حوالي 1.9 مليار دولار من النفقات؟ ما الذي ألغته الحكومة في 2025؟ لنرى:
(أ) تمثل نفقات المؤسسة العسكرية والأمنية السابقة القسم الأكبر من هذه النفقات الملغاة. فأقل التقديرات تضع حجم الجيش السابق عند 170,000 عسكري (حالياً تضع التقديرات الغربية حجم الجيش الجديد عند 60,000 عسكري فقط)، وذلك فضلاً عن أجهزة الأمن المختلفة والدفاع الوطني وباقي التشكيلات الرديفة. يضاف إلى ذلك نفقات تشغيل مئات الدبابات والعربات القتالية وعشرات المروحيات والطائرات المقاتلة وسوى ذلك. التقديرات الغربية تقول أيضاً إن حجم العتاد للجيش الجديد هو أقل بكثير مما كان عليه في 2024 وذلك لأسباب مختلفة، منها الضربات الإسرائيلية التي تلت سقوط النظام. وبالمحصلة هناك انخفاض كبير في النفقات العسكرية والأمنية. وتقديره بحوالي مليار دولار أو أكثر هو تقدير واقعي.
(ب) نفقات الدعم الحكومي، وخصوصاً للمحروقات والخبز. موازنة 2025 كانت تنص على دعم بقيمة 8.3 تريليون ليرة (أي حوالي 615 مليون دولار). القسم الأكبر من هذا الدعم للمشتقات النفطية (4 تريليونات ليرة أو 296 مليون دولار) يليه الخبز (3.85 تريليون ليرة أو 285 مليون دولار). ما الذي حصل فعلياً في 2025؟ المحروقات في سورية تباع بسعر أعلى من سعرها في لبنان الذي يعد بلداً مستورداً بالكامل للمشتقات النفطية، بدون أي إنتاج محلي. وتفرض الحكومة اللبنانية ضرائب مختلفة على المشتقات النفطية وأسطوانات الغاز المنزلي. وبالرغم من ذلك فإن الأسعار في سورية أعلى منها في لبنان. فطوال العام 2025، كان سعر ليتر البنزين 95 أوكتان في لبنان حوالي 75 سنت أميركي بينما كان في سورية 91 سنت أميركي. وهذا لا يعني أن الحكومة السورية الجديدة تخلصت من العجز في الموازنة بقيمة 285 مليون دولار، بل يعني أيضاً تحول باب المشتقات النفطية والغاز المنزلي إلى مصدر لإيرادات الخزانة. لا نستطيع تقدير حجم الفائض المتحقق في هذا الملف بسبب غياب أي إحصاءات حول حجم ما يتم توزيعه من محروقات، فضلاً عن أن ظاهرة التهريب مشرعة بشكل لافت. فالمحروقات تهرب من لبنان وتباع بنفس السعر الحكومي على مرأى من الجميع.
(ج) ملف الخبز أكثر تعقيداً. فالحكومة الحالية تقول إنه لا يزال هناك بعض الدعم للخبز. ولكن لننظر إلى الأرقام. كان ثمن ربطة الخبز الواحدة 400 ليرة سورية في الأيام الأخيرة للنظام السابق. وتحول في الأيام التالية لسقوطه إلى 4,000 ليرة. فما قيمة هذا التغيير بالنسبة للموازنة؟ كان هناك تصريح للمدير العام للمؤسسة السورية للمخابز، محمد الصيادي، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، مفاده أن المؤسسة العامة للمخابز تنتج 4.4 مليون ربطة خبز يومياً. لنفترض جدلاً أن المؤسسة العامة للمخابز تنتج فقط 4 ملايين ربطة خبز يومياً. ومع تحقيق الحكومة عائد إضافي يبلغ 3,600 ليرة في كل ربطة خبز، يكون العائد الإضافي الإجمالي السنوي 5.256 تريليون ليرة سورية خلال 2025 (3,600 ليرة × 4 مليون ربطة يومياً × 365). هذا يعادل 389 مليون دولار (إذا ما احتسبنا الدولار عند 13,500 ليرة كما كان الأمر عند إقرار موازنة 2025 في أكتوبر/تشرين الأول 2024) أو 477 مليون دولار (إذا ما احتسبنا الدولار وفق السعر الرسمي الحالي البالغ 11,000 ليرة). وللتذكير كانت نفقات دعم الخبز 285 مليون دولار. الإيرادات الجديدة غطت هذه النفقات وحققت فائضاً متوقعاً يتراوح بين 104 ملايين و192 مليون دولار. ومن المرجح أن الفائض الإجمالي أعلى من ذلك. فقد اشترت الحكومة السورية 372,000 طن من القمح من المزارعين في موسم 2025 (بحسب تصريحات المدير العام للمؤسسة السورية للحبوب، حسن محمد العثمان، في 21 أغسطس/آب 2025). بالمقابل، اشترت حكومة النظام السابق 770,000 طناً من المزارعين في موسم 2024، ويتداول أيضاً أن شركة القاطرجي نقلت 800 ألف طن من القمح من مناطق سيطرة "قسد" إلى مناطق النظام السابق في 2024. كما كانت روسيا تنفذ في 2024 عقوداً لتوريد 1.4 مليون طن من القمح تم التعاقد عليها في أواخر 2023 (ولكن لا يعلم يقيناً حجم الكمية التي تم توريدها فعلاً عند سقوط النظام). كل هذه الكميات تركت مخزوناً لا بأس به سمح بتخفيض الكميات الواجب شراؤها في 2025. وخلال العام 2025 أيضاً تمت الاستفادة من 400 ألف طن من القمح تبرع بها العراق في أبريل/نيسان 2025 (قيمتها لا تقل عن 100 مليون دولار يجب إضافتها إلى وفورات باب نفقات الخبز).
(د) هذه الأرقام السابقة (حوالي 300 مليون دولار من باب النفط، وما بين 200 و300 مليون دولار من باب الخبز) على مدى عام كامل تعادل بالمتوسط ما بين 50 و60 مليون دولار شهرياً. وهذا يعني أن تصريح وزير المالية في مطلع العام بتوفير حوالي نصف مليار دولار في الأشهر العشرة الأولى هو تصريح معقول. ولكن كيف تقلص هذا الفائض سريعاً إلى 46 مليون دولار فقط؟ أين ذهب ما بين 450 و500 مليون دولار خلال شهري نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر 2025؟ المرجح أن هذا الفائض ذهب لدعم كتلة الرواتب بعد توقف المنحة السعودية-القطرية، ولسداد ثمن الغاز الذي يتم توريده عبر الأردن، وكذلك لطباعة الأوراق النقدية الجديدة، ولشراء كميات إضافية من القمح (فباستثناء المنحة العراقية، لم تظهر أي معلومة في النصف الثاني من العام 2025 حول تقديم مساعدات كبيرة من القمح). وإذا ما صدق هذا التوقع، فهذا يعني أن الوضع المالي لسورية هش للغاية. فأي حدث طارئ – توقف المنح المالية الدولية، أو ارتفاع فاتورة استيراد الغاز لتوليد الكهرباء أو ارتفاع فاتورة استيراد القمح – كفيل بإعادة الموازنة إلى حالة العجز المالي. هذا الشهر، كشفت أذربيجان أنها صدرت لسورية في يناير/كانون الثاني 2026، حوالي 100 مليون متر مكعب من الغاز بقيمة 33.5 مليون دولار (الرابط في التعليق الأول). هذا أول تصريح من نوعه من جانب أذربيجان يكشف قيمة توريدات الغاز لسورية. طبعاً هذه التوريدات دفعت قطر ثمنها. وحتى بافتراض أن أذربيجان لن ترفع سعر الغاز الذي تورده لسورية، فالفاتورة السنوية ستبلغ حوالي 402 مليون دولار سنوياً. هل ستستمر قطر بالسداد في ظرفها الحالي أم ستنتقل أعباء السداد إلى الجانب السوري؟
خامساً، على ماذا تنوي الحكومة السورية إنفاق الـ10.5 مليار دولار؟ صرح وزير المالية، في 20 مارس/آذار، أن الإنفاق الاستثماري سيرتفع ليشكل 27% من الموازنة (بما في ذلك مشاريع البنى التحتية والخدمات الأساسية وبرنامج "سوريا بلا مخيمات") ولكن هذا يعني أن الانفاق الجاري سيشكل 73% من الموازنة. ما تفسير أن يبلغ الانفاق الجاري حوالي 7.6 مليار دولار، إذا كانت الحكومة ألغت القسم الأكبر من الدعم الحكومي للقمح والخبز والكهرباء والمحروقات والغاز، وسرحت كذلك قسماً مهماً من العاملين في القطاع العام، وتعمل حالياً على خصخصة بعض منشآت القطاع العام – أو طرحها للاستثمار – وهذا ما يعني أن الحكومة لن تعود مسؤولة عن رواتب العاملين في هذا القطاع. فإلى أين سيذهب رقم 7.6 مليار دولار من الانفاق الجاري؟ هذا بحد ذاته لغز إضافي.
كل ما سبق من تفاصيل يخلق الكثير من الشكوك الموضوعية حول إمكانية الوصول إلى موازنة عامة بحجم 10.5 مليار دولار في 2026، خصوصاً إذا لم يكن هناك من مساعدات مليارية، أو نية لفرض ضرائب غير مسبوقة.
إلى أين تمضي إسرائيل وإيران؟
هذا هو مسار تبادل الضربات بين إسرائيل وإيران خلال العامين الماضيين:
1 أبريل/نيسان 2024: إسرائيل تضرب القنصلية الإيرانية في دمشق، وتقتل عدداً من كبار ضباط الحرس الثوري.
13-14 أبريل/نيسان 2024: أطلقت إيران 300 صاروخ بالستي وطائرة مسيرة على إسرائيل (عملية "الوعد الصادق 1").
19 أبريل/نيسان 2024: ضربت إسرائيل موقعاً للدفاع الجوي الإيراني في أصفهان، ودمرت إحدى البطاريات الأربع لمنظومة S-300 للدفاع الجوي.
31 يوليو/تموز 2024: اغتالت إسرائيل إسماعيل هنية في مقر إقامته في طهران.
1 أكتوبر/تشرين الأول 2024: أطلقت إيران ما بين 180 و200 صاروخ بالستي على إسرائيل (عملية "الوعد الصادق 2").
26 أكتوبر/تشرين الأول 2024: هاجمت إسرائيل مواقع رادار للإنذار المبكر على حدود إيران وعدة مواقع للدفاع الجوي (بينها منظومات S-300 الروسية الصنع) ومواقع لتصنيع الصواريخ البالستية (عملية "أيام التوبة").
13-24 يونيو/حزيران 2025: شنت إسرائيل حرباً محدودةً على إيران ضربت فيها المواقع النووية الصاروخية، واغتالت قادة عسكريين كبار، وأعلنت تدمير 150 منصة لإطلاق الصواريخ البالستية و120 منظومة دفاع جوي (عملية "الأسد الصاعد"). الولايات المتحدة شاركت في ضربة واحدة، في 21 يونيو/حزيران (عملية "مطرقة الليل"). إيران أطلقت من جانبها حوالي 600 صاروخ بالستي و1,000 طائرة مسيرة (عملية "الوعد الصادق 3").
28 فبراير/شباط 2026: شنت إسرائيل والولايات المتحدة حرباً واسعة اغتالت فيها المرشد وما بين 40 و50 من القادة العسكريين والسياسيين، وأعلنت تدمير 300 منصة لإطلاق الصواريخ البالستية وحوالي 150 منظومة دفاع جوي (عملية "زئير الأسد"). الولايات المتحدة تشارك بشكل مباشر منذ البداية، وأعلنت من جانبها تدمير البحرية الإيرانية وسلاح الجو الإيراني (عملية "الغضب الملحمي"). إيران أطلقت حوالي 840 صاروخ بالستي و1,400 طائرة مسيرة. وكانت حصة إسرائيل ما بين 20 و25% فقط والقسم الأكبر (40%) كان باتجاه الإمارات والباقي باتجاه دول الخليج العربي وقبرص وأذربيجان وكردستان العراق (عملية "الوعد الصادق 4").
يمكن تلخيص المسار السابق كما يلي:
- ضربة إسرائيلية للقنصلية الإيرانية في دمشق تلاها رد إيراني ثم رد إسرائيلي ثم هدوء.
- ضربة إسرائيلية في طهران تلاها رد إيراني ثم رد إسرائيل ثم هدوء.
- حرب محدودة بدأتها إسرائيل بمشاركة أميركية محدودة والهدف المعلن هو المواقع النووية وتلا ذلك هدوء.
- حرب واسعة بدأتها إسرائيل والولايات المتحدة والهدف المعلن هو القدرات النووية والصاروخية وتغيير القيادة الإيرانية (إسرائيل تقول سنستمر باغتيال القادة الجدد، وترامب يقول إنه سيختار هو القائد المناسب).
هناك مسار تصاعدي واضح من جانب إسرائيل والولايات المتحدة (عسكرياً وسياسياً)، ولا يوجد ردع من جانب إيران. السؤال الآن: لو توقفت هذه الحرب اليوم الأحد، 8 مارس/آذار، فما احتمال حصول مواجهة تالية، خلال ستة أشهر، أو عام أو عامين من الآن؟ وماذا سيكون شكلها وأهدافها؟ وهل ستستطيع إيران استعادة الردع؟
كيف فشلت معادلة الردع الصاروخي الإيرانية؟
تحطمت معادلة الردع الإيرانية لأنها قامت على معادلة جامدة تفترض أن الآخر (أو الآخرين) سيفشل بالتأقلم. وهذه المعادلة الجامدة هي تعبير عن جمود العقل (العقل الإيراني الديني للمرشد وأعوانه).
افترض الإيرانيون لأكثر من عقدين من الزمن أن الصواريخ المنخفضة التكلفة ستكون سلاحاً رادعاً لا يمكن التعامل معه. المعادلة الجامدة قالت إن هذه الصواريخ لا يقابلها إجراء دفاعي، وإن وجد هذا الإجراء فستكون تكلفته عالية جداً وسيستنزف العدو (أو الأعداء) في محاولته صد هذه الصواريخ. ظاهرياً تبدو هذه المعادلة صحيحة. فتكلفة الصاروخ البالستي الذي يزيد مداه على 1,500 كيلومتر تتراوح بين 1 و5 ملايين دولار، والتفاوت يعود إلى اختلاف نوع الوقود وطبيعة نظام التوجيه والدقة (1).
أما تكلفة الصاروخ الاعتراضي البعيد المدى، مثل صواريخ منظومة "THAAD" الأميركية فتصل إلى 15 مليون دولار. توقع الإيرانيون أن يفكر الإسرائيليون والأميركيون هكذا: تمتلك إيران 3,000 صاروخ بالستي وإذا ما أطلقت 1,000 صاروخ، في اليوم الأول للحرب، فسنحتاج إلى ما بين ألف وألفي صاروخ اعتراضي بتكلفة تتراوح 15 و30 مليار دولار. وحتى إذا بلغت نسبة نجاح الاعتراض 90% (وهذه نسبة استثنائية) فسيمر 100 صاروخ يحملون 100 طن من المتفجرات وستكون النتيجة كارثية على المدن والبنى التحتية المدنية والعسكرية. هذا ما صدقه الإيرانيون وناموا مطمئنين لعقدين من الزمن. ولم تغادرهم هذه الطمأنينة حتى بعد ضربات (أبريل/نيسان 2024، وأكتوبر/تشرين الأول 2024، وحرب يونيو/حزيران 2025). وصباح السبت 28 فبراير/شباط 2026، جمع المرشد المطمئن كل قادته الكبار إلى اجتماعهم الأخير.
كيف فكرت إسرائيل والولايات المتحدة؟ قد تكون تكلفة اعتراض الصواريخ الإيرانية 15 أو 30 أو حتى 45 مليار دولار في اليوم الأول - أو الأسبوع الأول للحرب. ولكن ماذا سيحصل لو أرسلنا ما بين 400 و500 طائرة مقاتلة، كل منها تحمل في الطلعة الواحدة ما بين 3 و7 قنابل ذكية، لتنفيذ ضربات استباقية على مواقع الصواريخ الإيرانية في غرب ووسط إيران، مع التركيز على "مدن الصواريخ" في الجبال التي بناها الإيرانيون على مدى سنوات تحت أعين الأقمار الصناعية الأميركية والإسرائيلية؟
لا تزيد تكلفة القنبلة الذكية عن 100,000 دولار أميركي (وهي أقل من ذلك بكثير بالنسبة لعائلة قنابل SPICE الإسرائيلية). وحتى اليوم الخامس للحرب أطلقت إسرائيل 5,000 ذخيرة جوية (قنابل وصواريخ). ما هي النتيجة التي ظهرت بعد ذلك؟ في اليوم الأول للحرب أطلقت إيران 90 صاروخاً على إسرائيل (من أصل حوالي 350 صاروخاً أطلقتها على دول المنطقة). وأمس الخميس، أطلقت إيران 7 صواريخ فقط على إسرائيل (من أصل أقل من 30 صاروخاً أطلقتها على دول المنطقة). كم كلفت هذه العملية الهجومية؟ حوالي 500 مليون دولار من القنابل الذكية - أو 1 مليار دولار على أقصى تقدير. بالإضافة إلى ما بين 50 و75 مليون دولار من وقود الطائرات، ونفقات أخرى.
مقطع الفيديو المرفق يعد من أهم المقاطع التي توضح ما حصل. المقطع يظهر منصة صاروخ بالستية وعدة منصات صواريخ لأنظمة دفاع جوي تم استهدافها جميعاً بقنبلة واحدة والنتيجة انفجارات متتالية وخسائر بعشرات إن لم يكن مئات ملايين الدولارات. ما سبب تجمع كل هذه العربات في هذه النقطة؟ النقطة هي عند مدخل أحد الأنفاق الجبلية والذي دمر بضربة جوية فبقيت منصات الصواريخ خارجه، ويبدو أنها كانت تتجه إلى الأنفاق لكي تحتمي بها من الضربات الجوية.
باختصار، العقل الإيراني الجامد افترض أن العالم لن يتغير حتى بعد عقدين من الزمن - عقدان ملأتها إيران بالصراخ حول قدراتها الصاروخية. أما إسرائيل والولايات المتحدة فتحركتا وفق أقدم مبدأ في الحرب وهو "خير وسيلة للدفاع هي الهجوم". واستفادتا من قدرات الذكاء الاصطناعي في المعالجة الفائقة لمصادر المعلومات لرصد مواقع الصواريخ. وهنا تحديداً يظهر جمود العقل الديني الإيراني. فإيران لم تستوعب حتى دروس الحرب الأذرية-الأرمينية في أكتوبر 2020، التي كانت أول مثال واسع على تطبيق الذكاء الاصطناعي في الضربات الجوية، وذلك بالرغم من أن تلك الحرب وقعت عند حدودها تماماً (من تابع ما كتبته وقلته عن تلك الحرب آنذاك سيتذكر دور الذكاء الاصطناعي).
(1) إذا كنت، عزيزي القارئ، ممن يصدق أن إيران تصنع الصاروخ البالستي بألفي دولار فقط، فلا تعلق هنا، والأفضل ألا تعود إلى هنا مرة أخرى.
@Ammar_H_Hamdan وهل تقصد أن تعرض بيروت للدمار هذه المرة سينقذ طهران أو يوقف مسار الحرب عليها؟ إن كان جوابك نعم فتفضل واشرح وأوضح لنا كيف تغير مسار الحرب وإن كان الجواب لا….
هل اقتربت نهاية الحرب؟
أطلقت إيران في اليوم الأول للحرب 350 صاروخاً و300 طائرة مسيرة. انخفض العدد في اليوم السابع (أمس) إلى 28 صاروخاً و30 طائرة مسيرة. وهذا انخفاض بأكثر من 85%.
اليوم خرج الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، في أول خطاب له، ليعلن أنه أمر القوات المسلحة لبلاده، أمس، بإيقاف الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على دول الجوار (ما لم تنطلق هجمات من تلك الدول).
في مقابلتي أمس على قناة "سي إن بي سي عربية" قلت إن النهاية السريعة للحرب مرتبطة بظهور قيادة إيرانية متماسكة والتي ستدرك حجم الخسائر التي حصلت حتى الآن. وقلت أيضاً إن عدم ظهور قيادة قوية سيعني استمرار التنافس داخل إيران (الحرس الثوري هو من يصر على التصعيد وفتح الجبهات على الجميع، حتى على سلطنة عمان مثلاً).
هل يعني هذا أن الحرب يمكن أن تنتهي اليوم أو غداً؟ هذا الأمر أعلى احتمالاً من الأمس في ضوء تصريحات بزشكيان ولكن يبقى أن نرى ما إذا كان الحرس الثوري سيلتزم. إن التزم فإن الحرب ستنتهي سريعاً وقد ينجو لبنان من التورط في حرب جديدة لا معنى لها. التشكيك يعود لكون بزشكيان قال إنه أعطى أوامره أمس ولكن أمس شهد هجمات على دول الجوار. لهذا لننتظر ونراقب.
الأكيد على أي حال أن إيران التي كنا نعرفها، حتى صباح 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قد انتهت وربما إلى غير عودة
@shapaan_mustafa بالنسبة للحرب 2025، فتحتاج لنقاش مطول. ولكن بالنسبة للمفاوضات الأخيرة من قال لك إنهم كانوا ثابتين على مواقفهم؟ راجع تصريح وزير الخارجية العماني - الوسيط في المفاوضات - الذي قال إنهم قبلوا التخلي عن تخصيب اليورانيوم.
«الحقائق الاقتصادية لا تكوع ولا تكترث للتغييرات السياسية»
موضوع الساعة اليوم هو حديث @Hasan_Dagim عن تعيين الأقارب، وما إذا كان ذلك من الضرورات أو المحسوبيات. الدغيم ضرب مثلاً بالسعودية والإمارات والكويت على أنها أنظمة تسند فيها المناصب إلى الأقارب. هذا القول الأخير يكرره كثيرون ممن يزعمون أن الأنظمة الجمهورية في المنطقة فشلت، وأن الأنظمة الملكية نجحت وبلدانها تشهد ازدهاراً اقتصادياً.
مشكلة كل هذه الأقوال – سردية الدغيم ومن يؤيده ويزايد عليه – أنها تستخدم «العموميات» وتكتفي بها وتتعمد تجاهل التفاصيل الخاصة بكل سياق. فأن يكون رأس الحكم ملكاً أو أميراً أو سلطاناً لا يعني أن ما سيلمسه سيصبح ذهباً أو أن النفط سيتدفق من بين يديه. الحقائق الاقتصادية لا تتغير بتغير رأس الحكم – ولا بتغير نظام الحكم. وحتى لو نظرنا إلى الأنظمة الملكية العربية اليوم لوجدنا الأردن والمغرب غارقين في الديون مع بطالة متنامية، وكل منهما شهد مؤخراً (المغرب منذ سبتمبر/أيلول 2025 والأردن في ديسمبر/كانون الأول 2022) مظاهرات واضطرابات شعبية على خلفية الوضع المعيشي. وكل من البحرين وسلطنة عمان والكويت لديه مشاكل اقتصادية ومالية مزمنة وحالة امتعاض شعبي متنامية – وإن كان الامتعاض لم يتجاوز، حتى الآن، المجالس والديوانيات وسائل التواصل الاجتماعي.
فمنذ مارس/آذار 2024، أمر أمير الكويت بنزع الجنسية عن عشرات ألوف الكويتيين مما أفقد هؤلاء حقوقهم بالرواتب والتعويضات والدعم المالي الحكومي – علماً أن عدد مواطني الكويت لا يتجاوز 1.6 مليوناً (ربع سكان دمشق). ولكن هذا لم يحل المشاكل المالية. فقد أقرت الكويت هذا الشهر موازنة العام 2026 مع عجز متوقع يبلغ 32 مليار دولار – هذا العجز وحده يعادل 9 أمثال كامل موازنة سورية في 2025. والسعودية بدورها تعاني من عجز مالي متزامن والحكومة السعودية تضغط على السعوديين للعمل في مهن كانوا، إلى عهدٍ قريب، يأنفونها. السعودية أقرت في ديسمبر/كانون الأول 2025 موازنة 2026 مع عجز متوقع يبلغ 44 مليار دولار. إذاً حتى هذه الأنظمة الملكية العربية باتت تعاني بسبب الحقائق الاقتصادية، وبعضها يترنح. ولم تغير طبيعة الأنظمة من حقائق الاقتصاد الحالية والمقبلة.
أما بالنسبة لسورية، فمنذ سنوات وأنا أكرر القول إن سورية بلد فقير، وهذا القول لم يكن يوماً بهدف إحباط أحد. قلت هذا منذ 2011، في عهد النظام السابق، ولا أزال أكرره اليوم. وكل من كان يزعم بأن سورية بلد غني بالثروات كنت أقول إنه إما جاهل أو محتال. وعندما تسأل هؤلاء عن حقيقة الوضع الاقتصادي لسورية وكيف يمكن أن يسمح هذا الوضع للخزينة العامة بتلبية الاحتياجات، يجيبون «سورية لديها نفط وزراعة وصناعة وتجارة وَ وَ وَ وَ» (لهذا ألقبهم بأصحاب نظرية الـ«وَ وَ وَ وَ» الاقتصادية).
إلا أن أي مورد طبيعي – نفط أو غاز أو فوسفات – في سورية ستكون قيمته ضئيلة عند قياسه بالمتطلبات المعيشية للكتلة السكانية التي يمكن أن تصل إلى 25 مليوناً - وذلك دون أن نتطرق أصلاً إلى فاتورة الإعمار أو إعادة الإعمار، أو معالجة آثار الحرب. أما فيما يخص الزراعة والصناعة والتجارة، فكيف ستخدم هذه الأنشطة الخزينة العامة لتلبية متطلبات التعليم والصحة والرواتب ودعم الكهرباء والمياه وسوى ذلك؟ لا جواب سوى بفرض الضرائب والرسوم على هذه الأنشطة. إلا أن أصحاب نظرية الـ«وَ وَ وَ وَ» الاقتصادية يحاربون أي حديث عن الضرائب، تحت شعار الاقتصاد الحر.
بالعودة أيضاً إلى الدغيم وحديثه، المشكلة الأهم اليوم بتقديري ليست مجرد وجود المحسوبيات في التعيينات، بما في ذلك تعيين الأقارب. فأصل المشكلة هو الإنكار. فتعيين غرباء أو حتى خبراء من «التكنوقراط» ممن ينكرون وقائع الاقتصاد السوري لن يخرج البلاد مما هي فيه اليوم. وأشدد على النقطة الأخيرة. فمنذ سقوط النظام، قفز إلى المشهد العديد من الخبراء الاقتصاديين والصناعيين والتجار الذين يكررون سرديات الازدهار الاقتصادي، ويطالبون بإنهاء أي دعم حكومي وتخفيض الضرائب وحتى خصخصة القطاع العام. وبعض هؤلاء أسندت إليهم بالفعل بعض المناصب، ولم يكن ذلك الإسناد لكونهم من الأقارب، ولكن لأن خطابهم مفيد. وقد تسند إليهم، ولأمثالهم، مناصب الأشقاء والأقارب الحاليين. فهل سيتغير شيء؟
بكل تأكيد لا.
(منشور مكرر منذ عامين، ورمضان كريم)
خلق الأمل هو أداة الطغيان الأخطر
هناك ثلاث أدوات رئيسة لإدامة الفساد ولكل أداة مستوى من التأثير والاستهداف.
الأداة الأولى هي العنف المفرط ضد من يعترض وهي أقل الأدوات فائدة لأنها لايمكن - لأسباب فيزيائية - أن تستهدف سوى أقلية من الناس، واحتمال خروج هذه الأداة عند استخدامها عن السيطرة هو احتمال قائم. في الوضع المثالي، سيحرص الفاسد على أن يكون محتكر استخدام العنف. ولأن هذه الأداة هي الأقل فعالية يحصل أحياناً أن تكون الأخيرة في الاستخدام.
الأداة الثانية هي زرع الخوف للاستفادة من الهواجس وهنا ستكون الشريحة المستهدفة أكبر مما هو الأمر مع الأداة السابقة. فيقدم الفاسد نفسه على أنه الوحيد القادر على حماية المجتمع - أو جزء مهم منه - مثل حماية المجتمع من الإسلام المتطرف، أو حماية مكون طائفي أو عرقي معين من غيره. وهذه الأداة لها أيضاً مساوئها وزرع الهواجس يقتضي أن تكون هناك فوضى تقنع بوجود هذه الهواجس، وهذه الفوضى يمكن أن تخرج عن السيطرة. ففي السودان مثلاً، أنشأ عمر البشير "قوات الدعم السريع" وأشغل السودانيين العرب بالخوف من السودانيين ذوي البشرة الداكنة في دارفور. وفي أبريل/نيسان 2019، كانت "قوات الدعم السريع" هي من أطاح بالبشير، وفي أبريل/نيسان 2023 انقلبت مرة أخرى على شركائها الجدد. والاغتصاب - الحرفي - الذي مارسته هذه القوات ضد السودانيات السمراوات منذ سنوات، تمارسه الآن صد السودانيات العربيات.
الأداة الثالثة هي زرع الأمل واحتكاره. فيقدم الفاسد نفسه على أنه الوحيد الذي يمتلك مفاتيح الفرج الاقتصادي والازدهار (العمراني غالباً). وهذا الانفراج الاقتصادي يجب أن غامضاً وهذا الغموض من ضرورات نجاح استخدام هذه الأداة. فيجب أن يكون لدى الفاسد وعود براقة لا يستطيع الجمهور التحقق منها. مثل أن يعدهم - بلسانه أو بلسان غيره - بوجود ثروات غاز ونفط لا نهاية لها، أو بتدفق وشيك لمليارات لا إحصاء لها، أو بالمكاسب المحتملة من "تغيير النظام العالمي" أو من "التوجه شرقاً". هذه
الأداة الأخيرة هي الأكثر فعالية ولكن المشكلة تبقى أن الفاسد الذي يقدم هذه الوعود إنما يقدمها ليحقق المكاسب لنفسه ولقلة من المحظيين وبالتالي من المستحيل أن يكون هناك أي أمل فعلي بالانتعاش الاقتصادي. وهذه الوعود ستفقد فعاليتها في لحظة ما، وهنا سيضطر الفاسد للجوء لأدوات أخرى (زرع الهواجس والعنف). وسط هذا التطورات، سيكون هناك فاسد آخر يحضر نفسه لاقتحام المشهد، وسيلجأ لنفس الأدوات ويبدأ بالوعود البراقة التي تفوق وعود سلفه. والكسالى سيصدقون على الأرجح هذه الوعود الجديدة.
وسط هذا المشهد الخيار الوحيد الفعال للخروج من هذه الحلقة المفرغة هو تفنيد الوعود البراقة ومحاولة تقديم الحقائق، بقدر الإمكان.