ثمّة حربٌ صامتةٌ لا تُرى، يخوضها المرء في خفاءٍ مع نفسه؛ يُهذِّب فيها اندفاعاته، ويُروِّض مشاعره، ويُنقِّي أفكاره، ويكبح ما يعتمل في صدره من فوضى. وما أشقَّ أن يكون الإنسان خصمَه وحَكَمَه في آنٍ واحد، يُصلح من ذاته كلَّ يوم، دون أن يشعر أحدٌ بما يخسره في سبيل أن يبقى على هيئةٍ تليق بروحه.
ثَمّةَ مرحلةٌ يبلغُها المرء بعد عناءِ طويل تنطفئُ فيها شراهةُ السَّعي، ويغدو أقصى ما يبتغيه سكينةُ خاطرٍ واتّساعُ قلب، حينها فقط يُدرك أن الطمأنينةَ أثمنُ من الظَّفر، وأن النجاةَ بالنفسِ من ضجيجِ العالم غنيمةٌ لا تُقدَّر
أستوثقُ من حقائقِ البشر بما يفيضُ من مواقفهم، لا بما تتشدّقُ به ألسنتهم؛ فالكلماتُ بارعةٌ في التزييف، أمّا الأفعالُ ففيها تتعرّى النوايا على حقيقتها، وتسقطُ الأقنعةُ دون ضجيج.
التغافلُ ليس ضعفًا، بل سَجيّةٌ لا يُتقنها إلا مَن اتّسع وعيه عن ضجيجِ الردود.
فليس كلُّ ما يُقال يستحقُّ أن نهدر له أرواحنا، ولا كلُّ استفزازٍ جديرٌ بأن نمنحهُ انفعالنا.
النُّضج الحقيقي أن تُدرك أن الاتّزان هيبة، وأن بعضَ الصمت أكثر فتكًا من ألفِ رد.
ما عُرف المرء بما يعتلج في ذهنه من مثاليّاتٍ نبيلة، بل يُعرف جوهره ساعة يُوهَب حرّيته الكاملة، فتُرسِل أفعاله سريرته صريحةً إلى العلن، كأنّما تكشف عن معدنه بلا ستار
منذ أن همست الحروف بيننا أول مرة، شعرت أن قلبي انسلّ إليك كما تنسلّ الأرواح إلى اليقين، لا مقاومة، لا رجوع… ومنذها، أدركت أنني وجدت فيك سكناً لا يُنازع، ووطنًا لا يَضيع، وأن النجاة منك ليست سوى خرافة لا يؤمن بها من ذاق طمأنينة حبّك.
ثمّة حضور لا يشبه سِواه
يدخل تفاصيلك بصمتٍ عميق
يفهم سُكوتك ويحفظ ملامح تقلباتك
ويخشى عليك حتى من ضجرك بصمت
كأنه قُدّر لك أن تُرى بعينٍ لا تُخطئك
وأن تُحبّ دون أن يُقال لك أُحبّك
أشدُّ من الألم أن تُؤوَّل براءتك إلى ذنب، وأن يُؤخذ صفاء نيتك مأخذ الريبة. تهمُّ بالتوضيح، فتُدان أكثر، وتُحاول الإنصاف، فيزداد الجَور. وما أوجع أن تُساءَل عن نقائك، كأنّ الصدق تهمة لا تُغتفر.