يسأل دريدا:
«هل يصح ما كان يقوله ألتوسير: إننا في الفلسفة لا نفكر إلا بـ«الاستعارات»؟»
فالفكر لا يتحرك في فراغ؛ إنه يفهم المجرد عبر صور مثل: «نور العقل»، و«جذور المشكلة»، و«بناء النظرية». وكأن اللغة لا تنقل الفكرة فقط، بل تصنع الطريق الذي تفكر فيه.
"إنَّ حياتكم بائسة، أيها السادة ."
- أنطون تشيخوف
في مثل هذا اليوم من عام 1904، رحل أحد أعظم كتّاب روسيا والعالم، أنطون بافلوفيتش تشيخوف.
ترك وراءه إرثًا أدبيًا وإنسانيًا عظيمًا، وقدّم خلال عمره القصير من الخير والعطاء ما قد تعجز عنه مؤسسات بأكملها. كان طبيبًا يداوي الفقراء، وكاتبًا يداوي الأرواح، يفعل ذلك كله بصمت، ومن دون أن ينتظر شكرًا أو شهرة.
كم نحن بحاجة اليوم إلى تلك الطيبة التشيخوفية التي تعلّمنا الرحمة، وإلى ذلك النور الذي يدفئ الأرواح المتعبة، ويعيد إليها الأمل والإيمان بالإنسان.
كان يؤلمه أن يزعج أحدًا أكثر مما يؤلمه مرضه. وحين اشتد عليه الاحتضار، رفض أن يوقظوا الخادم الصغير لإحضار الطبيب حتى لا يقطعوا عليه نومه.
كانت أخر كلماته باللغة الألمانية:
"Ich sterbe..."
"إنني أموت."
وبعد لحظات، أسلم الروح في هدوء، كما عاش.
في الصورة: جنازة أنطون تشيخوف في موسكو... وداعًا لرجلٍ جعل الأدب أكثر إنسانية، وجعل الإنسانية أكثر جمالًا.
في مسلسل "البخيل وأنا" انشغل معظم المشاهدين ببخل عم عوض، لكن قليلين من توقفوا عند شخصية جلال، مع أن جلال كشخصية درامية كان أكثر خطورة من والده.
فالبخل قد يحرمك المال، أما هناك نوع آخر من البخل يحرمك الوفاء، ويستنزف مشاعرك، ويستغل تعبك، ثم يتنكر لك بمجرد أن يحقق مصلحته.
لم يكن جلال مجرد شاب طموح أو فقير يسعى إلى بناء مستقبله، بل كان نموذجًا لشخص يرى الناس وسائل لا غايات، وأدوات لا قيمًا. فكل من يساعده على الوصول إلى هدفه يصبح مهمًا مؤقتًا، فإذا انتهى دوره، محاه من حياته كأنه لم يكن.
لقد احتضنه الأسطى فوزي، وأنفق عليه، وساعده على إكمال تعليمه، وفتح له بيته، وعدَّه واحدًا من أبنائه. لكن جلال قابل كل ذلك بالأنانية والجحود، وكأن وقوف الناس إلى جانبه حق مكتسب، لا فضل يستحق الشكر والامتنان.
ولم يكتفِ بذلك، بل عبث بمشاعر ابنة الأسطى فوزي، ووعدها بالزواج، وطلب منها أن تنتظره حتى يحقق مستقبله، بينما كان يستفيد من وجوده بينهم ماديًا ومعنويًا. وما إن أصبح وكيلًا للنيابة وارتدى بدلته الرسمية، حتى كان أول ما فعله أن أنكر الأيادي التي امتدت إليه، وأهان فوزي في مكتبه، وهو الرجل الذي كان، بعد فضل الله، السبب الأكبر في وصوله إلى تلك المكانة.
والمؤلم أن جلال ليس مجرد شخصية درامية، بل هو نموذج يتكرر في واقعنا. قد تجده في العمل، أو بين الأقارب، أو حتى وسط الأصدقاء. إنه الإنسان الذي يتخذ من الآخرين سلالم يصعد عليها، فإذا بلغ غايته، حطم السلم، وأنكر أنه صعد عليه يومًا.
ولهذا، فإن الخوف الحقيقي ليس من البخيل الذي يبخل بماله، بل من البخيل في أخلاقه، وفي وفائه، وفي اعترافه بالجميل. فالمال قد يُعوَّض، أما الجحود، ونكران المعروف، وكسر الخواطر، فهي جراح قد يداويها الزمن، لكنه لا يمحو أثرها من الذاكرة.
الحياةُ قصيرةٌ .. قصيرة جدا ..
لا تتحمَّلِ الألَم .. تناوَل ما يخفّفُ منه أو يقضي عليهِ .. اعتزل مَن يؤذيكَ وما يؤذيك .. احتضِن ما يُسعدكَ، ومن يُسعدك .. واهتمّ بمِزاجك وتناول ما يضبطُه لو استدعى الأمر ..
ولا تنسَ أبدًا أن تنامَ .. تنامَ جيّدًا.